تحت ظلّ النخلة
123
Learning English
under the palm tree
تحت ظلّ النخلة
Al-Qurawashiyah · Samail · Oman · 1973
Thuraya Mohammed Ali Al-Naabi

Under the Palm Tree

A Literary Adaptation of "123 Let's Learn English Under the Palm Tree"
— Samail, Qarwashiyah, Oman, 1973 —
تحت ظلّ النخلة
من قرواشيه، سمائل، عُمان — ١٩٧٣
By Thuraya Al-Naabi
36 Palms · Literary Edition
“When you live in your imagination, many things can happen — even the impossible becomes reality, and you can act out your secret personalities.”

“Under this palm tree, a small village taught the world how to dream in two languages.”


To Samail — to its falaj, its palms, and its children.
And to every teacher who plants a word and waits for it to grow.

إلى سمائل… وإلى كلّ معلّمٍ غرس كلمةً وانتظرها حتى تثمر
Before the Story Begins

The Palm, the Woman, and the Beginning of Change


When the pain of birth seized Maryam, she cried out, “Would that I had died before this!” — and heaven answered her not by lifting the pain away, but with a palm tree: Shake the trunk toward you, and ripe dates will fall. The palm did not take her suffering; it gave her the strength to carry it. The dates eased the ache of her body, and the call from below eased the ache of her soul. And out of that pain came Isa, peace be upon him — a miracle, and the beginning of a change that would touch the whole world.

The palm knows this kind of dignity. In Oman, a sickness sometimes strikes it — the people call it al-mataq. A stricken palm begins to gleam: it shines like glass, like still water, more beautiful than it has ever been — and all the while, it is dying. If it is not healed, it dies. But it dies standing — tall, luminous, shining to its last breath.

And so are the Omanis: called by the gentlest of names in peace, and called sons of the noble in hardship. A quiet people who harm no one, they entered Islam without a single battle — not out of weakness, and not out of innocence, but out of a wisdom that recognizes truth the moment it knocks. Even those who once sailed toward them came not to make war, but to seal a peace.

All of these threads gather in Samail — not merely because it is the soil I was born on, but because change itself began there: when Mazin bin Ghadhuba, the first of the people of Oman to embrace Islam, broke the idols with his own hands. And because the emblem of Samail is a palm — the Fardh palm — standing, giving, enduring.

From that soil this book has grown. And under the shade of that palm — we learn.

قبل أن تبدأ الحكاية

النخلة والمرأة وبداية التغيير


حين اشتدّ على مريم وجعُ المخاض قالت: «يا ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا» — فما أجابتها السماء بأن ترفع عنها الألم، بل أجابتها بنخلة: «وهُزّي إليكِ بجذع النخلة تُساقطْ عليكِ رُطَبًا جنيًّا». لم تأخذ النخلةُ وجعَها، لكنها أعطتها ما تحمله به؛ فخفّف الرُّطَبُ ألمَ الجسد، وخفّف النداءُ ألمَ الروح. ومن ذلك الوجع وُلد عيسى عليه السلام: معجزةٌ… وبدايةُ تغييرٍ غيّر وجه الدنيا.

والنخلة تعرف هذا الشموخ. يصيبها في عُمان داءٌ يسمّيه أهلها «المتق»؛ فإذا أصابها لمعتْ كأنها زجاجٌ، كأنها ماءٌ ساكن، وازدادت جمالًا على جمال — وهي تموت. إن لم تُعالَج ماتت؛ لكنها تموت واقفةً، شامخةً، تلمع إلى آخر نَفَس.

وكذلك العُماني: يُدعى في السلم بألين الأسماء، ويُدعى في الشدائد «ابنَ الأطايب». قومٌ هادئون لا يؤذون أحدًا، دخلوا الإسلام بلا حربٍ واحدة — لا ضعفًا ولا سذاجة، بل حكمةً تعرف الحقَّ حين يطرق الباب. حتى الذي جاءهم من بعيد، جاءهم ليعقد الصلح ويُطفئ الحرب.

وتلتقي الخيوط كلُّها في سمائل — لا لأنها مسقط رأسي فحسب، بل لأن التغيير نفسه بدأ منها: حين أسلم مازن بن غضوبة، أولُ من أسلم من أهل عُمان، وحطّم الأصنام بيده. ولأن شعار سمائل نخلة — «نخلة الفَرض» — واقفةٌ، معطاءةٌ، صابرة.

من هذه التربة نبت هذا الكتاب. وتحت ظلّ تلك النخلة — نتعلّم.

Introduction

How to Read This Book


This book is a journey of 36 Palms — thirty-six stories set in the village of Al-Qurawashiyah, Samail, Oman, in 1973. Each Palm is one complete story, told scene by scene.

Inside the stories, important English words are marked with a dotted underline. Tap or click any underlined word to see its meaning, synonyms, and an example sentence — then keep reading. At the end of the book, all the words gather again in The Word Harvest glossary.

Between the Palms you will find photographic interludes — moments of the real village this story grew from. Read slowly. Read aloud. Read under a palm tree if you can find one.

Contents

The Thirty-Six Palms


The People of This Book

Meet the Characters


John
جون
The British English teacher who answers a letter from Oman
Sophia
صوفيا
His partner — patient, curious, learning the village
Thuraya
ثريا
Omani teacher, guide, and keeper of the Book of Thoughts
Malood
مالود
A small white goat. The most famous troublemaker in Samail
Mansoor
منصور
Student
Saeed
سعيد
Student
Khamees
خميس
Student
Ahmed
أحمد
Student
Khalil
خليل
Student
Noura
نورة
Student
Ali
علي
Student
Mustafa
مصطفى
Student
Marwa
مروة
Student
Rahma
رحمة
Student
Salma
سلمى
Student
Mathila
مثيلة
Student
Sadou
سدو
Of the village
Marhoon
مرهون
Of the village
Shayb Khalaf
شايب خلف
Elder of the village
Mohammadeen
محمدين
Of the village
Nasser
ناصر
Of the village
Zahran
زهران
Of the village
Fatakat
فتكات
Of the village
Obaid
عبيد
Of the village
The Story World

Al-Qurawashiyah — Samail, 1973


A village threaded by a falaj — clear water running in an ancient stone channel, feeding the palms, the farms, and the small green patches at the edge of the village. Mud-brick houses. A school with wooden desks and open windows. A souq a morning's drive away. Mountains all around, holding the valley like two cupped hands.

The year is 1973 — the dawn of a renaissance. A letter has crossed the sea, a truck is raising dust on the road from Muscat, and under the oldest palm in the village, everything is about to begin.

PALM ONE · Thuraya's Book of Thoughts
Palm
Palm One
Thuraya's Book of Thoughts
Scene One
Turkey  /  The Notebook

استقرّ الصباح فوق المدينة كما تفعل بعض الصباحات — لا بالضجيج، ولا بالضوء، بل بنوعٍ من النفَس المحبوس. كأن العالم قد اتفق، بلا كلام، على أن يتوقف. أن ينتظر. أن يترك شيئًا ما يبدأ.

جلست ثرياء على كرسيٍّ خشبي قرب النافذة، ظهرها مستقيم، ويداها ساكنتان، ونظرها في مكانٍ ما بين الزجاج والماء الممتدّ وراءه.

كان البوسفور ممتدًّا أمامها كفكرةٍ طويلة بطيئة — سطحه يتلألأ في ضوء الربيع الرقيق، يتحرّك بلا عجلة، حاملًا الصباح على ظهره.

مرّ نسيمٌ عبر النافذة المفتوحة — بطيئًا، غير مستعجل — يجمع رائحة البحر وهو يأتي، وينسجها برفقٍ في العبق العميق الدافئ للقهوة التركية التي استقرّت، غير ممسوسة، على الطاولة إلى جوارها.

كانت القهوة قد بردت. ولم تلحظ ذلك. بقيت حيث وضعتها — صبورة، وفيّة، منسيّة قليلًا — كما لو أنها قبلت دورها منذ زمن بعيد: ألا تُشرَب، بل أن تكون حاضرة. أن تملأ الصمت دفئًا. أن تذكّرها، بهدوء، بأنها ما زالت هنا. ما زالت في هذه الغرفة. ما زالت في هذا العام.

كانت جلستها هادئة — من ذلك الهدوء الذي لا يكون غيابًا، بل حضورًا. ذلك النوع الذي يأتي حين يجلس المرء مع نفسه طويلًا بما يكفي ليتوقف عن تمثيل السكون، ويصير هو السكون ببساطة.

في يدها، قلم كارتييه أزرق. هدية والدها. البروفيسور محمد الناعبي.

كان قد وضعه في كفّها عصر اليوم الذي نالت فيه بعثتها الدراسية — ذلك العصر الذي وقفت فيه على حافة حياة وبداية حياة أخرى، ولم تكن تعرف بعد إلى أي اتجاه ستحملها الريح.

لم يُلقِ خطابًا. لم يكن رجلًا يملأ اللحظات المهمة بالكلمات. كل ما فعله أنه أخذ يدها بين يديه — يدها الصغيرة تختفي داخل يديه — وأمسك بها. أمسك بها فقط. بما يكفي من الوقت ليمرّ بينهما شيء لم يكن أيٌّ منهما قادرًا على تسميته. ثم أفلتها. وفهمت هي أن بعض الأشياء لا تُقال لأنها ممتلئة أكثر مما تستطيع اللغة أن تحتويه.

كان لا يزال بوسعها أن تسمع صوته متى حاولت — منخفضًا ومتمهلًا، ثابتًا كالصخر. لم يكن عاليًا. لم يكن باحثًا. لم يكن يطلب من اللحظة شيئًا سوى أن تكون حقيقية. وكانت كذلك. وما زالت.

تحرّكت أصابعها فوق غلاف الدفتر. كان الجلد ناعمًا — مهترئًا عند الزوايا بالطريقة التي لا يُهلك بها الأشياء إلا الزمن والأيدي — كأن الدفتر كان ينتظر أن يُكتب فيه قبل وقت طويل من أن تفكر هي في الكتابة.

وعلى غلافه، بخط يدها — «قصةٌ ربما كانت في ذهن ثرياء.»

كانت هي من كتب ذلك السطر. كانت متأكدة من ذلك. ومع ذلك، وهي تقرؤه الآن — في هذا الصباح، في هذا الضوء — شعرت كأنها تقرأ شيئًا تُرك لها. رسالة من نسخةٍ من نفسها لم تصبحها بعد. قرأته كما يقرأ المرء شيئًا كان يخصّه دائمًا، لكنه لا يكون، للمرة الأولى، مستعدًا لفهمه إلا الآن.

فتحته. تنفّس الورق — رقيقًا، جافًا، محتفظًا بصمته كما تفعل الصفحات القديمة.

رفعت القلم فوق الصفحة. لم تكتب بعد. اكتفت بأن تمسكه هناك — معلّقًا — كأن الكلمات كانت حاضرة أصلًا في الهواء فوق الورق، ولا تنتظر إلا أن تُنزِل القلم وتدعها تصل.

ثم، ببطء ودون أي طقس — بدأت.

التاريخ: 10 / 09 / 2027 اليومُ هو يومُ عيد ميلادي. أبلغُ من العمر ثمانيةً وثلاثين عامًا، وأنا في تركيا حيث أتابع دراستي لمرحلة الماجستير في تخصّص تدريس اللغة الإنجليزية باستخدام التقانة والذكاء الاصطناعي لغير الناطقين بها.

توقفت. استقرّ القلم على الصفحة، وطرفه يكاد يمسّ الورق — عالقًا بين جملةٍ والتي تليها، كما يعلق النفَس بين شعورٍ وآخر.

اليوم… رأيتُ حلمًا غريبًا.

ارتفعت عيناها عن الصفحة. لا إلى النافذة. لا إلى الماء. بل إلى مكان أبعد — إلى مكانٍ لا جدار للغرفة يصل إليه.

حلمٌ أعادني إلى زمنٍ بعيد…

استقرّ صمتٌ طويل بين نفَسٍ والذي يليه. اشتدّت أصابعها حول القلم على نحوٍ يكاد لا يُلحظ. لا من التوتر — بل من التعرّف.

كيف يمكن لذلك العام أن يبدو قريبًا إلى هذا الحد؟

تحرّكت يدها ببطء نحو زاوية الصفحة. قلّبتها.

١٩٧٣ لندن

وهكذا، ببساطة — ساد الغرفة في تركيا هدوءٌ من نوعٍ آخر. القهوة، والستائر، والماء — كل ذلك لانَت حوافّه، مثل لوحةٍ تُركت زمنًا طويلًا في الشمس. ثم، برفق، اختفى.

Scene Two
Transition

كيف يمكن لذلك العام أن يبدو قريبًا إلى هذا الحد؟

لم تكن تلك فكرة تمامًا. لقد جاءت بطريقة أخرى — لا عبر العقل، بل عبر الصدر. كما تفعل بعض الذكريات؛ لا تعلن عن نفسها، بل تظهر فحسب، كأنها كانت في داخلك أصلًا، دافئةً أصلًا، وكأنها لم تغادر حقًا قط.

كأن الزمن قد انطوى على نفسه — بهدوء، ومن دون إنذار — ضاغطًا شيئًا بعيدًا على شيء حاضر، حتى كفّت المسافة عن أن تبدو حقيقية.

تباطأ قلم ثرياء. لم يتوقف تمامًا — لكنه فقد اتجاهه فحسب، مثل نهرٍ يفقد سرعته قبل أن يتسع إلى شيء أكبر.

كانت أصابعها لا تزال تمسك به. غير أن الكلمات لم تعد آتية من الصفحة. كانت تصعد من مكان أعمق — من موضع لا اسم له في أي لغة درستها، موضعٍ يسبق اللغة كلها.

لم تنظر إلى ما كتبته. بل نظرت إلى ما بعده. إلى ما بعد الدفتر، وما بعد الطاولة، وما بعد زجاج النافذة — إلى شيء لا تستطيع الغرفة أن تحتويه.

كان البوسفور لا يزال هناك. كانت تعرف ذلك من دون أن تنظر — لا يزال يتحرك، لا يزال يلمع، لا يزال يحمل حمولته الهادئة من الضوء. لكنها لم تعد تراه. كانت عيناها مفتوحتين، ومع ذلك كانتا في مكان آخر تمامًا. متجهتين إلى الداخل. متجهتين إلى الخلف. تنظران إلى شيء لا يوجد إلا في ذلك الجزء من العقل حيث لا يجري الزمن في اتجاه واحد.

لان تعبير وجهها — لا إلى حزن، ولا إلى فرح — بل إلى ذلك السكون الخاص الذي يحلّ حين لا يعود الإنسان حاضرًا تمامًا في اللحظة الراهنة.

كيف يمكن لذلك العام أن يبدو قريبًا إلى هذا الحد؟

وجد إبهامها حافة الصفحة. فقلبتها — ببطء، وبعناية تكاد تكون طقسية، كأن ما يقع تحتها لم يكن ورقًا، بل عتبة. وكأن تقليبها لم يكن فعل قراءة بقدر ما كان فعل عبور.

تغيّرت الغرفة. لا بصورة مرئية — لم يتحرك شيء، ولم يسقط شيء — لكن الهواء بدّل وزنه. بدت الأصوات في الخارج كأنها تتراجع خطوة إلى الوراء. دفء القهوة، وحفيف الستائر، والصوت الخفيض للمدينة خلف الزجاج — كل ذلك انسحب بعيدًا، كمدٍّ يتراجع، تاركًا الشاطئ عاريًا وساكنًا ومنتظرًا.

أنزلت القلم. هذه المرة بلا تردد — بيقين شخصٍ قرر، بهدوء وباكتمال، أن يذهب إلى مكان ما.

1973 استقرّ الرقم وحده على الصفحة البيضاء — صارمًا، صابرًا، مطلقًا.

ثم تحته، كعنوان، كوجهة — لندن

وفي اللحظة التي لامست فيها تلك الكلمة الورقة، أجابت الغرفة.

تبدّل شيء ما — في الضوء، في الهواء، في طبيعة الصمت نفسه.

لم تعد الغرفة هي الغرفة نفسها. ولم يعد الصباح هو الصباح نفسه.

وهي — من دون أن تتحرك من كرسيها، من دون أن تقف، من دون أن تعبر أي عتبة مرئية — لم تعد في تركيا على الإطلاق.

Scene Three
London Apartment

كانت السماء فوق بريطانيا بلون الكتّان العتيق — شاحبة، مسطّحة، مشدودة فوق أسطح المنازل، كما لو أن أحدهم قد سوّاها بيدٍ عريضة باردة. لم تكن تنذر بالمطر. كانت فحسب. ثابتة. حتمية. هي نفسها تمامًا.

كانت لندن، في هذا الفصل، ترتدي رماديتها مثل معطفٍ امتلكته لسنواتٍ أكثر مما ينبغي — لا لأنه غير مريح، بل لأنه مألوف فحسب. لم يكن البرد حادًا. لم يكن يقطع. كان من ذلك البرد الذي يستقر، الذي يتسرّب ببطء عبر الجدران وحواف النوافذ والفراغات الضيقة بين المباني القديمة، متخذًا له موضعًا في المساحات بين الأشياء. لم يطلب منك شيئًا. بقي فحسب، كما تفعل بعض الحضور — لا تطالب، ولا تغادر.

داخل الشقة، دخل الضوء على مضض — شاحبًا ورقيقًا، ينساب عبر الزجاج كما لو كان غير واثق من الترحيب به، يلامس أطراف الغرفة من دون أن يلتزم بها تمامًا.

كانت صوفيا جالسة متكوّرة في الكرسي الخشبي قرب النافذة — ركبتاها مشدودتان قليلًا نحو جسدها، وكتفاها مسترخيان، وذاتها كلها منكمشة إلى الداخل على تلك الطريقة الخاصة بأناسٍ لا يختبئون، بل يكونون ببساطة في مكانٍ آخر. كانت مستغرقة تمامًا في كتابها. النخلة.

كانت أصابعها تقلّب الصفحات بنوعٍ من التوقير — بغير عجلة، وبقصدٍ واضح — كما لو أن الحكاية تحت يديها شيءٌ ينبغي التعامل معه برفق. كأنها قد تُصاب برضّة.

على الطاولة الصغيرة إلى جوارها — علبة. لبانٌ عُماني. مغلقة. غير مشتعلة. غير ممسوسة.

كانت تلك العلبة قد عاشت على تلك الطاولة أسابيع — وربما أكثر. لم تفتحها قط. ومع ذلك لم يكن حضورها غائبًا. كان هناك شيء تمنحه للغرفة بمجرد وجودها — كثافة، وجاذبية هادئة، من النوع الذي تحمله بعض الأشياء حين تختزن داخلها عالمًا لم تره الغرفة من قبل. كانت جالسة بين الأشياء العادية في الشقة مثل كلمةٍ بلغةٍ أجنبية — ذات معنى، صبورة، تنتظر أن تُفهَم. وإلى جوارها — صورة في إطارٍ بسيط. صبي. صغير. يقف بين شخصين يتضح أنهما والداه، جسده الصغير يميل قليلًا نحو أبيه كما يميل الأطفال نحو الأشياء التي تبدو أكثر ثباتًا. جون. وخلفهم — جبال. نخيل. سماء ليست هذه السماء. ومكان ليس هنا على الإطلاق.

لم تكن قد سمعت الوقت وهو يمضي. كان قد تحرّك من دونها — بهدوء، ومن غير إلحاح — كما يتحرّك الوقت عند أناسٍ يكونون حقًا، وبالكامل، داخل شيءٍ ما.

ولهذا لم تسمعه وهو يدخل. لا خطوات. لا صوت مفتاح، ولا باب، ولا معطف يُخلَع. لا شيء يمكن للأذن أن تسمّيه.

مجرد تغيّر — لا في الغرفة، بل في صفة الغرفة. في نسيج الهواء نفسه.

رائحة. وصلت قبله.

خفيفة في البداية — طرفها فقط، إيحاء. ثم صارت أكثر حضورًا. ثم لا تخطئها الحواس.

عود. دافئ وعميق — من ذلك النوع من الرائحة الذي لا يدخل الغرفة فحسب، بل يغيّرها، كما يمكن لنغمةٍ واحدة أن تغيّر إحساس قطعةٍ موسيقية. لم تكن مألوفة لها، ومع ذلك لم تكن غير مرحّب بها — كما تصل بعض الأشياء غير المألوفة، فتجعلك تدرك، من غير أن تعرف تمامًا كيف، أنك كنت تنتظرها. لم يتعجّل. استقرّ — كما يستقرّ الغسق، تدريجيًا، من دون إعلان.

سكنت أصابع صوفيا على الصفحة. بقي الكتاب مفتوحًا، في منتصف جملة، في منتصف نفَس. رفعت رأسها — لا بحدّة، ولا بدهشة — بل بانتباهٍ بطيء متعمّد، انتباه شخصٍ أحسّ بشيء، وها هو يختار الآن أن ينظر.

استنشقت أولًا. ثم التفتت.

كان جون واقفًا داخل الغرفة عند مدخلها. ساكنًا. يراقبها بتعبيرٍ تعلّمت أن تقرأه مع الوقت — ذلك التعبير الذي يضعه حين يكون شيءٌ ما قد تغيّر داخله بالفعل، وحين يكون القرار قد اتُّخذ من قبل، فينتظر، بحذر، اللحظة المناسبة ليخبرها.

لم يكن ذلك سعادةً بالضبط. ولا حماسة. كان شيئًا ممسوكًا تحت السطح — شيئًا يريد أن ينهض، لكنه يُمسَك برفق، حتى تكون هي مستعدة.

كانت في يده رسالة. مفتوحة. مقروءة. يحملها كما تحمل شيئًا غيّر ثقل ذلك العصر.

نظرت صوفيا إليه — نظرت إليه حقًا، كما ينظر المرء حين يكون قد وضع الكتاب جانبًا داخله، لا في يديه فقط.

وفي ذلك الصمت، قبل أن تُنطَق كلمة واحدة — كانت قد عرفت بالفعل. لقد تغيّر شيء.

Scene Four
The Decision

"صوفيا…"

كان صوته منخفضًا. موزونًا. صوت رجلٍ يحمل شيئًا لا يريد أن يضعه بعد.

لم ترفع نظرها فورًا. بقيت عيناها على الصفحة، مع أنهما لم تعودا تقرآن — تتحركان فوق الكلمات كما تتحرك العينان فوق منظرٍ لم تعودا تريانه، وقد صار انتباههما في مكانٍ آخر تمامًا.

"تبدو جادًا."

عندها نظرت. وضعت الكتاب جانبًا — بتعمّد، ومن غير عجلة — ومنحته انتباهها كاملًا. ذلك النوع من الانتباه الذي لا يكون إصغاءً فحسب، بل وصولًا. حضورًا.

اقترب. والرسالة لا تزال في يده، يحملها كما يحمل المرء شيئًا ذا شأن — لا بإحكام، ولا بتراخٍ، بل بوعي.

"حصلت على الوظيفة."

أربع كلمات. بسيطة، عادية — من ذلك النوع من الجمل الذي لا يستغرق قوله أقل من ثانية، ويستغرق استيعابه زمنًا طويلًا. شعرت بها تهبط قبل أن تفهمها تمامًا، كما تشعر بحجرٍ يدخل الماء قبل أن تسمع الصوت الذي يحدثه.

اشتدت أصابعها حول عطفة الكتاب.

"أي وظيفة؟"

استنشق — نفسًا هادئًا، يكاد لا يُلحظ، من ذلك النوع الذي لا يدل على التوتر، بل على عكسه. نفَس الاتزان الذي يأخذه شخصٌ صالحَ منذ وقتٍ ما هو مقبلٌ على قوله.

"في عُمان."

دخلت الكلمة الغرفة وبقيت فيها. لم يتردد صداها. لم تتلاشَ. ظلت فحسب، معلّقة في الهواء بينهما — مقطعان يحملان ثقل جغرافيا لم تلمسها قط، وحياة لم تتخيلها، واتجاه لم يخطر لها.

"عُمان… تقصد في الشرق الأوسط؟" "نعم."

لم يتعجل. منح كل جملة مساحتها الخاصة، كما تمنح الغرفة صمتها الخاص قبل أن تبدأ بالكلام داخلها.

"إنهم يفتحون مدارس." وقفة. "ويبنون طرقًا." وقفة أخرى. "ويبدؤون شيئًا جديدًا."

التقت عيناه عينيها مباشرة — كاملًا، من غير اعتذار. "وقد طلبوني أنا."

لم تقل شيئًا. جلست ببطء — لا من ضعف، ولا من صدمة، بل من تلك الغريزة التي يعرفها الجسد حين يكون العقل يعالج أمرًا أكبر من أن يحمله وهو واقف. كان شيءٌ ما داخلها يحتاج إلى أرضٍ تحته.

"أنا لا أعرف شيئًا عن عُمان." "أنا أعرف القليل فقط،" قال بهدوء. اعتراف صادق، قدّمه بلا حرج.

لم يتمسك بيقينٍ لا يملكه. ولم يلبس الأمر ثقةً كانت ستكون زائفة. وقف داخل حقيقته — ناقصة، مجهولة، غير مؤكدة — وسمّى ببساطة ما يعرفه.

"لكنني أعرف هذا…" "إنها فرصة." "فرصة حقيقية."

تأملته. لا بسرعة، ولا بخفة — بل بتلك الطريقة المتأنية الصبورة التي تعلّمت بها أن تنظر إليه عبر السنوات. الطريقة التي تتجاوز سطح الوجه إلى ما يحمله الوجه. وتتجاوز الكلمات إلى ما كانت الكلمات تخفيه.

ثم، من دون أن تقرر ذلك، تحركت عيناها — بعيدًا عنه، نحو الطاولة. إلى علبة اللبان. إلى الصورة. إلى الجبال خلف الصبي. إلى النخيل. إلى تلك السماء الخاصة، البعيدة المنال.

وفجأة — من دون أن تعبر أي مسافة، ومن دون أي حركة جسدية على الإطلاق — لم تعد في الغرفة.

Scene Five
Memory  /  University

قاعة محاضرات. واسعة، عالية السقف، وفيها ذلك الصدى الخاص بالغرف التي احتضنت سنوات كثيرة من الأصوات — امتصّتها، وحفظتها في مكانٍ ما داخل الجدران.

كانت صفوف الطلاب تواجه الأمام — الدفاتر مفتوحة، والأقلام تتحرك، والصفحات تلتقط انشغال التعلّم الهادئ. كان ضوء ما بعد الظهيرة يسقط في خطوطٍ قطرية طويلة فوق المقاعد، غير مكترثٍ بما يُكتب تحته.

وعلى اللوح، بحروفٍ واضحة — الأدب حول العالم.

كان الأستاذ ينتقل عبر المادة كما ينتقل بعض الناس في غرفةٍ يعرفونها منذ زمنٍ طويل — بألفة، وبشيءٍ من الامتلاك، ولكن أيضًا بشيءٍ لم يتحول إلى عادة. رجلٌ عراقي، يحمل صوته ثقله من غير جهد، وتصل كل جملةٍ منه كما لو أنها قد تأمّلت طويلًا قبل أن تُقال. لم يكن يدرّس فحسب. كان يسكن المادة. كان يستحضرها كما لو أنه يسترد شيئًا من مكانٍ لم يزره الطلاب بعد، ويجعلهم يشعرون أنهم كادوا يزورونه.

جلست صوفيا في الصف الأوسط. كان قلمها يتحرك فوق دفترها — لكن أبطأ من أقلام الآخرين، يتأخر، ويتوقف عند فواصل لا علاقة لها بسرعة المحاضرة. لم تكن تكتب. كانت تصغي إلى شيءٍ لم تضعه المحاضرة في الغرفة.

صوت. من الجانب. يتكلم بلغةٍ لا تعرفها.

لم تكن لتقول متى بدأ. كان هناك فجأة فحسب — واضحًا، ثابتًا، مستريحًا تمامًا، يمضي بين مقاطع العربية كما يمضي المرء في مدينةٍ نشأ فيها. بلا تردد. بلا خريطة.

توقف قلمها. وارتفع رأسها.

عند جانب الغرفة — جون. واقفًا، لا يقرأ من شيء، يتحدث بطلاقة — لا كمن يؤدي مهارةً تعلّمها، بل كمن صارت اللغة جزءًا من جسده. جزءًا من طريقة التنفس.

ثمة فرق تستطيع الأذن أن تلتقطه، حتى من دون فهم الكلمات، بين شخصٍ درس لغةً، وشخصٍ عاش داخلها. أحدهما يحمل اللغة. والآخر تحمله اللغة. كان جون من النوع الثاني. كان يمكن أن تسمع فيها المطبخ — والطريق، والصباح الباكر، وذلك الصمت المحدد لبيتٍ في بلدٍ ليس هذا البلد. كان يتحدث العربية كرجلٍ يعود إلى شيء، لا كرجلٍ يصل إليه لأول مرة.

أجابه الأستاذ — بسهولة، ودفء — ومضى التبادل بينهما بإيقاعٍ لا جهد فيه، إيقاع شخصين يشتركان في ماءٍ أصيلٍ واحد. تحرك الصف. بدا بعضهم حائرًا. وبدا بعضهم منبهرًا. رفع معظمهم نظره عن دفاتره لحظةً قصيرة، ثم عاد إليها.

لكن صوفيا لم تعد.

ظلت تراقبه. لا الكلمات — فهي لم تكن تستطيع تتبّعها — بل الطريقة التي خرجت بها الكلمات منه. السهولة. غياب الجهد. نوع الثقة الذي لم يكن أداءً، بل كان ببساطة — حضورًا.

كان ذلك غير متوقع بطريقةٍ لم تستطع أن تفسرها بعد. ليس اللغة وحدها — بل الشخص الواقف داخلها.

مالت إلى الخلف قليلًا. ما زالت تراقب.

من يكون؟

لم يأتِ السؤال بإلحاح. استقرّ — بهدوء، ومن دون ضجة — وبقي، كما تبقى الأسئلة حين تعرف مسبقًا أنها ستُجاب. في النهاية. في وقتها.

أومأ الأستاذ. ومضت اللحظة. عادت الأقلام إلى حركتها. وتقلبت الصفحات. واستمرت المحاضرة في الاتجاه الذي كانت تمضي إليه منذ البداية.

لكن بالنسبة إلى صوفيا — كانت المحاضرة قد صارت خلفية بالفعل. خفضت عينيها إلى دفترها. حدّقت في الجملة نصف المكتملة التي كانت تكتبها قبل أن يصل إليها الصوت. لم تكملها.

كانت تفكر في شيءٍ آخر تمامًا.

ومن دون أن تعرف — من دون أي إعلان، ومن دون أي قرارٍ تستطيع أن تشير إليه — كانت تلك هي اللحظة. اللحظة الدقيقة، غير اللافتة، العادية تمامًا، التي بدأ فيها كل ما جاء بعدها.

Scene Six
Back to Present  /  The Choice

رمشت. ذابت قاعة المحاضرات — الأصوات، والضوء، والخطوط القطرية الطويلة الساقطة فوق المقاعد — كل ذلك انحسر إلى الخلف كالدخان حين يُسحب عبر نافذةٍ مفتوحة.

وعادت. عادت إلى الشقة، إلى الضوء الرمادي الشاحب، إلى ذلك الهدوء الخاص بظهيرةٍ لندنية. عادت أمامه.

لم يكن جون قد تحرك. كان ما يزال واقفًا في الموضع نفسه تمامًا حيث تركته — ما يزال يمسك الرسالة، وما يزال صبورًا، وما يزال ينتظر بذلك السكون المتماسك لرجلٍ تعلّم أن بعض الإجابات لا يجوز استعجالها. أو، على نحوٍ أدق، تعلّم أن استعجالها يُتلفها.

كان هذا شيئًا صارت تفهمه عنه مع مرور الوقت — لا من خلال ما قاله، بل من خلال ما اختار ألا يقوله. كان لديه حدسٌ للصمت. لا صمت الحيرة أو التهرب، بل صمت الثقة — ذلك النوع الذي يقول: أنا هنا. لن أذهب إلى أي مكان. خذي الوقت الذي تحتاجينه لتصلي. لم يكن يخاف من الوقفات الطويلة. لم يخف منها قط. وهذا، كما صارت تفهم، كان من الأشياء الأندر.

نظرت إليه صوفيا بعناية. بالطريقة نفسها التي نظرت بها إليه في قاعة المحاضرات قبل سنوات، للمرة الأولى — محاولةً أن ترى ما وراء سطح الوجه إلى الشيء الكامن خلفه. الشيء الذي يبقى حين تذهب كل الكلمات.

ثم تحرك نظرها — بتأنٍ، وببطء — عبر الغرفة. إلى الطاولة. إلى اللبان. إلى الصورة.

الصبي بين والديه. الجبال خلفه. أشجار النخيل. سماءٌ لم تقف تحتها يومًا. مكانٌ كان دائمًا جزءًا منه — قبل أن تكون هي بوقتٍ طويل.

شهقت — لا بعمق، بل بقصد. كما يتنفس المرء حين يستقر شيءٌ في داخله في موضعه. حين تبدأ أجزاء الشيء أخيرًا بالاصطفاف.

نظرت إليه من جديد.

أغلقت الكتاب. الصوت الذي أحدثه — خافتًا، نهائيًا — بدا كأنه يعلّم شيئًا. وضعته على الطاولة بعناية، كما لو أنها تضع شيئًا للمرة الأخيرة.

"سآتي معك."

ست كلمات. قيلت بهدوء، من دون دراما — كما تُقال أكثر الأشياء صدقًا في كثيرٍ من الأحيان. لا تُؤدّى. لا تُعلَن. تُوضَع ببساطة في الهواء بين شخصين، حيث تنتمي.

سكن جون تمامًا. لا سكون من لم يسمع — بل سكون من سمع أكثر مما ينبغي، ويحتاج إلى لحظةٍ قبل أن تستطيع اللحظة أن تتحرك من جديد.

"لن تجادلي حتى؟"

كان في صوته دفءٌ بالكاد يحتويه — لا تهكمًا، بل دهشةً حقيقية، هادئة. دهشة رجلٍ هيّأ نفسه لطريقٍ أطول، ثم أُخبر للتو بأن المسافة أقصر مما خاف.

هزّت رأسها. برفق. بيقين. "لا."

وقفة صغيرة — نفَس، في الحقيقة. ثم: "احجز التذاكر."

امتلأت الغرفة بنوعٍ آخر من الصمت. أخفّ. كأن الهواء نفسه قد زفر — وأفلت بعض الثقل الذي كان يحمله منذ دخل جون ومعه الرسالة. وبدا الضوء الرمادي عبر النافذة، للحظةٍ واحدة فقط، كأنه رقّ.

زفر جون ببطء — وانخفض كتفاه معه، كما ينخفض النفَس المحبوس حين يُطلَق أخيرًا. لا من تعب. بل من ذلك الارتياح العميق، المحدد، لرجلٍ لم يعد عليه أن يحمل شيئًا وحده.

"معًا…" خرجت الكلمة هادئة. كأنها له وحده تقريبًا.

لم تبدُ كقرار. بدت كشيءٍ أقدم من القرار. كاعترافٍ بشيء كان صحيحًا بالفعل، قبل وقتٍ طويل من أن يُقال.

لم تقل صوفيا شيئًا. لم تكن بحاجة إلى ذلك. بعض الأشياء لا تحتاج إلى إجابة. لا تحتاج إلا إلى الاستعداد للبدء.

Scene Seven
Preparing

تغيّرت الشقة بالطريقة التي تتغيّر بها بعض الأشياء — لا دفعةً واحدة، بل تدريجيًا، إضافةً بعد إضافة، حتى لا يعود الشيء الأصلي قابلًا للتعرّف إليه تحت كل ما أُضيف إليه.

أولًا، ظهرت حقيبة واحدة قرب الباب. ثم ثانية. ثم ثالثة. ثم — كأن العملية بدأت تتسارع بمنطقها الخاص — ظهرت حقائب كثيرة أخرى، خارجة من الغرف والخزائن ومن أماكن كانت تحفظ الأشياء بصمتٍ لسنوات، وتطلقها الآن إلى الضوء.

ملابس. كتب. أحذية بأزواجها. أشياء كان وجودها معًا منطقيًا، وأشياء لا يبدو منطقها واضحًا لأحد سوى صاحبها. التصنيف الدقيق لحياةٍ تُعبّأ في صناديق، وتُفرَز، ويُعاد النظر فيها.

الغرفة، التي كانت يومًا تحمل فراغها بشيءٍ من الوقار، غمرتها الأشياء تمامًا. لم يعد هناك أرضية يمكن الحديث عنها. لم تكن هناك إلا حقائب — مرتبة بلا نظامٍ يمكن تمييزه، مكدّسة ومائلة وممتدة في كل اتجاه، تملأ كل سطحٍ متاح في الشقة بإلحاحها الهادئ.

وقف جون في وسط ذلك كله. ساكنًا تمامًا. تحركت عيناه ببطء في أرجاء الغرفة كما تتحرك عينا رجلٍ يحاول أن يفهم شيئًا تجاوز قدرته على فهمه. حقيبة واحدة. اثنتان. خمس. ثمان. عشر. أكثر.

رمش.

"صوفيا…" وقفة — طويلة بما يكفي لتوحي بأن ما سيأتي يحتاج إلى صياغةٍ حذرة. "هل نحن ننتقل إلى عمان… أم ننقل لندن؟"

لم تلتفت. كانت على الأرض بجانب حقيبةٍ مفتوحة — حركاتها دقيقة وغير مستعجلة، تطوي كل قطعة ملابس بانتباه شخصٍ قرر بالفعل أن هذا، على الأقل، سيُنجَز كما ينبغي.

"هذا طبيعي."

كان صوتها هادئًا تمامًا. صوت شخصٍ يذكر حقيقةً يراها بديهية، مستغربًا قليلًا أن تحتاج إلى ذكرٍ أصلًا.

نظر إليها جون. ثم عاد بنظره إلى الغرفة. ثم إليها مرة أخرى. "بالنسبة إلى من؟"

أغلقت السحّاب إلى منتصف الحقيبة. عدّلت شيئًا في الداخل بصبرٍ منهجي لشخصٍ في سلامٍ كامل مع طريقته. ثم أغلقتها بنبرةٍ نهائية بدت كأنها حسمت السؤال قبل أن تجيب عنه حتى.

"بالنسبة إلى النساء."

تلا ذلك صمتٌ لم يكن فارغًا بقدر ما كان ممتلئًا — ممتلئًا بمحاولة جون أن يصوغ ردًا يكون دقيقًا وقابلًا للنجاة في الوقت نفسه.

تحرك بحذر عبر تضاريس الأمتعة — كل خطوة مقصودة، كما يخطو المرء حول أشياء يحترمها حتى لو لم يفهمها. مدّ يده إلى أسفل ورفع فستانًا. قلبه بين يديه. نظر إلى آخر. ثم إلى ثالث.

"…لقد قلتِ لي إنك لا تملكين شيئًا ترتدينه."

لم تكن الأدلة المحيطة به تؤيد هذه الشهادة. وما كان بوسعها أن تناقضها بصورةٍ أشمل من ذلك، حتى لو حاولت.

شدّت ابتسامة هادئة زاوية فمه — لا إرادية، عاجزة، ابتسامة رجلٍ خسر معركةً لم يكن يعرف أنه دخلها أصلًا. وضع الفستان جانبًا. وهزّ رأسه ببطء، مرة واحدة.

ثم — من دون جدال، ومن دون تعليقٍ آخر، ومن دون الخطاب الذي ربما كان يؤلّفه في داخله — انحنى بجانب أقرب حقيبةٍ لم تُفتح بعد، وفتح سحّابها، وبدأ يساعد.

ليس لأنه اقتنع. وليس لأنه فهم. بل لأن القرار كان قد اتُّخذ بالفعل — القرار الحقيقي، القرار الذي يهم — وكل ما عداه لم يكن سوى تفاصيل.

في الجهة المقابلة، لم ترفع صوفيا نظرها. لكنها لاحظت. لاحظت بالطريقة التي تلاحظ بها الأشياء التي كنت تأملها في صمت — لا بدهشة، بل بدفءٍ يستقر في مكانٍ منخفض وثابت. لم يكن يقاوم. كان هنا. كليًا، من دون تحفظ. معها.

واصلت الطي. لكن الآن، بالكاد مرئية عند زاوية فمها — ابتسامة صغيرة، خاصة.

والشقة — المدفونة تحت جبال أمتعتها، غير العملية والمثقلة والمطابقة لنفسها تمامًا — لم تعد مجرد شقة. كانت بدايةً ترتدي هيئة الفوضى.

Scene Eight
The Flight

صعدت الطائرة بثبات، وأخذت بريطانيا تتراجع من تحتها — ببطء في البداية، ثم دفعةً واحدة، إذ ذابت الأسطح الرمادية في سحابٍ رمادي، طبقةً بعد طبقة، تبتلع ما كان مألوفًا حتى لم يبقَ ما تبتلعه، وصارت السماء فوقها نقية صافية، غير معنية تمامًا بما تُرك خلفها للتو.

وللحظة — لحظة واحدة فقط، قبل أن ينغلق آخر السحاب تحتها — خُيّل إلى صوفيا أنها ما زالت تراها. الأسطح. تلك الكثافة الخاصة لشوارع المدينة حين تُرى من علٍ. المربعات الصغيرة اللامعة للنوافذ، التي يجلس خلفها أناس آخرون في غرفهم، يقرأون كتبهم، ويعيشون ثلاثاءاتهم العادية، دون أن يعرفوا شيئًا عن هذا الرحيل، ودون أن يكون لديهم أي سبب ليعرفوا. وضعت يدها برفق على الزجاج البارد. كأن لمسه كان نوعًا من الوداع. ثم ارتفع السحاب كستار يُسدل، واختفت لندن، كاملةً وبلا طقس، في البياض.

استقرت المقصورة في أزيزها الطويل — تلك النغمة المنخفضة المستمرة التي تصير، بعد حين، لا صوتًا بعينه، بل صوت كونك في حركة. صوت العبور. صوت المسافة الفاصلة بين مكانٍ وآخر.

كان جون نائمًا. لا نومًا خفيفًا — بل نومًا كاملًا. رأسه مائل بزاوية بسيطة، وتنفّسه بطيء منتظم، ووجهه مكشوف تمامًا على ذلك النحو الذي لا يسمح به إلا النوم. كان جسده قد تقبّل الرحلة بطريقة لم تُتح لعقله بعد فرصة التفكير فيها. وفكّرت أن جزءًا منه، بطريقة ما، قد وصل بالفعل.

بقيت صوفيا عند النافذة. يقظة وساكنة، يداها مسترخيتان في حجرها، وانتباهها كله إلى الخارج. لم تكن متوترة. كانت فقط متأهبة. حاضرةً بذلك الحضور الخاص الذي يأتي حين تكون في منتصف شيء لا تستطيع تسميته بعد.

ولزمنٍ طويل لم يكن هناك سوى السحاب. أبيض، متصل، بلا ملامح — عدمٌ كامل إلى حدّ أنه صار منظرًا قائمًا بذاته.

ثم — تدريجيًا، كما تنبثق اليقينات من قلب الشك — بدأ يتفتّح.

ظهرت أشكال من بين الفجوات. داكنةً في البداية، بلا هيئة واضحة، كظلالٍ تحت ماءٍ شديد السكون. ثم جاء التحديد، ومعه الجغرافيا التي لا تُخطئها العين لشيءٍ هائلٍ وعتيق.

جبال.

لم تكن التلال اللطيفة الملساء في الريف الإنجليزي. ولا تلك الارتفاعات المهذبة لأرضٍ تصالحت مع كونها مأهولة. كانت شيئًا آخر تمامًا — واسعة، جافة، مطلقة، تنهض من الأرض بصبر الأشياء التي ظلت تنهض زمنًا أطول من وجود بشرٍ يراقبونها. لم ترحّب بالعين. كانت فقط موجودة — حاضرة، شاسعة، وغير معنية تمامًا بأن تُرى.

اقتربت صوفيا أكثر من الزجاج.

كانت قد توقعت الرمل. كانت تحمل، من غير أن تعي ذلك تمامًا، تلك الصورة المسطّحة الخالية من الملامح التي يصنعها البعد — فراغًا، وحرارة، ومشهدًا مصنوعًا من الغياب. لم يكن ما تنظر إليه كذلك. كان ما تنظر إليه نقيضه — أرضًا ذات حضور هائل، وكثافة ووزن وعمق، شيئًا رفض، طوال سنوات وجوده كلها، أن يُلينه شيء.

والضوء. كان الضوء مختلفًا على نحوٍ لم تستطع بعد أن تصوغه بالكلمات. لم يتسلل عبر ضباب أو سحاب أو تلطيف مهذب لسماءٍ شمالية. كان يصل مباشرة — نقيًا، حادًا، يجعل كل ما يلمسه أكثر شبهًا بذاته. لم يكن يضيء الجبال بقدر ما كان يجادلها. والجبال ثبتت في مكانها.

وصل خيط من ذلك الضوء عبر الزجاج ولمس وجهها. أحسّت به على جلدها — أدفأ مما توقعت، وأكثر مباشرة.

ألقت نظرة جانبية. كان جون لا يزال نائمًا، غير مضطرب، تنفّسه ثابت، ووجهه هادئ. كأن شيئًا من هذا كله — لا الجبال، ولا الضوء، ولا حقيقة أنهما يعبران السماء نحو حياة لم يعيشاها بعد — يطلب منه شيئًا في هذه اللحظة بالذات.

همست: "كيف…؟" ولم تكن تنتظر جوابًا. كانت فقط عاجزة عن إبقاء السؤال في داخلها.

كيف يستطيع أن ينام، والعالم خارج النافذة قد صار مختلفًا إلى هذا الحد؟

عادت إلى الزجاج. كانت الجبال أقرب الآن — أوضح تفصيلًا، أشد حضورًا، أكثر امتلاءً بذاتها. نظرت إليها كما ينظر المرء إلى شيء بدأ يفهم أنه سيحتاج إلى تعلّمه.

وفي ذلك النظر، استقرّ شيء ما في داخلها. لم يكن سلامًا تمامًا. ولا استعدادًا. كان شيئًا أهدأ من كليهما. إدراكًا — يصل ببطء، ومن غير دراما — أن هذه لم تكن رحلةً يسكن في منطقها تذكرة عودة. وأن ما ينتظرها لم يكن مغامرة تُعاش ثم تُطوى جانبًا.

كان هذا حياة. تبدأ الآن. بلا رجعة، وبأكثر الطرق العادية الممكنة، تبدأ الآن.

لن يعود أي شيء بعد هذا كما كان. أسندت جبينها برفق إلى الزجاج البارد، وسمحت لنفسها أن تنظر، طويلًا، إلى الجبال تحتها — إلى سكونها، واتساعها، ورفضها المطلق أن تكون شيئًا غير ما هي عليه. واحتفظت بذلك.

Scene Nine
Arrival in Oman

انفتح باب الطائرة — ولم تنتظر الحرارة. دخلت بالطريقة التي لا تدخل بها إلا الحرارة — لا من الباب، بل من كل فتحة في آنٍ واحد، تملأ المكان فورًا، كاملًا، بلا تمهيد. حيّةً على نحوٍ لم يكن هواء لندن حيًا قط.

حارّة. فورية. لا مفرّ منها. ذلك النوع من الحرارة الذي لا يقدّم نفسه بأدب، بل يلتف حولك ببساطة، يضغط عليك، ويُعرّفك بنفسه بمباشرة شيءٍ كان هنا دائمًا، ولا يبدي اهتمامًا خاصًا بتأقلمك.

توقفت صوفيا في منتصف الخطوة عند أعلى السلم. ضربتها الحرارة كجدارٍ اصطدمت به من غير أن تراه — لا عنيفة، بل شاملة. لا قاسية، لكنها بلا أي مراعاة لتوقعها شيئًا ألطف.

رمشت. وسحبت نفَسًا كان، بطريقةٍ ما، أدفأ من الذي سبقه.

"جون…"

مدّت يدها إلى أقرب ورقة — بطاقة صعود، أو استمارة جمرك، أو أي شيء — وبدأت تروّح بها عن نفسها.

"هذا ليس دافئًا." وقفة موزونة. "هذه نار."

نزل جون خلفها. رفع يده في وجه الشمس بغريزته، مغمضًا عينيه قليلًا أمام السطوع بعينين لم تكونا قد تكيّفتا بعد مع هذا النوع من الضوء. ثم — للحظة واحدة فقط — مرّ على وجهه شيء لم يكن فكرة، بل شعورًا. شيء أقدم من الفكرة.

لم تكن ذكرى يستطيع أن يمسكها بين يديه — لا مشهدًا محددًا ولا لحظة بعينها، ولا شيئًا يستطيع أن يشير إليه ويقول: هناك، ذلك. كانت أكثر جسدية من ذلك. وزن هذا الضوء بعينه، والضغط الخاص لهذه الحرارة على الجلد — شيء في جسده تعرّف إليه قبل أن يجد عقله اللغة التي تلحق به. كان صغيرًا جدًا في آخر مرة وقف فيها تحت سماءٍ كهذه. صغيرًا إلى درجة أن الذاكرة تجاوزت العقل كله، وعاشت في مكانٍ أعمق. في الصدر. في اليدين. في الطريقة التي عرفت بها العينان، من غير أن يُقال لهما، أن تضيق.

نظر أمامه — إلى أرض المدرج، وإلى المباني المنخفضة، وإلى اللمعان الصاعد من الأرض — كأنه يبحث عن شيءٍ مألوف في وجهٍ لم يره منذ زمنٍ طويل.

ثم قال بهدوء — كأنه يخاطب الهواء نفسه تقريبًا:

"لا أتذكر أنها كانت بهذا الحر… حين كنت طفلًا." وقفة. شيء يكاد يشبه الابتسامة. "أو ربما… نسيت."

"كيف يعيش الناس في هذا؟"

تموّجت الأرض تحتهما — كانت أرض المدرج تزفر حرارتها إلى أعلى في موجات بطيئة مرئية. لم يكن الضوء هنا مهتمًا بأن يكون ناعمًا. كان كاملًا ومكتملًا، ويصل بلا اعتذار، طالبًا من العينين أن تواجهاه بشروطه هو.

وتحت الحرارة، وتحت السطوع، كان الهواء يحمل شيئًا آخر — شيئًا لا يملك اسمًا دقيقًا في أي لغةٍ تملكها. لا رائحة طعام، ولا رائحة بحر، ولا رائحة شيءٍ آلي. شيء أكثر جفافًا. أقدم. الرائحة الخاصة لمكانٍ كان موجودًا قبل أن يُسمّى بزمنٍ طويل. شيء ينتمي إلى هذه الأرض، إلى الحجر والغبار والحرارة الطويلة المتراكمة فيها — ينتظر، بلا نفاد صبر، أن يُستنشَق.

كان المطار أصغر مما تخيلت. أهدأ. لم يكن هناك جدار من الصوت يندفع نحوها — لا إعلانات عاجلة، ولا حشد يتحرك بالاندفاع الجماعي الهادف لأناس يعتقدون أنهم جميعًا متأخرون. كان الناس يتحركون هنا — لكنهم يتحركون بلا عجلة. كأن النهار واسع بما يكفي. كأن الوقت، في هذا المكان، لم يُقسّم إلى الفواصل الحادة نفسها التي مُنحها في أماكن أخرى.

شدّت يدها على حزام حقيبتها. وجمعت نفسها.

"جون…" وقفة طويلة بما يكفي لتحمل ثقل ما لم تكن تقوله. "ماذا لو ضِعنا؟"

نظر جون إلى اللافتات فوقهما. قرأها بعناية، بذلك الثبات الخاص لشخصٍ يحلّ المشكلات بأن يبدأ بأول واحدةٍ أمامه. "الخروج." "تاكسي."

نظر إليها. هادئًا. من دون طمأنة زائفة — لكن من دون شك أيضًا. متيقنًا ببساطة أن التقدّم ممكن، حتى وإن لم يكن الطريق واضحًا تمامًا بعد. "سنأخذ الأمر خطوةً خطوة."

لا بسرعة. لا بكمال. لكن إلى الأمام.

سحبت صوفيا نفَسًا. ثم أطلقته. لم تكن مقتنعة تمامًا. لكنها كانت مستعدة — وهذا، كما بدأت تفهم، كان أحيانًا أكثر نفعًا من الاثنين.

وفي مكانٍ ما وسط الحرارة والسطوع والهواء الذي يحمل رائحته القديمة التي لا اسم لها — كان شيء داخلها قد بدأ يتحوّل بالفعل. ببطء. بلا إعلان. بالطريقة التي تبدأ بها كل التغيّرات الحقيقية.

Scene Ten
Airport  /  Luggage & First Realization

تحرّك سير الأمتعة في دائرته البطيئة الصبورة — غير مبالٍ، غير متعجّل، يقدّم محتوياته واحدًا تلو الآخر لكل من كان ينتظر.

وقف جون عند حافته. مركّزًا. يراقب كل حقيبة وهي تظهر، مائلًا إلى الأمام قليلًا كلما دار السير.

ظهرت حقيبته. مدّ يده إليها، وأنزلها، ووضعها إلى جواره. ثم أخرى. ثم أخرى.

وقفت صوفيا خلفه مباشرة. تراقب. لا السير — بل هو.

ثم جاءت حقائب أكثر. ثم المزيد بعد ذلك. وأخذ الكوم إلى جوارهما يكبر بزخمٍ لا سبيل إلى إيقافه — كل إضافةٍ تستدعي إعادة ترتيبٍ طفيفة لما سبقها، وتوسيعًا خفيًا لمحيط الأرض التي صارت كأنها منطقتهم المعلنة على أرض المطار.

تراجع جون خطوة. نظر إلى ما تراكم. وأخذ يُحصي. حقيبة واحدة. اثنتان. خمس. ثمان. عشر.

صمت طويل.

ثم، بصوتٍ مضبوط تمامًا عند الحافة بين أن يُسمَع وألا يُسمَع — صوت رجلٍ يتمتم لنفسه وهو يقصد تمامًا أن يُسمَع:

"كل يوم تقولين إنكِ لا تجدين شيئًا تلبسينه…"

تحرّك نظره ببطء، وبشيءٍ يكاد يكون طقسيًا، عبر سلسلة الجبال المكوّنة من الأمتعة المحيطة بهما.

"…ومع ذلك… أحضرتِ لندن."

سمعته صوفيا. عالجت العبارة في ذهنها. ثم اختارت، بسكينة من يعدّ الأمر محسومًا تمامًا، ألا تدخل معه في ذلك. لأن شيئًا آخر كان قد استولى على انتباهها كله.

على الجهة الأخرى من صالة الوصول — على مسافةٍ جعلت التفاصيل ناعمة، لكن الانطباع واضحًا — كان هناك ظلّ يقف منتظرًا.

امرأة. ساكنة. لا تبحث في الزحام، ولا تتفقد هاتفًا، ولا تستند إلى شيء طلبًا للدعم. كانت تقف فحسب — بتلك الهيئة الحاضرة التي تخصّ الناس الواثقين تمامًا من مكانهم، ولا يحتاجون إلى إثبات ذلك. كان حجابها مرتبًا، ووقفتها متزنة، وسكونها غير سلبي بل فاعل — سكون من اختارته عن وعي.

لم تكن تؤدّي دور المنتظِرة. كانت هناك فحسب — كما تكون الجبال هناك، وكما يكون الماء هناك — تشغل حيّزها باكتمالٍ لا علاقة له بالجهد. كان في هيئتها شيء لاحظته صوفيا على الفور، كما تلاحظ شيئًا غير مألوف. ثباتٌ لا يأتي من يقينٍ بالمستقبل، بل من ألفةٍ عميقة مع الذات. ذلك النوع الذي لا يُؤدّى. ذلك النوع الذي يكون فحسب.

رفعت المرأة يدها — إيماءة واحدة، غير متعجّلة — ولوّحت.

ضيّقت صوفيا عينيها قليلًا. تحرّك التعرف داخلها — بطيئًا وهادئًا، مثل ضوءٍ يملأ غرفة حين تُزاح عنها الستارة.

"إنها هي…"

التفت جون — متتبعًا خط نظرها — لكن قبل أن يتمكن من الرد، كانت صوفيا قد بدأت تتحرك بالفعل. تمشي عبر الزحام بذلك اليقين الخاص بمن رأى وجهته، ولم يعد يحتاج إلى التفكير في كيفية الوصول إليها.

Scene Eleven
First Meeting  /  Thuraya

سارا نحوها — وكان الزحام يخفّ بينهما مع كل خطوة، والمسافة تنغلق بتلك الطريقة الهادئة غير المستعجلة للأشياء التي كُتب لها أن تلتقي.

وحين اقتربا، مدّت صوفيا يدها — ثم توقفت، توقّفًا لا يكاد يُرى.

كان شيءٌ ما قد وصل إليها قبل أن تصل المرأة نفسها. شيء في الهواء المحيط بها مباشرة — جاء ناعمًا، بلا إعلان.

عود. لكنه مختلف عن عود جون. كان عوده يحمل عمقًا — داكنًا، راتنجيًا، من ذلك النوع الذي يستقر في الغرفة ويبقى. أما هذا فكان أخفّ مقامًا، أقل كثافة، يتحرك كما تتحرك الأشياء الجميلة حين لا تحاول أن تُلاحَظ. متزن. أنثوي بهدوء. حاضر للحظة واحدة فقط — ثم يمضي، تاركًا خلفه أثرًا خفيفًا لشيءٍ مدروس. شيءٍ اختير بعناية.

"أنا ثرياء."

كان صوتها يحمل الصفة نفسها التي يحملها حضورها — غير متعجّل، واضح، خالٍ تمامًا من التكلّف. صوت امرأة لم تحتج قط إلى أن تملأ المكان بعلوٍّ لا ضرورة له.

"مرحبًا بكما في عُمان."

كانت الكلمات بسيطة. لكن الطريقة التي قالتها بها — بلا طقس، بلا أداء — منحتها ثقلًا كان الطقس سيُنقص منه. لم تكن تلك تحية. كانت افتتاحًا.

تقدّم جون خطوة. "أنا جون." ثم أشار إشارة خفيفة نحو صوفيا. "وهذه زوجتي، صوفيا."

ابتسمت صوفيا — ابتسامة صادقة، يعلو أطرافها شيء قليل من عدم اليقين؛ ابتسامة شخصٍ لا يزال يحاول أن يتعرّف إلى مكانه، لكنه مستعد لأن يكون حاضرًا على أي حال. "سررت بلقائك."

أومأت ثرياء — بدفء وببساطة. "وأنا سررت بلقائك أيضًا."

تحرّك نظرها — للحظة وجيزة، وبما يكاد يبدو عابرًا — نحو الامتداد الواسع من الأمتعة التي تراكمت خلفهما. كانت أمتعة كثيرة. بل كانت، في الحقيقة، كمية مدهشة من الأمتعة بأي حسابٍ معقول لما يحتاج إليه شخصان في فصل جديد من حياتهما.

مرت على وجهها ابتسامة صغيرة — عارفة، غير مستعجلة.

"هل تحتاجان إلى مساعدة في الحقائب؟" — Palm Two / النخلة 2 —

··
PALM TWO · The First Walk in the Village
Palm
Palm Two
The First Walk in the Village
Scene One
The First Night

لم تُعلن الغرفة عن نفسها. كانت فحسب — هادئة بالطريقة التي تكون بها الأماكن الغريبة هادئة قبل أن تُسكن، قبل أن تستقرّ فيها حياةٌ ما وتجعلها ملكًا لها. كان للسكون وزن. لا فراغًا. بل انتظارًا.

كانت الجدران من طين — غير مستوية، دافئة الملمس، تُركت عيوبها حيث هي تمامًا، كأن أحدًا قرّر منذ زمنٍ بعيد أن الأثر الذي تصنعه يدٌ يستحق أن يبقى. في الزاوية، كان قنديل صغير يعطي ما لديه من ضوء — ناعمًا، مرتجفًا قليلًا، يجعل الظلال على الجدران تتنفّس بدل أن تبقى ثابتة. وعلى الأرض، بساط، رقّ من كثرة ما استُخدم على مرّ السنين. لا سرير. لا شيء مركّب من الكتالوجات. فقط ما كان لازمًا — ولا شيء أكثر.

كانت النافذة مفتوحة. ودخل الليل بحرية.

وقفت صوفيا قربها، يدها تستند بخفة إلى الإطار الخشبي — لا تقبض عليه، بل تلمسه فحسب، كما تلمس شيئًا حين تحتاج إلى أن تتأكد من الأرض تحت قدميك. كان الهواء يأتيها في طبقات لم تستطع أن تفصل بينها مباشرة. العود أولًا — عميقًا، متمهّلًا، من النوع الذي يغيّر الغرفة. ثم شيء أخف تحته — المسك. وتحت كليهما — شيء عرفته من غير أن تعرف اسمه. اللبان. كانت قد شمّته مرةً في لندن، داخل صندوقٍ صغير عاش على طاولة وتُرك، بعناية، من دون أن يُمسّ.

وقفت مع النافذة واستنشقته — لا تحاول أن تسمّي ما تستنشقه، بل تتلقّاه فحسب. بعض الأشياء تصل مكتملةً أكثر مما يسمح بتفكيكها. لا تستطيع إلا أن تُدخلها إليك وتحتفظ بها، ما دامت باقية.

وخلفها، كان جون نائمًا. تمامًا، بلا مقاومة — فقد استقرّت الرحلة فيه لحظة أُغلق الباب. كان تنفّسه بطيئًا منتظمًا، تقطعه بين حينٍ وآخر نغمة تكاد تكون شخيرًا. تكاد. التفتت صوفيا إليه مرةً واحدة. شدّ شيءٌ ما طرف فمها برهةً قصيرة. ثم عادت إلى النافذة.

لم تكن القرية صامتة. لكنها كانت تتحرّك على نحوٍ مختلف عن المدن التي عرفتها. مرّت خطواتٌ في مكانٍ ما بالأسفل — هادئة، قاصدة. وانسابت أصواتٌ منخفضة وادعة في الهواء. ثم، من مسافةٍ قد تكون شارعًا أو سفح تلّ —

أذان الفجر.

ارتفع — لا يكسر الهدوء، بل يصبح جزءًا منه. يعمّقه، كما يفعل صوتٌ يعرف كيف يدخل غرفة فلا يربكها بل يضيف إليها. سكنت صوفيا. لا خوفًا. بل لأنها ببساطة لم تكن تملك بعد مكانًا تضع فيه هذا الصوت. وصل كما تصل أشياء معيّنة حين تكون في بلدٍ لم تتعلّم قراءته بعد.

ثم — حركة. خطوات، أسرع الآن، متعددة. صغيرة. أطفال. مالت صوفيا إلى الأمام قليلًا، تبحث عيناها في الطريق أسفل النافذة. تحرّكت أجساد صغيرة في الضوء الخافت، وأصواتها تصعد إلى الأعلى — "يالله يالله صلااااه!" "أنا أسبق! أنا أسبق!"

راقبتهم. كانوا يركضون نحو المسجد — لا يدفعهم أحد، ولا يناديهم صوتٌ من خلفهم، بل يتحرّكون بإلحاحهم الخاص، بطاقة أطفالٍ لديهم مكانٌ يذهبون إليه، وقد قرروا، من تلقاء أنفسهم تمامًا، أن الأمر مهم. لم يكن في أصواتهم إلزام. ولا تذمّر. لم يكن فيها إلا تلك البهجة الخاصة بأناسٍ لديهم مكانٌ يقصدونه في الظلام.

راقبتهم حتى خلا الطريق أسفلها مرةً أخرى. ثم بقيت عند النافذة — تفكّر.

إذا كانوا يستيقظون قبل الشمس — إذا كانوا يتحرّكون في الظلام بهذه الرغبة —

لم تُكمل الفكرة. لكن شيئًا استقرّ داخلها — بهدوء، من دون إعلان. ذلك الشعور المحدّد بسؤالٍ قرر أنه يريد أن يُجاب عنه.

نظرت مرةً أخرى إلى جون، الغائب تمامًا عن هذا العالم المظلم المتحرّك في الخارج. كادت تقول شيئًا. لكنها لم تفعل.

تمتمت، لا تخاطب أحدًا: "أين الفتيات؟ والنساء؟" لم يكن قلقًا. بل فضولًا — ذلك النوع الدقيق، اليقظ. كانت تعرف أنها ستسأل ثرياء. ستسأل عن كل شيء.

وفي وقتٍ ما، من دون أن تقرر، ومن دون أن تنتبه متى حدث ذلك — جلست إلى جوار الجدار. وأخيرًا بلغها النوم. لأن الغد — ستمشي في هذا المكان.

Scene Two
Letj

كانت الشمس قد قررت أن الصباح قد بدأ، في اللحظة التي خرجت فيها صوفيا إلى الخارج. لم تمنح انتقالًا تدريجيًا، ولا تدرّج السماء الشمالية اللطيف من العتمة إلى الضوء. كانت فحسب — حاضرة وواثقة، تنتشر فوق القرية بلا اعتذار، كاشفةً كل ما تلمسه كما هو تمامًا. بلا تزويق. بلا تلطيف.

وقفت ثرياء تنتظر قرب الطريق. ساكنة تمامًا. مطمئنة إلى نفسها كما يطمئن الماء في إنائه — يملأ المساحة كاملةً بلا جهد ولا إعلان. لم تتحقق من الساعة، ولم تلتفت إلى الطريق. كانت تنتظر فحسب، كأن الزمن هنا قد وافق على أن يتحرك بإيقاعٍ مختلف، وأنها قبلت ذلك الترتيب منذ زمن بعيد. سألت: "مستعدة؟" أومأت صوفيا. "نعم."

بدأوا يمشون. جاء جون إلى جانبهما، وكان انتباهه يتحرك بحرية بين الطريق وكل ما يقدمه. كانت الأرض غير مستوية بالطريقة التي تكون بها الأرض غير مستوية حين لا تُجبَر على التظاهر بغير ذلك. لم تكن وعرة. كانت صادقة فحسب.

وقفت البيوت قريبة من الأرض — لا موضوعةً فوقها، بل ناميةً منها، كما تنمو الأشياء حين تبقى في مكانٍ واحد زمنًا يكفيها لتنسى الفرق بين البناء والانتماء. حملت جدران الطين لون الأرض المحيطة بها نفسه، والدفء نفسه، والرفض نفسه لأن تكون شيئًا غير ما هي عليه. كان السير بينها أقل شبهًا بالحركة داخل مستوطنة، وأكثر شبهًا بالحركة داخل شيءٍ كان هنا دائمًا، ثم مُنح أخيرًا اسمًا.

قالت صوفيا: "كل شيء يبدو مفتوحًا جدًا. وهادئًا جدًا." قال جون: "كأن القرية تتنفس ببطء." التفتت إليه ثرياء. "هذا وصف جيد لها."

ثم — من الأمام — جاء الضحك. مجموعة من الفتيات، اجتمعن في دائرة رخوة عند جانب الطريق. كانت إحداهن تمسك حجرًا. رمته — في قوسٍ قصير متمرّس — فاستقر في شكلٍ مرسوم على الأرض. مستطيلات دقيقة، بعضها منفرد، وبعضها مزدوج.

"ماذا يفعلن؟" أبطأت صوفيا. توقفت ثرياء إلى جوارها. "هذا هو اللِّتج." ردّدت صوفيا الكلمة بهدوء. "اللِّتج…"

شرحت ثرياء — يجب أن يسقط الحجر في موضعه بلا خطأ، وعلى اللاعبة أن تتذكر أين وقع، ثم تتحرك عبر المربعات من دون أن تلمس خطًا واحدًا. قدم واحدة في المربعات المنفردة، والقدمان متباعدتان في المربعات المزدوجة. كل خطوة مختارة. كل وضعية ثابتة.

تحركت الفتاة عبر الأشكال بتركيز طفلة لعبت شيئًا مرات كثيرة حتى امتصه الجسد كاملًا — لا تردد عند الحواف، ولا مراجعة ثانية لثقل القدم. انحنت، من دون أن تفقد موضعها، ورفعت الحجر من المربع الذي اختاره. ثم عادت من الطريق الذي جاءت منه، بالدقة نفسها، وباليقين نفسه. وكانت الأرض تحفظ النتيجة. لم تمنحها قط سببًا لتضع عليها علامة.

زفرت صوفيا من دون أن تعرف أنها كانت تحبس شيئًا. "هذا ليس سهلًا." قالت ثرياء: "لا. ليس سهلًا." قالت صوفيا بهدوء: "إنهن لا يحتجن إلى ألعاب." ردّت ثرياء: "إنهن يصنعن ألعابهن بأنفسهن."

تقدمت صوفيا إلى الأمام. "أريد أن أجرّب." التفت جون فورًا، وكانت الابتسامة قد بدأت تصل إلى وجهه. "بالطبع تريدين." ناولتها إحدى الفتيات الحجر بلا مراسم. أخذته صوفيا. درست الأرض. رمت. المربع الأول — جيد. الثاني — ثابت. الثالث — وجدت قدمها حافة الخط. توقفت. نظرت إلى الأسفل.

انفجرت الفتيات ضاحكات — ضحكًا فوريًا، صادقًا، خاليًا تمامًا من السخرية. ضحك أناسٍ خسروا هذه اللعبة بأنفسهم مئة مرة، ويحملون تلك المعرفة بدفء. ضحكت صوفيا معهن. "لقد خسرت." قالت وهي تنظر إلى الفتيات: "إنهن بارعات جدًا." وافق جون: "أفضل منا."

ثم — من دون إعلان — مالود. جاء من مكانٍ ما، مباشرًا كالعادة، وركض في قلب اللعبة. عبر الخطوط. فوق الأشكال. تشوشت المستطيلات المرسومة بعناية وتبعثرت في مرورٍ واحد. صاحت الفتيات — "هيييه! مالود!" — غاضبات ومبتهجات بالقدر نفسه.

هزّت ثرياء رأسها بحنان صبور. "هو لا يتبع القواعد." عقد جون ذراعيه، يراقب مالود بتعبير لا يمكن وصفه إلا بالإعجاب. "أنا أحترم ذلك." نظرت إليه صوفيا. "طبعًا."

كانت الفتيات قد بدأن بالفعل في إعادة رسم الأشكال — أصابعهن في الغبار، يعِدن خلق ما مُحي بالعناية نفسها التي صنعته أول مرة. لا نقاش حول ما إذا كان ينبغي الاستمرار. لا قرار مطلوب. عدن إليه فحسب. وربما كان ذلك — فكرت صوفيا وهي تراقبهن — هو الشيء الأجدر بالتعلّم. لا القفزات. لا الحجر. بل العودة.

Scene Three
The Falaj

مضوا أبعد. وظلّت القرية تنفتح أمامهم — لا دفعةً واحدة، بل كما ينفتح الإنسان: قليلًا قليلًا، كل طبقة لا تُقدَّم إلا بعدما تُستقبَل التي قبلها.

بلغهم الصوت أولًا. ماء. في البداية كان بالكاد يُسمَع، يكاد يضيع تحت وقع الخطوات والأصوات البعيدة. ثم صار أوضح — ثابتًا ومتصلًا، يحمل إيقاعًا لا يتبدّل بتبدّل الاتجاه أو المسافة. قالت صوفيا وهي تُبطئ خطاها: «هل تسمع ذلك؟» أومأ جون. «نعم.»

تبعوا الصوت. ثم — الفلج.

كان الماء يجري في قناة حجرية ضيقة — صافيًا، غير منقطع، لا يبذل جهدًا زائدًا ولا يبدّد شيئًا. لم يكن يندفع. لم يكن يتوقف. كان يجري فحسب، بيقين هادئ كشيء ظلّ يفعل ذلك زمنًا أطول من عمر أي إنسان يقف متفرجًا عليه، وسيواصل فعله بعد أن يتوقف آخر إنسان عن النظر. وكان سطحه يلتقط الضوء في نقوش صغيرة متبدّلة — لا ساكنًا تمامًا، ولا مضطربًا. شيئًا بين الاثنين. شيئًا حيًّا.

لكن الفلج لم يكن وحده. جلست النساء على حوافه — أيديهن ثابتة، وحركاتهن متمرّسة. كانت بعضهن يغسلن الثياب، يشطفن ويعصرن بسهولة أناس صار العمل عندهم منذ زمن بعيد إيقاع صباح لا أكثر. وأخريات يفركن قدورًا معدنية كبيرة، والأصوات تنتقل بين الحديث والضحك بلا انقطاع. وكان الأطفال يلعبون في الماء نفسه. يرشّون الماء بحرية. وعلى الجانب القريب — مالود. تقدّم، وخفّض رأسه، وشرب. من دون أن يستأذن أحدًا.

قالت صوفيا ببطء: «إنهن يغسلن الثياب هناك.» وأضاف جون: «والأواني.» قالت: «والأطفال داخل الماء.» ثم صمتت لحظة. «والماعز يشرب منه.» رفع مالود رأسه برهة. رمش. ثم عاد إلى الشرب. كأن شيئًا من هذا لا يستحق تعليقًا. تنفست صوفيا وقالت: «إنهم يستخدمون الماء نفسه لكل شيء.»

وعلى الضفة الأخرى من القناة، كان ناصر واقفًا إلى جانب الشاحنة الصغيرة، يسكب الماء عليها في أقواس طويلة، ويفركها بصبر مركّز. التفتت صوفيا نحو جون. قالت مرة أخرى: «لكل شيء.» لا على سبيل الاعتراض، بل كأنها تبحث عن الكلمة التي تستطيع أن تحمل بها ما كانت لا تزال تحاول استيعابه.

ثم جلس جون القرفصاء عند الحافة. وضع كلتا يديه في الماء. وغسل وجهه. بارد. مباشر. رفع رأسه — منتعشًا تمامًا، وغير مكترث على الإطلاق. «جون!» «ماذا؟» «لقد غسلت وجهك للتو في ذلك!» «نعم.» «الناس يغسلون الثياب هناك. والماعز يشرب منه.» مسح وجهه. «إنهم يغسلون كل شيء فيه. والأطفال يشربون منه.» تجمّدت صوفيا. «الأطفال ماذا؟» لم يبدُ عليه القلق. بدا — مفكرًا. كأن الفلج قد قدّم له لتوّه سؤالًا لم يكن يتوقع أن يجده مثيرًا للاهتمام.

كانت إحدى النساء قد لاحظت أنهما يراقبان. ابتسمت وتكلمت بالعربية — ببساطة ودفء. وانضمت أخرى، مضيفةً شيئًا جعل الأولى تضحك. نظرت صوفيا إلى ثرياء. «إنهن يتحدثن عنا، أليس كذلك؟» «نعم.» «ماذا يقلن؟» «أهلًا... مرحبًا.» ثم توقفت لحظة. «ويسألن من يكون زوجك.» اتسعت عينا صوفيا. «بهذه السرعة؟» ضحكت ثرياء ضحكة خافتة. «هذا طبيعي هنا.»

لوّحت صوفيا بيدها تلويحة صغيرة مترددة. فردّت النساء التلويح، وما زلن يبتسمن — بدفء أناس لا سبب لديهم لأن يكونوا شيئًا غير ذلك بالضبط.

عادت صوفيا تنظر إلى الفلج. لكن وجهها كان قد تغيّر — فقد تحوّل تعبير الصباح المتفاعل سريعًا إلى شيء أهدأ. لم تعد تكتفي بردّ الفعل. صارت تنظر. وبين الأمرين فرق واسع كالمسافة بين أن تراقب نهرًا وأن تدرك أن النهر هو ما يجعل الوادي ممكنًا. الماء نفسه. استخدامات مختلفة. لا نظام مفروض من الخارج. لم تكن تفهمه تمامًا بعد. لكنها كانت ترى أنه يعمل. وذلك — بدأت تفكر — هو دائمًا كيف يبدأ الفهم.

Scene Four
Sadoo's Shop

تركوا الفلج خلفهم — لكنه لم يتركهم تمامًا. ظلّ صوته مستمرًا في مكانٍ ما تحت أصوات القرية الأخرى: ثابتًا، حاضرًا، كجملةٍ تواصل امتدادها تحت الحديث. قال جون، وهو يلتفت إلى الخلف: «إنه ما زال هناك. الفلج. أشعر كأنه يتحرك معنا. كخطّ طويل يمرّ في كل شيء.» «هذا يبدو مقلقًا.» «لا. بل أقرب إلى… أنه يراقب.» نظرت إليه صوفيا. «هل صرتَ تكوّن صداقات مع الماء الآن؟» أومأ جون — جادًا تمامًا. «نعم.»

مشوا خطواتٍ قليلة أبعد — ثم اصطدم به شيء. سريعًا. وبلا أي إنذار. فقد جون توازنه بالكامل. انزلقت الأرض من تحته. وسقط مباشرةً في الفلج. استقبلته المياه باكتمالٍ باردٍ عادل، لا يفرّق بين أحد.

حلّت لحظة صمت — ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الضحك. ثم ضحكت ثرياء أولًا. ثم صوفيا، بلا قدرة على التماسك. ثم جون نفسه، جالسًا في الماء، لا يزال يحاول أن يفهم ما الذي حدث. وبجانبه — مالود. واقفًا على الحافة. غير منزعجٍ إطلاقًا. ينظر إلى الموقف بتعبيره الذهبي الفلسفي، تعبير مخلوقٍ قرر منذ زمن طويل أن يقبل كل ما يقدّمه العالم.

أشارت ثرياء إلى جون، وهي لا تزال تبتسم. «صديقك عانقك للتو.» «أظن… أنني اخترت الصديق الخطأ.» «لا. الآن صار لديك صديقان.» وأضافت صوفيا: «الفلج… ومالود.» اقترب مالود خطوة. كأنه يوافق. «لا. ليس مالود.» لكن مالود تبعه — خطوة، ثم أخرى. مثابرًا. واثقًا بأن جون هو الاتجاه الصحيح. «هل أستطيع أن أُرجعه؟» قالت ثرياء بهدوء: «لا. هو يبقى.»

واصلوا السير — وجون لا يزال مبتلًا، ومالود لا يزال يتبعه — حتى ظهر عند منعطفٍ في الطريق متجرٌ صغير. بسيط. مفتوح الواجهة. حيّ بالطريقة التي تكون بها المتاجر الصغيرة في الأماكن الصغيرة حيّة — لا بطاقة التجارة المصقولة، بل بذلك الدفء الخاص بمكانٍ يعرف كل شخصٍ يعبر عتبته. قالت ثرياء: «هذا متجر سادو.»

وقبل أن يصلوا إلى المدخل، جاء الأطفال من كل اتجاه — «سادووو!» «أنا باغي مينو!» «أنا باغي داغوص!» «أنا باغي ديو!»

تداخلت الأصوات — وكل واحدٍ منهم كان، في اللحظة نفسها، أهم شخصٍ في المكان. سأل جون: «هل هم يصرخون؟» أنصت. ثم ابتسم. «لا. إنهم يطلبون.»

في الداخل، كان سادو يتحرك بينهم بكفاءةٍ هادئة لرجلٍ لم يربكه أي شيءٍ من هذا قط، لأن كل هذا لم يكن، في النهاية، سوى يوم ثلاثاء عادي. «ما هو المينو؟» «مقرمشات بنكهة الدجاج.» «والداغوص؟» «صلصة حارة.» «والديو؟» «مشروب.» التفتت صوفيا إلى جون. «دجاج… حار… ومشروب غازي؟» «نظام غذائي متوازن.»

تقدّم ولدٌ بفخر — حافي القدمين، مغبرًّا — وغمس مقرمشاته في الداغوص من دون لحظة تردد. راقبته صوفيا. «الأطفال يأكلون طعامًا حارًا؟» أومأت ثرياء. «نعم. يبدؤون مبكرًا.» نظرت صوفيا إلى جون. «أطفالنا كانوا سيبكون.»

التقطت صوفيا زجاجةً ملوّنة. قرأت الحروف ببطء. «بو… با؟» قالت ثرياء: «بوبا. مشروب.» هزّتها صوفيا قليلًا. «هل هو غاز؟» وقبل أن يجيب أحد، ركض ولدٌ إلى الخارج، وفتح زجاجته، وشربها في ثلاث جرعاتٍ هائلة. نظرت صوفيا إلى جون. «هذه القرية ستقتلني.»

ثم — اندفع شيء صغير وسريع بين أرجلهم. «مالود!»

كان قد صار داخل متجر سادو قبل أن يملك أحد وقتًا للرد — يتحرك في المكان بطاقةٍ وحيدة الهدف، طاقة مخلوقٍ عثر على شيءٍ مثير للاهتمام وقرر أن يحقّق فيه بالكامل. اتجه إلى الرفوف. شمّ كل شيء. قفز فوق صندوقٍ منخفض، ثم فوق آخر. صاح الأطفال: «يالله! مالود! برا!» — ثم لحقوا به، وهذا يعني أن نصف القرية صار الآن جزءًا من الأمر. ركض مالود إلى الخارج، يطارده الأطفال، وضحكات الأطفال، والفوضى الخاصة التي لا يستطيع أحد غيره أن يخلقها من بدايةٍ ساكنة تمامًا.

ضحكت صوفيا حتى اضطرت إلى التمسك بالباب. وقف جون إلى جانبها، لا يزال مبتلًا، ولا يزال مالود يتبعه من جديد على مسافةٍ حذرة — ومع ذلك، وبطريقةٍ ما، كان يبدو في قلب كل ذلك وكأنه في بيته تمامًا.

ومن الجهة الأخرى من الطريق — هيئة. ولد. واقفٌ في مكانه. لا يضحك. لا يركض. لا ينضم إلى أي شيء. كان يراقب فقط. بهدوء. وبانتباه. تنتقل عيناه من جون إلى صوفيا إلى ثرياء ثم تعود — يلتقط كل شيء من دون أن يكشف شيئًا.

لاحظته ثرياء. صار صوتها ألين. سأل جون: «من ذلك الولد؟» «ذلك سعيد.» سألت صوفيا: «لماذا لا يقترب؟» وكان جواب ثرياء بسيطًا. «لا يُسمح له بالذهاب إلى المدرسة.»

نظرت صوفيا إلى الولد — إلى سكونه، وإلى الطريقة التي كان يراقب بها، وإلى نوعية الانتباه في وجهه. لم تسأل سؤالًا آخر. اكتفت بأن تنظر. وشيءٌ ما داخلها، بهدوء، حفظ تلك اللحظة في مكانها.

Scene Five
Thursday  /  Khamis

ابتعدوا عن المتجر. أخذت أصوات الأطفال تخفت تدريجيًا — لا تختفي، بل تنسحب إلى الطبقة الأعمق من صوت القرية، لتصبح خيطًا واحدًا بين خيوط كثيرة في مكانٍ لا يهدأ تمامًا أبدًا. امتدّ الطريق أمامهم، حاملًا إياهم أبعد داخل شيء لم يكونوا قد تعلّموا اسمه بعد.

للحظة، لم يتكلم أحد. كانت صوفيا تمشي أبطأ قليلًا من قبل — ولم تعد عيناها تقفزان من سطحٍ إلى سطح، بل تستقرّان، وتمكثان أكثر. كانت تنظر بطريقة مختلفة الآن. بقدرٍ أكبر من نفسها في ذلك النظر.

ثم رأتهما. رجل يمشي أمامهم. طويل — وقفته ثابتة، وخطواته ثقيلة وواثقة على الأرض. دشداشته بسيطة، مطبوعة بالاستعمال لا بالزينة. عمامة مشدودة بإحكام حول رأسه. وفي يده معول، حافته المعدنية داكنة من سنواتٍ من استعمالٍ حقيقي.

وخلفه — صبي. يمشي بالإيقاع نفسه الذي يمشي به الرجل — الوتيرة نفسها، والثقل نفسه، والزاوية نفسها في الكتفين. لم يكن ذلك تقليد طفلٍ يؤدي ما رآه. كان شيئًا أعمق امتصاصًا من ذلك — كأن النمط قد تجاوز العقل كله واستقرّ في الجسد نفسه، كما تستقر العادات حين تُمارَس طويلًا بما يكفي لتتوقف عن كونها عادات، وتصبح ببساطة الطريقة التي تكون بها الأشياء.

سألت صوفيا بهدوء: «من ذلك؟» قالت ثرياء: «ذلك خميس.» كررت الاسم: «خميس…»

توقف جون. «انتظري. مثل… الخميس؟» ابتسمت ثرياء. «نعم.» «تسمّون الناس بأسماء أيام الأسبوع؟» «أحيانًا. إذا وُلد الطفل يوم الخميس، يمكن أن يُسمّى خميس. ويوم الجمعة — جمعة.» أطلق جون ضحكة صغيرة. «إذن لا تحاولون تجنّب الجمعة؟» هزّت ثرياء رأسها، مستمتعة. «لا.» أضاف جون: «لأنه يأتي كل أسبوع.» ضحكت ثرياء بهدوء. «يا ربي…»

لكن صوفيا كانت قد عادت تنظر إلى الصبي. خميس — ما يزال يمشي خلف أبيه، خطوةً بخطوة، من دون تشتت. من دون أن يكون طفلًا بأي طريقة من الطرق التي توقعت هي أن يكون عليها الأطفال. قالت بهدوء: «هذا لا يبدو كطفل.» «يبدو أكبر.» أومأ جون. «كأنه في الثلاثين.»

«إنه ينسخ كل شيء.» قالت ثرياء: «نعم.» «وأبوه؟» «مزارع.» «يعمل معه؟» «نعم.» كانت الإجابة بسيطة. لكنها بقيت — كما تبقى الإجابات البسيطة حين تحمل أكثر مما تقوله كلماتها.

واصل الرجل والصبي سيرهما إلى الأمام، وإيقاعهما لم يتغير. لا يسرعان. لا يبطئان. يمضيان فحسب — كما يمضي الفلج، كما يمضي الصباح — كأن الزمن هنا قد رتّب أموره الخاصة، وأن الناس قد وافقوا ببساطة على السير وفقها. راقبتهما صوفيا حتى صارا صغيرين في البعيد. ثم قالت — لا لأحدٍ بعينه: «أريد أن أفهم.» التقت ثرياء بنظرها. «ستفهمين.»

Scene Six
Nahsher  /  Another World

واصلوا السير، تاركين خميسًا وأباه لطريقهما. لانت الأرض قليلًا تحت الأقدام — إذ أخذ الغبار يفسح مكانه للظل، وصار الهواء يحمل نوعيةً أخرى. أكثر اخضرارًا. أبرد عند الحواف. تلك الحرارة الخاصة بمكانٍ ينمو فيه شيء.

"انظروا!" قالت صوفيا وهي ترفع عينيها. أشجار — مجموعة غير منتظمة منها، أغصانها عريضة وثقيلة بعناقيد الثمر. أشكال مختلفة. ألوان مختلفة. قالت ثرياء موضحة: "تلك فرصاد ولامبا."

كان جمعٌ من الصبيان واقفين قرب الأشجار. وقد حسموا أمرهم سلفًا. التقط أحدهم حجرًا ورماه — قوسًا حادًا، ثم طرقة اصطدام، أوراق تتحرك، وثمر يتساقط. طار حجر آخر. وسقطت ثمرة أخرى. واندفع الآخرون إلى الأمام، يجمعون قبل أن تكون الرمية التالية قد انطلقت أصلًا في الهواء. لا حركة مهدورة. نظامٌ وُلد من الممارسة، لا من التخطيط.

شهقت صوفيا: "إنهم يهاجمون الأشجار!" ضحكت ثرياء. "إنهم يمارسون النحشر. يرمون الحجارة حتى يتساقط الثمر." كرّر جون الكلمة فورًا، كما كان يفعل دائمًا مع الكلمات الجديدة — بعناية، مانحًا كل مقطع وزنه الصحيح. "نحـ... شر." ابتسمت صوفيا. "أنت تتعلم بسرعة." أومأ جون بجدية. "فلنذهب و... نحشر." انفجرت ثرياء ضاحكة. "ربما في يومٍ آخر."

كان الصبيان قد جمعوا ثمارهم، وصاروا يأكلون الآن — ومع ثمارهم، شيئًا آخر. شيئًا برتقاليًا فاقعًا. شيئًا كانت رائحته حادّة حتى من بعيد.

رمشت صوفيا. "يضعون... ملحًا وفلفلًا... على المانجو؟" أومأت ثرياء. "وفلفلًا حارًا." نظرت صوفيا إلى جون. ونظر جون إلى المانجو. ثم إلى صوفيا. ثم — لأنه كان من ذلك النوع من الرجال الذين يؤمنون بتجربة الأشياء — مدّ يده وأخذ قطعة صغيرة.

توقف. مضغ ببطء. مرّ تعبيره بمراحل عدة. ثم، أخيرًا — ابتسامة بطيئة. "إنه... غريب. لكنه جيد." هزّت صوفيا رأسها. لم تجرّب قطعة. لكنها راقبت جون بذلك التعبير الخاص لشخصٍ يعيد مراجعة فهمه لإنسانٍ ظنّ أنه يعرفه تمامًا.

وحين بدأت السماء تميل إلى البرتقالي، عادوا مشيًا نحو الشقة. استقرت القرية حولهم — سادو يغلق متجره، والأطفال ينسلون نحو بيوتهم، وأصوات العصر تنطوي بهدوء داخل المساء.

وفي مكانٍ ما خلفهم — ما زال هناك، ما زال واقفًا، ما زال يراقب — كان سعيد. لم يتحرك. لم ينضمّ. ظلّ يراقب فحسب، طوال الظهيرة، بذلك السكون الخاص بمن يأخذ كل شيء إلى داخله ولا يعطي شيئًا بعد. ما زال صامتًا. ما زال يفكر. يحلم، ربما، بمكانٍ اسمه المدرسة.

في تلك الليلة، جلست صوفيا على البساط ونظرت إلى الغرفة من حولها — الجدران الطينية، والقنديل، والنافذة المفتوحة، والعتمة الدافئة وراءها. ثم نظرت إلى جون.

"جون... أظن أننا لم ننتقل إلى بلدٍ آخر." نظر إليها جون. "إلى أين انتقلنا؟" ابتسمت. "انتقلنا إلى عالمٍ آخر."

وفي مكانٍ ما من القرية، ثغى مالود. وانغلق باب سادو بطقّة. عاد الأطفال إلى بيوتهم. وحلم سعيد بهدوءٍ بمكانٍ اسمه المدرسة. — Palm Three / النخلة 3 —

··
PALM THREE · The First Day at School
Palm
Palm Three
The First Day at School
Scene One
The Assembly Yard

لم تُعلن المدرسة عن نفسها. ظهرت كما ظهرت القرية — بلا ضجيج، وبلا أي محاولة لأن تتميز عمّا يحيط بها — مقدمةً نفسها ببساطة بوصفها الشيء التالي على امتداد الطريق. حجرٌ وطين. جدران غير مستوية تحمل آثار صنعها، لا تُخفيها بل تحفظها، كما يحتفظ الوجه بالسنوات التي مرّت عليه. لا شيء مصقول. لا شيء يتظاهر.

صفّان طويلان مبنيان من الطوب الطيني. ساحة صغيرة في الأمام. باب خشبي كان يُصدر صوتًا عاليًا كلما فُتح — كأنه يريد أن يُسمَع، كأنه يعدّ نفسه جزءًا من الإعلان. وفي الداخل، مقاعد خشبية، بعضها قديم، وبعضها أحدث، وكلها تحمل خدوشًا وأسماءً حفرها أطفال أرادوا أن يتركوا شيئًا من أنفسهم وراءهم.

لم تكن السبورة شديدة السواد. ولم يكن الطباشير شديد البياض. لكن لأطفال القرواشية، كان هذا المكان شيئًا جديدًا. شيئًا مهمًا.

في ذلك الصباح، تحركت القرية على نحوٍ مختلف. مشت الأمهات مع أطفالهن. ركض بعض الصبيان. ومشت بعض البنات ببطء، وهن يحملن كتبهن كما لو كانت كنوزًا. كان بعض الأطفال متحمسين. وكان بعضهم خائفين. وكان بعضهم يريد العودة إلى البيت قبل أن يصل أصلًا.

في الداخل، وقفت ثرياء قرب اللوح، ترتب الطباشير، وتمسح الطاولة بيدها — ذلك الاستعداد الخاص لمعلّمة سبق أن وقفت في هذه الغرفة، وتعرف أن ما سيحدث في الساعة القادمة سيكون مهمًا. سمعت وقع خطوات. ثم خطوات كثيرة. ثم ضجيجًا. ضجيجًا كثيرًا. ابتسمت. وقالت لنفسها: "إنهم قادمون."

وقف جون قرب الباب، ممسكًا بكتاب كما يمسك الجندي بخريطة — بثقةٍ أكبر مما كان الموقف يبرر تمامًا. ووقفت صوفيا إلى جانبه، بثوبها البسيط الطويل، وشعرها مغطى بوشاح خفيف. نظرت حول الغرفة وهمست: "أشعر كأنني على وشك مقابلة مئة قاضٍ صغير." ابتسم جون. "إنهم ليسوا قضاة. إنهم طلاب." أجابت: "يبدون خطرين."

دخلا من خلال الأبواب الخشبية الزرقاء الواسعة — درجة الزرقة نفسها التي لاحظتها صوفيا عند كل عتبة في هذه القرية. غرفة واسعة مفتوحة. بساطٌ ممدود ومسطّح على الأرض. جدران تنحني قليلًا، مشكّلةً حواف طبيعية. مروحة سقف تدور ببطء في الأعلى — بدافع العادة أكثر من الحاجة. طاولات خشبية. كراسٍ بسيطة. رفوف تحمل كتبًا ودفاتر في ذلك الاضطراب الخاص بالأشياء التي تُستعمل فعلًا.

قالت ثرياء: "هذه غرفة المعلمين." تحركت صوفيا في داخلها ببطء. قالت: "إنها مختلفة" — لا على سبيل النقد، بل بوصفها عبارة صادقة من شخصٍ ما زال يقرر ما الذي تعنيه كلمة مختلف. مرر جون يده على حافة طاولة خشبية. شعر بتعرجات الخشب. وقال: "إنها كافية."

كان الفصل أبسط من ذلك حتى. جدران حجرية. باب خشبي أزرق. نافذة واحدة يدخل منها الضوء مباشرة — لا مصفّى، ولا مخفّفًا، بل حاضرًا فحسب. بضعة مقاعد خشبية. ومساحة مفتوحة.

وقفت صوفيا في الوسط ونظرت — إلى الجدران، إلى النافذة، إلى المساحة. للفصل الخالي طبيعته الخاصة. ليست فراغًا. بل ذلك الصمت المحدد لنَفَسٍ محبوس — إحساس شيءٍ على وشك أن يبدأ، لكنه لم يُمنح الإذن بعد. شعرت به. كانت هذه الغرفة مستعدة. أما إن كانت هي مستعدة، فتلك مسألة أخرى.

عادوا إلى الخارج، إلى ساحة الطابور. واسعة. مستوية. صلبة من أثر أقدامٍ عبرت عليها لسنوات. قرب المقدمة وقف عمود خشبي. وعند قاعدته قماش مطوي. قالت ثرياء: "العلم."

فتح جون وصوفيا العلم معًا — ببطء، وبقصد — وبدأت الألوان تظهر كلما انبسط القماش: الأحمر، والأبيض، والأخضر، والشعار في الوسط واضحًا. أمام الطين والغبار ودرجات الأرض المحيطة به — لم يذُب العلم في المشهد. لقد وقف. وللحظة، ظل الثلاثة ساكنين.

ثم — صوت أقدام تركض. أطفال ينسكبون إلى الساحة — طاقتهم تصل قبلهم، والغبار يرتفع خلف خطواتهم، والأصوات تعلو. لم يكونوا يُدفعون أو يُنادَون. كانوا يأتون لأنهم قرروا أن يأتوا. وصلوا إلى الساحة وأبطأوا، يرتبون أنفسهم بذلك النظام المرن المتمرّس لأناسٍ يعرفون أين يُفترض بهم أن يكونوا.

تقدمت صوفيا إلى الأمام — بغريزتها. "لماذا تأخرتم؟" أجاب الصبيان بسرعة، بالعربية، ووجوههم مشرقة. التفتت صوفيا إلى ثرياء. "ماذا قالوا؟" "كانت لديهم حلقة قرآن قبل المدرسة."

نظرت صوفيا إليهم. لا مترددين. لا مشتتين. لا ينتظرون من يسلّيهم. حاضرون فحسب — كما لو أن قرار الوجود هنا قد اتُخذ قبل هذا الصباح بزمنٍ طويل، ولم يبقَ إلا أن يبدأوا. لم تكن هذه مدرسة تنتظر أن تُمنح الحياة. كانت تملك حياتها بالفعل. لم تُدعَ هي وجون ليبدآ شيئًا. لقد دُعيا إلى الداخل.

Scene Two
The Students

دخل الأطفال الأوائل — ولم يدخلوا بهدوء. ولم يجلسوا بهدوء. جاؤوا كالطيور: يتحدثون، يضحكون، يتدافعون، بعضهم يتجه مباشرةً إلى أقرب مقعد، وبعضهم يقصد المقعد الأبعد عن المقدمة، وبعضهم بدا كأنه لا يقصد أي مقعد بعينه، بل يحطّ حيث حملته اندفاعة صباحه.

صفّقت ثرياء بيديها مرة واحدة. لم يكن الصوت عاليًا — لكنه كان قويًا. كان له وقع مخصوص، وقع شيء تدرّب عليه صاحبه حتى لم يعد يحتاج إلى جهد. "اجلسوا، من فضلكم." جلس بعضهم. وبعضهم لم يجلس. وبعضهم جلس، ثم وقف من جديد.

ثم جاء صبي. صغير. نحيل. مغبرّ. بعينين ممتلئتين بأفكار لم يفرح بها أي معلّم قط. لاحظته ثرياء فورًا. "منصور"، قالت — الاسم وحده، بثقلٍ خاص لشخص قال هذا الاسم مرات كثيرة، وهو مستعد لأن يقوله مرات أكثر. ابتسم منصور. تلك الابتسامة التي تعني المتاعب. جلس — على الكرسي الخطأ. ثم انتقل. ثم انتقل مرة أخرى. ثم التفت إلى الخلف. ثم همس. ثم ضحك. ثم سقط عن الكرسي.

راقب جون كل ذلك كرجل يشاهد فيلمًا لا يستطيع أن يصدّق أنه حقيقي. مالت صوفيا نحوه. "هذا سيقتلنا." أومأت ثرياء، من دون أن تُبعد نظرها عن الغرفة. "نعم. ولكن ببطء."

دخل مزيد من الأطفال. جلس صبي مستقيم القامة جدًا في الصف الأمامي — ظهره مستقيم، وكتابه مستقيم، وقلمه مستقيم. كان كل شيء فيه مرتبًا بجدّية شخص وصل مستعدًا وينوي أن يبقى كذلك. ابتسمت ثرياء. "آه… أحمد." أومأ أحمد بجدّية. وبجواره جلس علي — ينظر إلى السبورة كأنها أكثر شيء إثارة للاهتمام في العالم، عيناه حادتان، ووجهه هادئ. قالت ثرياء بهدوء لجون: "ذاك ذكي جدًا."

ثم جاء خليل. ابتسم للجميع. جلس. ثم وقف. ثم ساعد أحدهم. ثم همس بشيء. ثم ضحك. كانت ثرياء تعرف هذا النوع جيدًا. مُعين. لكنه خطر.

ثم جاءت البنات. دخلت نورة وقالت فورًا: "أين أجلس؟" وقبل أن يجيبها أحد، أضافت — "هل هذا كتابي؟ هل هذا كرسيّي؟ هل اليوم طويل؟" رمشت صوفيا. "إنها سريعة." ثم جاءت مثيلة — تحمل أوراقًا وأقلامًا، وتوزعها على البنات الأخريات من دون أن يطلب منها أحد. "هنا. خذي." ثم وصلت سليمة، ورحمة، ومروة معًا، خجولات، هادئات، يجلسن قريبات بعضهن من بعض، كأنهن اتفقن مسبقًا على مواجهة كل ما سيحدث كوحدة واحدة.

كان الصف الآن ممتلئًا. صاخبًا. حيًا — حيًا بتلك الطريقة الخاصة التي تصير بها الغرف حيّة حين تمتلئ بأناس لم يُطلب منهم بعد أن يلتزموا الصمت، ويستخدمون كل ثانية متبقية من تلك الحرية.

ذهبت ثرياء إلى المقدمة. "صباح الخير." أجاب الأطفال — بالعربية. ابتسمت. "اليوم… سنتعلّم شيئًا جديدًا." رفع منصور يده فورًا. "هل هما المعلمان الجديدان؟" أشار إلى جون وصوفيا. "نعم،" قالت ثرياء. نظر إليهما منصور لحظة طويلة. "يبدوان غريبين." ضحك الصف. وضعت صوفيا يدها على صدرها. "شكرًا؟" ضحك جون. وقالت ثرياء — "هذا الأستاذ جون. وهذه المعلمة صفية."

همس بعض الأطفال بالاسم لأنفسهم — "صفية…" — يجرّبون شكله، كما يجرّب الأطفال الكلمات الجديدة: بهدوء، في خصوصية، قبل أن يلتزموا بها علنًا. لم يكن أطفال القرية سينادونها صوفيا. كانوا سينادونها صفية. وحدهما جون وثرياء سيستخدمان الاسم الآخر. وصوفيا — وهي تسمع نفسها تصير شخصًا مختلفًا قليلًا في هذه الغرفة بعينها، وفي هذا المكان بعينه — وجدت أنها لا تمانع ذلك أبدًا.

Scene Three
Good Morning  /  The First Word

تقدّم جون إلى الأمام. التقط الطباشير. كتب على السبورة — حرفين، ثم أكثر، ثم كلمة كاملة: HELLO. ثم استدار وواجههم. "Good morning."

صمت. حدّق الأطفال فيه. وفي الكلمة على السبورة. وفي الكلمة وهي تخرج من فمه. قالها مرة أخرى. "Good morning." قالت ثرياء بالعربية — "قولوا: Good morning." قالها بعضهم. وقال بعضهم شيئًا قريبًا منها. وقال بعضهم شيئًا آخر تمامًا. ثم —

رفع منصور صوته، بثقة شخصٍ واثق تمامًا من أنه أصاب: "Good mourning!"

ضحك الصف. وضحك جون أيضًا، ضحكة معلّم تذكّر للتو أن اللغة أحيانًا مضحكة جدًا أيضًا. قال: "قريب بما يكفي."

التقطت صوفيا الطباشير. كتبت على السبورة: My name is… وأشارت إلى نفسها. "My name is Safiya." حاول الأطفال. "My name is…" "My name is…"

ثم وقف منصور — بكامل وقار شخص يقدّم إعلانًا مهمًا — وقال: "My name is monster."

ضحك خليل حتى كاد يسقط عن مقعده. غطّت صوفيا فمها. ثم تمالكت نفسها. "لا، لا، لا. Mansoor. Not monster. Mansoor." فكّر منصور في الأمر لحظة — بصدق، كما لو أنه يزن الخيارات. ثم قال — "My name is Mansoor." صفّق جون. "Very good!"

ثم قال أحمد بإتقان، وبدقة، وبهيئة شخص كان يتدرّب — "My name is Ahmed." وقال علي: "My name is Ali." وقالت مثيلة: "My name is Mathila."

ثم وقفت نورة — وقالت: "My name is Noura. And this is my friend. And this is my book." رمشت صوفيا. ثم ضحكت — ضحكة صادقة، متفاجئة. "Very good. Very… detailed."

استمر الدرس. "I am a student." "I am happy." "I am here." قال بعض الأطفال الجملة على نحو صحيح. وقالها بعضهم على نحو خاطئ. صرخ بعضهم. وهمس بعضهم. أما منصور — حتمًا، وبروعة لا مفر منها — فقد وقف على كرسيه وأعلن: "I am tall!" لم يكن طويلًا. حاول جون أن يحافظ على النظام. وحاولت صوفيا أن تبتسم. وحاولت ثرياء أن تنجو.

ثم — صوت من الساحة. "ماااااع!" مالود — يمشي مباشرةً إلى الساحة كما لو كان متوقعًا. توقف قرب الطلاب، ونظر حوله برباطة جأشه المعهودة، ثم أصدر الصوت مرة أخرى. "ماااااع!" لثانية واحدة — صمت. ثم انفجر الطلاب بالضحك — تمامًا، وكليًا، بفرح الأطفال الجسدي الكامل حين يكونون قد ظلوا متماسكين، ثم يُمنحون سببًا ممتازًا كي لا يتماسكوا.

رمشت صوفيا. ثم ضحكت معهم. هزّ جون رأسه ببطء. "بالطبع جاء." خطا مالود خطوات قليلة إلى الأمام. مرتاحًا تمامًا. كأنه في بيته تمامًا.

نظرت إليه صوفيا. ثم عادت تنظر إلى الطلاب. وبالطريقة الخاصة التي يُوهبها المعلمون الجيدون — القدرة على العثور على الدرس داخل الفوضى — عرفت بالضبط ماذا تفعل. أشارت إلى مالود. "This…" وقفة مقصودة. "…is a goat."

أفسح الضحك مكانًا. هدأ الطلاب بما يكفي ليستمعوا. أعادت: "Goat." مرة واحدة. بوضوح. حاول أحد الصبيان — "Goot." وتبعه آخر — "Goat." ثم آخرون. تحركت الكلمة بين الصفوف، غير مستوية في البداية، ثم أقوى. "Goat!" أصدر مالود صوته مرة أخرى في اللحظة المناسبة تمامًا. ضحك الطلاب — وكرروا. بصوت أعلى. "Goat! Goat!" تقدّمت ثرياء بسرعة — "مو هوش! مو جاكم!" استقام الطلاب. لم تختفِ الابتسامات. فقط انتقلت إلى الداخل. مال جون نحو صوفيا. "حسنًا… نجح ذلك." أومأت. "نعم." لم تكن بداية كاملة. كانت بداية حقيقية.

Scene Four
The Way to School  /  Marhoon and Khamis

لم يعد الطريق إلى المدرسة هو الطريق نفسه. لا من الناحية المادية — فالأرض لم تتغيّر، والبيوت ما زالت واقفة حيث كانت واقفة دائمًا. لكن الطريق امتلأ. كان الطلاب يتحركون عليه بتلك الطريقة الخاصة بالأطفال حين يكونون منتمين إلى وجهةٍ ما: بعضهم في الأمام، وبعضهم في الخلف، وبعضهم يركض بلا سبب ثم يتوقف بلا سبب، وأصواتهم تملأ المكان كما تملأ الأصوات مكانًا حين لا يخطر لأحد أن يحدّ منها.

وخلفهم — مالود. يمشي. ثم يتوقف. ثم يركض فجأة. «ماااااع!» التفت بعض الصبية إلى الخلف وضحكوا. «جاء معنا!» وصاح آخر: «خلّوه يجي!» ومالود، إذ تلقّى ذلك كما كان بالفعل — دعوة — تبعهم. لا لأنه صار تابعًا لهم. بل لأنه تبنّاهم هو. هناك فرق، وكان هو يفهمه تمامًا.

في الأمام، قرب طرف الطريق — شخصيتان. مرهون. وإلى جانبه، خميس.

كان مرهون واقفًا بسكون رجلٍ لا يحتاج إلى أن يتحرك كي يكون حاضرًا. إحدى يديه مستندة إلى معوله، وعيناه تتحركان على الطلاب المارين بانتباهٍ حذر لرجلٍ يقرأ العالم بالملاحظة لا بالمحادثة. كان وجهه يحمل ثقله المعتاد — لا غضبًا، بل شيئًا أقدم. وقار رجلٍ قرر كيف ينبغي للأشياء أن تكون، وظلّ يعيش داخل ذلك القرار زمنًا طويلًا بما يكفي ليؤمن به إيمانًا كاملًا.

كان خميس يقف خلفه مباشرة. الوقفة نفسها. السكون نفسه. لكن عينيه كانتا تتحركان بطريقة مختلفة — تراقبان الطلاب الأصغر سنًا بشيءٍ بين التعرف والكبح. ركضت مجموعة من الصبية من أمامهما، ضاحكين، خطواتهم غير منتظمة ومبتهجة، وفشلوا تمامًا في أن يبدوا جادين.

جاء صوت مرهون — لا عاليًا، بل ثقيلًا. «شفت؟ يعلموا الصغيرين يجيوا كما الهوش.» كانت كل كلمة موضوعة بعناية. صوت رجل لا يحتاج إلى علوّ الصوت، لأنه يملك شيئًا أقوى من علوّ الصوت. «خطف قدامي… لا نشوف عليهم.»

شعر الصبية بذلك — لا بالكلمات، بل بالثقل الذي خلفها — فتعدلوا. انتقلت ضحكاتهم إلى الداخل. وصارت خطواتهم أقل فوضوية قليلًا. أقل فوضوية ظهورًا. وذلك كان المقصود.

ثم مرّ مالود أمامهما. «ماااااع!» هذه المرة لم يستطع خميس أن يحبسها. أفلتت منه ضحكة صغيرة — سريعة، خافتة، واختفت تقريبًا قبل أن تصل. أدار مرهون رأسه بأقل مقدار ممكن. بالقدر الكافي فقط. فاستقام خميس فورًا. وعاد وجهه إلى شيءٍ يقترب من السكون. يقترب — لكنه لا يبلغه تمامًا.

كانت صوفيا وجون وثرياء يراقبون من بعيد. سألت صوفيا: «ماذا قال؟» ترجمت ثرياء بهدوء: «قال إنهم يعلّمون الصغار أن يمشوا مثل الفوضى. وقال لهم أن يتأدبوا.»

نظرت صوفيا إلى الصبية — ما زالوا يتحركون، وما زالوا يحملون طاقتهم المحبوسة — ثم إلى خميس، وهو يستقيم إلى جانب أبيه. لم يكن هذا النوع من الانضباط صاخبًا. لم يكن مؤدّى أمام الناس. كان في كل مكان — في الطريق، في الأرض، في الطريقة التي استقام بها خميس حين التفت إليه أبوه، وفي الطريقة التي أبطأ بها الصبية من دون أن يُقال لهم الأمر مرتين. في كل مكان. وغير مرئي تمامًا لأي شخص لم يتعلّم بعد كيف ينظر إليه.

Scene Five
Malood and the Morning Disaster

جاء الصباح مرتديًا وجه السلام. وكانت تلك كذبته الأولى والأكثر أهمية.

لم تنتزع صوفيا من النومَ لا ضوءٌ، ولا أذان، ولا أي صوت من الأصوات التي كان صباح القرواشية قد علّمها بالفعل أن تتوقعها — بل صوتٌ لا ينتمي إلى الصباح. أثقل مما ينبغي. متعمّد أكثر مما ينبغي. بلا اعتذار.

مضغ. بطيء. إيقاعي. خررررك… خررررك… واثق تمامًا.

«جون…» تحرّك في مكانه. لم يفتح عينيه. «صباح الخير… شاي…» «جون. هناك شيء يأكل بيتنا.» انفتحت عين واحدة، بالكاد، وعلى مضض. «إذا لم يكن أسدًا، فسأنام.» ازداد صوت المضغ علوًا. صار أكثر يقينًا. «جون.» هذه المرة جلس.

التفتا معًا نحو الطاولة الصغيرة القريبة من الجدار. وهناك — متوازنًا فوق دفاتر جون برصانة كائنٍ مسح الخيارات المتاحة ووصل إلى قرارٍ هو في سلامٍ كامل معه — كان مالود واقفًا. يمضغ. اختفت زاوية صفحة في فمه في تقدّم بطيء ومنهجي، كأن لديه خطة للدفتر وينوي أن يمضي بها حتى نهايتها.

صمت. ذلك الصمت الخاص بشخصين ينظران إلى شيء ما زالا في طور تصديقه.

كانت صوفيا أول من انكسر. «لا — لا، لا، لا! هذا ورق!» نظر إليها مالود. توقف — بما لا يمكن وصفه إلا بأنه تفكير، كأنه يزن اعتراضها أمام شهيته هو. ثم واصل. بثقة أكبر، إن كان ذلك ممكنًا.

تحرّك جون — خارج الفراش، عبر الغرفة، ويده تمتد نحو الدفتر. «مالود! توقف!» أمسك بطرف. وشدّ مالود الطرف الآخر. تمزقت الورقة — تمزقًا نظيفًا وحاسمًا — نصفها في يد جون، والنصف الآخر أكمل رحلته. حدّق جون فيما بقي. وجه فارغ لرجلٍ يتلقى خبرًا كان يعرف مسبقًا أنه سيئ. «كانت هذه خطط دروسي.» وضعت صوفيا يديها على وجهها. «سنموت في هذه القرية.»

قفز مالود من فوق الطاولة وركض. طبعًا. وتبعه جون فورًا. «ارجع! أنت لست تيسًا — أنت مجرم!»

اندفعا إلى الخارج — ثم توقفت صوفيا. نظرت إلى يدها. فارغة بطريقة لم تكن فارغة بها من قبل. نظرت إلى الأرض. إلى الغرفة خلفها. إلى جون. «جون…» «نعم؟» «خاتمي…» التفت. نظر إلى يدها. سكن العالم كثيرًا. «لقد اختفى.»

نظرا كلاهما إلى الأرض. إلى الفراش. إلى الطاولة. إلى الباب. إلى بعضهما. ثم قالت صوفيا الجملة التي تغيّر كل شيء — بهدوء، بذلك السكون الخاص بشخصٍ فهم لتوّه شيئًا فظيعًا: «مالود كان هنا.» سكن جون تمامًا. كان هناك تفسير واحد ممكن فقط. كان هناك كائن واحد فقط في الجوار يمكن أن يكون مسؤولًا عن أي شيء مفقود، أو مكسور، أو مأكول، أو غير محسوب بأي طريقة أخرى.

Scene Six
Commands, Chaos, and Control

لم يمشوا للبحث عن ثرياء. بل ركضوا — والكلمات تخرج من صوفيا قطعًا، سريعة، وتتكسر فوق بعضها: «مالود أكل خاتمي — دمّر الدفاتر — هرب —» وقفت ثرياء. اشتدّ هدوؤها — لم يختفِ، بل انضغط في شيءٍ يتحرك أسرع. قالت: «أولًا، تنفّسا.» لم يتنفّسا. قالت: «سنجدُه.» وتحركت.

كانت القرية قد استيقظت للأمر بالفعل. كلمة واحدة تتحرك بين البيوت أسرع من أي شيء آخر — «التيس!» تبعوا الكلمة إلى بيت جار، حيث وقف رجل عند الباب بطاقةٍ خاصة بشخصٍ تجاوز المشهد أمامه كل مفردات الوصف المتاحة. «من صاحب هذا التيس؟!» وفي الداخل — مالود. في وسط الغرفة. يواصل. «أخذ طعامي! ملابسي! كسر سلّتي!»

همست صوفيا، بذلك الهدوء المخيف لشخصٍ عبر إلى الجهة الأخرى من الضيق: «أريد أن أختفي.» وقال جون، بجانبها، بجدية تامة: «إذا أكل جواز سفري، فسأنهي هذه الصداقة بنفسي.»

رآهم مالود. وركض. مرة أخرى. ما تبع ذلك كان موكبًا من الكوارث. مالود يتقدم. وهم خلفه. وانضم الأطفال، يصيحون ويضحكون، محوّلين المطاردة إلى شيءٍ يقترب على نحوٍ خطير من الاحتفال.

ثم استدار مالود وركض إلى بيتهم هم. إلى المطبخ. نحو القدر الكبير — وقفز. سقط القدر. انتشر الأرز على الأرض. وتبعه اللحم. وغطّى المرق كل شيء. تجمّدت الغرفة. جلست صوفيا أولًا. وجلس جون بجانبها. أغمضت ثرياء عينيها، مرة واحدة، ببطء. ثم قالت صوفيا: «غدائي.» نظر إليها مالود. مضغ ما كان لديه. غير منزعج. منتصر.

بعد وقت طويل — والخاتم ما يزال مفقودًا — اختارت ثرياء كلماتها بعناية. «هو على الأرجح… ابتلعه.» جلس شيء داخل صوفيا في هدوءٍ شديد. وفي ذلك المساء قالت — لا بدرامية، ولا بشكوى: «أنا أحب عُمان.» أومأ جون. «لن نشعر بالملل أبدًا.» ابتسمت ثرياء. «أهلًا بكم في حياة القرية.» ونام مالود — لا كحيوانٍ تسبب في كل ما سبق وصفه، بل كملكٍ أنهى عمل يومه ووجده حسنًا.

بحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى الصف مرة أخرى، كانت القصة قد وصلت قبلهم — عبر عيونٍ تحاول ألا تُظهر أنها تعرف، وعبر أفواهٍ تنضغط إلى الداخل من شدة الجهد. دخلت صوفيا — وهذه المرة من دون أن تتخيل شيئًا. دخلته فحسب. الغرفة الحقيقية، بطلابها الحقيقيين، في أعقاب صباحٍ حقيقي بالفعل. وقف جون إلى الجانب، يحمل ما بقي من دفتره: نصف خطة درس، والكرامة الكاملة لرجلٍ قرر أن يجد الأمر مضحكًا بدلًا من أي شيء آخر.

نظرت إلى الطلاب. أخذت نفسًا واحدًا. «حسنًا.» نظروا إليها فورًا. أشارت إلى الباب — بحزم. «Stop.» صمت. فهموا النبرة قبل الكلمة. كررتها. ترجمت ثرياء. وصل المعنى. ثم مثّلته صوفيا — خطوة إلى الأمام، ثم توقف كامل. «Stop.» وقف صبي. خطا خطوة. تجمّد. «Stop.» وتبعه آخرون — يقفون، يخطون، يتوقفون — والغرفة ممتلئة بأشخاصٍ صغار يكتشفون المتعة الخاصة في اختيار عدم الحركة.

رفعت يدها. هزّت رأسها. «Don’t.» مدّ طالب في المقدمة يده نحو شيء. أشارت إليه بلطف. «Don’t.» تجمّد. ابتسم. واستجابت الغرفة — أصوات تبدأ بالتكرار: «Don’t… Don’t…» كان جون يراقب، معجبًا رغمًا عنه.

ثم — «ماااااع.» التفت الصف كجسدٍ واحد. مالود. عند الباب. بالطبع.

أغمضت صوفيا عينيها. ثانية واحدة. ثم فتحتهما — وأشارت إليه مباشرة — «STOP.» حبس الصف أنفاسه. لم يتوقف مالود. دخل ماشيًا. انفجر الصف. رفعت صوفيا صوتها — «STOP!» — وكررها الطلاب معًا، عاليًا، بفرح. «STOP!» توقف مالود. ثانية واحدة. ثم واصل. أدار جون وجهه بعيدًا. تحركت كتفاه. «DON’T!» — وتبعه الطلاب — «DON’T!» معًا. كانت الغرفة ممتلئة بالكلمة، والطلاب ممتلئين بها، والكلمة صارت تخصهم بطريقة لم تكن تخصهم قبل خمس عشرة دقيقة. توقف مالود. توقف فعلًا. ثم — جلس.

فقد الصف ما بقي من تماسكه. ضحك في كل مكان. فرح كامل، بلا إدارة، يملأ الغرفة حتى سقفها. وضحكت صوفيا أيضًا. ثم أشارت إلى الطلاب — عبر الغرفة كلها. «Good.» كرروها فورًا. «Good!» أومأت. «نعم. Good.»

في نهاية ذلك اليوم، كانت السبورة ممتلئة. والأرض ممتلئة بالطباشير. والهواء ممتلئًا بالأصوات. وكان الجميع متعبين — تعبًا عميقًا، مُرضيًا، كاملًا.

حين غادر الأطفال، جلس جون. وجلست صوفيا بجانبه. نظرا إلى بعضهما. ثم ضحكا. ثم ضحكا أكثر.

قالت صوفيا: «نحن لسنا مستعدين.» قال جون: «بلى، نحن مستعدان.» ابتسمت ثرياء. وقالت: «هذا، هو البداية فقط.»

ثلاث كلمات تعلّموها. لا من كتابٍ مدرسي. ولا من خطة الدرس التي كانت تُهضم في تلك اللحظة في مكانٍ ما من القرية. بل من تيسٍ قرر على ما يبدو أنه إذا كان سيعطّل أول درس إنجليزي في السنة، فقد يساهم فيه أيضًا. Stop. Don’t. Good. ثلاث كلمات جاءت عبر الفوضى، وعبر الضحك، وعبر ذلك المزيج الخاص من الكارثة والفرح الذي بدا أن مالود يحمله معه في كل مكانٍ يذهب إليه، كشكلٍ خاص به من التربية. لم يمضِ الدرس كما خُطّط له. لقد مضى كما مضى. وأحيانًا — لا دائمًا، لكن أحيانًا — تكون تلك هي النتيجة الأفضل. — Palm Four / النخلة 4 —

PALM FOUR · The Morning Departure to the Souq
Palm
Palm Four
The Morning Departure to the Souq
Scene One
The Morning Departure

وصل الصباح إلى القرية بالطريقة التي تعلّمت الصباحات هنا أن تصل بها — لا بإعلان، ولا بآلية المدينة الصاخبة حين تستيقظ، بل بدرجاتٍ صغيرة. انزلق الضوء أولًا على الجبل، غاسلًا الحواف بذهبٍ شاحب. ثم بلغ الأسطح. ثم الجدران. ثم أخيرًا، الطرقات — حيث وجد أول زوجٍ من النعال يتحرك بالفعل فوق الغبار.

كان الهواء باردًا — ذلك النوع من البرودة الذي لا يوجد إلا في القرية قبل أن تقرر الشمس أن تصير نفسها. كان يحمل رائحة الأرض المبتلة من المواضع التي مرّ بها الفلج في الليل، وتحت ذلك، شيء أهدأ — رائحة خفيفة صاعدة للخبز وهو يُصنع في بيتٍ لا تستطيع رؤيته.

كان جون واقفًا عند الباب الخشبي لبيتهما الطيني الصغير، يضبط ساعته وينظر إلى الطريق المغبر. كانت الساعة تحفظ الوقت البريطاني بدقة تامة. أما الطريق فلا. كان الطريق يحفظ وقته الخاص، وقتًا أقدم، لم يستشر أحدًا قط في طول ما ينبغي أن يكون عليه الصباح. نادى إلى الداخل: «صفية؟ قالت ثرياء: مبكرًا. أظن أنها كانت تقصد… هذا المبكر.»

في الداخل، كانت صفية منحنية فوق حقيبة قماشية كبيرة، تطوي أشياء داخلها بتركيزٍ خاص لشخصٍ حُذّر مراتٍ عدة من ألا ينسى شيئًا. كان شعرها مربوطًا بالفعل. وكان وشاحها في مكانه بالفعل. وفي الحقيقة، كانت مستيقظة منذ ما قبل النداء الأول من نداءات الصلاة الثلاثة — لكنها لم تكن لتعترف بذلك، لأن بعض الصباحات خاصة.

قالت من دون أن ترفع نظرها: «أنا قادمة. أنا فقط… أتأكد.» «تتأكدين من ماذا؟» «أن لدينا كل شيء.» «نحن لا نحتاج إلى كل شيء.» «قد نحتاج.» «هل رأيتِ أمتعتنا في المطار؟» قالت صفية بهدوء: «ذلك كان انتقالًا. أما هذا فتسوّق.»

تأمل جون هذا التفريق. وقرر أنه لا يملك ردًا آمنًا.

وقبل أن يجد واحدًا — اندفع شيء صغير، سريع، وبلا أي احترام لمفهوم الأبواب المغلقة بين ساقيه ودخل البيت.

«مالود.» «ليس مرة أخرى.» «نعم، مرة أخرى.»

وقف التيس الصغير في وسط الغرفة — ساقاه متباعدتان قليلًا، رأسه مرفوع، وهيئته كلها هيئة كائنٍ قرر منذ زمنٍ بعيد أن هذا البيت بيته، وأن الإنسانين داخله مستأجران معقولان لديه. تفحّص الغرفة. حدد موقع الحقيبة. واقترب منها باهتمام.

قالت صفية من دون أن ترفع صوتها: «لا. لا، لا، لا. لن نفعل هذا اليوم.» نظر إليها مالود. تأمل العبارة. ثم جلس.

من الخارج، وصل صوت امرأة — مشرق، ساخط، ومألوف تمامًا: «معلووود! تعال هنا، يا مجنون صغير!» قال جون: «هذه عزيزة.» وقد تعرّف إلى صوت العمة التي تسكن على بُعد ثلاثة بيوت، والتي تقضي، بحسب تقدير صفية، نحو سبعين في المئة من ساعات يقظتها في البحث عن هذا التيس تحديدًا. قال: «تبدو متعبة.» «هي متعبة.»

حين تلقّى مالود اسمه من خلال الجدار، وقف. نظر إلى الباب. لم يتحرك. لاحظت صفية: «تبدو قريبة.» قال جون: «هي دائمًا تبدو قريبة. وهو دائمًا يبدو واثقًا.»

كان هناك شيء بدأت صفية تلاحظه في مالود — شيء لم تستطع بعد أن تضعه في كلمات بأي لغة تملكها. لم يكن يتصرف كحيوانٍ تاه ويبحث عن بيت. كان يتصرف كحيوانٍ لديه بيوت عدة، كلها له، ولم يقرر تمامًا بعد أي واحد منها يستحق حضوره هذا الصباح. لم يكن هذا سلوك حيوانٍ يُربّى. بل سلوك حيوانٍ يُتشارك. وهذا يعني، كما بدأت صفية تفهم، أنه لم يكن تيس أحد. كان تيس الجميع.

ربط جون الحقيبة. «حان الوقت.» رفعتها صفية، اختبرت وزنها، قبلت بحكم الفيزياء، وسلّمته نصفها. «مشاركة.» قال وهو يقبل: «هذا زواج.» صححت له: «هذا حساب.»

خرجا. وتبعهما مالود — لا مستعجلًا ولا مترددًا، بل آخذًا المكان خلفهما الذي يبدو أنه خصصه لنفسه. جاء صوت عزيزة مرة أخرى، أبعد هذه المرة، ولم يعد يحمل أملًا. قال جون: «أظن أنها استسلمت.» ردت صفية: «لم تستسلم. توقفت فقط.»

انطلقوا على الطريق. ثلاثة أشخاص وتيس — بلا عجلة، بلا انزعاج، وقد صاروا بالفعل جزءًا كاملًا من المشهد الذي وصلوا إليه قبل أسابيع قليلة فقط. وفي مكانٍ ما أمامهم، عند طرف القرية، كانت شاحنة بيك أب تنتظر — وكان الصباح على وشك أن يصبح شيئًا آخر تمامًا.

Scene Two
Dukkan Al-Hillah

كانت ثرياء تنتظرهم على الطريق — مرتبة بالفعل، متماسكة بالفعل، تنظر إليهم بتسلية صبورة لشخصٍ رأى الأجانب يصلون إلى هذا الطريق مراتٍ كثيرة من قبل، وتوقف الآن عن الاندهاش من أي شيء. «Good morning.» رد جون: «Good morning.» ثم قال: «أحضرنا… مستلزمات.» قالت ثرياء، وهي تلقي نظرة على الحقيبة: «نعم. أرى ذلك.»

استدارت وبدأت تمشي. «أولًا — دكان الحِلّة. نحتاج إلى حبل. وسلّة. وقِت.» كرر جون بعناية: «قِت؟» قالت: «سترى.» وكان يتعلم أن هذه هي طريقة ثرياء المفضلة في التعليم: أن تدع الشيء نفسه يقوم بالعمل.

كان الدكان صغيرًا. لا صغيرًا كما يكون الدكان في لندن صغيرًا — معتذرًا، واعيًا بتواضعه، وأمتاره المربعة محسوبة ومُسعّرة. بل صغيرًا كما يكون الشيء صغيرًا حين لم يفكر قط في أن يكون شيئًا آخر. كان بابه مفتوحًا. وفي واجهته صناديق خشبية من الأرز والسكر والشاي — الضروريات مرتبة لا للزينة بل للعمل، كما تُرتَّب الأشياء حين سيمد الناس أيديهم إليها مراتٍ كثيرة في اليوم. وعلى جدارٍ واحد عُلّقت سلال وحبال. وفي زاوية، معلقة مثل أزهارٍ مجففة في حصادٍ من نوعٍ مختلف جدًا — أوال وقاشع، معلّقين في صبرهما المالح والمشمس.

خلف المنضدة الخشبية — سادو. يبتسم تلك الابتسامة الخاصة التي يبتسمها دائمًا حين يدخل الزبائن: ابتسامة لا علاقة لها بالتجارة، وكل علاقتها بالمتعة البسيطة المعتادة في رؤية وجوهٍ يعرفها.

ثم، قبل أن يدخل أي إنسان — مالود. كان قد سبقهم. دخل أولًا. وكان بالفعل في الداخل، يتفقد الرفوف بهدوء مالكٍ واثق، كأنه مفتش وصل في جولته المقررة.

ضحك سادو — ضحكة كاملة دافئة ملأت الدكان الصغير كله. «مالود! شفتك! ماذا تريد اليوم، يا حبيبي؟» نظر إليه مالود. لم يجب. شرح سادو بمرح، لا لأحدٍ بعينه: «هو لا يجيب. هو يأخذ فقط.»

أشار جون، وكان يبحث عن كلمة يبدأ بها، إلى حزمة من أوراق خضراء موضوعة على المنضدة. «أنا… أريد هذا.» وقع صمت صغير. نظر سادو إلى ثرياء. ونظرت ثرياء إلى الأوراق. ضحك سادو مرة أخرى، بصوت أخفض هذه المرة. «قولي له — هذا قِت.»

كرر جون: «قِت.» صححت ثرياء، واتسعت ابتسامتها: «قِت. ليس kit. قِت.» حاول مرة أخرى. كان الصوت أفضل قليلًا. سألت صفية: «وما القِت؟» التفتت ثرياء إليها. بلطف. بحذر. تاركةً المزحة تصل من دون قسوة. «طعام للتيوس.»

نظرت صفية إلى الأوراق. إلى جون. إلى مالود، الذي أصبح فجأة مهتمًا بالمحادثة. «جون. لقد طلبتَ للتو طعام تيوس.» أضافت ثرياء بسخاء: «وبثقة. وهذا مهم في لغة جديدة.» تلقى جون الأمر بثبات. «إذن سأشتريه. لمالود. حتى لا يضيع الدرس.» قالت ثرياء: «هذا تفكير معلم.»

لفّ سادو القِت بخيط. دفع جون الثمن. أنزل الحزمة نحو مالود، فأخذها بتعبير لا يمكن وصفه إلا بالمتفاخر.

أما صفية، في تلك الأثناء، فقد توقفت أمام الأوال المعلّق. أمالت رأسها. ثم أمالته إلى الجهة الأخرى. لم يصبح السمك أكثر شهية من أي زاوية. «ثرياء… كيف يأكل الناس هذا؟» كانت عينا ثرياء صبورتين. «ببطء.» وقفة. «ومع الأرز.» وقفة أخرى. «ستحبينه لاحقًا.» «لاحقًا متى؟» «لاحقًا حين تجوعين بما يكفي.»

اشتروا الحبل. واشتروا السلة. وحملوا مشترياتهم إلى الخارج، إلى صباحٍ صار أكثر دفئًا قليلًا، وأكثر إشراقًا قليلًا، وأكثر شبهًا بنفسه قليلًا. وكان مالود يمشي خلفهم والقِت في فمه، بفخر — كأنه هو، شخصيًا، أجرى الصفقة، وهو الآن يرافق مشتراه إلى البيت.

Scene Three
Uncle Nasser's Pickup

في نهاية الطريق — كانت الشاحنة.

كانت رابضة عند حافة الممر كما يرقد الحيوان العامل: لا خاملة، بل متوقفة. ذلك النوع من التوقف الذي لا يعني غياب الحركة، بل الاستعداد لها.

نظرت صفية إليها، ثم نظرت إليها بمزيدٍ من التأمل، لأن عينيها كانتا قد وصلتا أسرع من فهمها. كانت قد رأت مركبات قديمة في إنجلترا. بل ركبت فيها مرة أو مرتين. لكن تلك كانت قديمة بطريقة عاطفية — يُحتفظ بها لأن أحدًا أحبها، مصقولة، تُقاد أيام الأحد. أما هذه فكانت قديمة بمعنى مختلف تمامًا. كانت قديمة لأنها تعمل. لقد عملت طويلًا، وعبرت أشياء كثيرة، حتى صار العمر أمرًا لا يمكن أن يُستخدم ضدها.

كان طلاؤها قد بهت إلى ما بعد أن يكون طلاءً. صار الآن سطحًا — شاحبًا، دافئًا، مسّه مئة عامٍ من الشمس — بلون شيءٍ فاوض الطقس، في هدوء. وعلى امتداد الأبواب، امتد الصدأ في خطوط رفيعة متعمدة، كأن الطريق كان يرسم عليها بحبرٍ بطيء صبور. وكانت الرفارف منحنية — لا متضررة، بل متشكلة، كما تتشكل الأيدي بما تحمله سنواتٍ طويلة. وحتى وهي ساكنة، كانت الشاحنة تُصدر صوتًا — نقرة صغيرة متقطعة من مكانٍ ما تحت الغطاء، وارتخاء بطيئًا في النوابض، وصريرًا خافتًا لمعدنٍ تعلّم الكلام.

وبجانبها — العم ناصر.

كان من ذلك النوع من الرجال الذي لم تره صفية كثيرًا، لأنه لم يكن من النوع الذي هيّأتها له طفولتها البريطانية. لم يكن طويلًا. لم يكن عريضًا. ولم يكن، بأي صورة ظاهرة، مهيبًا. لكن كانت له كثافة — لم تجد كلمة أخرى — صفة تجعل المساحة من حوله تنتبه. كانت دشداشته نظيفة لكنها ليست جديدة، وطرفها مسود قليلًا بالغبار الذي تقبله في النهاية كل أطراف الدشاديش العُمانية. وكان عمامه ملفوفًا بإحكام رجلٍ سيبقى عمامه ثابتًا في كل طقس. أما عيناه، فقد لاحظت أنهما تستقران أكثر مما تنظران — تحطان على الوجوه واحدًا بعد آخر، تمنحان كل وجه نصيبه من الانتباه، ثم تمضيان. فكرت: هكذا تبدو السلطة حين تكف عن الحاجة إلى رفع الصوت.

وفي يده اليمنى — لا مرفوعة، ولا ملوّحة، بل ممسوكة فقط — عصا الخيزران. ملساء عند المقبض. داكنة حيث جعلتها سنوات الأيدي داكنة. سجّلها كل طفلٍ في الساحة — لا بخوف، ولا بضغينة، بل بالوعي التلقائي نفسه الذي يصاحب أي طقسٍ متفق عليه.

كان الأطفال قد تجمعوا بالفعل. جلس علي على حجرٍ منخفض، وحقيبته بين ركبتيه، ينظر إلى الشاحنة كما ينظر بعض الصبيان إلى الخيل — بذلك الثبات الخاص لمن يحترم الشيء الذي سيحمله. ووقف أحمد خلفه — ظهره مستقيم، وقلمه في جيب قميصه مسبقًا، كأن القلم هو الشيء الصحيح الذي يجب أن يكون جاهزًا في أي رحلة من أي نوع. وكان خليل يساعد نورة على رفع صرتها القماشية الصغيرة إلى الشاحنة، ثم يساعد مثيلة في صرتها، ثم يساعد رحمة — يساعد من غير أن يُطلب منه ذلك، لأن المساعدة عند خليل لم تكن قرارًا. كانت رد فعل. أما مروة، وسليمة، ورحمة، فوقفن في مثلثهن المعتاد — بعيدات قليلًا عن الآخرين، لكن لا يبتعدن أبدًا عن بعضهن، يتحدثن بالصوت الخفيض نصف الهامس لفتياتٍ اتفقن، من غير أن يناقشن الأمر يومًا، أن يواجهن العالم كوحدة واحدة.

أما منصور، بطبيعة الحال، فكان يدور. حول الشاحنة. حول الأطفال. حول العم ناصر، وعلى مسافة محسوبة وحذرة. وحتى حين يقف ساكنًا، كان شيء فيه يتحرك بالفعل — قدم، كتف، حاجب.

رفع العم ناصر العصا. لا عاليًا. لا سريعًا. رفعها كما يرفع قائد الفرقة عصاه — ليعلن بداية. توقف الأطفال عن الحركة. حتى منصور توقف — جزئيًا. قال بالعربية: «اسمعوا». لم تكن الكلمة عالية. لم تكن بحاجة إلى ذلك. كان لصوته الخاصية نفسها التي يحملها الأذان. لا في النبرة. بل في الوزن. «اليوم نروح سمائل. اليوم ما شي شغب. اليوم — اللي يسوي شغب يلاقي هذه.»

لم يرفع العصا أكثر. أشار إليها فقط بأصغر التفاتة من معصمه. أومأ الأطفال دفعة واحدة، بجدية أناسٍ يصدقون على معاهدة وقّعوها مراتٍ كثيرة من قبل. توقف حاجب منصور عن الحركة.

مالت صفية نحو ثرياء. «هل يستخدمها فعلًا؟» لم تجب ثرياء على الفور. راقبت الأطفال. وراقبت العم ناصر. ثم — من غير أن تنظر إلى صفية، بل إلى الأطفال فقط — قالت بهدوء: «لم يحتج إلى ذلك قط.»

وفهمت صفية، من غير أن يشرح لها أحد، أن هذه هي فلسفة العصا كلها. لم تكن أداة عقاب. كانت أداة اتفاق — اتفاقًا مرئيًا في الخشب، حتى لا يحتاج الاتفاق إلى أن يُقال كل صباح.

لم تكن تعرف في تلك اللحظة أنها ستفكر في هذا كثيرًا في حياتها. ستفكر فيه حين تعود إلى لندن، بعد سنوات، وتشاهد المعلمين يحاولون أن يشرحوا، بجملٍ طويلة كثيرة، ما أوصله العم ناصر بقطعة خيزران واحدة لم يرفعها.

نظر جون إلى مؤخرة الشاحنة. ثم إلى صفية. ثم إلى مؤخرة الشاحنة مرة أخرى. فعل ذلك ثلاث مرات — تأرجح صغير بطيء — وكانت صفية قد تعلمت أن هذه هي طريقة جون في التفاوض مع الواقع حين يفشل الواقع، في أمرٍ صغير لكنه مهم، في مطابقة توقعاته.

«أين نجلس…» قالت ثرياء، مشيرة إلى الصندوق الخلفي: «هناك. أمسكوا بالجوانب المعدنية.» «لا توجد مقاعد.» «نعم.» «لا توجد… أحزمة.» «نعم.» ساد صمت طويل، مر خلاله وجه جون بعدة محطات فلسفية واضحة. «هل هذا آمن؟» «هو أكثر أمانًا من المشي إلى سمائل.» طال الصمت أكثر. «وهل المشي إلى سمائل غير ممكن؟» «نعم.»

التفت جون إلى صفية. كان وجهه، بعد رحلته، قد وصل إلى نوعٍ من الاستسلام رأت صفية أنه يليق به جدًا. «مغامرة؟» قالت، وهي تضع يدًا على جانب الصندوق الخلفي: «إذا متنا، فأخبر أمي أنها كانت فكرتك.» قال جون، ومد لها يده: «كان هذا هو اتفاقنا.»

أخذت يده. أخذتها بقوة أكثر مما تفعل عادة. صعدت إلى مؤخرة الشاحنة، وكان المعدن دافئًا — دافئًا بالفعل، فقد أمضت الشمس الصباح عليه — وتسرب الدفء عبر كفها إلى ذراعها مثل رسالة خاصة صغيرة.

رتب الأطفال أنفسهم بنعمة لا واعية لركابٍ قاموا، فيما بينهم، بهذه الرحلة مئة مرة. بعضهم عند جهة المقصورة، قريبًا من النافذة. وبعضهم في الخلف، أرجلهم متدلية. وبعضهم في عنقودٍ صغير في الوسط، الأكثر أمانًا، والأكثر تشاركًا. جلس أحمد بجانب صفية من غير نقاش — كأنه كُلّف بها، رغم أن أحدًا لم يفعل. أما مالود، أخيرًا، فقفز إلى عتبة الصندوق الخلفي باستحقاق مخلوقٍ قرر منذ زمنٍ طويل أنه من طاقم العمل.

قالت صفية: «أوه لا.» قال الأطفال معًا، وهم يضحكون مسبقًا: «نعم نعم.»

دار المحرك. لم يبدأ بانسياب — بدأ كما ينهض رجلٌ عجوز: بشكوى، وبرجفة صغيرة، ثم باستئناف ثابت لواجبٍ مارسه طويلًا. ارتفع الغبار من تحت العجلات في سحابة شاحبة ذات رأي. أخرج العم ناصر رأسه من نافذة المقصورة، وصاح بشيءٍ مرح لرجلٍ يقود جملًا في الجهة الأخرى من الطريق، وتلقى جوابًا صائحًا، فضحك — ضحكة قصيرة مفاجأة، كأن الجواب كان جيدًا — ثم أطلق المكبح.

بدأت الشاحنة تتحرك. فهم جسد صفية ما يحدث قبل عقلها. اشتدت قبضتها على الجانب المعدني — لم تطلب منه ذلك — وذهبت يدها الأخرى، من دون استشارة، إلى داخل مرفق جون. لم ينظر إليها. تحرك قليلًا فقط، أفسح لتوازنها مكانًا داخل توازنه، وأبقاه هناك.

لم يكن الطريق إلى سمائل مرصوفًا. لم يكن الطريق إلى سمائل مرصوفًا قط، وكان، عبر عقودٍ كثيرة، قد كوّن رأيًا شخصيًا عنيدًا في معنى النعومة وما لا يكون نعومة. لم يكن يؤمن بالنعومة. كان يؤمن بالصراحة. كل مطبٍ يعلن عن نفسه مقدمًا، ويسلم نفسه كاملًا، ثم يمضي إلى الذي بعده من غير اعتذار.

جاء أول مطب حقيقي بعد نحو أربعين ثانية. شعرت صفية به يصعد عبر الشاحنة — عبر المعدن، وعبر الألواح تحتها، وعبر قاعدة عمودها الفقري — ويخرج من مكانٍ قريبٍ من قمة جمجمتها. اصطكت أسنانها. ارتفع الوشاح حول وجهها. ودخل الغبار فمها في طبقة دقيقة خشنة استقرت فورًا على آخر لسانها.

قالت: «أوه. فهمت.» قال أحمد، بهدوء، بجانبها: «يصير أسوأ.» لم يكن يحذرها. كان يخبرها فقط.

«أسوأ من هذا؟» أومأ — لا بقسوة. بل بما يشبه الطمأنة. «في جهة الوادي.»

ضحكت. لا لأنه كان مضحكًا. بل لأنه لم يكن ثمة شيء آخر يستطيع الإنسان فعله بشكلٍ معقول، في مؤخرة شاحنة غير متوازنة، والغبار بين أسنانه، وطفل في التاسعة يحذره من جهة الوادي.

المطب التالي. ثم التالي. توقفت عن الانتفاض. بدأت، بدلًا من ذلك، تركبها — تليّن ركبتيها، وتدع عمودها الفقري يمتص ما لا تستطيع ذراعاها تثبيته. وكان أحمد، بجانبها، يفعل الأمر نفسه — بل كان يفعله طوال حياته، وربما منذ ما قبل أن يستطيع المشي — ولم يفكر في ذلك مرة واحدة.

رفعت رأسها. كانت الجبال أقرب مما توقعت، وأكبر، وأكثر احمرارًا — حمراء حديدية عميقة لم ترَ مثلها في لوحة، ولا صورة، ولا كتاب. انعطف الطريق. وانفتح إلى يمينهم مجرى صغير — وادٍ ضيق — ثم انغلق مرة أخرى، سريعًا، كصفحة تُقلب.

قالت: «جون…» مال نحوها. «نعم؟» «توقفت عن الخوف.» ابتسم. «متى؟» «لا أعرف. في مكانٍ ما حول المطب الحادي عشر.»

ضحك. وكان أحمد، وهو يستمع، لا يفهم من الإنجليزية إلا إيقاعها، لا الكلمات. لكن الإيقاع أخبره بما يكفي. فابتسم هو أيضًا.

ثم وقف منصور — لأن قوانين منصور أبدية. وقف في مؤخرة شاحنة متحركة. بطوله الكامل. ذراعاه مفتوحتان كطائر. «I AM FLYING!» التفتت ثرياء من الأمام بسرعة. «منصور، اجلس!» جلس منصور. بسرعة. كدمية قُطع خيطها. ضحك الأطفال. وضحك هو على نفسه — وكانت صفية بدأت تدرك أن هذه ميزة منصور الوحيدة المنقذة: أنه دائمًا أول من يضحك على نفسه.

مروا برجلٍ على حمار. رفع الرجل يده. ورفع العم ناصر يده ردًا من غير أن يلتفت — إشارة مقتصدة، لا تزيد على ما يلزم. تحية صُنعت، حتى ذلك الوقت، آلاف المرات، وصُقلت حتى صارت بحجمها الدقيق. راقبت صفية التبادل — ثانية واحدة، لا أكثر — وشعرت، من غير أن تعرف لماذا، أنها رأت شيئًا مقدسًا.

مروا ببساتين نخيل. ومروا بقطيع ماعز تحرك، من غير استعجال، إلى طرف الطريق كأن الشاحنة إشاعة سمعها لكنه لم يصدقها تمامًا. ومروا بامرأة تمشي وحزمة على رأسها — توازن تام، وحمل تام — فرفعت المرأة نظرها، ورأت ثرياء في المقعد الأمامي، ولوّحت لها.

سألت صفية: «من هذه؟» كان على ثرياء، وهي تلتفت، أن ترفع صوتها فوق صوت المحرك. «أم سالم. تعلّم البنات في مسفاة كيف يصنعن البخور.» «من ماذا؟» «من كل شيء. سترين.»

سترين. بدأت صفية تشك أن هذه هي العبارة الوطنية عند ثرياء. سترين. أربع مقاطع. تُستخدم بدل الشرح. بل تُستخدم، في الحقيقة، شرحًا — لأن الرؤية في هذا البلد، كما كانت تفهم ببطء، لم تكن خطوة إضافية بعد السماع. كانت الرؤية هي الطريقة الأساسية. الكلمات لا تفعل إلا أن تهيئ العين.

في مكانٍ ما حول الدقيقة العشرين — أم كانت الثلاثين؛ كان الزمن في مؤخرة الشاحنة قد صار غير موثوق — انتبهت صفية إلى أنها لم تعد تمسك الجانب المعدني بكلتا يديها. كانت يدٌ واحدة مرتخية إلى جانبها. اتخذ جسدها قرارًا لم تُستشر فيه. قرر أن يثق. أن يثق بالعم ناصر الذي يمسك بالمقود. وأن يثق بالأطفال، الذين ما زالوا جميعًا في الشاحنة ويضحكون. وأن يثق بالطريق، الذي صار، رغم كل توقعاتها، بطريقته الصادقة القاسية، نوعًا من المعلم.

نظرت إلى جون. كان شعره أبيض بالغبار. وحاجباه أبيضين. واستقر هلال صغير من الغبار على شفته السفلى. وكان يبتسم. تمامًا. بلا تحفظ.

«جون…» «مم؟» «أظن أنك كنت تنتظر هذا طوال حياتك.» نظر إليها. فكّر في الأمر بجدية. «أظن أنك قد تكونين على حق.»

التفتت ثرياء من الأمام مرة واحدة ورأتهما — أبيضين بالغبار، يضحكان، ويميلان قليلًا أحدهما إلى الآخر كما يميل الناس حين لا يعودون منشغلين بأن يبدوا مثل أنفسهم. ابتسمت — أوسع ابتسامة رأتها صفية منها حتى الآن. ابتسامة شخصٍ عرف، منذ اللحظة التي التقى فيها هذين الاثنين، أن الطريق سيعيد ترتيبهما، وهو الآن يشاهد إعادة الترتيب وهي تحدث. قالت فوق صوت المحرك: «أنتم تتعلمون.»

تدحرجت الشاحنة إلى الأمام. واقتربت الجبال. وامتد الغبار خلفهم في سحابة طويلة شاحبة تكتب اتجاههم على هواء الصباح. وفهمت صفية — وهي ممسوكة بين زوجٍ بريطاني يبتسم، وصبي عُماني متوازن بهدوء، ومعلمة تعرف تمامًا ما تفعل، وتيس لا شأن له بوجوده هنا — أنها لم تعد زائرة. ولم تكن بعد مقيمة. كانت شيئًا بينهما. شيئًا لا تملك الإنجليزية له كلمة تمامًا. شيئًا ربما كان الطريق قد سمّاه لتوّه.

Scene Four
Samail Market

لم تصل سمائل. بل تجمّعت.

أولًا — مزيد من الجدران. ثم جدران بدأت تلتقي عند زوايا، مكوّنة شيئًا يمكن أن يُسمى، إذا كنت كريمًا، شوارع. ثم قطيع صغير من الماعز يسوقه على طرف الطريق صبي ربما كان في السابعة، لم يرفع رأسه حين مرت الشاحنة لأن أمامه مهمة أخطر بكثير. ثم امرأة تحمل ماءً في وعاء معدني متوازن على رأسها، وتمشي بسكونٍ لم يكن غيابًا للحركة بل إتقانًا لها. ثم مزيد من الدكاكين. ثم مزيد من الأصوات. ثم — من غير أن يعلن أحد ذلك، ومن غير أي لافتة — كانوا في السوق.

أوقف العم ناصر الشاحنة في رقعة غبار بجانب جدار منخفض. احتج المحرك مرة واحدة، كأن لديه رأيًا أخيرًا يريد التعبير عنه، ثم سكت. أما الغبار فلم يسكت. واصل الغبار هبوطه البطيء على ملابسهم، وشعورهم، وجلودهم، بدقة غير مستعجلة لشيءٍ يملك كل الوقت في العالم. قالت ثرياء من الأمام: «وصلنا.» صححت صفية: «نجونا.»

نزل الأطفال أولًا. فعلوا ذلك كما يفعلون معظم الأشياء — بلا مشاورة، بلا مراسم — ثم رتبوا أنفسهم في هيئة فضفاضة مرنة لمجموعة تعرف، من داخلها، أين أطرافها. وضعت صفية كلتا يديها على الجانب المعدني الدافئ للشاحنة. نظرت إلى الأسفل. كانت الأرض بعيدة جدًا، كما تكون الأرض دائمًا بعيدة جدًا عن إنسانٍ ظل في شاحنة متحركة أربعين دقيقة وصارت لساقيه الآن آراء خاصة.

قفز جون أولًا — هبط على نحوٍ غير متقن، وتدارك نفسه، وضحك. ثم رفع يديه إليها. «تعالي.» فجاءت. لمست قدماها الأرض، وبدت الأرض، لثانية غريبة جدًا، ساكنة على نحوٍ مشكوك فيه. لم يكن الجسد يؤمن بالسكون بعد. كان الجسد لا يزال يهتز بشاحنة لم تعد تتحرك. وقفت لحظة، راحتا يديها مسطحتان على تنورتها، تنتظر ساقيها حتى تلحقا بوصولها.

ثم رفعت رأسها. وتوقفت.

لم ينفتح سوق سمائل أمامها في مشهد واحد. انفتح طبقات. أولًا الصوت — نسيج معقد متصل من أصوات كثيرة تسير في اتجاهات كثيرة وبسرعات كثيرة، لا شيء منها بالإنجليزية، ومعظمها ليس حتى من العربية التي بدأت، ببطء شديد، تتعرفها. ثم اللون — حمرٌ لم ترَ مثلها على قماش، وصفرٌ لم تظن أنه متاح للصبغ البشري، وخضرٌ بدت أقل شبهًا باللون وأكثر شبهًا بحجة. ثم الرائحة — وجاءت الرائحة آخرًا، لأنها كانت الأصعب في التصنيف. بهارات. خبز. حيوان. عرق. أرض. ماء على حجر. شيء يحترق في مكانٍ ما، ربما كان بخورًا وربما كان فطورًا. حمضيات. ماعز. قهوة. غبار. وخلفها كلها، أقدم منها كلها، اللسعة الخافتة التي لا تُخطئ للملح والسمك المعالج.

فهمت، بطريقة لا يمكن وضعها في جملة، أنها تقف داخل قطعة من الزمن لم تتغير ربما منذ ثلاثمئة عام. طبعًا، حدثت تعديلات — وعاء معدني حيث كان يمكن أن يكون وعاء طين، وقماش مصبوغ بحمرة أحدث. لكن البنية — بنية الحركة، والتبادل، وكيف يطلب الإنسان شيئًا وكيف يُعطى الشيء — لم تتحرك.

قالت: «جون…» كان بجانبها. كان يراقب وجهها، أي أنه كان يراقب وصولها. «نعم؟» «هذا ليس سوقًا.» «لا؟» «هذا بلد ضُغط في ثلاثة شوارع.» وابتسمت ثرياء، بجانبهما، ابتسامة هادئة لشخصٍ وصل تلميذه، من غير مساعدة، إلى الجواب الصحيح.

بدأوا يتحركون خلاله. كانت ثرياء تقودهم — لا بسرعة، ولا كمرشدة، بل بذلك الإيقاع الخاص لشخصٍ جاء إلى هنا مئة مرة، وتعلم مئة مرة أن لا فائدة في العجلة. وكان الأطفال يمشون حولهم في كوكبتهم الفضفاضة — خليل يساعد بالفعل طفلة صغيرة ليست من جماعتهم على جمع شيءٍ أسقطته، وأحمد يراقب منصور بعناية، ونورة تسبقهم بثلاث خطوات وتسأل أول صاحب دكان تصل إليه عن كل شيء.

مر رجل يحمل دجاجة حية تحت كل ذراع. ولم تبدُ الدجاجتان منزعجتين. ونادى رجل آخر على سعر التمر بصوتٍ موسيقي حتى إن صفية نسيت لحظة أنه يبيع شيئًا، واكتفت بالاستماع. كان التنغيم يصعد وينخفض مثل بيتٍ صغير — سعره في الأعلى، وتبريره في الأسفل، وبينهما وقفة صغيرة مقنعة. فكرت: هذا ليس بيعًا. هذه حرفة الإقناع كفنٍ شفهي صغير، يمارسه يوميًا رجال لم يسمعوا بكلمة فن، ومع ذلك أتقنوه.

توقفت صفية، من غير قصد، بجانب امرأة أمامها حصير كبير من اللبان. كان الراتنج في أكوام — ألوان مختلفة، وأحجام مختلفة، ودرجات مختلفة. وبجانب كل واحد بطاقة صغيرة مكتوبة بخط اليد بالعربية، فيها رقم. رفعت المرأة نظرها. ربما كانت في السبعين — وجهها مجوّى بتلك الطريقة الخاصة لنساءٍ عملن في الخارج بصبرٍ لعقود — وفي عينيها تقييم خاص بتاجرة رأت كل نوعٍ من الزبائن خلال أربعين سنة، وقد صنفت هذه الزبونة منذ الثانية الأولى.

التقطت المرأة حجرًا ذهبيًا صغيرًا بين إبهامها وسبّابتها. سحقته بخفة، بثقة من تستطيع معرفة الدرجة من الرائحة وحدها. ومدته إلى صفية. لا لتبيعه. بل لتشاركها.

انحنت صفية. لم تعرف لماذا. كان في الإشارة شيء — دعوة صغيرة، صامتة ومكتملة. شمّت. انغمضت عيناها لا إراديًا. لم تكن الرائحة تشبه شيئًا شمته في لندن. ولا شيئًا شمته في القرية. كانت أقدم من الاثنين. حلوة وجافة وعالية في آخر الأنف، وتحت ذلك شيء راتنجي عميق، كأن شجرة تفصح عن أبطأ أسرارها.

فتحت عينيها. كانت المرأة تبتسم — ابتسامة صغيرة خاصة. قالت شيئًا بالعربية. ترجمت ثرياء، التي كانت قد توقفت بجانبهما، بهدوء: «تقول — هذا حوجري. الأفضل. لبان الملوك.» «…شممتُ لبان الملوك.» «نعم.» «كم؟» ترجمت ثرياء السؤال. وسمّت المرأة سعرًا. دفعت صفية من غير مساومة. وبعد ذلك قالت ثرياء — برفق: «كان بإمكانك أن تساومي.» «أعرف.» «لكنك لم تفعلي.» «لا.» «لماذا؟» فكرت صفية طويلًا. «لأنها جعلتني أشمه أولًا. قبل أن تسمي السعر. هذا ليس صفقة. هذا تقديم. ولا تستطيعين أن تساومي على تقديم.» نظرت إليها ثرياء ثانية طويلة. ثم أومأت — ببطء، وباستحسان. قالت: «جيد. أنت تقرئين السوق قراءة صحيحة.»

مضوا. وضعت صفية اللفافة الورقية الصغيرة من الحوجري في حقيبتها — ولاحظت أنها وضعتها لا في الأعلى، حيث ستحتاج إلى إيجادها ثانية، بل بعناية في القاع، بين طيات وشاحها الناعمة، حيث تكون محمية. لم تفحص سبب فعلها ذلك. كانت تتعلم أن بعض الأفعال تصل قبل الشرح، ولا تحتاج إليه.

بعد عدة بسطات، توقف جون. كان يقف أمام طاولة خشبية صغيرة وُضع عليها، فوق قطعة قماش مسطحة واحدة، جسد أوال كبير مهيب. كان طوله ربما بطول ساعده. كان بلون فولاذ قديم. لم يلمع بأي طريقة زخرفية. كان مستلقيًا فقط، صبورًا ومكتملًا، بكرامة شيء كان سمكة وصار الآن، بقدرٍ من الوقار، شيئًا آخر.

نظر بائع السمك — رجل أكبر سنًا له يدان هائلتان صبورتان، ولحية بيضاء من ذلك النوع الذي يبدأ على حافة الفك ويصل، في النهاية، إلى الصدر — إلى جون. «أوال؟» قال جون مشيرًا: «نعم. أوال. أريد… هذه.» رفع الرجل حاجبًا واحدًا. لا سخرية. بل تقييمًا. «كبيرة؟» «كبيرة.» «للعائلة؟» «من أجل… التجربة.» نظر جون إلى ثرياء. ترجمت ثرياء ذلك. فضحك بائع السمك — ضحكة كاملة عميقة، ضحكة رجلٍ انتظر طوال حياته العملية أن يعطيه أجنبي هذه الإجابة تحديدًا. قال: «طيب. جيد.»

لفها. أولًا في ورق نظيف، ثم في قماش، ثم ربطها بقطعة من خوص النخل باقتصاد حركة يوحي بأنه ربط ربما عشرة آلاف عقدة كهذه في حياته العملية، ولا نية لديه أن يبدد أي حركة منها الآن. ناول اللفافة.

تسلمها جون. فاجأه وزنها — أثقل مما توقع، وأكثر حضورًا. ثم جاءت الرائحة. ضربته الرائحة بعد الوزن — رائحة معقدة، طبقية، لا تعتذر أبدًا، رائحة سمك مُلّح، ثم جُفف تحت شمس مباشرة أسابيع، ثم عُلّق بصبر في الظل، ثم بعد أشهر من هذا التمليح البطيء، ركّز المحيط كله في لفافة صغيرة صبورة ذات رائحة.

تراجعت صفية خطوة كبيرة، دبلوماسية تمامًا. «جون.» «نعم؟» «رائحته قوية.» «أعرف.» «لا. أنت لا تعرف. رائحته قوية بقناعة.» «أرى الفرق.» ضحك بائع السمك، وقد فهم النبرة لا الكلمات، مرة أخرى — أدفأ هذه المرة. قال شيئًا لثرياء. ترجمت ثرياء مبتسمة: «يقول — السمكة لها شخصية. ليست كل سمكة لها شخصية. هذه لها.» قالت صفية: «هذه طريقة كريمة في وصفها.» قالت ثرياء: «ستعتادين عليها.» «متى؟» «عندما تتوقفين عن حبس أنفاسك.»

نظر جون، وهو يحمل اللفافة على امتداد ذراعه، لا بطول ذراعه كله، لكن قريبًا من ذلك، إليها وقال لها بهدوء كما يخاطب رجلٌ حيوانًا لا يعرف إن كان نائمًا: «الأمر ليس شخصيًا.» ولم ترد السمكة، لأنها مجففة ومملحة وخارجة تمامًا عن شؤون هذا العالم.

مضوا. وواصلت صفية المشي على مسافة خفيفة محسوبة من جون ومشتراه — مسافة كانت في معظمها حنانًا، وقليلًا احترازًا، وبكاملها عقلانية. لكن انتباهها كان قد تغير. لم تعد ترد فعلها على الأشياء. بدأت تتوقعها. أي البسطات ستكون مزدحمة. أي الباعة سيتكلمون أولًا، وأيهم سينتظر. أين تتدفق البضائع، وأين تتجمع. ومن غير أن تتعلم ذلك، بدأت تقرأ السوق كما تقرؤه ثرياء — ككائن حي له تيارات ودوامات وقواعد.

مرت بتاجر قماش يفرد قطعة طويلة خضراء داكنة لزبونة. ومرت برجل يلحّم قدرًا معدنيًا صغيرًا بلهبٍ ممسوك باليد، فرائحة المعدن الساخن تنضم إلى روائح السوق الأخرى من غير اعتذار. ومرت ببائع تمر يرتب تموره حسب الصنف — الداكنة إلى اليسار، والصغيرة الشاحبة إلى اليمين — كل كومة تل صغير لامع.

ركض صبي ربما كان في الخامسة أمامها، يطارد جدياً مربوطًا لا يفهم قواعد السباق لكنه يركض على أي حال. كاد الصبي أن يصطدم بصفية، فتوقف فجأة، ونظر إليها إلى الأعلى، وقال «sorry» بإنجليزية شديدة العناية — من الواضح أنها كلمة علمه إياها معلم — ثم ركض قبل أن تستعيد نفسها بما يكفي لتجيب. وقفت لحظة. ثم ضحكت. بصوت عالٍ. بلا تحفظ.

كانت ضحكة إنسانٍ عبر، من غير أن يلاحظ، عتبة داخلية صغيرة. لم تعد داخل هذا السوق كزائرة. كانت داخله كإنسانة. كان الفارق مهمًا. لم تكن تعرف بعد لماذا هو مهم. كانت تعرف فقط أنه كذلك.

وكانت ثرياء تراقب بهدوء شديد. رأت لحظة اللبان. ورأت الضحكة. لم تقل شيئًا. وضعت يدها، لثانية واحدة فقط، على ذراع صفية — بخفة، وباختصار، ومن غير تعليق — ثم تركتها تهبط ثانية. كانت صفية تتعلم أن بعض الأشياء لا تُؤكَّد بالكلام، بل بإشارات صغيرة مشهودة.

صفقت ثرياء بيديها مرة واحدة — بخفة، بالقدر الكافي فقط. فتجمع الأطفال — الذين كانوا قد تفرقوا على ثلاث بسطات مختلفة، وكل واحدٍ منهم يصنع بطريقته استكشافاته الصغيرة — والتفت جون. والتفتت صفية. وحتى مالود — الذي كان، في الدقائق الفاصلة، قد وجد ملفوفًا يعود لشخصٍ ما — رفع رأسه.

قالت ثرياء: «والآن، نتعلم.»

Scene Five
I Want

نظرت ثرياء إلى الطلاب. «اليوم سنتعلم جملة واحدة.» سكن الأطفال. حتى منصور، للحظة. سألت نورة: «واحدة فقط؟» أكدت ثرياء: «واحدة فقط. لكنها ستنفع مئة مرة.»

أخرج جون ورقة من جيبه. كان قد طواها بعناية شديدة ذلك الصباح — بعناية من يطوي شيئًا وهو يعرف أن ذلك الشيء سيُفتح أمام أطفال، والأطفال، كما يعرف كل معلم، يستطيعون قراءة الثنيات. رفعها. وكتب، بحروف إنجليزية كبيرة وواضحة، ما طلبت منه ثرياء أن يكتبه.

I WANT…

كلمتان. وبعدهما وقفة. مساحة صغيرة مفتوحة يمكن أن يدخل فيها أي شيء في العالم.

وهي تنظر إلى هاتين الكلمتين على تلك الورقة الصغيرة، واقفة في وسط أكبر سوق وأكثره ضجيجًا حاولت يومًا أن تبقى هادئة داخله، شعرت صفية بشيء يكاد يكون تعرفًا. لا على الجملة — فقد عرفت تلك الجملة طوال حياتها. بل على فعل تعليمها. على الكرم الصامت في أن تمنح إنسانًا جملة يستطيع الآن أن يدخل بها أي دكان في البلد. فكرت: هذا ما تكونه اللغات حقًا. ليست نحوًا. ليست مفردات. بل أبواب. تُعطى للناس. كي يعبروا من خلالها.

قالت ثرياء — بوضوح وببطء: «I want…» حاول الأطفال. «I want.» «I want.» «I… want.» قالت ثرياء: «جيد جدًا. الآن — نستخدمها.»

أشارت إلى بسطة قريبة. كومة صغيرة من التمر. وصاحب دكان لطيف فضولي، كان نصف مستمع بالفعل. «من يذهب أولًا؟»

تقدم علي من غير تردد. مشى إلى البسطة. نظر إلى التمر. شد ظهره الصغير. «I want… this.» رمش صاحب الدكان — مرة واحدة فقط. ثم ابتسم ابتسامة واسعة جدًا، ابتسامة رجلٍ لم يخاطبه أحد بالإنجليزية في سوقه منذ زمنٍ طويل، وقد مُنح جدة ذلك من صبي يبدو، بكل معنى الكلمة، جادًا تمامًا. قال صاحب الدكان، وهو يناوله تمرة: «تفضل، يا حبيبي. خذ. خذ.»

هلل الأطفال. عاد علي والتمرة في يده — وعلى وجهه الفخر الهادئ لإنسانٍ استخدم، للمرة الأولى في حياته، لغة أجنبية ليحصل على شيء. قال بدهشة: «نجحت.» قالت ثرياء: «نعم. نجحت.»

اندفع منصور إلى الأمام. بالطبع فعل. «أنا الآن! أنا أنا أنا!» وضعت ثرياء يدًا لطيفة على كتفه. «قل: I want.» أخذ منصور نفسًا — نفسًا كبيرًا، دراميًا، مسرحيًا — ومشى إلى قماشٍ عليه برتقال، وأعلن بأعلى صوته: «I WANT THIS! THIS! THIS!» نظر إليه بائع البرتقال. ثم إلى ثرياء. ثم إلى جون. ثم، ببطء ولطف رجلٍ رأى كل شيء وقرر ألا يفاجأ بأي شيء — ناول منصور ثلاث برتقالات. انهار الأطفال في الضحك. وصفية، التي كانت قد غطت فمها، أزاحت يدها عنه، وضحكت هي أيضًا.

شرحت ثرياء لصفية: «هو فهم. ثلاث مرات this — ثلاث برتقالات.» لاحظ جون: «القواعد كانت خاطئة.» قالت ثرياء: «النتيجة كانت ثلاث برتقالات. القواعد تأتي لاحقًا.»

ذهبت نورة بعدها. وكانت، بطبيعة الحال، قد أعدت خطابًا. «I want…» — توقفت، وفكرت، وتركت السوق كله ينتظرها — «…to know the name of every fruit in this market.» رمش البائع. وترجمت ثرياء برفق، بالعربية. فانفجر البائع ضاحكًا. ثم، بصبر — لأنها في العاشرة وقد سألت بصدق — بدأ يشير إلى كل فاكهة ويقول اسمها، بينما كانت نورة تومئ بجدية بالغة، كأنها تجري مقابلة لصحيفة لم يطلب منها أحد أن تكتب لها.

ذهب الأطفال واحدًا بعد آخر. أحمد، بدقة. خليل، بظرف. مثيلة، التي بدأت بالفعل توزع ما اشترته على الآخرين قبل أن تنتهي من شرائه. رحمة، ومروة، وسليمة، معًا — كما دائمًا — يطلبن، في الوقت نفسه، الشيء الصغير نفسه، ويتسلمنه في ثلاثة أكياس متطابقة.

وكانت صفية تراقب. كانت تراقب بانتباه لم تكن تعرف أنه موجود فيها. لم يكن هؤلاء طلابًا يؤدون درسًا على مضض. كانوا أطفالًا يكتشفون أن الجملة مفتاح. وأنك حين تملك المفتاح، تُفتح الأبواب. وأن الأبواب كانت موجودة طوال الوقت. لم يكن هذا تعلم اللغة كما عرفته في لندن. كان شيئًا أقدم. شيئًا أكثر مباشرة. شيئًا سيبقى مع هؤلاء الأطفال طويلًا بعد أن يُنسى أي كتاب دراسي يمكن أن تجلبه.

التفتت إلى جون. «لدينا الكثير لنتعلمه.» أومأ. «ليس الأطفال فقط.» «لا. ليس هم فقط.»

Scene Six
Habbabouh Saif

كانوا يقفون قرب بسطة أقمشة — وكانت صفية قد أصبحت مفتونة بلا حولٍ منها بقماشٍ قرمزي عميق — حين جاء صوت من خلفها.

وقد أدركت لاحقًا أنه وصل قبل أن تلتفت. وصل كما تصل بعض الأصوات — لا عبر الأذن أولًا، بل عبر التعرف. كان الصوت يتكلم إنجليزية لا عيب فيها. لا إنجليزية حذرة. ولا تلك الإنجليزية الدقيقة لناطقٍ بلغة ثانية. بل شيء آخر. شيء أوسع. إنجليزية تُقال كما يتكلم الإنسان لغة عاشت في فمه زمنًا طويلًا جدًا.

«Good morning. You must be the new teachers.»

التفتت صفية. والتفت جون. وابتسمت ثرياء قليلًا، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.

كان رجل يقف أمامهم — مسنًا، لكنه ليس واهنًا. لم تكن كلمة «عجوز» تناسبه تمامًا؛ لعل الكلمة الأفضل كانت: مستقر. وصلت لحية بيضاء إلى بعض صدره. وكانت عيناه طيبتين بطريقة بدت كأنها خاصية بنيوية في وجهه، لا تعبيرًا يختاره. دشداشته بسيطة. وكمته مطرزة، وكان التطريز قديمًا جدًا.

انفتح فم جون. انغلق. ثم انفتح ثانية. «أنت… تتكلم الإنجليزية.» «نعم.» «بإتقان.» «كان لدي وقت.»

استعادت صفية صوتها أسرع قليلًا. «أين… أين تعلمت؟» ابتسم الرجل. ابتسامة صغيرة مضبوطة، ابتسامة إنسانٍ سُئل هذا السؤال من قبل ولديه إجابته جاهزة، لكنه ما زال يستمتع كل مرة بإلقائها.

«اسمي سيف. لكن هنا — الناس يسمونني حبابوه سيف.» أشار قليلًا — لا بأهمية، بل توضيحًا. «عملت سنواتٍ كثيرة مع الأسطول العُماني. وعشت — سنواتٍ كثيرة — في زنجبار.»

وصلت الكلمة كما تصل الكلمات حين لا تكون متوقعة. زنجبار. كانت صفية قد قرأت الاسم على الخرائط. وربما رأته مكتوبًا على جانب علبة شاي قديمة أو اثنتين في دكاكين بريطانية. لكنها لم تفكر قط في أنه مكان يمكن أن يعيش في ذاكرة رجلٍ مسن يرتدي كمة. ومع ذلك — ها هو هنا. حياة كاملة لم تكن تعرف بوجودها. جغرافيا كاملة مطوية داخل إنسان واحد. عُمان لم تكن قد أدركت بعد أنها عُمان بحار، لا جبال فقط.

كررت بهدوء: «زنجبار.» «نعم.» «نحن… لم نكن نعرف.» قال حبابوه سيف بلطف، ومن غير حكم، بل كمن يقرر حقيقة فقط: «معظم من يأتون إلى هنا لا يعرفون. لكن هذا البلد قديم جدًا. وكان في أماكن كثيرة. قبل أن تعرف الأماكن أنها أماكن.»

وجد جون نفسه جالسًا — على صندوق خشبي بجانب البسطة، من غير أن يقرر تمامًا. «أنت — لا بد أن لديك قصصًا.» «كثيرة.» «هل ستحكي لنا؟» قال حبابوه سيف: «نعم. ببطء.»

وفعل. حكى لهم بهدوء، بصبر رجلٍ قضى سنوات في البحر، عن زنجبار. عن السوق في ستون تاون. عن رائحة القرنفل على السفن. عن السواحلية التي تعلمها، والإنجليزية التي اكتسبها ببطء من قباطنة إنجليز، وكتبة هنود، وبحارة من عشرات الأمم، التقوا لحظات على أسطح السفن ثم مضى كل واحدٍ إلى طريقه. وقال، وهو ينظر إلى جون وصفية مباشرة: «اللغة ليست شيئًا تحمله. إنها شيء يحملك. سترون.»

كان الأطفال قد تجمعوا بصمت. ولم تقاطع ثرياء. أما مالود — على نحوٍ غير محتمل، مستحيل — فكان جالسًا عند قدمي الرجل، ساكنًا، منتبهًا، كأنه هو أيضًا يفهم أن اللحظة لا تحتاج إلى أي من تدخلاته المعتادة.

استمر السوق من حولهم. ارتفعت الأصوات وانخفضت. وانتقلت البضائع. وصُنعت الأسعار ونُقضت. لكن داخل تلك الدائرة الصغيرة، حول ذلك الصندوق الخشبي، فعل الزمن شيئًا نادرًا ما يفعله — توقف. أفسح مكانًا. وثبت نفسه مدة قصة.

حين نهض حبابوه سيف أخيرًا وودعهم — بالابتسامة الصغيرة نفسها — ظلت صفية واقفة وقتًا طويلًا بلا حركة. قالت: «ثرياء، كم شخصًا آخر مثل هذا لدى هذه القرية؟» ابتسمت ثرياء — الابتسامة البطيئة الطويلة لشخصٍ كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا. قالت: «كل واحدٍ منهم. أنتِ لم تلتقي إلا ثلاثة.»

في ذلك المساء، بينما كانت شاحنة العم ناصر تزمجر عائدة نحو القرواشية — أبطأ الآن، تحت سماء بدأت تميل إلى البرتقالي، والأطفال أهدأ، ومنصور نائم ورأسه على كتف أحمد، ومالود متكوّر عند حذاء جون، ومشتريات اليوم مكدسة بينهم — أخرجت صفية دفترها الصغير. وكتبت بخطٍ حريص، لا لنفسها، ولا لشخصٍ بعينه تمامًا:

اليوم، لم نذهب إلى السوق فقط. تعلمنا جملة. والتقينا رجلًا في داخله محيط. وبدأنا — بهدوء شديد، ومن غير إعلان — نفهم أن هذا البلد ليس بلدًا صغيرًا. إنه فقط بلد يحفظ نفسه في أماكن صغيرة جدًا.

قرأ جون الصفحة من فوق كتفها. لم يقل شيئًا. وضع يده فقط، للحظة قصيرة، فوق يدها.

أمامهم، كانت جبال سمائل تظلم في المساء. وخلفهم، كان أثر طويل من الغبار يحدد الطريق الذي عبروه. وفي مكانٍ بينهما — معلمان، ومرشدة، وعشرة أطفال، وتيس، وبداية حياة لم يكن أي كتابٍ دراسي جلبوه من لندن قادرًا على إعدادهم لها. — Palm Five / النخلة 5 —

··
PALM FIVE · The Souq, the Children, and the First Pickup
Palm
Palm Five
The Souq, the Children, and the First Pickup
Scene One
The Village Before the Village Woke

لم تكن تنوي أن تستيقظ بهذا القدر من البكور.

كانت النية أن تنام حتى يجعل الضوء النوم مستحيلًا — وكان ذلك سيستغرق، في هذا البيت بنوافذه الصغيرة وجدرانه الطينية السميكة، ساعة أخرى. لكن شيئًا أيقظها، وأيقظها بلطف، كما توقظ القرية الناس الذين ينتبهون.

بقيت ساكنة لحظة، تستمع. وببطء — صوتًا بعد صوت — ركب الصباح نفسه من حولها.

كان الصوت الأول، منخفضًا تحت كل شيء آخر، هو الفلج. كانت تسمعه كل صباح منذ وصلوا، لكنها لم تكن تسجله دائمًا. كان صوتًا متصلًا — لا ماءً تمامًا، ولا صمتًا تمامًا، ذلك الهمس الخاص الذي تصنعه المياه المتحركة حين تتحرك في القناة الحجرية الضيقة نفسها منذ زمن أطول من عمر أي إنسانٍ في القرية.

وفوقه — هديل حمامٍ خافت من مكانٍ ما في بستان النخيل. وديك، أبعد، يبدأ جداله الطويل غير المقتنع مع فكرة أن الصباح قد وصل. وصوت امرأة، في مكانٍ إلى الشرق، تهمهم — لا أغنية تمامًا، بل إيقاع امرأة تفعل شيئًا بيديها.

نهضت. بحذر — كان جون لا يزال نائمًا، تنفسه عميقًا ومنتظمًا، وذراعه ممدودة على المكان الذي كانت فيه. دسّت الغطاء بلطف حول كتفه، وخطت على البساط.

كانت الأرض باردة. والجدران الطينية تحفظ برودتها بعناية، كما كانت تحفظها منذ الساعات الأخيرة من الليل. مشت إلى النافذة الصغيرة ووقفت هناك.

لم تكن القرية قد أضاءت بعد. كانت في ذلك الوقت الطويل الفاصل الذي لا تملك الإنجليزية له كلمة دقيقة تمامًا، لكن العربية تملكها — الفجر. لا هو ليل. ولا هو صباح. شيء بينهما، لكنه شيء قائم بذاته، له لونه الخاص ونوعه الخاص من الهدوء. لم تكن السماء زرقاء بعد. ولم تكن وردية بعد. كانت فضية شاحبة مترددة، لون قرارٍ لم يُتخذ بعد.

رفعت شالها من الخطاف بجانب الباب. سحبت وشاحها فوق رأسها بهدوء، لا من باب المراسم، بل لأن برد ما قبل الفجر في القرية كان له طبع محدد — لا يؤلم، لكنه يصر على وشاح. ثم، من غير أن تقرر تمامًا، فتحت الباب وخرجت.

كان الهواء مختلفًا عن الهواء في الداخل. أبرد — كانت تتوقع ذلك — لكنه أيضًا أصفى، بطريقة لا تملك لها كلمة. كان يحمل رائحة الفلج أقوى هنا. ماء على حجر. أرض مبللة. وتحت الاثنين — بعيدة، محمولة على تيار هواء الفجر — رائحة خافتة لنار حطب تبدأ في مكانٍ ما.

مشت ببطء إلى نهاية الممر القصير الذي يقود من بابهم. ورأت القرية مستيقظة بطريقة لم ترها مستيقظة من قبل. لا قرية منتصف الصباح الصاخبة. ولا قرية الأطفال الراكضين، وسادو الصائح، ويوم السوق في العصر. شيء أسبق. شيء تحتفظ به القرية، ربما، لنفسها.

امرأة — أم حمد، حسبت، رغم أنها لم تكن متأكدة بعد من كل الأسماء — مشت في الممر الضيق تحمل جرة طين فارغة على كتفها. كانت ذاهبة نحو الفلج. كانت خطواتها غير مستعجلة ودقيقة، والجرة الفارغة لا تهتز على كتفها. كانت جالسة هناك فقط، كأنها تفهم دورها.

ومن بيتٍ أعلى قليلًا في الطريق، جاء الصوت الإيقاعي الكاتم لامرأة تدق شيئًا في هاون. هيل، ربما. أو حبوب قهوة.

مر رجل — لم تكن تعرف اسمه — يحمل حزمة قِت على كتفه. رآها، أمال رأسه قليلًا — تحية لا تحتوي حركة زائدة — ومضى. لم يحدق. لم يتوقف. اعترف بوجودها فقط، وتابع طريقه.

ومن المسجد الصغير قرب وسط القرية، بدأ الأذان. ليس عاليًا. غير مضخم — لم يكن هنا مكبر صوت، بل صوت رجل فقط، ثابت وواضح، منفرد. ارتفع الصوت وانخفض في الأنماط القديمة، وحمل الكلمات القديمة، وبدا أن القرية، من غير أن يتوقف شخص واحد، تعيد توجيه نفسها حول الصوت.

وقفت تستمع. لم تصلِّ — لم تكن الصلاة صلاتها — لكنها فهمت، وهي واقفة في ذلك الهواء البارد قبل الفجر، أنها تُمنح شيئًا. لا تعليمًا. ولا حتى دعوة. بل حضورًا فقط. الحق في أن تقف هنا، في هذه الساعة، وتشهد قرية تكون نسختها التي لا توجد إلا قبل أن يخرج الأطفال، وقبل أن تفتح الدكاكين، وحين يكون الفلج والحمام والأذان قد أخذوا الهواء كله لأنفسهم.

سمعت خطوة خفيفة خلفها. التفتت.

ثرياء. مرتدية ملابسها بالفعل. ومتحجبة بالفعل. وفي يديها فنجان صغير من شيء دافئ. لم تبدُ مندهشة لرؤية صفية واقفة خارج بابها عند الفجر. بدت كشخصٍ خمن، في الليلة السابقة، أن هذا قد يحدث.

«استيقظتِ.» «لم أكن أقصد.» «القرية توقظ الناس أحيانًا.» مدت ثرياء الفنجان. «قهوة.» أخذته صفية. كان دافئًا. تفوح منه رائحة الهيل وشيء آخر لا تعرف اسمه بعد. «شكرًا.» «اشربيها ببطء.» وقفة صغيرة. «وتعالي. اليوم سأريك الفلج.» «لقد رأيت الفلج.» ابتسمت ثرياء. قالت: «لقد رأيتِ سطحه. اليوم سترين الباقي.»

Scene Two
The Women at the Water

حين مشتا نحو القناة الرئيسية، كانت السماء قد استقرت على لونها. صارت وردية الآن — لا وردية رومانسية، ولا وردية لوحة مرسومة، بل وردية الفجر العاملة؛ وردية ستتحول إلى زرقة عادية ما إن تنتهي من مهمتها القصيرة.

وخلفهما، كانت القرية قد بدأت تستيقظ حقًّا. أصوات رجال — تبادل عربي قصير بين جارَين، بذلك الخفوت العميق المخصوص لرجال انتهوا لتوّهم من الصلاة، وراحوا الآن يتحدثون في أمرٍ يخص شاحنة أخ أحدهما. رنين كأس شاي يلامس صينية معدنية. خشخشة باب خشبي.

وأمامهما — الفلج. لكنه لم يكن الفلج الذي رأته في أسبوعها الأول. لم يكن فلج منتصف النهار، الصاخب بالأطفال، وبالنساء وهن يفركن القدور الكبيرة، وبفوضى الغسيل والحياة. كان هذا الفلج في ساعة النساء — الساعة الشاحبة الأولى، حين يكون الماء في أبرد حالاته وأنقاها، وحين تكون القرية، قبل أن تصبح مكانًا للجميع، مكانًا للنساء.

كانت هناك ست نساء. لم تكن صفية تتوقع ستًّا. توقعت واحدة، وربما اثنتين — كان الصباح لا يزال صغيرًا، وما كانت لتظن أن هذا القدر من الحركة سيكون حاضرًا منذ الآن. لكنهن كنّ هناك، كل واحدة في موضعها على امتداد القناة، وكل واحدة تؤدي عملها.

كانت المرأة الأقرب إليهما — أكبر سنًّا، ربما في الستين، ويداها مخضوبتان بالحناء — تملأ جرّة طينية. أنزلتها إلى القناة بحبل، تركتها تغوص، تركتها تمتلئ، ثم رفعتها، ووضعتها على الحجر. فعلت ذلك من غير أن تنظر إلى يديها. كانت تنظر، بدلًا من ذلك، إلى المجرى أدنى منها — حيث كانت امرأة أخرى تغسل شيئًا، وحيث كانت المرأة التي تحتها تغسل شيئًا آخر، وحيث كان طفل في آخر المجرى يشطف قطعة قماش. كانت المرأة الكبيرة تراقب لتتأكد أن قماش الطفل المشطوف لا يدفع شيئًا عكس مجرى الماء.

قالت صفية بهدوء: «ثرياء، كيف يعرفن الترتيب؟»

نظرت إليها ثرياء — بدفء، ومن غير عجلة. «للفلج قوانين.» «قوانين؟» «نعم. قوانين قديمة. أقدم منا جميعًا.» وأشارت — حركة صغيرة مقتصدة من معصمها. «ماء الشرب أولًا. قبل كل شيء. ثم ماء الصلاة — للوضوء. ثم ماء الطبخ. ثم الاغتسال — وللنساء وقت، وللرجال وقت. ثم غسل الملابس. ثم غسل القدور. ثم — في النهاية — يذهب الماء إلى الأفلاج للنخيل والمزارع.»

نظرت صفية إلى القناة. إلى النساء الست. إلى موكب الماء الهادئ المنظّم. إلى الطفل في النهاية، يشطف قطعة قماش كانت قد غُسلت قبل ذلك أعلى المجرى، في موضعٍ سيتجه منه الماء بعد ذلك إلى المزارع، لا عائدًا إلى مواضع الشرب.

قالت ببطء: «إذن هذا — ليس الماء نفسه. إنها القناة نفسها. لكنه ليس الماء نفسه.» نظرت إليها ثرياء باستحسان معلّمة أجاب تلميذها، وحده، عن السؤال الذي ظل عالقًا في مؤخرة الصف أسبوعًا كاملًا. «نعم.» «الماء يتحرك دائمًا. إذن المرأة في الأعلى لا تشرب أبدًا مما غسلته المرأة في الأسفل.» «نعم.» «والقوانين — ليست مكتوبة.» «لا.» «إنها فقط… معروفة.» وافقتها ثرياء: «يعرفها الجميع. كل طفل يعرفها قبل أن يبلغ العمر الذي يسأل فيه.»

عادت صفية بفكرها، بشيء قريب من الحرج، إلى أسبوعها الأول هنا. إلى اللحظة التي نظرت فيها إلى الفلج في منتصف النهار — نساء يفركن القدور، أطفال يرشّون الماء، وماعز يشرب — وفكرت، بهدوء وبتمام اليقين: هذا ليس نظيفًا. كانت مخطئة. وكانت مخطئة بطريقة أكبر من مجرد الخطأ في معنى النظافة. كانت مخطئة في تصورها لماهية النظافة نفسها. لم يكن الفلج متسخًا. كان الفلج أكثر نظام مائي منضبط وقفت بجانبه في حياتها. له قوانين. أقدم من أي قانون درسته. يعرفها كل طفل قبل أن يبلغ العمر الذي يسأل فيه.

رفعت المرأة الكبيرة ذات اليدين المخضوبتين بالحناء رأسها. رأتهما. ابتسمت. وقالت شيئًا.

ترجمت ثرياء بهدوء: «تقول: مرحبًا يا صفية. لقد رأَتْك من نافذتها.» «تعرف اسمي؟» «الجميع يعرف اسمك.» وقفة. «إنها قرية صغيرة.»

تكلمت المرأة من جديد — أطول هذه المرة. وبعدها ترجمت ثرياء وهي تبتسم: «تقول: بشرتك إنجليزية، لكن عينيك مثل عيني عُمانية. تبدين كما ينبغي لك أن تكوني. وتقول: حين تكونين مستعدة، تعالي وتعلمي حمل الماء. الأمر ليس سهلًا كما يبدو.»

ضحكت صفية — بهدوء، كي لا تزعج ساعة الفجر. «قولي لها إن ذلك يشرفني.» «هي تعرف بالفعل.» «كيف؟» نظرت إليها ثرياء. «لأنك جئتِ إلى هنا. عند الفجر. لتشاهدي.»

وقفتا مدة أطول في ضوءٍ فضي أزرق يصير ورديًا. كانت صفية تراقب — لكن بطريقة مختلفة الآن. راقبت الطريقة التي تغمس بها امرأة قماشها. والطريقة التي تطويه بها أخرى، وتعصره، ثم تطويه مرة أخرى. والطريقة التي يرفع بها الطفل في آخر المجرى نظره كل دقيقة تقريبًا ليتأكد من المرأة الكبيرة أنه يشطف كما ينبغي — نظرة تحقق لا قلق فيها، بل توقير.

وفهمت، من غير أن تحتاج ثرياء إلى قول ذلك، أنها قد مُنحت عتبة ثانية. كان السوق إحداها. وهذه كانت أخرى. وهذه، فكرت، أقدم.

Scene Three
John Enters the Water

بحلول منتصف الصباح، كان الفلج قد تغير مرة أخرى. غادرت النساء. وصارت السماء الآن زرقاء صافية، حاسمة في زرقتها. خرج الأطفال — وحين يخرج الأطفال في هذه القرية، يكون الفلج مملكتهم.

مشى جون وصفية في الطريق مع ثرياء. كان جون قد نام ذلك الصباح طويلًا، وعميقًا، وبشكلٍ كامل، واستيقظ بذلك الانتعاش الخاص بشخص لم يكن مستيقظًا عند الفجر، وبإدراكٍ خافت أن زوجته رأت شيئًا من دونه. لم يمانع. كان، في ضوء الصباح، في غاية اللطف.

ظهر الفلج. ومع ظهوره، ظهر الأطفال.

منصور. في الماء أصلًا. خليل. في الماء أصلًا. ثلاثة أولاد أصغر لا تعرفهم، في الماء أيضًا. أحمد — كما هو متوقع، وبدقة، وبطريقته الأحمدية — جالس على حافة الحجر، وقدماه في الماء، يقرأ كراسة تمارين صغيرة كان من الواضح أنه حملها معه إلى هناك لهذا الغرض. نورة، ليست في الماء، واقفة على الحافة وذراعاها معقودتان، وتلقي ما بدا أنه محاضرة في أمرٍ ما. مثيلة، ورحمة، ومروى، وسليمة، على مسافة قليلة، يتحدثن بهدوء في مجموعتهن المعتادة.

وفي وسط القناة، بامتلاكٍ واضح للمكان — مالود. يشرب. بالطبع.

قال جون بهدوء: «صفية.» «نعم؟» «أنا على وشك أن أفعل شيئًا لا ينبغي لي غالبًا أن أفعله.» «نعم.» قال، وهو ينحني بالفعل عند حافة الفلج: «أريدك أن تتذكري أنني قد حُذّرت.»

«جون —»

غمس كلتا يديه في الماء.

ضربه الماء ببرودته المطلقة التي لا تساوم. لم يكن باردًا قليلًا. ولا منعشًا فحسب. كان باردًا بالطريقة التي يكون بها ماء الجبال باردًا، حين يكون قد أمضى حياته القصيرة كلها في قنوات حجرية، تحت ظل النخيل، ولم يدفئه شيء قط. صعدت الصدمة في معصميه إلى كتفيه قبل أن يجد وقتًا ليقرر كيف يرد. وردّ بغسل وجهه.

خفض وجهه إلى يديه المقعّرتين وضغط الماء البارد على بشرته. مرة. مرتين. مرة ثالثة. انساب الماء على ذقنه وعنقه ودخل في ياقة قميصه، وتركه يفعل، لأنه في تلك اللحظة لم يكن قادرًا على تقرير أي شيء آخر.

رفع رأسه. كان كل طفل في الفلج يحدق فيه.

دام الصمت ثانية واحدة بالضبط. ثم قال خليل شيئًا بالعربية — سريعًا، خافتًا، ومبتهجًا بوضوح — فانفجر الأطفال.

وأشار منصور، واقفًا في القناة والماء يبلغ خصره، إلى جون وصاح: «مستر جون! أنت واحد منا!»

سأل جون وهو يمسح وجهه: «ماذا قال؟» وكانت ثرياء — التي كانت على وشك أن تتدخل، ثم قررت الآن أن اللحظة تجاوزت التدخل — قد ترجمت بابتسامة صغيرة عاجزة: «قال: أنت واحد منا.»

نظر جون إلى الأطفال. إلى منصور، والماء عند خصره، يبتسم ابتسامة واسعة. إلى خليل، الذي كان قد بدأ أصلًا يخترع أغنية عن هذا. إلى أحمد، يرفع عينيه عن كراسته بتعبير طفل صانت كرامته نفسها لأنه اختار ألا يتورط. إلى مالود، لا يزال يشرب، غير متأثر.

قال: «صفية، أشعر… بالانتعاش.» صححت له: «تشعر بالبلل. ليسا الشيء نفسه.» قال: «هما كذلك، اليوم.»

والغريب أنه لم يكن مخطئًا. كان للماء على بشرته شيء لم يعرفه ماء الصنبور قط. نظافة معدنية. ذلك المذاق الخفيف النظيف الذي يحمله الماء حين يكون قد أمضى وقتًا طويلًا داخل الجبال، يتحدث إلى الحجر. كان يستطيع أن يشعر به على جلده حتى بعد أن مسحه. ظل الجلد يرتعش بخفة، كما يرتعش بعد شيء لم يكن باردًا على الإطلاق.

صوت امرأة — من أسفل الطريق، صوت لا يعرفه — نادى بجملة طويلة بالعربية. ثم انضم صوت آخر. ثم ثالث. كانت النساء الأكبر سنًّا في الطريق قد رأينه.

سأل جون: «ماذا يقلن؟» أصغت ثرياء. ابتسمت. ثم ترددت — وكان ذلك غير مألوف من ثرياء، فهي لا تتردد كثيرًا. «إنهن يقلن…» «نعم؟» «إن الرجل الإنجليزي طويل. وإن وجهك طيب. وإحداهن تسأل: من زوجتك.» توقفت لحظة. «وأخرى تقول — إن تلك الزوجة محظوظة جدًا، لأن هذا الرجل غسل الآن في فلجنا، والرجل الذي يغسل في الفلج ينتمي قليلًا إلى القرية، وقليلًا أقل إلى بلده.»

سكن جون تمامًا. لا من ارتباك. بل من إدراك صادق وبطيء أنه مُنح للتو شيئًا ليس من السهل منحه. نظر إلى النساء في أسفل الطريق. رفع يده قليلًا — لا ملوحًا، بل مقرًّا ومحييًا. ابتسمت أكبر النساء سنًّا، وأومأت مرة، ومضت.

لم تقل صفية، الواقفة بجانبه، شيئًا. فقط وضعت يدها بخفة شديدة على أسفل ظهره — كما يفعل المرء، من غير إعلان، حين يرى أن شيئًا قد حدث لشخص يحبه. شعر بيدها. ولم يلتفت.

وظلت ثرياء، وهي تشاهد كل ذلك، صامتة مدة طويلة. ثم قالت بهدوء، كأنها تقول لنفسها أكثر مما تقول لهما: «الأمر يصير أسهل بعد هذا.» سألت صفية: «بعد ماذا؟» التفتت إليها ثرياء. كان وجهها مفتوحًا تمامًا. «بعد أن تصبح شخصًا تستطيع القرية أن تروي عنه الحكايات. قبل ذلك، أنت غريب. بعد ذلك، أنت شخصية.» «وجون صار الآن شخصية؟» قالت ثرياء: «جون صار الآن الرجل الذي غسل وجهه في الفلج. ستروي القرية هذه الحكاية عشر سنوات.»

«عشر سنوات.» «على الأقل.» رمش جون، وهو لا يزال مبتلًا. «هل هذا جيد؟» قالت ثرياء: «هذا ممتاز.»

Scene Four
Why We Say Good

كانت الاستجابة الحتمية لكل هذا — بعد أن جفف جون نفسه بقطعة القماش التي أخرجتها ثرياء، المستعدة لكل شيء، بطريقة ما من سلة صغيرة — أن يُعطى درس. لا لأنهم خططوا لذلك. بل لأن الأطفال تجمعوا الآن، والصباح جميل، وترك لحظة كهذه تمر من غير تعليم شيء كان، بالنسبة إلى جون، حرجًا مهنيًا.

انتقلوا من الفلج إلى الشجرة الكبيرة التي تقف على مسافة قصيرة منه. شجرة غاف — قديمة، صبورة، تتسع أغصانها لظل عشرين طفلًا. كانت الأرض تحتها صلبة مدكوكة من عقودٍ من الجلوس. أدركت صفية أنها كانت فصلًا دراسيًا قبل زمن طويل من أن يكون لأي فصل جدار.

جلس الأطفال. منصور، المبتل، جلس قريبًا جدًا من أحمد. ابتعد أحمد. تبعه منصور. تنهد أحمد — تنهد باحث في التاسعة من عمره حُرم مرة أخرى من كرامة العزلة.

جثا جون على ركبتيه. أخذ عودًا صغيرًا من الأرض. نظر إلى ثرياء. أومأت — إيماءة صغيرة تخص المعلّمين: تفضل.

رسم في الغبار كلمتين.

HELLO GOOD MORNING

أشار إلى الأولى. «Hello.» ردد الأطفال: «Hello.» وأشار إلى الثانية. «Good morning.» «Good morning.»

قالها منصور بصوت عالٍ جدًا. وقالها خليل بصوت مضحك. وقالها أحمد بدقة — كأنه ادّخر الكلمات، ثم اختار الآن أن ينفقها في موضعها الصحيح. همست مثيلة بها أولًا لرحمة، لتتأكد أنها تقولها كما ينبغي، ثم قالتها بصوت مسموع.

ثم رفعت نورة يدها، وكانت قد انتظرت — نورة كانت تنتظر دائمًا، لأن نورة كانت لديها دائمًا سؤال، ونورة كانت تريد دائمًا أن يكون الضوء مسلطًا على السؤال.

«نعم، نورة؟»

فكرت. واتخذ وجهها ذلك التعبير الخاص بطفلة في العاشرة فكرت في شيء طويلًا بما يكفي لتعرف أن الشيء يستحق السؤال. «لماذا نقول good؟»

صمت.

رمش جون. «لماذا…؟» «نعم. لماذا نقول good؟ لماذا لا نقول فقط — morning؟»

أدرك أنه لم يُسأل هذا السؤال قط. لقد علّم الإنجليزية لكبار في لندن، ولأطفال في شيفيلد، ولرجلَي أعمال مرهقَين جدًا في فرانكفورت. ولم يسأله أحد منهم قط لماذا نقول good morning. كانت من تلك العبارات التي تبقى في اللغة كما تبقى حجارة معينة في جدار — لا أحد يتذكر من وضعها هناك، والجميع اتفق، من غير أن يتفق، أن الجدار يحتاج إليها. لكن ها هي فتاة عُمانية في العاشرة، جالسة تحت شجرة غاف، في الغبار، في العاشرة صباحًا، تسأله أفضل سؤال عن الإنجليزية سأله إياه أي طالب في حياته. وهو لا يعرف الإجابة.

نظر إلى ثرياء. ابتسمت ثرياء. لم تساعده الابتسامة. كانت الابتسامة تقول: هذا سؤالك الآن.

التفت إلى نورة. قال ببطء: «هذا سؤال جيد جدًا.»

مرّت همهمة تقدير بين الأطفال. وقال منصور: «سألت سؤالًا جيدًا!» — واغتبط بذكائه لأنه لاحظ ذلك.

لكن جون تابع، بصدق: «لكنني لا أعرف الإجابة.»

ساد الأطفال صمت. لقد تعلموا أن المعلّمين يعرفون الإجابات. أما المعلّمون الذين لا يعرفون الإجابات، فكانوا فئة غير متوقعة. نظر إليه أحمد تحديدًا، بشيء قريب من الفزع.

وأضاف جون: «لكنني سأخبركم بما أظن.»

رفع نظره — إلى الشجرة، وإلى القرية، وإلى الماء الممتد بين البيوت، وإلى ثرياء، وإلى صفية، وإلى الوجوه العشرة الصغيرة التي كانت تراقبه الآن وتنتظر منه أن يكون صادقًا معها.

قال: «أظن أننا نقول good morning لأن قول morning وحدها لا يكفي. morning مجرد — وقت. حقيقة. إنها تقول: الشمس طلعت. أما good morning فتقول: الشمس طلعت، وأنا سعيد بذلك. وسعيد أنك هنا أيضًا.»

توقف. لم يكن متأكدًا أنه أحسن القول. ثم تابع: «إذن حين تقول good morning لشخص ما، فأنت لا تخبره بالوقت. أنت تتمنى له شيئًا. تتمنى أن يكون صباحه جيدًا. تمنحه — هدية صغيرة. في بداية اليوم فقط. أمنية صغيرة أن تمضي الأمور بخير له.»

صمت. فكرت نورة. مرّ وجهها بالمراحل الخاصة لطفلة في العاشرة تتأمل جوابًا فلسفيًا: تشكك أولًا، ثم تفكير، ثم دهشة، ثم — على غير إرادتها تقريبًا — رضا.

قالت ببطء: «إذن كل صباح، نحن نعطي هدية صغيرة؟» «نعم.» «لكل شخص نقولها له؟» «نعم.»

أومأت. التفتت إلى الطفل الجالس بجانبها — ولد صغير لا تعرفه — وقالت بتأنٍّ واضح: «Good morning.» نظر إليها الولد. بدا مرتبكًا. قالتها مرة أخرى، بثبات أكبر: «GOOD MORNING.» وكتمت ثرياء ضحكتها، ثم ترجمت بالعربية: إنها تعطيك هدية؛ يجب أن تأخذها. فابتسم الولد، وقد فهم فجأة، وقال بإنجليزية حذرة: «Good morning.»

ثم دار الأطفال حول الحلقة — من غير أن يطلب منهم أحد، ومن غير أن يحثهم أحد — يقولون good morning للطفل الجالس بجانبهم، واحدًا بعد آخر. هدايا صغيرة. دارت حول شجرة الغاف في الغبار، في العاشرة صباحًا.

وأدركت صفية، وهي تراقب من الحافة، أنها رأت للتو زوجها يصير معلّمًا أفضل مما كان قبل عشرين دقيقة. لم يكن يعرف جوابًا. وقال ذلك. ثم — من غير هلع، ومن غير ادعاء — فكر فيه، وقال للأطفال ما يؤمن به فعلًا. ولم تكن قاعدة نحوية. ولم تكن جملة من كتاب. بل كانت شيئًا صغيرًا وصادقًا عن طريقة عمل اللغة، ولماذا يقول الناس الأشياء التي يقولونها. فكرت أن هذا هو التعليم. حين يكون جيدًا أصلًا. ليس تقديم الإجابات. بل إكرام الأسئلة.

نظرت إلى ثرياء. وكانت ثرياء تنظر إليها أصلًا. لم تتكلما. ولم تكونا بحاجة إلى ذلك.

Scene Five
Malood Takes the Page

كان يمكن، بأي مقياس، أن يكون ذلك موضعًا حسنًا لإنهاء الصباح. كان الأطفال هادئين. وكانت نورة لا تزال تقلّب فكرة good morning في رأسها. وكان جون، للمرة الأولى منذ أسابيع، يبدو كرجل فاجأ نفسه بقدر نفعه. وكانت صفية قد فتحت دفترها وتكتب شيئًا. وكانت ثرياء جالسة متربعة بجانب أحمد، تقرأ كراسة التمارين من فوق كتفه — وهو ما سمح به أحمد لأنها ثرياء، وما كان ليسمح به لأي أحد آخر.

مرت نسمة بين أغصان الغاف. خشخشت الأوراق — تلك الخشخشة الصغيرة الجافة الخاصة بأوراق الصحراء، التي لا تشبه أي صوت آخر في العالم. وفي مكان ما، استأنفت حمامة هديلها. والصباح، بعد أن سلّم هداياه، استقر في ساعته الوسطى.

ودخل في كل هذا — كمذنب صغير ذي قرنين — مالود.

كان، في وقتٍ ما، يشرب من الفلج. ثم كان، على ما يبدو، يستكشف الطريق. ثم قرر — وفق الحسابات الغامضة التي تحكم دماغه الماعزي الصغير — أن أكثر شيء مثير للاهتمام في القرية كلها هو، في تلك اللحظة، الورقة الموضوعة على حقيبة جون.

وصل بخببٍ خفيف. قفز — بخفة، وبأناقة لا تصدق — فوق حقيبة جون. التقط زاوية ورقة بأسنانه. وركض. استغرقت العملية كلها ربما أربع ثوانٍ.

لمدة ثانيتين تقريبًا من تلك الثواني، لم يتحرك أحد. ظل الأطفال يحدقون — بذلك الهدوء المذهول الخاص بجمهور مسرحية شهد للتو شيئًا غير متوقع، وينتظر من المسرحية أن تخبره كيف يستجيب. نظر جون إلى حقيبته. ثم إلى المكان الذي كانت الورقة فيه. ثم إلى مالود، وقد صار في منتصف الطريق، والورقة ترفرف في فمه.

«مالود.»

عادت القرية، كأنها جسد واحد، إلى الحياة.

صاح منصور بشيء. وانفجر خليل ضاحكًا. وتنهد أحمد — تنهيدة طويلة فلسفية — وأغلق كراسة التمارين بهيبة باحث قاطعت بحوثه، مرة أخرى، عودة ماعز. نهضت نورة بسلطة عظيمة. «سأمسكه!» «نورة، لا —» لكن نورة، في العاشرة من عمرها، كانت تركض بالفعل.

ثم خليل. ثم الأولاد الثلاثة الصغار. ثم منصور، الذي كان قبل نصف ثانية فقط مستلقيًا بتراخٍ. ثم مثلث مروى–رحمة–سليمة، لا يزال مثلثًا، لكنه الآن مثلث متحرك. ثم مثيلة. ثم أحمد، الذي قرر، بتردد هائل، أن العلم لا يستطيع أن يبقيه خارج هذا الأمر.

نهض جون. «صفية.» «نعم؟» «تلك الورقة كان فيها — كنت قد كتبت — كانت —» «خطة درسك.» «خطة درسي.» «لماذا؟» «للعصر.» «جون.» «نعم؟» «ألم تتعلم شيئًا الأسبوع الماضي؟»

نظر إليها. وقال: «على ما يبدو، لم أفعل.»

وبدأ هو أيضًا يركض.

بقيت صفية تحت الشجرة مع ثرياء. شاهدتا، الاثنتان — الماعز في المقدمة، والأطفال خلفه، والرجل الإنجليزي في المؤخرة، جميعهم في صف طويل ممزق يختفي حول المنعطف. كانت الضحكات تعود واضحة. صوت أقدام صغيرة. وصوت بالغ بين حين وآخر — صوت جون — يصيح بالإنجليزية بكلمات لا يتكلمها مالود، ولا يملك، بأي مقياس معقول، أدنى رغبة في تعلمها.

قالت صفية: «ثرياء.» «نعم؟» «كيف يستطيع ماعز صغير واحد أن يربك قرية كاملة بهذا الثبات؟» ابتسمت ثرياء. «هو ليس ماعز شخص واحد صغيرًا.» «لا. أعرف.» «هو ماعز القرية.» «وماعز القرية مشكلة الجميع.» «وفرحة الجميع.»

راقبتا الغبار يستقر على المنعطف حيث اختفى حشد الراكضين. وفي المسافة المتوسطة، كانت امرأة تفعل شيئًا في عتبة بابها قد توقفت عن فعله — وصارت الآن تضحك، ويدها على فمها، من الموكب الذي مرّ لتوه أمام بيتها.

فكرت صفية في ذلك. في كيف مضى اليوم — فلج ما قبل الفجر، والنساء، ونظام الماء، ومعمودية جون بالماء البارد، وشجرة الغاف وهدية good morning. والآن هذا. ماعز يحمل خطة درس إنجليزي في طريق القرية، يلاحقه عشرة أطفال ورجل إنجليزي محمر الوجه. كان لليوم شكل لم تختره هي، ولم يختره أي منهم، بل قدمته القرية ببساطة. وكان شكل اليوم، عند التأمل، هو بالضبط ما ينبغي أن يكون.

ومن منعطف الطريق، عاد أول جسد صغير إلى الظهور. كان أحمد. يمشي بهدوء. يحمل بكلتا يديه ما بقي من الورقة — وكان ذلك، باعترافٍ منصف، أقل قليلًا مما كانت عليه الورقة حين أخذها مالود أول مرة.

وصل إلى الشجرة. سلّم الورقة إلى مكان جون تحت الشجرة، من غير مراسم. جلس من جديد. فتح كراسة التمارين. واستأنف القراءة من الموضع نفسه الذي توقف عنده بدقة.

نظرت إليه صفية وثرياء. قالت ثرياء بهدوء: «أحمد.» «نعم، معلمة؟» «كيف حصلت عليها؟» فكر أحمد في السؤال. قلّب صفحة من كراسة التمارين. قال: «مشيت في الاتجاه الآخر.»

«…الاتجاه الآخر؟» «إلى حيث كان مالود ذاهبًا. لا إلى حيث كان.» وقفة. «الماعز يرجع دائمًا إلى القِتّ. يوجد قِتّ عند سادو.» «كنت تعرف أنه سيذهب إلى دكان سادو؟» قال أحمد: «كل مرة، يذهب إلى دكان سادو.»

نظرت ثرياء إلى صفية. ونظرت صفية إلى ثرياء. ثم نظرتا معًا إلى أحمد — الذي أظهر للتو، من غير جهد، الفرق الجوهري بين الأطفال الذين يطاردون والطفل الذي يفكر.

قالت صفية: «أحمد.» «نعم؟» «هل ستصبح معلّمًا حين تكبر؟» فكر. قال: «سأكون معلّمًا الآن، أحيانًا. وسأكون طالبًا الآن، أحيانًا. ثم أرى.»

غطت ثرياء فمها. وهزت صفية رأسها ببطء، مبتسمة. ومن خلف المنعطف جاء أوائل العائدين من الراكضين — حارّين، ضاحكين، مهزومين — يشرحون بعربية متحمسة ما حدث في دكان سادو، والذي، من صوته، شمل مالود، وكومة من التمر المجفف، وامرأة كبيرة بمكنسة، وضد كل توقع معقول، ورقة مسروقة ثانية.

Scene Six
The River That Is Not a River

كانت الشمس قد تحركت. صارت الآن شمس آخر العصر — أكثر انخفاضًا، وأدفأ لونًا، تميل بخطوط ذهبية طويلة بين سعف النخيل وعلى الطرقات. والقرية، بعد أن أنفقت صخب منتصف نهارها، كانت تدخل ساعتها الأهدأ.

مشت صفية وجون عائدين نحو بيتهما. ببطء. بالطريقة التي يمشي بها شخصان فعلا ما يكفي ليوم واحد، ويتطلعان، بإلحاح هادئ، إلى كرسي وكوب شاي. كانت ثرياء قد عادت إلى بيتها — إلى أمها، وإلى غرفها، وإلى الجزء الخاص من يومها الذي بدأت صفية تفهم أنه لا ينبغي لها أبدًا أن تسأل عنه، بل أن تحترمه فحسب.

أخذهما الطريق بجانب الفلج. مرّا بالمكان الذي كانت النساء فيه عند الفجر. ومرّا بالمكان الذي كان الأطفال فيه في منتصف الصباح. ومرّا بشجرة الغاف التي أُعطي تحتها الدرس. كان كل موضع الآن يحمل صدى خافتًا للساعة التي كان ينتمي إليها. صارت القناة أهدأ الآن. كان الماء لا يزال يتحرك — وبدأت صفية تفهم أن الماء لا يتوقف، أبدًا، عن الحركة — لكن صوته صار الآن هو الصوت الوحيد. كان فلج آخر العصر هو الفلج وحده مع نفسه.

قالت: «جون.» «نعم؟» «أريد أن أجلس هنا لحظة.» «هنا؟» «هنا.»

جلسا. على الحافة الحجرية المنخفضة للقناة. قريبين بما يكفي ليسمعا الماء، وقريبين بما يكفي لتغمس صفية أطراف أصابعها فيه إن أرادت. لكنها لم تفعل، بعد.

كان الماء في القناة، على امتداد يوم واحد، أشياء كثيرة. كان ماء شرب لطفل عند الفجر. وكان وضوءًا لرجل مسن قبل الصلاة. وكان الماء الذي ملأت به امرأة مطبخها. وكان الماء الذي اغتسلت به في المجازة. وكان الماء الذي شطفت فيه ملابسها. وكان، للحظة قصيرة، الماء الذي غسل فيه معلّم إنجليزي وجهه وصار — بحساب القرية القديم — أقل إنجليزية قليلًا. وكان الآن الماء الذي سيجري، في ساعته الأخيرة، إلى النخيل والمزارع والرقع الخضراء الصغيرة عند حافة القرية، ليطعم الجذور التي ستطعم الأشجار التي ستطعم الناس الذين شربوا منه واغتسلوا وصلّوا به هذا الصباح. لا شيء يضيع. لا شيء يُهدر. كان الماء يدور فحسب، صبورًا ومنظمًا، عبر حياة كل من يمر بهم.

قالت مرة أخرى: «جون.» «همم؟» «هل تتذكر ما قلته في اليوم الأول حين رأينا هذا؟» «قلتِ — لا يمكن أن يكون نظيفًا.» «نعم.» «وكنتِ مخطئة.» «نعم. لكن ليس بالطريقة التي ظننت أنني كنت مخطئة بها.»

انتظر. كان يعرف هذا الصوت. كان هذا صوت صفية حين تفهم شيئًا استغرق منها وقتًا حتى تفهمه، وتوشك أن تحاول قوله بصوت مسموع للمرة الأولى، وهذا يعني أن عليه أن يصمت ويدعها تفعل.

قالت ببطء: «في لندن، النظافة تعني — الفصل. ماء الشرب في أنبوب. وماء الغسيل في أنبوب آخر. وماء المرحاض في ثالث. والماء المتسخ يذهب بعيدًا، إلى مكان لا نفكر فيه. نحن نظيفون لأننا لا نرى الدورة. لقد أخفيناها.»

غمست إصبعًا واحدًا في الماء. رفعته. راقبت قطرة تعود جارية إلى القناة.

«هنا، النظافة تعني — النظام. الماء هو الماء نفسه. لا توجد إلا قناة واحدة. لكن يوجد ترتيب. الشرب يأتي أولًا. والغسل يأتي بعده. والمزرعة تأتي أخيرًا. ولأن الجميع يعرفون الترتيب، فالجميع يثقون به. النظافة ليست في الفصل. إنها في الاتفاق.»

نظر جون إلى الماء. إلى القناة الطويلة الضيقة الممتدة نحو النخيل. إلى القرية خلفهما، التي كان هذا اتفاقها.

قال ببطء: «إنه ليس أقذر من لندن.» «لا. إنه أنظف. أنظف بطريقة مختلفة. كان علينا فقط أن نتعلم معنى النظافة.» «والفلج علّمنا.» قالت: «الفلج يعلّم الناس هذا منذ ثلاثة آلاف سنة.»

جلسا مدة أطول. تحرك الماء. انخفض الضوء. وفي مكان بعيد، بدأت أول بوادر صوت يستعد للنداء إلى المغرب تسخن في المسجد أسفل القرية.

«جون.» «نعم؟» «ظننت أننا انتقلنا إلى بلد آخر.» «لقد فعلنا.» قالت: «لا. انتقلنا إلى عالم آخر.»

لم يجب. فقط مد يده إلى يدها وأمسكها، كما أمسكها بعد ظهر اليوم الذي أعطاها فيه أبوها القلم، قبل أن يبدأ أيٌّ من هذا بوقت طويل — أمسكها بكلتا يديه، وأبقاها في يديه طويلًا بما يكفي ليعبر بينهما شيء لا يحتاج إلى كلمة.

في تلك الليلة، في البيت الطيني الصغير، تحت القنديل الوحيد، فتحت صفية دفترها. لم تكتب قائمة. ولم تكتب ملخصًا. كتبت ثلاث جمل. ببطء، وبعناية، بقلم كارتييه الذي أعطاها إياه والدها، وبخط اليد الذي كانت تحتفظ به للأشياء التي تنوي الاحتفاظ بها:

اليوم، رأيت نهرًا ليس نهرًا. رأيت أطفالًا يتعلمون أسرع مما يعرفون. ورأيت ماعزًا لا ينتمي إلينا، لكنه يعيش معنا — والذي بدأت أشك أنه يعيش مع القرية كلها، لأن القرية كلها تنتمي إلى بعضها بطريقة لم يشرحها لي أحد بعد، لكن الفلج بدأ، بصبر، يعلمني إياها.

قرأ جون الصفحة من فوق كتفها. لم يقل شيئًا. فقط أخذ القلم من يدها بلطف، وكتب تحت جملها الثلاث جملة أخرى، بخطه هو — ثم أغلق الدفتر.

كان ما كتبه هو: غدًا، نعلّم من جديد.

وفي مكانٍ ما، على البساط في زاوية الغرفة، كان مالود — الذي سُمح له، على نحو غير معقول، بالدخول هذه الليلة وحدها، والذي استغل الامتياز تمامًا — قد نام بالفعل. كان جنبه الصغير يعلو ويهبط. ارتجفت أذن واحدة مرة، كأنه يحلم بالقِتّ. والفلج، في الخارج، استمر. كان سيستمر، كما فهمت صفية الآن، سواء كان هناك من يستيقظ ليسمعه أم لا. كان ذلك هو المقصود منه. وكان ذلك، دائمًا، هو المقصود منه. — Palm Six / النخلة 6 —

··
PALM SIX · A Fan, A Bird, and a Lesson on Tongues
Palm
Palm Six
A Fan, A Bird, and a Lesson on Tongues
Scene One
The Dust That Follows

كان لعصر القرواشية حرارة لا تكاد كلمات الإنجليزية تسعها. كلمة دافئ لم تكن كافية. وكلمة حار كانت عدوانية أكثر مما ينبغي — فهذه الحرارة لا تهاجم، بل تصل وتبقى، كما يصل ضيف ويبقى. كانت الشمس عالية. حتى الظلال بدت متعبة، قصيرة تحت البيوت الطينية التي ألقتها، كأن الظلال نفسها قررت أن تنتظر حتى تمر هذه الساعة.

كانت البيوت الطينية الصغيرة نائمة تحت الحر. هكذا صارت صوفيا تفكر فيها الآن — نائمة، لا فارغة، ولا مهجورة. فالبيت في هذا البلد عند الثانية بعد الظهر كان يفعل ما يفترض بالبيت أن يفعله في هذه الساعة: يحفظ البرودة داخل جدرانه، ويبقي الأسرة هادئة، ولا يزفر من بابه المفتوح إلا الهمهمة الخافتة لأناس اتفقوا، جماعيًا، ألا يفعلوا شيئًا حتى تلين الشمس.

لم يكن يملأ الهواء إلا صوت الطيور وأصوات بعيدة. وقفت صوفيا أمام البيت البسيط الذي تشاركه مع جون، ممسكة بسجادة رقيقة فوق عارضة خشبية منخفضة، وكانت تحاول — بذلك الإصرار الخاص بامرأة تربت على الاعتقاد بأن السجاد يمكن أن يصير نظيفًا — أن تنفض الغبار منه.

وكان الغبار يفوز.

كل ضربة من كفها على السجادة كانت تطلق سحابة شاحبة ذات رأي في الهواء حولها. ترتفع السحابة، وتتأمل خياراتها، ثم — كأنها أُهينت — تستقر مباشرة من جديد على السجادة التي خرجت منها. وصعد بعضه أعلى. وجد شعرها. وجد عنقها. ووجد، على نحو لا يصدق، داخل أذنها.

أنزلت السجادة. نظرت إلى يديها. صارتا رماديتين بنيتين حيث كانتا بلون اليدين. أدارت كفيها إلى الأعلى ببطء — كأنهما تخصان شخصًا آخر، امرأة تلتقيها للمرة الأولى.

قالت، لا بصوت عالٍ، بل غالبًا لنفسها: «هذا الغبار ليس طبيعيًا. أنا متأكدة أنه يتبعني.»

كان جون جالسًا على صندوق خشبي بمحاذاة الجدار، وحذاء بين ركبتيه، ومخرز في يده، وعلى وجهه تعبير صارت صوفيا تعرفه جيدًا: التعبير الذي يضعه حين يفعل شيئًا لا يحتاج إلى مساعدة أي امرأة، شكرًا جزيلًا، حتى لو كانت تلك المرأة زوجته، وحتى لو كان العمل، بوضوح، يسير بشكل سيئ.

رفع رأسه. ببطء. وبهدوء مدروس لرجل كان ينتظر هذه الجملة بالضبط ليقدم رده.

قال: «هذا ليس غبارًا. هذا تاريخ.»

أنزلت صوفيا يدها. نظرت إليه. نظرت إلى السجادة. ثم نظرت مرة أخرى إلى يديها — اللتين كانتا، بأي مقياس موضوعي، متسختين.

«جون.» «نعم.» قالت، بذلك الصبر الزوجي المحدد والمحسوب لامرأة تزوجت طويلًا بما يكفي لتعرف بالضبط كم ثانية تستحق نكات جون: «أنا لا أرتدي التاريخ.»

فكر جون في ذلك. وضع المخرز جانبًا. نظر إليها — إلى الغبار في شعرها، وإلى اليدين الرماديتين البنيتين، وإلى السجادة التي سخرت منها للتو — واتخذ، ربما للمرة الأولى ذلك العصر، القرار الصحيح. لم يرد.

مرت نسمة في الحوش. كانت نسمة حارة. لم تبرّد شيئًا. لم تفعل سوى إعادة توزيع الحرارة، كما تعيد ملعقة توزيع الحساء الساخن من غير أن تبرده. ومن مكان ما أسفل الطريق، نادت حمامة — ببطء، وبصبر طويل بين كل نداء وآخر، كأنها هي أيضًا تحفظ طاقتها.

ثم، داخل صمت العصر الكثيف الثقيل المملوء بالغبار — جاء صوت.

ضحك. عالٍ. من بعيد.

ثم صياح. ثم مزيد من الضحك. ثم صرخة — صرخة قصيرة لامعة لا شيء مصاب فيها، تلك الصرخة الخاصة التي لا تنتمي إلا إلى اللعب. ثم ضحك من جديد.

رفعت صوفيا رأسها. نظرت إلى الطريق — الطريق الأبيض، طريق الغبار، الطريق الذي يقود من العنقود الصغير للبيوت نحو المساحة الرملية المفتوحة بين حارات القرية.

«هناك شيء يحدث.»

نهض جون. وضع الحذاء جانبًا. مسح يديه في سرواله — ولم يفعل ذلك شيئًا، لأن سرواله كان مغبرًا أيضًا — ونظر في الاتجاه نفسه.

قال، بيقين هادئ راسخ لرجل عاش هنا الآن عدة أسابيع وتعلم عن هذه القرية شيئًا واحدًا لا يقبل الشك: «في هذه القرية، هناك دائمًا شيء يحدث.»

مد لها يده. أخذتها — يد مغبرة في يد مغبرة — ومضيا معًا، ببطء، بذلك الإيقاع الخاص لشخصين لم يكونا ذاهبين إلى أي مكان قبل عشر ثوانٍ، وهما الآن ذاهبان إلى مكان ما، وسارا في الطريق نحو الصوت.

Scene Two
The Girls Who Were Flying

كبر الصوت وهما تمشيان. لم يكبر كما يكبر الصوت حين تقترب من شخص واحد يتكلم — في منحنى منتظم يمكن توقعه. كبر كما يكبر الصوت حين تقترب من سرب. على دفعات. بأصوات متداخلة. بذلك النسيج المتراكم الخاص بالفرح الجماعي.

وصلا إلى حافة المساحة الرملية المفتوحة بين البيوت. توقفت صوفيا.

ربما كنّ ثماني فتيات — لم تعدهن بدقة؛ كن يتحركن بسرعة كبيرة — بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة من العمر، كما خمّنت. كانت فساتينهن بسيطة وملونة — أحمر، وأخضر، وبرتقالي عميق، وواحد بلون زعفران خاص يلتقط الشمس العالية ويبدو، للحظة كلما التفتت صاحبته، كأنه مشتعل. رُبط شعرهن بطرق مختلفة — بعضهن بضفيرة واحدة طويلة، وبعضهن بضفيرتين، وبعضهن جمعنه ببساطة على نحو مرتخٍ. أما طاقتهن فكانت — ولم تجد صوفيا كلمة أخرى — وفيرة. لم تسعها المساحة. كانت تفيض، عالية وطويلة، في كل اتجاه.

رُسم خطان طويلان في الرمل — خطان متوازيان بسيطان، بينهما ربما خمس خطوات. وقفت فتاة واحدة في الوسط بينهما. وكانت الأخريات يتحركن — يركضن، يدرن، يقفزن، يراوغن — محاولات العبور من جانب الخطين إلى الجانب الآخر من غير أن تلمسهن الفتاة الواقفة في الوسط. كانت الفتاة في الوسط سريعة جدًا. وكانت تضحك أيضًا. كان الجميع يضحك.

صاحت إحدى الفتيات: «دوري! دوري! اقفزي!» — بالعربية، لكن بإيقاع واضح إلى حد أن صوفيا، التي لم تفهم الكلمات، فهمت التعليمات.

فتاة أخرى — أكبر قليلًا، بفستان أخضر طويل، وشعر مضفور — ركضت. قفزت. كادت تسقط — انحرف جسدها جانبًا في استعادة توازن جامحة مرتجلة — أمسكت نفسها بيد على الرمل — ضحكت بصوت عالٍ من نجاتها القريبة من الكارثة — ثم اندفعت راكضة قبل أن تتمكن الفتاة في الوسط من لمسها.

راقبت صوفيا بعينين واسعتين. كانت اللعبة تتحرك أسرع مما تستطيع تفكيكه. رأت الخطين. ورأت الفتاة في الوسط. ورأت الأخريات يعبرن. لكن القواعد — القواعد الدقيقة — بدت معروفة للجميع إلا لها.

قالت: «هذا يبدو خطرًا.»

مال جون، إلى جانبها، برأسه. راقب عدة ثوانٍ. راقب بذلك الانتباه الخاص الذي كانت صوفيا تعرف أنه يحتفظ به للأشياء التي هو على وشك أن يسميها تعليمية — وكانت تلك، في خبرتها، علامة سيئة.

قال: «لا. هذا يبدو تعليميًا.»

«جون.» «نعم؟» «كل شيء تجده أنت تعليميًا، أجده أنا خطرًا.» «لاحظت ذلك.»

وخلفهما — صوت صغير. احتكاك ناعم مخصوص لصنادل على رمل مدكوك.

ثرياء. وعلى ذراعها سلة منسوجة صغيرة. وصلت بالهدوء نفسه، وبالاستقرار نفسه، كأنها تدرّبت على الوصول بهذه الطريقة منذ عرفتها صوفيا.

قالت مبتسمة: «وجدتما البنات.» وكان في الابتسامة شيء — مودة لهن، وذكرى قديمة خاصة بها — لن تفهمه صوفيا إلا لاحقًا.

قالت صوفيا: «إنهن يطِرن.» وكانت تلك الكلمة الوحيدة الدقيقة.

قالت ثرياء: «يلعبن لتيج.» قالت الاسم بدفء ناعم كمن يعيد كلمة إلى فم مألوف. «كلنا لعبنا هذه حين كنا صغيرات.»

مرّت عبارة حين كنا صغيرات داخل صوفيا أبطأ مما قصدت ثرياء. لم تكن حين كنت صغيرة. بل حين كنا صغيرات. صيغة جمع. جيل كامل من النساء، في مكان ما من ماضيهن المشترك، يركضن بين هذين الخطين نفسيهما، ويقلن لبعضهن: دوري! دوري! اقفزي! كانت ثرياء واحدة منهن.

رأتهم إحدى الفتيات — أطول قليلًا من الأخريات، بوجه واثق وفراغ بين أسنانها الأمامية. توقفت في وسط اللعبة، غير منزعجة، ونادت: «تعالي! تعالي العبي!»

توقفت الفتيات الأخريات، والتفتن، والتقطن النداء فورًا. «تعالي! تعالي! تعالي!» — جوقة صغيرة مرحة.

نظرت صوفيا يمينًا ويسارًا كأنهن ربما ينادين شخصًا آخر. وأشارت إلى نفسها.

«أنا؟» «نعم، أنتِ!»

نظرت إلى ثرياء. نظرة صامتة متوسلة.

«أظن أن هذه فكرة سيئة.»

فكرت ثرياء في ذلك. واتخذ وجهها ذلك التعبير الهادئ المركّب لشخص حسم الأمر بالفعل.

«إنها فكرة جيدة جدًا.»

Scene Three
The Game is Honest

انحنت صوفيا وخلعت حذاءها.

فعلت ذلك ببطء. فعلته بذلك البطء الخاص بامرأة وافقت على فعل شيء لم توافق على أنها تريد فعله. كان الرمل حارًا تحت أخمصي قدميها. لم يكن حارًا إلى حد الألم — فقد تجاوزت الساعة أسوأ ما فيها — لكنه كان دافئًا بما يكفي ليُسجَّل، وليخبرها، في كل ثانية، أين تقع قدماها بالضبط.

قالت، وهي تستقيم، لا لأحد بعينه: «هذا قرار سيئ جدًا.»

ضحكت الفتيات. تقدمت الفتاة ذات الابتسامة وبين أسنانها فراغ — ولم تكن صفية تعرف اسمها بعد، لكن كانت لها هيئة واضحة لفتاة تنظر إليها بقية الفتيات أولًا — وأمسكت صوفيا بلطف من مرفقها. قادتها إلى الخط. أشارت. قالت شيئًا بالعربية — سريعًا ودافئًا وغير مفهوم على الإطلاق — لكن يديها أدتا معظم العمل. قفي هنا. انتظري. حين تتحرك هي، تتحركين أنت. اذهبي هناك. لا تلمسي الخط.

أومأت صوفيا. كانت قد فهمت ربما ثلاثين في المئة مما أُبلغت به، وقررت، بشجاعة مستسلمة نوعًا ما، أن ثلاثين في المئة أكثر مما كانت تناله في معظم تفاعلاتها في هذه القرية، وأنه يجب أن يكفي.

قالت إحدى الفتيات: «Now jump» — وسقطت كلمة jump، بالإنجليزية، على صوفيا مثل نجدة.

«آه — نعم. Jump. أستطيع أن أقفز.»

قفزت.

خطأ.

في اللحظة التي غادرت فيها قدماها الأرض، صاحت بها سبعة أصوات من حولها — لا بغضب، بل بذلك الاستعجال المرح الخاص بأناس يحاولون إنقاذ مبتدئة في الوقت الحقيقي. «لا! لا! ليس الآن!» «انتظري!» «ليس هكذا!»

هبطت. كانت قد قفزت مبكرًا جدًا. وكانت أيضًا، بطريقة ما، قد هبطت على الخط — وكان ذلك، على ما يبدو، مخالفة كبيرة، لم تكن جاذبيتها الخاصة واضحة لها، لكنها كانت، من حجم الاستجابة، غير قابلة للالتباس عند الجميع.

قفزت مرة أخرى. بعزم هذه المرة. التزام كامل.

خطأ من جديد.

هذه المرة كان الضحك صريحًا. انهارت الفتيات حولها — على أكتاف بعضهن، وعلى الرمل، حتى إن فتاة جلست فعلًا لأنها لم تعد قادرة على الوقوف مستقيمة. لكن لم تكن فيه قسوة. كان فقط الضحك المبتهج الخاص بفتيات يشاهدن بالغة تحاول شيئًا يفعله طفل أفضل منها. كان ضحكًا حنونًا. فهمت صوفيا الحنان فيه كما فهمت الضحك.

قالت — لا تشتكي حقًا، بل تعلن حقيقة للسماء: «هذه اللعبة تكرهني.»

قال جون، من الحافة، وذراعاه معقودتان، يراقب بهدوء لا يُحتمل لرجل تخسر زوجته علنًا وكان لديه من الحكمة ما جعله يبقى خارج الرمل، وبوضوح هادئ راسخ لرجل وجد الجملة الصحيحة لتوه: «لا. اللعبة صادقة.»

سمعه الجميع. حتى الفتيات، اللواتي فهمن نصفه فقط. نظرت ثرياء إلى جون بدهشة — ثم بإيماءة صغيرة موافقة من معلّمة سمعت تلميذها يقول شيئًا غير متوقع وصحيح.

كانت اللعبة صادقة. لم تكافئ الجهد وحده. ولم تكافئ النية الحسنة. لم تكافئ إلا الشيء الذي بُنيت لتكافئه — التوقيت الدقيق، ووزن القدم الدقيق، وقراءة الفتاة في الوسط قراءة دقيقة. كل فشل من فشل صوفيا كان فشلًا عادلًا تمامًا. كانت اللعبة قد شرحت نفسها لها، في كل مرة، بلا كلمات. وفهمت الآن أنها معلّمة.

حاولت مرة أخرى. ركزت هذه المرة. راقبت الفتاة في الوسط — لا الخط، ولا قدميها، بل الفتاة في الوسط. راقبت عينيها، ووزن جسدها، وميل كتفها. مالت الفتاة في الوسط إلى اليسار. ذهبت صوفيا يمينًا.

تجاوزت قدمها الخط الأول. دار جسدها. هبطت قدمها الأخرى نظيفة بين الخطين. استدارت — لا برشاقة، لكن بصدق — وعبرت خطوتها الثالثة الخط الثاني.

لقد فعلتها. لقد نجحت، ضد أي احتمال معقول، في عبور الخطين من غير أن تُلمس، ومن غير أن تلمس الخط نفسه، ومن غير أن تسقط.

توقفت. نظرت إلى الأسفل. نظرت إلى الأعلى.

رفعت كلتا يديها.

«فعلتها!»

صفقت الفتيات. لا بأدب — بل بصدق، وبصوت عالٍ، كما يصفق الأطفال حين ينجح طفل أصغر منهم. تقدمت الفتاة ذات الابتسامة وبين أسنانها فراغ ووضعت يدها لحظة على ذراع صوفيا. «Good. Good.»

نظرت صوفيا إلى جون. كان جون يبتسم — لا بتلك الطريقة التي لا تُحتمل هذه المرة، بل بوضوح. وكانت ثرياء تبتسم ابتسامة الفخر الخاصة بالمعلّمة.

وفهمت صوفيا، وهي واقفة في الرمل، وشعرها يتفلت، وخط رفيع من العرق عند منبت شعرها، والغبار على تنورتها — لا في رأسها، بل في مكان أعمق — أنها قد أُدخلت للتو إلى شيء.

Scene Four
Darwazat Mutrah

ثم صاحت إحدى الفتيات — أصغر قليلًا، ربما في الثالثة عشرة، وقدماها سريعتان جدًا — في أعقاب انتصار صوفيا:

«الحين نلعب دروزة مطرح!»

دخل الاسم العصر كطلقة بدء. وقبل أن تستطيع صوفيا أن تسأل ما هذا، كانت الفتيات قد تحركن بالفعل.

بدأن يركضن — في اتجاه لا يستطيع أي وافد جديد أن يتبعه. فتاة ركضت نحو بيت. وأخرى نحو شجرة. واثنتان ركضتا في اتجاهين متعاكسين من بعضهما، ثم، على ما يبدو، من نفسيهما. صاحت إحداهن بشيء. وأجابت أخرى. والفتاة التي كانت في الوسط — التي كانت قبل لحظة بين خطي لتيج — صارت فجأة في دور المطاردة.

سقطت إحداهن.

صرخت إحداهن.

ضحكت إحداهن.

حدثت هذه الأشياء الثلاثة لثلاث فتيات مختلفات في الوقت نفسه، من غير أي صلة ظاهرة بينها.

ثم، من لا مكان — منصور.

لم ترَ صوفيا من أين جاء. لم يكن في المساحة الرملية. ولم يكن يمشي في الطريق خلفهم. كان في مكان آخر من القرية، على الأرجح، قبل لحظات، والآن، من غير أي خطوة وسيطة — لا اقتراب، ولا نداء — صار بينهم، يركض أصلًا، ويصيح أصلًا، ومندمجًا في اللعبة كأنه كان جزءًا منها دائمًا.

صاح، لا لأحد وللجميع: «أنا سريع!»

ركض ربما ثلاث ثوانٍ. كان الرمل عميقًا. وكانت قدماه صغيرتين. وكان حماسه يفوق تناسقه الحركي بفارق واضح. في الثانية الرابعة، سقط — سقوطًا مذهلًا، جانبيًا، وذراعاه ممدودتان، وهبط في الرمل بانفجار صغير ناعم من الغبار والصياح.

هرعت إليه فتاتان — لا قلقتين، بل لتطمئنا. جلس. كان الرمل في شعره. وكان الرمل في فمه. بصق — بصقًا دراميًا — ثم ضحك على نفسه، وكانت تلك، كما لاحظت صوفيا من قبل، نعمته الوحيدة الموثوقة.

استمرت اللعبة حوله. عاد وانضم إليها. سقط مرة أخرى. لم يندهش أحد كثيرًا.

أما صوفيا، في هذه الأثناء، فقد اتخذت قرارًا تكتيكيًا. كانت قد رأت اتجاه الركض — رأت الفوضى تتمدد إلى الخارج — وقررت، بحكمة امرأة في الأربعين فازت ذلك العصر بلعبة عبر قراءة كتف فتاة أخرى، ألا تركض إلى أي مكان محدد.

ركضت إلى شجرة على حافة المساحة الرملية. أسندت ظهرها إليها. عقدت ذراعيها.

أعلنت في الاتجاه العام للعبة: «أنا لست معلّمة اليوم. أنا شجرة.»

توقفت اللعبة. توقفت كل فتاة. توقف منصور. حتى الغبار توقف، قليلًا، في الهواء حولها.

ثم — ببطء شديد في البداية، ثم بالكامل — انفجر كل شخص في المساحة الرملية ضاحكًا. لم يكن الضحك عليها. كان معها. كان نوعًا خاصًا من الضحك يرحب بالنكتة داخل اللعبة. قالت الفتاة ذات الابتسامة وبين أسنانها فراغ شيئًا بالعربية ترجمته ثرياء، الواقفة عند الحافة، بعد لحظة: «قالت: إذن سنلعب حول الشجرة.»

وقد فعلوا. لعبوا حولها. وقفت صوفيا ملتصقة بالجذع وذراعاها معقودتان، وراحت الفتيات ومنصور ينسجون حولها، ويمرون بجانبها، ويكادون يخترقونها، يركضون ويصيحون ويسقطون ويضحكون، وهي — ثابتة — لا تتحرك.

صارت جزءًا من اللعبة من غير أن تلعبها. وجدت، من غير أن تقصد، الإعفاء الذي تخبئه كل لعبة سرًا. كانت هي الشجرة.

وبعد ما بدا زمنًا طويلًا — وكان على الأرجح عشر دقائق — بدأت طاقة الفتيات أخيرًا تخبو. واحدة بعد أخرى، تباطأن. واحدة بعد أخرى، مشين إلى أطراف المساحة الرملية وجلسن على الأرض الدافئة. جلس منصور أخيرًا، على ظهره، وذراعاه وساقاه ممدودة كنجمة صغيرة مغبرة. انتهت اللعبة — لأن العصر نفسه قرر أنها انتهت.

انفصلت صوفيا عن الشجرة. مشت ببطء إلى الحافة حيث جلست الفتيات، وأنزلت نفسها إلى الأرض بجانبهن. وحين جلست، نفخ فستانها سحابة صغيرة من الغبار الشاحب في الهواء.

نظرت إليها. نظرت إلى يديها. نظرت إلى ساقيها، اللتين كان واضحًا الآن أنهما متسختان تمامًا، وبشكل شامل.

أعلنت، للجمهور نفسه وبالأداء الجاف نفسه: «أنا لست شجرة. أنا شجرة متسخة جدًا.»

ضحكت الفتيات مرة أخرى. وقالت إحداهن — لم ترَ أي واحدة منهن — بإنجليزية واضحة عملية: «You must wash.»

سألت صوفيا: «أين؟» — لأنها كانت، في النهاية، تعيش في بيت طيني فيه إبريق ماء وحوض صغير، ولا شيء من ذلك يملك القدرة على حل ما حدث لها.

التفتت الفتيات كلهن وأشرن، كواحدة، إلى الاتجاه نفسه.

«في الفلج.»

Scene Five
The Majaza

لمعت عينا صوفيا — رغم الغبار، ورغم الحر، ورغم التعب الصغير الذي بدأ يستقر في ساقيها.

«جميل! أريد أن أسبح!»

جاء الرد فورًا. لحظيًا. كاملًا. كل فتاة، كأنهن واحدة، بصوت موحد من الرعب:

«لاااااا!»

حتى منصور، الذي كان لا يزال على ظهره، رفع رأسه وأسهم بـ«أوووه!» من عنده، مع أنه كان واضحًا أنه لا يعرف السبب تمامًا.

ارتبكت صوفيا، والتفتت إلى ثرياء — التي كانت، كما تفعل غالبًا، قد وصلت في اللحظة التي احتاجوا فيها إلى خدماتها بالضبط. كانت ثرياء تضحك. تضحك بصدق — رأسها مائل قليلًا، ويدها على فمها، وكتفاها الصغيران يهتزان.

قالت حين استعادت نفسها: «ليس هكذا. النساء لا يسبحن في الفلج. النساء يذهبن إلى المجازة.»

«المجازة.» «نعم.» «ما هي؟» «سترين.»

وصوفيا، التي تعلمت الآن ما معنى سترين في هذا البلد — أن لا شرح سيُقدَّم، وأن الشيء نفسه سيتولى الشرح — لبست حذاءها، وودعت الشجرة، وتبعتهم.

مشين — ثرياء، وصوفيا، وثلاث أو أربع من الفتيات الأكبر اللواتي نصّبن أنفسهن مرافقات لها — في طريق يسير بمحاذاة الفلج، ويمر ببيوت لم تكن صوفيا قد نظرت إليها كما ينبغي من قبل. كان الطريق ضيقًا. وانتهى عند بناء حجري منخفض لا يتظاهر بشيء — صغير، بلا نوافذ للوهلة الأولى، وباب خشبي واحد مطلي بزرقة عميقة.

دفعت إحدى الفتيات الباب وفتحته. وأشارت إلى صوفيا أن تدخل.

خطت صوفيا إلى الداخل — وتوقفت. لم تكن الغرفة غرفة تمامًا. كانت حجرة، ربما عرضها أربع خطوات وطولها أربع خطوات. كانت الجدران من الطين الدافئ نفسه الذي صُنعت منه كل جدران القرية. أما الأرض — فكانت حجرًا. وفي وسط الأرض، في مجرى ضحل، كانت تمر قناة صغيرة سريعة من ماء صافٍ. تدخل من جدار، وتعبر الأرض، وتخرج من الجدار الآخر. الفلج نفسه، موجّهًا عبر الغرفة. وفوقها — كان السقف مفتوحًا. لا تمامًا — إذ يحيط بالجزء العلوي جدار منخفض للخصوصية — لكنه مفتوح بما يكفي ليرى المرء السماء، التي ما زالت شاحبة بضوء العصر، مباشرة من فوقه.

كانت، في تصميم واحد أنيق، حمّامًا للنساء أقدم من أي تمديدات صحية عرفتها.

كانت في الداخل ثلاث نساء. واحدة أكبر سنًا — ربما في الستين. واثنتان أصغر — ربما في عمرها، أو أصغر قليلًا. رفعن رؤوسهن. لم يبدُ عليهن الفزع. قالت إحداهن شيئًا لثرياء — قصيرًا ودافئًا، ذلك التبادل المألوف بين نساء تشاركن هذا المكان أكثر من مرة.

ثم التفتن إلى صوفيا. وابتسمن.

وقالت المرأة الأكبر سنًا بالعربية — وترجمت ثرياء بهمسة ناعمة: «تعالي. سنساعدك.»

وللمرة الأولى منذ عدة أسابيع، وجدت صوفيا أنها لا تعرف كيف تحتج. لا تعرف كيف تكون مهذبة. لا تعرف كيف تقول: لا، لا، أستطيع تدبير أمري. كانت النساء قد بدأن يتحركن بالفعل — بهدوء، وعمليّة — وكن يتحركن بيقين النساء الهادئ اللواتي فعلن هذا لنساء أخريات مرات كثيرة من قبل.

ساعدنها على الاغتسال.

استخدمن السدر. كانت لدى المرأة الأكبر سنًا زبدية صغيرة منه — مسحوقًا، مجففًا، أخضر شاحبًا، تفوح منه رائحة خفيفة تجمع بين الزهر والدواء. دلكته في يدي صوفيا، وفي ذراعيها، وعبر مؤخرة عنقها. رغى السدر برفق — لا كرغوة الصابون، بل كرغوة عشبية لطيفة تشبه رائحة الحديقة أكثر مما تشبه رائحة الحمّام.

واستخدمن الصندل. رقائق صغيرة من خشب الصندل، مطحونة إلى معجون عطري، وُضعت في دائرة صغيرة داخل كل معصم. وما إن استقر هناك، حتى بقيت الرائحة لبقية اليوم. كانت صوفيا تشعر بها تمر قرب أنفها — عميقة، دافئة، وحلوة — كلما أدارت رأسها.

ثم — وهي لا تزال تبعد ذراعيها قليلًا عن جسدها، غير متأكدة تمامًا مما سيأتي بعد ذلك — أخرجت المرأة الأكبر سنًا عودًا صغيرًا من الكحل ورفعته أمامها في سؤال صامت.

نظرت صوفيا إليه. ونظرت إلى النساء. ونظرت إلى ثرياء. كن كلهن ينتظرن — بهدوء، وبصبر — ليرين ماذا ستقول.

أومأت.

مالت المرأة الأكبر سنًا نحوها. كانت قريبة جدًا. استطاعت صوفيا أن ترى الخطوط الصغيرة حول عينيها، وثبات يدها. مررت الكحل، بحذر شديد، على الجفن السفلي لصوفيا. ثم العلوي. ثم العين الأخرى.

وحين انتهت، أخرجت إحدى الشابات مرآة صغيرة — مرآة يد دائرية بإطار مكسو بالقماش — ورفعتها.

نظرت صوفيا.

نظرت إليها امرأة مختلفة. صارت عيناها أكثر ظلمة — لا في اللون، بل في الحضور. صارتا الشيء الرئيسي في وجهها. كان الكحل يمتد في خط نظيف رفيع على كل جفن، أكثر سمكًا قليلًا عند الزوايا الخارجية، وكانت النتيجة — لم تعرف صوفيا كيف تصفها تمامًا — قديمة. بدت كشخص ربما عاش في هذه القرية قبل مئة عام، وكان يعرف بالضبط ما يفعل.

سألت: «هل أبدو جميلة؟»

نظرت النساء بعضهن إلى بعض. ثم ابتسمن — بطريقة غريبة، عارفة، ملتبسة قليلًا، شعرت صوفيا، حتى في تلك اللحظة، أنها ربما كان ينبغي أن تنتبه إليها أكثر.

لكنهن لم يقلن شيئًا.

Scene Six
The Bee, the Kohl, and the Goat

خارج المجازة، كان جون ينتظر.

كان قد انتظر زمنًا لا بأس به. استنفد صبره على الوقوف، واستنفد صبره على الجلوس، واستنفد صبره على الاتكاء، ووصل إلى حالة لا يمكن وصفها إلا بالفراغ. كان واقفًا تحت شجرة صغيرة — ربما كانت نيمًا — يراقب الطريق، يلتقط حجرًا صغيرًا من الأرض، يرميه إلى الجدار، ثم يلتقط حجرًا آخر.

ثم، من غير إنذار —

«آآآآآآ!»

جاءت الصرخة من جون. لم تكن صرخةً وقورة. كانت صرخةً عارية، غير مستعدة، حيوانية — صرخة رجل اكتشف للتو، بلا مقدمات، أن شيئًا صغيرًا وسريعًا قد وجد طريقه إلى داخل ساق بنطاله.

بدأ يركض. لا نحو شيء. ولا هربًا من شيء. كان يركض فحسب، في دائرةٍ رخوة، يصفع ساقه بيده، ويقفز بين لحظة وأخرى، مطلقًا سلسلةً من الأصوات الإنجليزية التي غادرت منذ زمن أي لغة كان يعلّمها.

سقط.

نهض.

ثم ركض من جديد.

كان هناك عش صغير — يبدو أنه كان هناك طوال الوقت، قريبًا من الأرض، عند قاعدة شجرة النيم — وقد أزعجته تجوالات جون العبثية. أما النحلة — أو ربما الدبور؛ ففي تلك اللحظة كان الفرق بينهما أمرًا أكاديميًا بالكامل — فقد اختلفت معه، بحزم، في باطن ساقه.

صرخ: «ساقي! ساقي!»

سمعت ثرياء ذلك من داخل المجازة، فخرجت تركض بأقصى سرعتها. «نحلة! نحلة؟ دبور؟» «لا أعرف!» «هل لا يزال داخل البنطال؟» «ليس داخل البنطال. أتمنى ذلك.» «تحتاج إلى المستشفى!» «أنا بخير!» سكت لحظة. «أظن.»

والحق أنه لم يكن بخير. لكنه كان يحاول أن يتعامل مع الأمر بنوعٍ من البريطانية، يتضمن الوقوف بثبات شديد، والتظاهر بأن الساق لا تؤلمه، والنظر، بإلحاحٍ متزايد، إلى باب المجازة.

وفي تلك اللحظة بالضبط — انفتح الباب.

خرجت صوفيا.

توقف جون.

توقفت ثرياء.

كل فتاة في الطريق، وكل امرأة، وكل ماعز — كل من كان داخل مدى النظر — توقف.

كان الكحل، الذي وضعته المرأة الكبيرة في المجازة بمثل تلك الدقة، قد التقى بحرارة العصر — وبحرارة الحرارة نفسها — وبذلك اللمعان الخفيف الناعم من العرق الذي لم تكن صوفيا قد مسحته بعد عن جبينها وخديها. فذاب. ليس قليلًا. بل تمامًا. امتد خطان داكنان طويلان من زاويتي عينيها نزولًا على خديها. وخطان أرفع نزلَا باتجاه ذقنها. أما الخطان العلويان فقد بعثرتْهما يدها — إذ حكّت عينها من غير تفكير — فامتدا الآن كقناعٍ داكنٍ ملطخ فوق جبينها وعلى جسر أنفها.

لم تكن تعرف هذا.

وقفت عند باب المجازة بفستانها المغسول، ومعصميها المعطرين بالصندل، وشعرها النظيف — فخورة تمامًا، منتظرة قليلًا، تنتظر رد زوجها.

كانت تبدو كشبحٍ غاضب جدًا.

أو ربما كوحشٍ متعب جدًا.

نظر إليها جون.

وللحظة واحدة، حمل وجهه السؤال: هل هناك خطب ما؟ هل هي مريضة؟

ثم ضحك.

ثم ضحك أكثر. ضحك حتى لم يعد قادرًا على الوقوف. ساقه التي لسعتها النحلة، والألم الحارق، وكل مسألة المستشفى — كل ذلك مُحي مؤقتًا من جسده — وغرق في الضحك. جلس على الأرض. ثم مال إلى الخلف. تمدد في الغبار، يضحك من صدره كله، يضحك بقوة حتى اضطرت ثرياء، القلقة من لسعة النحلة، إلى الركوع بجانبه لتتأكد أن هذا ليس نوعًا جديدًا من الأزمات الطبية المرتبطة بالضحك.

نظرت ثرياء إلى صوفيا. نظرت إلى الكحل. نظرت إلى جون، وهو يلهث على الأرض.

ثم ضحكت هي أيضًا.

مدّت صوفيا يدها، مذعورة، إلى وجهها. نظرت إلى أصابعها. عادت سوداء.

أخرجت إحدى الفتيات، بسرعة — وبلطف — المرآة الصغيرة من المجازة.

نظرت صوفيا.

صرخت.

«سأعود لأغسل! سأغسل وجهي! سأغسل يديّ! سأغسل كل شيء!»

استدارت، وسارت بخطواتٍ حازمة عائدةً عبر الباب الأزرق، واختفت داخل المجازة لما ستقدّره ثرياء لاحقًا بنحو عشرين دقيقة إضافية من الغسل الدقيق.

لاحقًا — بعد وقت طويل، حين خرجت صوفيا وقد أزيل الكحل عنها، واستعادت تماسكها، وكان العصر قد بدأ يميل نحو المساء — ساروا إلى البيت. ببطء. مرّوا بمحاذاة الفلج، الذي صار أهدأ الآن. كان صبي صغير — لا يعرفونه — يلعب في القناة المفتوحة، منسجمًا تمامًا مع المكان، غير قلق إطلاقًا من الجراثيم أو من الترتيب الدقيق لاستخدام الماء أو من أي شيء آخر.

نظر إليه جون. «إنه يسبح في الفلج.»

نظرت صوفيا إلى الصبي. لمست وجهها النظيف. ونظرت إلى يديها النظيفتين.

قالت بحزمٍ شديد: «أنا أغسل يديّ في الفلج. لا أسبح.»

واصلوا السير.

وصلوا إلى بيتهم. كانت الشمس تنخفض الآن — تلك الساعة الذهبية الطويلة المحددة التي كان هذا البلد يتقنها. فتحوا الباب. ودخلوا.

وإلى بيتهم الصغير النظيف، عبر الباب الذي بقي مفتوحًا، اندفع جسد صغير بقرنين — سريع، مصمم، لا يمكن الخطأ فيه.

«مالود.»

استدار جون على عقبيه، ناسيًا حتى ساقه التي لسعتها النحلة. «لماذا يحب هذا الماعز بيتنا؟!»

لم يجب مالود. كان مالود قد بلغ الطاولة الخشبية الصغيرة. وكان مالود بالفعل — بكفاءةٍ متمرسة للصٍ فعل هذا من قبل، وسيفعله مرة أخرى، ولا يبدو أنه ينوي يومًا أن يفسر نفسه — يأكل قطعة ورق.

ركضت صوفيا خلفه. «مالود!» لكن الماعز، والورقة لا تزال نصفها في فمه، أفلت منها برشاقة وغادر البيت بالطريقة نفسها التي دخل بها، جارًّا وراءه طرفًا صغيرًا ممزقًا من الورق.

وقفت صوفيا عند الباب، ويداها على خصرها، تراقبه وهو يبتعد.

قالت، لا لأحد: «هذه القرية ليست طبيعية.»

في تلك الليلة، بعد أن أكلوا — عشاءً بسيطًا، أغلبه أرز، وأغلبه صمت — تمدد جون على البساط، وساقه مرفوعة قليلًا فوق قطعة قماش مطوية، وقال: «اليوم تعلّمنا كلمات جديدة.»

هزّت صوفيا رأسها ببطء من الجهة الأخرى من الغرفة، وهي تمشط شعرها الذي ما زال رطبًا. «نعم. Wash. Swim. Hospital. Bee.»

نظر جون إلى السقف، وهو يتألم قليلًا حين لمس الورم الأحمر الصغير في بطة ساقه.

«وpain.» — Palm Seven / النخلة 7 —

PALM SEVEN · The Three Letters of John
Palm
Palm Seven
The Three Letters of John
Scene One
Mr. John and the Invisible Pillow

دخل السيد جون الصف بالطريقة التي يمشي بها الرجل الشجاع — كتفاه إلى الخلف، وذقنه إلى الأمام، وذلك التماسك الخاص لرجلٍ خسر مؤخرًا، وبصورة كاملة جدًا، معركةً مع عدو صغير جدًا.

كان قميصه مرتبًا. كُوي في ذلك الصباح بدقة صوفيا الخاصة التي تنتمي إلى مساء اليوم السابق، وجلس على كتفيه بطريقة توحي بأن أي مصيبة لم تقع قط للرجل الذي يرتديه. كان شعره مرتبًا. وبنطاله بالطول الصحيح. وحذاؤه، وإن لم يكن لامعًا — فلا حذاء في هذه القرية ينجو من الغبار — كان على الأقل زوجًا متطابقًا. أما ابتسامته فقد شدت نفسها إلى مكانها. حاولت. حاولت بقوة.

لكن عينيه؟

إحدى العينين بدت طبيعية. هادئة. إنجليزية. عين رجل نام نومًا كافيًا وجاء ليعلّم القواعد.

أما الأخرى فبدت كأنها ترتدي وسادةً صغيرة غير مرئية.

الدبور — ذاك الذي من الأمس، الذي نهض من العش الصغير قرب شجرة النيم خارج المجازة، والذي سيحمل جون ذكراه في ساقه عدة أيام — لم يكتفِ، على ما يبدو، بالساق وحدها. شيء آخر وجده في الليل. شيء حدّد مكانه وهو نائم، في وجهه النائم، وترك علامته حول محجر عينه اليمنى. لم يكن الورم موجودًا حين نام. لكنه كان هناك حين استيقظ — مكتملًا، ملتزمًا، بديعًا تمامًا — كما لو أن فنانًا أمضى الليل يعمل عليه.

حدّق الطلاب.

هذا هو الصمت المحدد الذي يصنعه الصف حين يدخل المعلم وفي وجهه إصابة ظاهرة. تتوقف الأقلام. تتوقف الدفاتر. تتوقف الأحاديث. حتى منصور، في الخلف، توقف لثانية كاملة.

ثم فعل منصور ما يفعله منصور دائمًا. وقف.

ليس بجانب مقعده. بل فوقه. صعد على مكتبه الخشبي الصغير بحركةٍ واحدة ناعمة واثقة — كما يصعد رجل صغير إلى خشبة مسرح كان يتدرب عليها — وأشار إلى عين السيد جون بكامل الجلال الاحتفالي لمنادٍ يعلن وصول أمرٍ عظيم — زفافًا ملكيًا، ربما، أو اندلاع حرب.

«تيتشر! عينك… BOOM!»

انفجر الصف.

لم تكن ضحكةً تتصاعد. كانت ضحكةً تصل كاملة وممتلئة، كأن كل طفل كان يدخرها منذ اللحظة التي فتح فيها السيد جون الباب. اهتزت المكاتب. انزلق صبيان في الخلف عن المقعد. وضعت فتاة رأسها على دفترها ولم ترفعه قرابة دقيقة.

صفّقت نورة، من مقعدها الأمامي، بيديها — مرتين، في احتفال صغير متقطع — وأطلقت حكمها بوضوحٍ حاسم كقاضية صغيرة وصلت إلى قرارها مسبقًا. «صحيح! كبيرة!»

انحنى خليل إلى الأمام بوجه جاد — وجهٍ جاد جدًا جعل كل من في الصف يعرف، فورًا، أن خليل على وشك أن يكون مضحكًا جدًا. وضع مرفقه على الطاولة. وأسند ذقنه إلى يده. ونظر إلى السيد جون بتعبيرٍ متفكر متعاطف، تعبير شيخ قرية يشخص جارًا طال به العناء.

قال، بإنجليزيةٍ حذرة: «ربما… بكى طوال الليل.»

الصف، الذي كان قد بدأ يتعافى، انهار مرة أخرى.

رمش السيد جون ببطء — بحذر — كأن الرمش، إذا أُدي بلطفٍ كافٍ، قد يقنع الورم بأن يغيّر رأيه. لم يفعل. بل إن الرمش زاد الأمر سوءًا. شعر بالشد الصغير في الجفن. وشعر بالنبض — منخفضًا، صبورًا — في العظم حول العين.

دخلت المعلمة ثرياء خلفه.

كانت تحمل قطعة طباشير ودفترًا سميكًا. وكانت، في ظاهر الأمر، مستعدة لصباحٍ عادي من التدريس. لم تكن قد رأت وجه السيد جون بعد.

رأت وجوه الطلاب أولًا. رأت الأصابع المشيرة. رأت الابتسامات العريضة، والأفواه نصف المغطاة، والصبي في الخلف يصنع — بكلتا يديه — إشارة BOOM الدقيقة التي أصبحت الآن، على ما يبدو، الإشارة الرسمية للصباح.

توقفت. أدارت رأسها ببطء نحو السيد جون.

رأت العين.

خانها وجهها — لربع ثانية. كان ذلك الاتساع الصغير اللا إرادي في عيني معلمة أدركت، بنظرة واحدة، كيف ستمضي الساعة القادمة بالضبط. ثم تمالكت نفسها. نقرت على السبورة مرتين — تلك النقرتان الصغيرتان المحددتان اللتان يفهمهما كل طالب في كل قرية في عُمان.

«صباح الخير جميعًا.»

حاول الطلاب أن يتصرفوا بأدب. حاولوا بجهد حقيقي. حاولوا لثانيتين بالضبط.

ثم قال منصور، وهو لم ينزل تمامًا عن المكتب، هامسًا بصوت عالٍ إلى علي: «يبدو كأنه نام داخل خلية نحل.»

التقط السيد جون، الذي كان سمعه أحدة مما توحي به عينه المتورمة، الكلمة. ارتفع حاجبه الباقي.

«خلية نحل؟»

لم تجب المعلمة ثرياء. كانت تكتب على السبورة بالفعل.

كتبت، بحروف كبيرة واضحة، كلمتين:

WASP STING

استدارت نحو الصف. «يا صف — ماذا نقول عندما يأتي السيد جون؟»

تذكروا درس الأمس. تذكروا الهدية الصغيرة. تذكروا أن good morning شيء تمنحه لشخص في بداية اليوم. قال بعضهم العبارة صحيحة. وبعضهم هاجمها كما يهاجم حيوانًا بريًا.

«Good morning, Mister Jhon!» «Good morning, Teacher!» «Good morning… and… sorry for your eye!»

انحنى السيد جون انحناءة صغيرة مهذبة. «Good morning.»

لم تكن، كما فكر، بداية أسبوع التدريس التي تخيلها. لكنه كان — وعليه أن يعترف — بين أصدقاء.

Scene Two
Yesterday I Felt Pain

نقرت المعلمة ثرياء على السبورة مرة أخرى. كانت الكلمتان تنتظران. أشارت إلى الأولى.

«كرروا بعدي.»

قال الصف: «Wasp.»

خرجت الكلمة بطرائق كثيرة مختلفة. قالها أحمد بدقةٍ نظيفة لصبي كان يدرس شكل الأفواه الإنجليزية في مرآة جيب. وقالتها نورة بزخرفتها الصغيرة المعتادة، كأن الكلمة جزء من خطابٍ صغير. أما منصور فقالها بثلاثة مقاطع إضافية لا تعترف بها الإنجليزية، لكنه كان يشعر بوضوح أنها تحسينات.

قالت مرة أخرى، وهي تشير إلى الكلمة الثانية: «Sting — بصوت أعلى.»

صرخ الصف «STING!» بحماسةٍ جعلت سحلية صغيرة على الجدار الخارجي للصف تندفع إلى أعلى وتختفي.

أشار السيد جون — بحذر — إلى عينه المتورمة. وقال ببطء، وبالإيقاع المتعمّد لرجل يمثل جملة للأطفال: «Yesterday… a wasp… stung me.»

هزّت المعلمة ثرياء رأسها موافقة. «جيد. Past tense.»

كتبت على السبورة، بخطها الواضح — نصفي الغرفة نفسها، الحاضر والماضي، مصطفين جنبًا إلى جنب مثل مرآتين:

Today: I feel pain. Yesterday: I felt pain. Today: My eye is swollen. Yesterday: My eye was swollen.

نسخ الأطفال الجمل في دفاترهم. أحمد، بالطبع، نسخها بعناية شديدة، كل حرف يتكوّن ببطء. خليل نسخها بزاوية توحي إما بثورة على السطور أو بعدم اهتمامٍ عام بها. أما منصور، كما كان متوقعًا، فرسم دبورًا صغيرًا في الهامش.

رفع خليل يده. رفعها بذلك اللطف المحدد الذي يخبر المعلمين ذوي الخبرة أن يستعدوا لفخ.

«نعم، خليل؟»

قال: «يا تيتشر، عينك is swollen… أو was swollen؟»

تنهد السيد جون. لم تكن تنهيدة مسرحية. كانت تنهيدة رجل استُخدمت قواعده ضده للتو على يد صبي في العاشرة.

قال بحذر: «It is swollen، وit was swollen.»

ضحك الصف مرة أخرى — ضحكة أصغر، أدفأ هذه المرة، ضحكة تعرف ما شهدته للتو.

ابتسمت المعلمة ثرياء. كانت ابتسامتها لطيفة. لكن عينيها حملتا تحذيرًا. كانت العينان تقولان: استمتعوا بهذا للحظة أخرى. ثم نعمل.

قالت: «حسنًا. اليوم نتمرن على past simple. كل واحد سيحكي قصة مضحكة. من الأمس. أو من أي أمس.»

أصدر الطلاب أصواتًا صغيرة متحمسة. ففكرة حكاية قصة مضحكة كانت، لأي طفل في العاشرة في أي بلد وفي أي قرن، تقريبًا أفضل خبر يمكن أن يحتويه صف.

جلس علي مستقيمًا كالمسطرة. وجلس أحمد أكثر استقامة — كمسطرة تريد ترقية. ورتب خليل وجهه في تعبير صبي مستعد للأداء. أما منصور فاتخذ تعبير صبي مستعد لتدمير العالم، وربما الأرضية، وربما الاثنين معًا.

تأملت المعلمة ثرياء صفها. درست خياراتها. ثم أشارت إلى أحمد.

«أحمد. ابدأ أنت.»

Scene Three
The Mijz

وقف أحمد ببطء. وضع يديه خلف ظهره — تلك الوقفة الصغيرة الجادة لرجل في اجتماع طُلب منه أن يخاطب رؤساءه، وقرر أن ينهض إلى المناسبة بالكامل.

تكلم بحذر. استخدم الكلمات الإنجليزية التي يعرفها، وملأ الفراغات بينها بثقةٍ عُمانية — وهي نوع مختلف من الثقة عن الثقة الإنجليزية، تؤمن، بيقين لا يتزعزع، أن المستمع سيقوم بنصف عمل المعنى.

قال: «Yesterday… I… um… I went… to the farm.»

هزّت المعلمة ثرياء رأسها. «جيد. Went فعل ماضٍ.»

واصل أحمد. اكتسب صوته زخمًا صغيرًا. «I played with my cousins. I ran. I climbed. I fell.»

همس خليل، الذي لا يستطيع مقاومة فرصة جيدة، للصبي المجاور له — بصوت يكفي ليسمعه الصف الأمامي كله: «سقط لأنه مستقيم أكثر من اللازم.»

تجاهله أحمد بكرامة متحدثٍ محترف. واصل.

«Then… I got pain in my stomach.»

شهقت نورة. لم تستطع منع نفسها. شهقت بصوتٍ عالٍ وكامل، كأن معلومةً شديدة الأهمية كُشفت للتو.

«أوه لا!»

رفع أحمد ذقنه. كان مسرورًا برد الفعل. وأدركت ثرياء أنه على وشك أن يقدّم الجزء من قصته الذي كان، بلا شك، يخطط له منذ اللحظة التي قالت فيها كلمة yesterday.

أعلن أحمد: «قالت جدتي: You eat too fast. وقالت أمي: You eat too much. وقال عمي: You need…»

توقف أحمد. توقف زمنًا طويلًا جدًا — طويلًا بما يكفي ليصبح التوقف نفسه جزءًا من القصة. نظر إلى المعلمة ثرياء. وكان في وجهه سؤال صغير. عرفت السؤال. كانت تعرف أن هذا السؤال آتٍ منذ بدأت الجملة.

تنهدت المعلمة ثرياء — مرة واحدة، بهدوء، بالكاد يُلحظ. كانت تنهيدة معلمة تحب ثقافتها، وتحب السلام أيضًا، وقد أدركت للتو، في هذه اللحظة المحددة، أن الاثنين على وشك أن يتصادما.

قالها أحمد رغم ذلك.

«You need… mijz.»

أصدر الصف صوتًا — «أوووووه!» طويلًا جماعيًا — كأن أحمد نطق تعويذة. كل طفل في ذلك الصف يعرف الكلمة. كل طفل سمع، في مرحلة ما، قريبًا يتحدث عن المِجْز، إما تحذيرًا أو ذكرى.

انحنى السيد جون — بحذر بسبب عينه — نحو المعلمة ثرياء. «ما هو… mijz؟»

صارت ابتسامة المعلمة ثرياء صغيرة. حذرة. ابتسامة معلمة تختار كلماتها.

«إنه… علاج قديم. تقليدي.»

وقبل أن تضيف أي تلطيف مفيد، رفع أحمد إصبعًا واحدًا كمحاضر صغير.

«سخّنوه.»

قفز حاجبا السيد جون. الجيد منهما على الأقل. أما الآخر فكان معطلًا.

«سخّنوا… ماذا؟»

أضاءت عينا أحمد بتلك اللمعة الخاصة براوٍ يصل إلى الجزء المختار.

«المِجْز.»

وأدركت المعلمة ثرياء أن القصة ستستمر على أي حال، ففعلت ما يفعله أي معلم جيد. أدخلت القصة في الدرس. التفتت إلى السبورة. وكتبت بالإنجليزية الواضحة:

heat burn treat hurt cure (old belief) traditional medicine

تلقى أحمد هذا بوصفه تشجيعًا، فواصل. كان يستمتع الآن. فكل ثانية من الحكاية كانت تمنحه انتباه خمسة عشر طفلًا كاملًا — وللمرة الأولى في مسيرته الدراسية، انتباه شخصين إنجليزيين حقيقيين كاملًا.

«أشعل عمي نارًا. وضع المِجْز في النار. صار أحمر.»

همس خليل، العاجز عن الصمت، لعلي: «مثل وجه منصور لما يكذب.»

جلس منصور منتصبًا فورًا. «أنا لا أكذب!» ثم سكت، ساخطًا، لحظة صغيرة. «أنا فقط… أغيّر الحقيقة!»

ضحك الصف. ولم تضحك المعلمة ثرياء — تمامًا — لكن شيئًا مرّ على وجهها لم يكن بعيدًا عن الضحك.

واصل أحمد. لم يكن على وشك أن يخسر جمهوره الآن. «قالت جدتي: كن قويًا. قلت: أنا قوي.»

نظر إلى الأولاد حوله بتعبيرٍ محدد لبطل صغير كان، في الزمن الماضي، شجاعًا جدًا.

«جلست. أغمضت عيني. قلت… Ready.»

بدأ السيد جون — بعينٍ جيدة واسعة، وعينٍ متورمة تبذل ما تستطيع — يهز رأسه ببطء. «لا، لا، لا…»

وفي تلك اللحظة نفسها، قدّم أحمد الذروة. مثّلها. رفع يدًا، وضم أصابعه كأنه يمسك قضيبًا صغيرًا مسخنًا، وأنزله باتجاه بطنه — وبدل أن يسمي اللحظة، صنع صوتها.

«ثم… تْسسسسس!»

صرخ الطلاب. ضحكوا. غطت نورة فمها. وسقط خليل عن مقعده — قليلًا، لا بالكامل، بما يكفي ليكون مضحكًا لا بما يكفي ليستحق التأنيب. وتظاهر منصور بالانهيار فوق مكتبه من شدة التعاطف.

لم يتأثر أحمد. أمسك بطنه — مائلًا إلى الخلف في كرسيه — كرجلٍ يتذكر الموضع الدقيق لألم قديم.

قال: «شعرت كأن…» توقف، يبحث، يبحث — ثم وصل، بإنجليزيته المنتصرة، إلى أفضل مقارنة ممكنة — «…I became a chicken.»

دوى الصف بالضحك.

ضغطت المعلمة ثرياء شفتيها معًا. حاولت ألا تضحك. فشلت — قليلًا. انكسرت ابتسامة صغيرة على وجهها، ثم أعادت الصف إلى النظام برفع يد واحدة.

«أحمد. استخدم أفعال الماضي.»

هز أحمد رأسه بجدية. كان ينتظر هذه التعليمات. كان قد أعد الفعل الماضي الدقيق للحظة الدقيقة.

«I screamed.»

صفّقت نورة. «فعل جيد!»

اختتم أحمد قصته بإيقاعٍ راضٍ لراوٍ يقترب من سطره الأخير. «بعد ذلك… شعرت بطني أفضل. قال عمي: See? Good! وقالت أمي: next time… eat slowly.»

جلس. وصفق الصف — لا بهدوء.

رفع السيد جون يده كتلميذ، وهو لا يزال يعالج في ذهنه سلسلة الأحداث التي وُصفت له للتو.

«انتظروا. هذا حقيقي؟ أحرقتموه؟»

تحدثت المعلمة ثرياء بلطف. اختارت كلماتها بعناية، كما كانت تختار كل كلماتها حين تشرح بلدها لشخص لم يكبر داخله.

«كان كثير من الناس يستخدمونه قديمًا. كانوا يعتقدون أنه يساعد. الآن لدينا مستشفيات. أطباء. دواء. لكن في السبعينيات — في القرى — كانت الطرق التقليدية تُستخدم. بعض الناس ما زالوا يثقون بها.»

لمس السيد جون عينه المتورمة. بلطف. وقال بصدقٍ هادئ: «أنا أفضل… المستشفى.»

Scene Four
One Sentence, Mansoor

لم تكد كلمة المستشفى تغادر فم السيد جون حتى كان منصور واقفًا على قدميه.

كان قد قفز من كرسيه بتلك السرعة الخاصة بصبي احتفظ بمعلومة شخصية قرابة أربعين ثانية، ولم يعد قادرًا على النجاة إن لم يطلقها في الصف.

«تيتشر! أنا رحت مستشفى مرة!»

المعلمة ثرياء — التي طورت، على امتداد مسيرتها في التعليم، رادارًا خاصًا جدًا لصوت منصور حين يقول لدي قصة — التفتت فورًا. أشارت إليه بتلك السلطة الدقيقة التي تعلّم كل طالب في القرية، منذ سن السادسة، ألا يجادلها.

«اجلس. جملة واحدة فقط.»

جلس منصور. لكن فمه لم يجلس. ظل فمه يتحرك، كأن جسده تلقى أمرًا وفمه تلقى أمرًا آخر، وكان الفم يتظاهر بأنه لم يسمع.

«أوكي أوكي… أنا رحت مستشفى… وبكيت… وهربت…»

صار صوت المعلمة ثرياء أعذب. كما صار، وقد لاحظت صفية ذلك من مؤخرة الصف، أخطر بكثير — ذلك الصوت العذب الخطر المحدد الذي يستخدمه المعلمون حين يكون طفل على وشك أن يُدار، بحزم، وبنعمةٍ علنية كاملة.

كررت: «جملة واحدة.»

تجمد منصور في منتصف الجملة. فكر في خياراته. فكر فيها بجلالٍ حقيقي ظاهر لصبي صغير قيل له إن لديه جملة واحدة فقط لقصة يريد أن يرويها في ست جمل.

نظر إلى السقف. نظر إلى الأرض. نظر إلى المعلمة ثرياء. ثم، بهواءٍ حاسم صغير لصبي وصل للتو إلى إجابته النهائية — اختار الجملة. اختار أفضل واحدة.

«أنا بكيت.»

ضحك الصف — كاملًا، مبتهجًا، منزوع السلاح — من اقتصاد الجملة الأنيق الساحق. واتفقوا جميعًا لاحقًا أنها كانت جملة أفضل مما كانت ستصبح عليه القصة الكاملة.

صفّقت المعلمة ثرياء مرة واحدة — فاصلة صغيرة فعالة — وأعادت الغرفة إلى قيادتها.

«الآن. نصلح قواعد أحمد.»

التفتت إلى السبورة. كتبت بحروف كبيرة واضحة، ومع علامة ✅ صغيرة بجانب كل سطر:

✅ Yesterday, I went to the farm. ✅ My uncle heated the mijz. ✅ I felt pain. ✅ I screamed. ✅ After that, I felt better.

قرأ الصف الجمل معًا، بذلك الصوت الموحد الصاعد للأطفال حين يقرؤون من السبورة. «Yesterday, I went to the farm…»

صفية، من الخلف، رأت كيف فعلت ثرياء ذلك. أخذت الفوضى — قصة أحمد، وأداة الكي، وجملة منصور الوحيدة، وانزعاج جون الظاهر من الحوار الثقافي كله — وصفّتها، من غير أن تسكب قطرة، في خمس جمل إنجليزية صحيحة. زمن ماضٍ. أفعال نظيفة. الدرس الذي دخلت الغرفة لتعلّمه. كانت ثرياء، كما فكرت، معلمة استثنائية. ودبلوماسية أفضل.

استدارت المعلمة ثرياء عن السبورة. نظرت إلى السيد جون. «دورك. جملة واحدة عن الأمس.»

تنحنح السيد جون. نظر إلى الصف — إلى الوجوه الصغيرة الكثيرة، كل واحد منها ينتظر منه أن يقدم شيئًا يمكنهم أن يضحكوا منه أو يتعلموا منه، ويفضل أن يكون الاثنين معًا.

ركّب جملته. ببطء. وبحذر.

قال: «Yesterday, I walked near a tree. A wasp stung me. I ran like Mansoor.»

منصور، الذي كان قد صمت للتو تكريمًا لجملته أنا بكيت، جلس منتصبًا بسرورٍ فوري. وهمس لعلي، بفخر — وبصوتٍ يكفي ليسمعه السيد جون، وهذا كان المقصود تمامًا: «شفت؟ أنا أعلمه.»

ضحكت المعلمة ثرياء — هذه المرة علنًا، بلا حرج. «جيد. أفعال الماضي — walked, stung, ran.»

رفعت نورة يدها. بالطبع فعلت.

«تيتشر — هل نستطيع أن نقول… He looked scary؟»

رمش السيد جون. اتسعت عينه الجيدة، مما جعل العين الأخرى تبدو، بالمقارنة، أصغر. «أنا looked scary؟»

هز خليل رأسه. بجدية. وبذلك الالتزام المحدد لصبي فكر في المقارنة بعناية ويريد الآن أن يقدّم رأيه المهني.

«مثل جمل تعبان.»

انفجر الصف مرة أخرى. هذه المرة انضم إليهم السيد جون — قليلًا، بلا حول. غير أن ابتسامته خرجت مائلة. نصف وجهه كان يستطيع أن يبتسم. أما النصف الآخر فكان، في تلك اللحظة، في إجازة.

قال بقدر ما سمح له النصف العامل المتبقي من وجهه من كرامة: «شكرًا.»

Scene Five
The Ghoul

بدأ الصف يهدأ. كان أحمد يعيد قراءة قصته في دفتره بفخرٍ ظاهر. وكانت نورة تضيف إطارًا زخرفيًا صغيرًا إلى جملتها عن yesterday. أما منصور فكان، بإعجاب، لا يزال يستخدم جملته الوحيدة إلى أقصى طاقتها، بأن يذكرها، على فواصل محسوبة، لكل من يمكن أن يسمعه. «هيه — أمس، أنا بكيت.» «هيه — أمس، أنا بكيت.»

كان الصف يعود إلى إيقاعه العملي — صوت الأطفال وهم يفكرون، والأقلام وهي تتحرك على الورق، والكلام الخفيض حول من كتب ماذا. كانت المعلمة ثرياء تتحرك بين المكاتب، تفحص، وتصحح، وتنقر أحيانًا على صفحة لتشير إلى فعل ماضٍ ناقص.

أما السيد جون، وعينه لا تزال متورمة لكنها أكثر استقرارًا الآن — فقد امتص الصف تشوهه في اليوم ومضى — فكان يكتب، ببطء، جملته على صفحة نظيفة. بدأ يستمتع بنفسه. وكان، في الواقع، على وشك أن يسأل ثرياء عن الماضي من فعل forget، فضولًا نحويًا صغيرًا خطر له للتو، حين —

انحنى خليل إلى الأمام فوق مكتبه. كان وجهه عاديًا تمامًا. وكان صوته هادئًا تمامًا. وكانت طريقته طريقة رجل يشارك خبر الطقس.

قال: «تيتشر، البارحة… شفنا غول.»

سكتت الغرفة.

حتى منصور — وهذا حدث نادر إحصائيًا — توقف. توقف عن الكلام. وتوقف عن الحركة. وتوقف عن التنفس، قليلًا، لمدة ثانيتين تقريبًا. كان كل طفل قد التفت إلى السيد جون ليرى كيف ستسقط هذه المعلومة عليه.

تجمد السيد جون.

دخلت الكلمة الإنجليزية ghoul — وهو ما ظن أنه سمعه — إلى خياله الإنجليزي محملةً بكل فهرس المعاني التي تحملها تلك الكلمة في الإنجليزية. روح تنبش القبور. وحش من قصص طفولته. مخلوق من الصفحات المظلمة لألف ليلة وليلة، التي كان قد قرأها فعلًا، والتي أخافته فعلًا أكثر مما اعترف لأي أحد.

«ماذا…؟»

أدركت المعلمة ثرياء فورًا ما يحدث — الفجوة بين الغول العُماني، أي الحية، والغول الإنجليزي، أي الوحش، كانت على وشك أن تبتلع درسها كله — فالتفتت إلى خليل.

قالت بحذر: «خليل، هل تقصد snake؟»

هز خليل رأسه بمرح كامل. «نعم. غول.»

فقد وجه السيد جون — ما بقي منه قادرًا على التعبير — كل لونه. ازدادت عينه العاملة قلقًا. أما العين المتورمة فحاولت أن تزداد قلقًا، لكن ظروفها البنيوية منعتها، فاكتفت بأن تبدو قلقةً على الدوام.

همس: «حية؟ في القرية؟»

تحدث علي، فخورًا بإنجليزيته وحريصًا على المشاركة. «نعم. جاءت قرب الماء.»

وأضافت نورة — بمساعدة مؤسفة: «كانت تتحرك هكذا.» ولوّحت بذراعها إلى أعلى وإلى أسفل في حركة طويلة شبيهة بالشريط. وكان العرض، للأسف، دقيقًا جدًا.

تراجع السيد جون خطوة من غير تفكير — فاصطدم بالسبورة. ارتفعت حوله سحابة صغيرة من غبار الطباشير. لم ينتبه.

فعلت المعلمة ثرياء ما يفعله المعلمون الجيدون في أزمة صغيرة. تظاهرت بأنها ليست في أزمة.

قالت بسلاسة: «حسنًا. مفردات جديدة.»

التفتت إلى السبورة. وكتبت:

snake afraid dangerous near outside inside

قرأ السيد جون الكلمات. قرأها بعناية. توقفت عينه — الجيدة — عند الكلمتين الأخيرتين. ابتلع ريقه.

«Inside؟»

توقفت المعلمة ثرياء. درست خياراتها. وقاست — بدقة — مقدار الصراحة الذي تستحقه هذه الحالة.

ثم — لأنها المعلمة ثرياء، ولأنها تستمتع بالنكات الصغيرة الجراحية، ولأن الصباح استحق لحظة مشاكسة صغيرة أخرى — قالت بهدوء:

«أحيانًا… نعم.»

راقب الطلاب وجه السيد جون كأنه فيلم. انتقل تعبيره الوحيد العامل عبر مراحل عدة. عدم تصديق. حساب. استسلام.

تكلم ببطء. وبهدوءٍ مدروس لرجل يلخص وضعه للسجل.

قال: «إذن… بالأمس لُسعت. واليوم أنا متورم. والليلة… سأُؤكل.»

ضحكت المعلمة ثرياء — علنًا، بدفء، تلك الضحكة الخاصة بمعلمة كانت تنتظر طوال الصباح أن يتبلور كل شيء في جملة مثالية واحدة، وقدّمها لها ضحيتها.

قالت بلطف: «لن تُؤكل. فقط… ستخاف.»

Scene Six
Animals Do Not Knock

رن الجرس.

لم يكن جرسًا كهربائيًا حديثًا. كان جرسًا نحاسيًا صغيرًا يدقه أبو سالم، الحارس، بيده من ساحة المدرسة، بذلك الإيقاع الثابت المحدد الذي يستخدمه منذ نحو عشرين عامًا، والذي يعرفه كل طفل في القرواشية قبل رنته الثالثة.

اندفع الطلاب خارج الصف كعواصف صغيرة، تتداخل أصواتهم في ذلك الحماس نصف الإنجليزي ونصف العُماني الذي صار نهاية الدرس تولده في هذا الصف خلال الأسابيع الماضية.

«Bye, teacher!» «See tomorrow!» «منصور، حقيبتك!» «نسيت! نسيت!» «أحمد، انتظر!» «Good — morning!» — وهذه الأخيرة من صبي أصغر قرر، على ما يبدو، أن good morning أفضل عبارة إنجليزية يملكها، وينوي استخدامها في كل أوقات اليوم، مهما كان السياق.

ثم، بالسرعة نفسها التي دخلوا بها، رحلوا. خفت صوت الأقدام الصغيرة على الطريق. والساحة، التي كانت ممتلئة بالصياح، أمسكت لثانية طويلة بذلك التوقف الخاص الذي تمسكه الصفوف حين يغادرها أطفالها للتو ولم يستقر الغبار بعد.

لم يتحرك السيد جون.

وقف في مقدمة الصف والسبورة لا تزال ممتلئة بأفعال الماضي، وغبار الطباشير لا يزال ظاهرًا قليلًا على ظهر قميصه من لقائه السابق بالسبورة. نظر إلى المعلمة ثرياء، التي كانت، بدقة هادئة لشخص يغلق يومًا ويستعد لليوم التالي، تجمع كيس الطباشير.

نظر إليها بتعبير توسل لرجل يسأل — من غير أن يسأل تمامًا — عن سر البقاء.

قال بحذر: «المعلمة ثرياء.»

«نعم، السيد جون.»

اختار كلماته. اختارها كما يختار رجل جملته الأخيرة قبل امتحان مهم جدًا.

بدأ: «في قريتكم…» توقف. فكر في الصياغة. «…هل الحيات… تدخل البيوت؟»

رفعت المعلمة ثرياء كيس الطباشير. علّقت شريطه الصغير على كتفها. عدّلت وشاحها. وتحركت — من غير استعجال — نحو الباب. وعند الباب، التفتت.

ابتسمت.

قالت بلطف: «السيد جون، أنت تسكن قرب المزارع. قرب الفلج. قرب الأشجار. أحيانًا… الحيوانات تزور.»

هز رأسه. بضعف. «حيوانات. نعم.»

فتحت الباب. ثم — قبل أن تخرج مباشرة — أضافت بابتسامة صغيرة:

«وأحيانًا… لا تطرق الباب.»

ثم ذهبت. أُغلق الباب خلفها بهدوء. وقف السيد جون لحظة طويلة في الصف الفارغ. جاء صوت الفلج خافتًا عبر النافذة المفتوحة. في مكان ما في الخارج، كان طائر ينادي. وفي مكان ما في الخارج، كان طفل يضحك. وفي مكان ما في الخارج — كما قدم له خياله غير المفيد — ربما كان حيوان ما في طريقه إلى بابه. من غير أن يطرق.

عاد إلى البيت ببطء. كانت الشمس لا تزال عالية، لكن جون لم يلاحظها تمامًا. كان عقله ممتلئًا بأشكال طويلة، رفيعة، شريطية.

في تلك الليلة، في بيتهم البسيط، تمدد السيد جون على بساطه وحدق في السقف.

كان سقفًا بسيطًا. عوارض خشبية. وسعف نخيل مرصوص. وقنديل واحد في الزاوية، تتحرك شعلته الصغيرة ببطء مع نسيم المساء الداخل من النافذة المفتوحة.

المشكلة في سقف مصنوع من سعف النخيل، حين يكون المرء قد أُخبر للتو أن الحيوانات تزور البيوت في هذا البلد وأحيانًا لا تطرق الباب، هي أن السقف المصنوع من سعف النخيل مليء بأصوات صغيرة جدًا. كانت السعفات تتحرك أحيانًا بفعل النسيم — صوتًا صغيرًا بريئًا تمامًا، لكنه في تلك اللحظة لم يكن بريئًا على الإطلاق. تحركت حشرة صغيرة في مكان ما داخل الخشب. وتحركت حشرة أكبر — ربما وزغة، وربما شيء أسوأ — في الزاوية. وكل صوت من هذه الأصوات، لرجل صار مهيأً الآن للتفكير في الحيات، صار قصة.

كل صوت صغير صار قصة.

نقرة خفيفة في العوارض صارت جسدًا صغيرًا يتحرك عبر خشبة. وحفيف بعيد صار شيئًا ينسلّ على طول الجدار الخارجي. وصرير الباب الخشبي اللطيف صار، في لحظة ما، حيوانًا صغيرًا يختبر المزلاج.

تقلبت صوفيا بجانبه. «جون.» «نعم.» «لماذا لا تنام؟» «أفكر.» «في ماذا؟» سكت لحظة. «في الحيوانات.» سكتت أطول. «وفي طرق الباب.» «وفي طرق الباب؟» «أو عدم طرقه.»

فتحت عينًا واحدة. نظرت إليه عبر المسافة الصغيرة بينهما على البساط.

«جون.» «نعم.» «نم.» «أحاول.» «حاول أكثر.»

أغمضت عينها. وفي غضون دقيقتين، صار تنفسها بطيئًا ومنتظمًا. ذلك النوم العميق الظالم الخاص بالنساء اللواتي لا يعرفن الكلمة العربية للحية.

بقي السيد جون مستيقظًا.

بقي مستيقظًا زمنًا طويلًا. استمع إلى السقف. استمع إلى النسيم. استمع إلى الفلج، الذي واصل في البعيد همسه القديم الطويل غير المنقطع.

وكل صوت صغير — تمامًا كما لاحظ راوي مساءه بصدق — صار، بطريقته الصغيرة، قصة. — Palm Eight / النخلة 8 —

··
PALM EIGHT · A Goat Named Malood
Palm
Palm Eight
A Goat Named Malood
Scene One
The Morning Walk to School

كانت شمس الصباح دافئة بالفعل — ليست حارة بعد، وليست بعد ذلك السطوع المسطح القاسي لمنتصف النهار، لكنها دافئة بما يكفي، حتى في هذه الساعة المبكرة، لتذكّر كل من يمشي على الطريق أن هذا البلد لا يؤمن بالصباحات اللطيفة.

مشى السيد جون ببطء نحو المدرسة الصغيرة في سمائل. كان يحمل حقيبته في يد — حقيبة قماشية جاءت معه من لندن، وبدأت، على هذا الطريق المغبر، تكتسب مسحة حقيبة بدأت حياة ثانية — ويفرك عينيه باليد الأخرى.

كانت عينه، للتوثيق، لا تزال متورمة قليلًا. ترك الدبور ذكرى صغيرة صبورة على العظم. وكانت ذكرى ينوي أن يعيش معها عدة أيام أخرى.

قال، نصف الكلام لنفسه ونصفه للطريق: «لماذا يستيقظ كل شيء هنا مبكرًا هكذا؟»

خلفه، كانت صوفيا — صفية، كما صار الجميع في القرية ينادونها الآن، بدفءٍ خاص لاسمٍ تم تبنيه لا فرضه — تصلح وشاحها. صار وشاحها، حتى ذلك الحين، تفاوضًا يوميًا صغيرًا. لم يكن يومًا في الموضع نفسه الذي تركته فيه آخر مرة. كان في القرية هواء يعمل ضد الأوشحة. أما قدماها — اللتان وُلِدتا في أحذية جلدية ونشأتا فيها — فما زالتا تتعلمان ما يتطلبه الطريق الرملي.

قالت، وهي تبتسم — بعاطفة حقيقية الآن، لا بالبهجة المتكلفة في أسابيعها الأولى: «هذا المكان جميل، لكن قدميّ ليستا سعيدتين.»

ضحكت المعلمة ثرياء، وهي تمشي خطوة أمامهما، من غير أن تلتفت.

قالت: «قدماكِ ستتعلمان. كل شيء يتعلم هنا.»

وشعرت صفية، وهي تمشي خلفها، بثقل الجملة يستقر. كل شيء يتعلم هنا. فهمت، من غير أن تحتاج إلى السؤال، أن ثرياء لم تكن تعني القدمين وحدهما. كانت تعني العينين، اللتين تتعلمان قراءة الضوء بطريقة مختلفة. وكانت تعني الأذنين، اللتين تتعلمان التمييز بين الأذان والنسيم والفلج. وكانت تعني الجلد، الذي يتعلم قبول الغبار زينةً لا إهانة. وكانت تعني ذلك الجزء من الإنسان الأعمق من كل هذا — الجزء الذي بدأ، من غير أن يُسأل، يعيد ترتيب نفسه حول هذا الطريق، وهذه القرية، وهذا الصباح.

ظهرت المدرسة في نهاية الطريق. كانت مبنى بسيطًا — جدرانًا بيضاء، وبابًا خشبيًا مطليًا بذلك الأزرق العُماني العميق الذي تشترك فيه الأبواب عبر سمائل، وسبورةً ظاهرة عبر النافذة المفتوحة، ومجموعةً صغيرة من الطباشير على رف صغير قرب الباب. لا مراوح. لا كهرباء. فقط نوافذ مفتوحة، ومن خلالها صوت الطيور وثغاء ماعز بعيد في مكان ما خلف جدار المزرعة.

حين وصلوا، كان الأطفال هناك بالفعل. كانوا دائمًا هناك بالفعل. بدأت صفية تشك، نصف جادة، أن بعضهم ينام في المدرسة.

جلس أحمد مستقيمًا كالمسطرة — حقيبته على ركبتيه، ولوحه ممسوك بالزاوية الصحيحة تمامًا، ووقفة صبي يؤمن بقناعة شخصية عميقة أن الاستقامة الجيدة تسهم في قواعد جيدة.

كان علي يرسم شيئًا بدل أن يكتب. كان غالبًا يرسم شيئًا بدل أن يكتب. كان يمتلك موهبة خاصة لصبي، إذا خُيّر قلمه بين حرف وحيوان صغير، اختار الحيوان. وقد توقفت المعلمة ثرياء، بحكمة الخبرة، عن محاربة هذا.

كان خليل يهمس ويضحك — بذلك الإيقاع الدقيق: همسة ثم ضحكة، الذي يقول إن نكتةً اختُرعت، وقيلت، وهي الآن تنتظر أن تتحسن. وكانت نورة تسأل سليمة سؤالًا. ومع معرفة نورة، فإن سليمة أجابت عن واحد وسُئلت فورًا ثلاثة أسئلة أخرى. وكانت مروة ورحمة تتشاركان قلمًا واحدًا — شيئًا مشتركًا صار، في هذه المرحلة، ملكًا مشتركًا لكل من في مثلثهن الصغير.

أما منصور — لأنه لم يكن ليكون صباحًا في القرواشية من دونه — فكان واقفًا على كرسيه.

قالت ثرياء: «اجلس يا منصور.» لم تقلها بصوت عالٍ حتى، ولا كأمر، بل كطقس. هي تعرف الجملة. وهو يعرف الجملة. ولا أحد منهما يتوقع أن تغيّر الجملة سلوكه بصورة دائمة.

جلس منصور.

بعد خمس ثوانٍ، وقف من جديد.

صفق السيد جون بيديه — مرتين، بحدة، طريقة المعلم في افتتاح الصباح. «Good morning, everyone!»

أجابوا: «Good morning, teacher!» في جوقة طبقية غير متزامنة تمامًا لأطفال تعلموا التحية، لكنهم لم يتعلموا بعد أن يصلوا إليها معًا.

قال السيد جون بسعادة — لم تبتسم عينه معه تمامًا، لكن بقية وجهه حاولت: «Today، سنتعلم كيف نتحدث عن الناس. نقول: He is… She is… He has… She has…»

لم يذهب أبعد من ذلك.

انغلق باب الصف بعنف.

بَانغ.

Scene Two
The Shadow on the Wall

قفز الأطفال جميعًا.

اتسعت عينا خليل — تلك الاستدارة اليقظة المحددة لطفلٍ لم يخف، في الحقيقة، لكنه فهم، في الثانية نفسها مع بقية الصف، أن الآن هو وقت الخوف. أما منصور، الذي كان قد وقف للمرة الثانية للتو، فقد انتقل خلف أحمد بكفاءة توحي بأنه تدرب على هذا في حياته القصيرة.

خفضت نورة، التي كان صوتها عادة أول صوت في أي موقف، صوتها إلى همسة — همسة حملت، بطريقة ما، وزنًا أكبر من كل أسئلتها السابقة.

«إنه هو…»

نظرت صفية إلى ثرياء. «من؟»

تغير وجه ثرياء — ذلك الوجه الذي صار الآن وسيلة صفية الأساسية لقراءة القرية — قليلًا. ليس خوفًا. ولا فزعًا. بل بتماسكٍ صغير لشخص سمع للتو خطوة مألوفة في يوم كان يتمنى ألا يسمعها فيه.

قالت بهدوء: «ابقوا هادئين. ابقوا هادئين.»

في الخارج — مرت خطوات ثقيلة قرب النافذة.

ثَمب.

ثَمب.

لم تكن خطوات طفل. ولا خطوات امرأة صغيرة تحمل ماءً. كان لها وزن، وذلك التؤدّد المحدد لخطوةٍ لم تكن في عجلة من أمرها في حياتها.

ظهر ظل على الجدار. ظل طويل. ظل شيء طويل ونحيل، مر ببطء عبر النافذة المفتوحة — ثم، من غير أن يتوقف، واصل طريقه.

قال علي بصوت صغير — صوت صبي يقدم معلومة لم يكن ينوي تقديمها علنًا: «الرجل العجوز…»

همست مروة، من المثلث: «رجل السحر…»

وقالت رحمة، بصوتٍ صغير جدًا: «أمي تقول إنه مخيف.»

وأضاف منصور — من مكان ما خلف كتف أحمد، حتى بدا صوته كأنه يخرج من أحمد نفسه، وهذا أزعج أحمد كثيرًا — وبكامل جلال تقرير من فم أبيه:

«أبي يقول إنه يستطيع أن يتكلم مع الماعز.»

رمش السيد جون. اتسعت عينه الجيدة. أما الأخرى فبذلت ما تستطيع، وشدت إلى الأعلى.

«يتكلم مع… الماعز؟»

خليل، الذي كان قد استعاد ما يكفي من شجاعته ليتكلم، قدّم الاسم. «تيتشر… هذا خلف.»

سألت صفية: «من هو خلف؟» وجاءت الإجابة لا كإجابة واحدة، بل كإجابات كثيرة، كلها في الوقت نفسه، متداخلة، تقاطع بعضها بعضًا، وكل طفل يضيف القطعة التي ورثها من الأسطورة.

«مخيف!» «يعيش وحده!» «عنده عصا كبيرة!» «يمشي بالليل!» «يصنع دخانًا!» «هو ساحر!»

حاول السيد جون، بشجاعة خاصة لمعلم لم يهزمه الصباح بعد، أن يبتسم.

قال بحزم: «لا يوجد سحرة. يوجد معلمون فقط.»

كانت جملة جيدة. هادئة. عقلانية. ذلك النوع من الجمل الذي كان سينهي الحديث في صف في لندن.

وفي تلك اللحظة، سقط شيء في الخارج.

كراش.

صرخ الأطفال.

«أبويااااااه!» — تلك الصرخة العُمانية المحددة التي لا تُتعلّم، وتعني: يا أبي، وتخرج، من غير استئذان، من صدر أي طفل في القرية يُفزع حقًا.

ركض بعضهم تحت المكاتب. منصور، الذي التزم الآن تمامًا باستراتيجية الاختباء، سحب حقيبة أحمد فوق رأسه. وأحمد، ويُحسب له ذلك قليلًا، لم يعترض. أما أسئلة نورة الثلاثة فصارت للحظة سؤالًا واحدًا — «ماذا كان ذلك؟» — وبصوتٍ قلب همستها السابقة رأسًا على عقب.

كانت صفية — من غير أن تقرر فعل ذلك — قد أمسكت بذراع السيد جون.

«ما هذا؟!»

مشت ثرياء إلى النافذة — هادئة بالطريقة التي يصبح بها المعلمون هادئين تحديدًا حين لا يستطيع طلابهم ذلك. نظرت إلى الخارج. تأملت ما رأته. ثم — على غير المتوقع، في قلب الأزمة الصغيرة — بدأت تضحك.

قالت: «إنه خلف فقط.»

قال السيد جون — بدهشةٍ محددة لرجل قيل له للتو إن مصدر أسطورة قرية كاملة ليس، في الحقيقة، مهمًا بما يكفي ليبرر الأسطورة: «فقط؟»

فتحت الباب.

Scene Three
The Man in the Doorway

في الخارج وقف رجل عجوز.

كان نحيلًا جدًا. طويلًا جدًا. وكان، بطريقة ستجد صفية نفسها تفكر فيها بعد أسبوع، هادئًا جدًا — وهدوؤه لم يكن غياب الصوت. كان حضورًا. شيئًا يحمله. جوًا حوله بدت الأصوات فيه — حتى الصغيرة منها، حتى الطيور — كأنها تتراجع احترامًا.

امتدت لحيته البيضاء الطويلة حتى منتصف صدره. وكانت ثيابه قديمة — ليست ممزقة، بل كثيرة الاستعمال، ثياب رجل توقف منذ زمن عن شراء الجديد لأن ثيابه القديمة صارت جزءًا منه. وفي يده عصا. وبالقرب من قدميه، على الغبار، كيس قماش صغير. ومن فمه المفتوح، استطاعت صفية أن ترى أعشابًا — حزمًا منها، أوراقًا لا تعرفها، وسيقانًا بنية صغيرة مربوطة بخيط — وبجانب الأعشاب، بعض الأدوات القديمة التي لم تستطع أن تسميها فورًا.

نظر إلى ثرياء. وحين جاء صوته، كان جافًا، مسطحًا، وهادئًا تمامًا.

قال: «ماعزك يأكل نباتاتي مرة أخرى.»

وخلفه — ظاهرًا الآن عبر الباب المفتوح، يمضغ بسعادة، غير نادم إطلاقًا — وقف مالود.

اتسعت عينا صفية. «أوه لا. ليس مرة أخرى.»

خفضت ثرياء رأسها قليلًا — ذلك الانخفاض الصغير الرسمي للاحترام الذي بدأت صفية تلاحظه بين الأصغر سنًا حين يخاطبون الأكبر.

«المعذرة يا عم خلف. سنبعده.»

لم يهز خلف رأسه. ولم يلوّح باعتذارها كأنه لا شيء. بل قبله فحسب، وترك نظره يتحرك — ببطء، ومن غير استعجال — من ثرياء، متجاوزًا إياها، إلى داخل الغرفة، إلى الأجنبيين الواقفين خلفها.

نظر إلى السيد جون.

نظر إلى صفية.

نظر إليهما بذلك الانتباه الهادئ المحدد لرجل عاش زمنًا يكفي ليقرأ وجهًا مرة واحدة، ولا يحتاج إلى قراءته مرة ثانية.

قال ببطء: «أنتم المعلمون الجدد.» كان ذلك تقريرًا، لا سؤالًا. كان يعرف بالفعل.

قال السيد جون: «نعم.» تنحنح. ووجد، لدهشته الصغيرة، أنه يستخدم صوت المعلم الحذر — الصوت الذي يستخدمه حين ينتظر طالب جملة صحيحة. «أنا جون. وهذه زوجتي، صوفيا.»

انتقلت عينا خلف إلى وجه صوفيا. وبقيتا هناك زمنًا طويلًا — لا بتطفل، ولا بما يسبب الانزعاج، بل بالقراءة الحذرة نفسها التي منحها للسيد جون. كانت نظرة رجل قرر، بصمت، أن يرى من يكون هؤلاء الناس.

ثم — ليونة صغيرة جدًا حول الفم، ليست ابتسامة تمامًا.

قال: «تبدين خائفة.»

ضحكت صوفيا — بتوتر، ضحكة امرأة رآها أحدهم بوضوح أكثر مما استعدت لأن تُرى.

«لا… فقط… متفاجئة.»

لم يرد على هذا. ولم يجادله. هز رأسه مرة واحدة فحسب، كأن كلمة متفاجئة إجابة سمعها من قبل ووجدها مقبولة. التقط كيسه القماشي. استدار. ومضى — بالخطوة الثقيلة نفسها غير المستعجلة التي أعلنت وصوله — واختفى حول زاوية جدار المدرسة.

وفي اللحظة التي غاب فيها عن النظر، خرج الأطفال.

لا بحذر. ولا بتؤدة. بل بانفجار — كما يفعل الأطفال الذين كانوا يتظاهرون بالرعب قرابة دقيقتين، ثم يتظاهرون الآن بأنهم تعافوا تمامًا. خرج منصور من تحت حقيبة أحمد بهيئة ناجٍ منتصر. أما خليل، وقد تعافى من فزعه الأول، فبدأ الكلام فورًا.

«أرأيتم؟ إنه غريب!» «لا يبتسم!» «يتكلم مع نفسه!» «ابن عمي يقول إنه يصنع دواء!» «أخي يقول إنه يصنع دخانًا!»

السيد جون — الذي كان، بتدريبه وطبعه، معاديًا للأسطورة بحكم التكوين — مشى إلى السبورة والتقط الطباشير.

قال: «انظروا. انظروا. نستطيع أن نصفه.»

كتب على السبورة، بوضوح، وبالأحرف الكبيرة نفسها التي كان يستخدمها دائمًا:

He is old. He is thin. He has a stick. He walks slowly.

استدار إلى الصف.

رفع أحمد — الصبي الذي كانت الجدية هويته منذ اليوم الأول — يده. كان وجهه متماسكًا. وكانت جلسته، كعادتها، نصبًا تذكاريًا لعادات العمود الفقري الجيدة.

قال بإنجليزيته الحذرة الموزونة: «تيتشر، هو ليس ساحرًا. هو فقط… هادئ.»

التفت كل رأس في الصف نحوه. كانت أحكام أحمد نادرة. وحين تأتي، تكون ذات وزن.

قال خليل، غير متأكد قليلًا — وقد تحديت أسطورته الخاصة: «هل أنت متأكد؟»

هز أحمد رأسه. مرة واحدة. من غير شرح.

«جدي يعرفه.»

حل صمت. ذلك الصمت المحدد لأسطورة تُثقب قليلًا، وبرفق.

أما منصور، غير الراغب في التخلي عن قصة ممتازة بلا مقاومة، فعرض: «لكنه ما زال مخيفًا.»

ضحكت صوفيا — صفية، في هذا الصف، منذ هذا اليوم فصاعدًا. لم تضحك عليه. بل معه.

قالت: «أحيانًا، يبدو الناس مخيفين. لكنهم ليسوا كذلك.»

Scene Four
The Missing Ring

في ذلك العصر، في البيت الطيني الصغير عند طرف القرية، لم تستطع صفية أن تجد خاتمها.

كانت متأكدة أنها كانت تلبسه ذلك الصباح. كان خاتم أمها — حلقة صغيرة من الذهب، لا شيء فيها يستعرض نفسه، ذلك النوع من الخواتم الذي تلبسه المرأة زمنًا طويلًا حتى تكف عن ملاحظته، كما يكف الإنسان عن ملاحظة ثقل يده نفسها. لبسته في لندن. ولبسته في الطائرة. ولبسته في اليوم الأول هنا، وفي اليوم الثاني، وفي كل يوم منذ ذلك الحين.

والآن، وهي تنظر إلى يدها — يدها التي أدركت أنها أخف قليلًا مما كانت عليه عند الإفطار — فهمت ما الذي كان يضايقها خافتًا طوال نصف الساعة الماضية من غير أن تجد له اسمًا.

قالت وهي تنهض فجأة: «خاتمي! ليس هنا!»

كان السيد جون نصف نائم على البساط، فاستيقظ تمامًا بالطريقة التي يستيقظ بها الأزواج تمامًا حين تصدر زوجاتهم ذلك النوع المحدد من الجمل.

فتشوا البيت. فتشوا كل سطح يمكن أن يكون الخاتم عليه على نحو معقول. الطاولة. الرف الخشبي الصغير حيث كانت صفية تحفظ كتبها القليلة. حقيبتها. حقيبة أخرى. الفراش. تحت الفراش. داخل الفراش. الوعاء الحجري الصغير الذي كانت تضع فيه المفاتيح أحيانًا. الزاوية التي عُلّق فيها وشاحها ذلك الصباح. أرضية المطبخ، التي كنساها مرتين.

لا شيء.

قالت صفية: «أوه لا.» وجلست على البساط. صار الفراغ المحدد حيث كان الخاتم واضحًا جدًا الآن. «لقد ضاع.»

في الخارج، على الدرب الذي يمر بمحاذاة بابهما، كان شكلان صغيران يعبران — خليل وعلي، يحملان شيئًا كان واضحًا أنه سُرق للتو من بستان أحدهم. سمعا صوت صفية من الباب المفتوح. فتوقفا.

خليل — لأن عقله، مثل كل عقل في العاشرة، يعمل بمنطق خاص جدًا ورثه عن أمه، وعن جدته، وعن كل عمة روت يومًا قصة في القرية — مال نحو علي وهمس له:

«يمكن خلف أخذه.»

اتسعت عينا علي. «الساحر!»

وكان ذلك كل ما يلزم. خلال عشر دقائق — فالقرية صغيرة، والنظرية تنتقل فيها بسرعة الخطوات — صار كل طفل مشتعلاً بالقصة نفسها.

«هو أخذه!» «يستخدمه للسحر!» «سيصنع دخانًا!» «سيحوله إلى ضفدع!»

سمع السيد جون كل هذا من الباب المفتوح، فأطلق تنهيدة — تنهيدة الإنجليزي العقلاني حين يجد نفسه أقلية — ومشى إلى الباب.

أعلن بحذر للأطفال المتجمعين: «لا أحد سيحوّل أي شيء إلى ضفدع.»

لكن صوته — كما لاحظت صفية وهي تقترب من خلفه — لم يكن واثقًا تمامًا بالقدر الذي تحتاجه الجملة. حتى جون، فهمت، لم يكن في تلك اللحظة متأكدًا بالكامل.

استُدعيت ثرياء. وصلت خلال دقائق — وكانت سرعة القرية، مرة أخرى، أمرًا لافتًا — واستوعبت الموقف كله بنظرة واحدة. الزوجة القلقة. الزوج غير المتأكد. الأطفال وقد تجمعوا في الخارج بالفعل، ينظمون أنفسهم بصخب في بعثة صغيرة.

قالت ببساطة: «سنذهب إلى بيته. سنسأل.»

سألت صفية: «هل تعرفين أين يسكن؟» «نعم.» «هل يعرف الجميع؟» «الجميع.»

مشوا. ثرياء في الأمام — متقدمة قليلًا، بخطى شخص لا يريد أن يصل بسرعة زائدة ولا ببطء زائد. ثم صفية وجون. ثم — لأن القرية تأتي دائمًا أيضًا — خيط صغير من الأطفال، يحافظون على مسافة حذرة خلفهم.

كان البيت بيتًا طينيًا صغيرًا قرب المزارع. بسيطًا. منخفضًا. أقدم من كثير من البيوت التي مرت بها صفية. وكان الباب بابًا خشبيًا عاديًا، مطليًا بالأزرق نفسه الذي تلبسه كل أبواب هذه القرية، لكنه باهت — أكثر بهتانًا من أي باب رأته.

مدّت صفية يدها، من غير قصد، إلى يد ثرياء. أخذتها ثرياء من غير أن تنظر إلى الأسفل.

همست صفية: «ثرياء، لماذا قلبي يخفق هكذا؟»

نظرت إليها ثرياء. كان وجهها، كما هو دائمًا، متماسكًا. لكن الجواب الذي أعطته كان جوابًا ستتذكره صفية طوال حياتها.

«لأن القصص أقوى من الحقيقة.»

طرقا الباب.

طرق.

طرق.

انفتح الباب — ببطء — كما تفعل كل الأبواب الجيدة في القرية. وقف خلف في داخله. لم يكن يتوقعهم. ولم يبدُ أيضًا أنه متفاجئ.

«نعم؟»

Scene Five
The Open Hand

تكلمت ثرياء أولًا، بالعربية الهادئة المهذبة التي تُستعمل مع الكبار — والتي صارت صفية، وهي واقفة إلى جوارها، تستطيع أن تتعرف إليها حتى حين لا تستطيع ترجمتها كاملة.

«المعذرة على الإزعاج يا عم خلف. صوفيا أضاعت خاتمها.»

نظر إليهم خلف. نظر إليهم لحظة — لا بريبة، ولا بدفاع، بل نظر فحسب، بالطريقة الحذرة نفسها التي نظر بها إليهم ذلك الصباح من باب الصف. لم يطلب منهم الدخول. ولم يدعهم إلى الانتظار.

استدار. ومشى عائدًا إلى داخل بيته الصغير المعتم. فسكت الأطفال خلفهم، وكانوا يتهامسون.

غاب ربما خمس عشرة ثانية.

ثم عاد.

وقف في فتحة الباب. وفتح يده.

وفي داخلها — لامعًا وصغيرًا ومستحيلًا تمامًا — كان الخاتم.

لثانية طويلة، لم يتكلم أحد. نظرت صفية إلى خاتمها. ونظرت إلى يد خلف — نحيلة، خشنة، بمفاصل عرفت شتاءات كثيرة في بلد قليل الشتاء. كان الخاتم جالسًا في وسط كفه، صغيرًا وذهبيًا، تمامًا كما رأته آخر مرة ذلك الصباح. كانت تلبسه حين خرجت من البيت. ولم تلاحظ حين فارقها. لكنه فارقها، وها هو الآن هنا — في يد الرجل الذي اتهمه الأطفال، قبل ساعة، بسرقته.

وأوضح خلف، من غير أن يتغير تعبير وجهه.

قال بهدوء، لا بفخر ولا بعتاب: «كان قرب نباتاتي. ماعزكم يحب الأشياء اللامعة.»

نظروا جميعًا — كل إنسان حاضر — إلى مالود.

كان مالود قد وصل في وقت ما أثناء الطريق، من غير أن يلاحظه أحد، واتخذ لنفسه مكانًا — بذلك الإحساس المحدد بالملكية الذي يطبقه على كل مكان يدخله — قرب باب بيت خلف الصغير. وكان الآن يمضغ شيئًا. رفع رأسه إلى البشر الذين التفتوا جميعًا إليه في اللحظة نفسها. تأملهم. ثم واصل المضغ.

لم يقل شيئًا. لم يكن يقول شيئًا أبدًا. ظل يأكل فحسب — أيًا كان الشيء، وأيًا كان صاحبه السابق — بامتلاكٍ هادئ كامل لنفسه، كائن قرر منذ زمن بعيد أنه لن يخجل منه أحد.

ضحكت صفية — ضحكة امرأة أُعيد تفسير عصرها كله لها في ثانية واحدة من أوله إلى آخره.

قالت: «آه... مالود.»

في هذه الأثناء، كان خلف قد وضع الخاتم — بحذر، وبدقة — في كفها. لم يطل الوقوف. ولم يبتسم.

التقت عيناه بعينيها. مرة واحدة فقط. ثم أعطاها النصيحة الوحيدة التي قدمها.

قال: «في المرة القادمة، أغلقي بابك.»

ثم تراجع خطوة. وأغلق الباب — ببطء، من غير تشديد، أغلقه فحسب — وعاد إلى الداخل.

بقيت المجموعة الصغيرة في الخارج لحظة من غير حركة. نظرت صفية إلى الخاتم في كفها. وأعادته إلى إصبعها. فانغلق ذلك الفراغ الصغير الذي ظل مفتوحًا طوال العصر.

استداروا ببطء، وبدأوا يمشون عائدين إلى البيت.

وكان الأطفال — الذين تابعوا كل ما جرى من مسافة محترمة — صامتين للمرة الأولى في ذلك العصر.

وأخيرًا، تكلم منصور.

«هو ليس ساحرًا.»

وأضاف خليل، بعده ببضع خطوات، بهدوء كمن يعترف بشيء: «هو فقط... رجل عجوز.»

أما علي، آخر من تكلم، فقد منح صفية الجملة التي ستكتبها لاحقًا في دفترها.

«رجل عجوز طيب.»

Scene Six
The Notebook and the Thump

في تلك الليلة، في البيت الطيني الصغير عند طرف القرية، جلس السيد جون إلى الطاولة الخشبية الصغيرة، ودفتره مفتوح أمامه.

كان المصباح الزيتي يشتعل منخفضًا — لهبته ثابتة، وضوؤه ذلك الأصفر الدافئ المحدد الذي صار جون، خلال الأسابيع الماضية، يربطه بالتفكير. في الخارج، هدأت القرية. واستمر الفلج، كما يفعل دائمًا. نبح كلب مرة واحدة، في مكان بعيد جدًا، ثم سكت.

التقط قلم باركر الذي أحضره من لندن — هدية، منذ سنوات، من طالب صار لاحقًا أستاذًا في مكان ما — وفتح الدفتر على صفحة جديدة.

فكر لحظة. رتب الجملة بعناية. ثم كتب، بخط معلم الإنجليزية المنتظم المائل قليلًا:

Today, we learned something important. Not every scary story is true. And not every quiet man is bad.

قرأها مرة أخرى. قرأها مرتين. وتحت كلمة quiet خطًا، تقريبًا من غير وعي. ثم أغلق الدفتر.

نهض. وتمدد. وأطفأ لهبة المصباح الزيتي الصغيرة — فصارت الغرفة، لثانية كاملة، مظلمة تمامًا، إلى أن اعتادت عيناه ضوء القمر الأخف القادم من النافذة المفتوحة.

مشى نحو البساط — نحو صوفيا، التي كانت قد استلقت بالفعل، وجذبت القماش الخفيف إلى كتفها بالطريقة المحددة للنساء حين يقررن أن اليوم انتهى.

ثم — توقف.

كان قد سمع صوتًا.

ثَمب.

ثَمب.

في الخارج. قرب الطريق. بطيء. ثقيل. وزن الخطوة المحدد الذي سمعه، في ذلك الصباح نفسه، يمر تحت نافذة الصف.

مر ظل عند طرف النافذة — طويل، نحيل، غير مستعجل — ثم واصل طريقه.

جلس السيد جون. ليس تمامًا. بل بالقدر الكافي ليسمع، أوضح، إيقاع الخطوات وهي تبتعد — ثَمب، وقفة، ثَمب، وقفة أطول، ثم لم يبق إلا صوت الفلج والنسيم والليل الصغير.

«صوفيا...»

«نعم؟» لم تفتح عينيها. كان في صوتها بطء امرأة تُسحب من حافة النوم، ولا تنوي أن تُسحب بعيدًا جدًا.

فكر في سؤاله. فكر فيه بعناية رجل وعد نفسه، ذلك العصر، بأنه تعلم الدرس. لقد كتبه. ليست كل قصة مخيفة صحيحة. وليس كل رجل هادئًا سيئًا. لقد وضع اسمه، بطريقة ما، تحت تلك الفكرة.

ومع ذلك.

«...أنت لا تظنين أنه يصنع دخانًا فعلًا، أليس كذلك؟»

ابتسمت صوفيا، وعيناها لا تزالان مغلقتين — ابتسامة استطاع جون أن يسمعها حتى في الظلام. وحين جاء صوتها، كان صبورًا، زوجيًا، وخاليًا تمامًا من الخوف.

«لا.»

وقفة صغيرة. وكان لا يزال يسمع الابتسامة تكبر.

قالت: «لكن إن كان يفعل، فأرجوك اذهب وتحدث إليه.»

رفع السيد جون الغطاء إلى ذقنه. وتأمل الليل. وتأمل القرية. وتأمل الرجل الصغير الجاف الذي لا يبتسم، والذي أعاد ذلك العصر خاتم أم زوجته من غير مراسم ومن غير تعليق — والذي كان الآن، على ما يبدو، يمشي قرب بيتهم في ساعة متأخرة، حاملًا، بقدر ما يعرف، أعشابًا أو أدوات أو لا شيء على الإطلاق.

قال ببطء: «سأتحدث إليه غدًا.»

في الخارج، تلاشى الصوت الثاني — الأخير — وعادت القرية إلى همس الفلج والليل الثابت.

ولم ينم السيد جون لبعض الوقت.

لكن حين نام أخيرًا — وكان هذا انتصارًا صغيرًا مهمًا — نام، للمرة الأولى منذ ثلاث ليالٍ، بلا أحلام عن الغيلان، ولا أحلام عن الأفاعي، ولا أي خوف خاص من سقفه هو. — Palm Nine / النخلة 9 —

··
PALM NINE · The Smoke and the Sahir
Palm
Palm Nine
The Smoke and the Sahir
Scene One
The Truck at the School

كانت الشمس لا تزال ناعمة حين بدأ الجميع يتجمعون قرب المدرسة الصغيرة في سمائل.

كان ذلك النوع المحدد من الصباح الباكر الذي تتقنه هذه البلاد — كانت الشمس قد عبرت العتبة إلى الصباح، لكنها لم تلتزم بعد بسطوعها الكامل، وكل سطح تلمسه كان يرد اللون لون عسل لا لون ذهب. وكان في الهواء ذلك النقاء الذي لا يحتفظ به إلا في هذه الساعات القصيرة. كانت القرية، في نافذة صغيرة، قابلة للتنفس.

كانت شاحنة العم ناصر هناك بالفعل.

كانت قديمة. وكانت صاخبة — حتى وهي ساكنة، كانت تصدر صوت استقرار جافًا صغيرًا، كحيوان عجوز يتخذ راحته على الأرض. وكانت قوية. لعل لونها كان أبيض يومًا — أو ربما أخضر — لكن السنوات والغبار ومجاري الأودية رسبت عليها لونًا بنيًا مصفرًا واحدًا، هو لون الطرق نفسها. بدت، بلا التباس، شاحنة حملت نصف القرية مرات كثيرة من قبل. استطاعت صفية، بمجرد النظر إليها، أن ترى أن صندوقها حمل غنمًا، وماعزًا، وحفلات زفاف، ورجالًا عائدين من السوق، ونساء ذاهبات إلى الأعراس، وأطفالًا ذاهبين إلى الأودية، وحطبًا، وأثاثًا، واليوم — بعثة صغيرة من تلاميذ المدرسة ومعلمَين إنجليزيين.

كان الأطفال متحمسين. كانوا، عند الثامنة صباحًا، في مستوى من الحماس لا يستطيع معظم الكبار احتماله أكثر من ثلاث دقائق.

كان منصور يقفز — لا نحو شيء، ولا بعيدًا عن شيء، بل يقفز فحسب، كما يقفز الصبية حين تثبت التعليمات التي تلقوها، انتظر هنا، خلال ثوانٍ أنها لا تتوافق مع خطط أجسادهم للصباح.

وكان خليل — في طرف عينها، لأنه كان دائمًا في طرف عينها — يخطط لمتاعب بالفعل. كانت ترى ذلك في وقفته. كان له ذلك التركيز الصغير الماكر، وكان علي إلى جواره يستمع إلى الخطة بوجه الفرح الصغير لصبي أُدخل للتو في السر.

أما أحمد فكان يحمل حقيبته بعناية. لاحظت صفية أن له طريقة محددة في حمل الحقائب — بكلتا يديه، قريبة من صدره، كما لو أن الحقيبة تحتوي شيئًا مهمًا. وكانت الحقيبة تحتوي، كما اكتشفت مرة، ثلاثة أقلام، ولوحًا، وقطعة قماش، وحصاة صغيرة مستديرة وجدها في السنة الماضية ولا نية لديه أبدًا أن يضيعها.

كانت نورة تسأل عشرة أسئلة في الوقت نفسه. وثرياء، التي كانت معظم الأسئلة موجهة إليها، تجيب عنها بتلك الدورة المحددة للمعلمة التي تعلمت ألا تفزع حين تصل عشرة أسئلة دفعة واحدة.

«إلى أين نذهب؟» «اللجل.» «هل هو بعيد؟» «قليلًا.» «هل سيكون هناك طعام؟» «نعم.» «أي طعام؟» «سترين.» «هل يوجد فلج؟» «نعم.» «هل نستطيع السباحة؟» «هذا يعتمد.»

وكانت مروة ورحمة وسليمة يتقاسمن تمرات من لفافة ورق صغيرة. كن يتقاسمنها بعناية طقسية لفتيات يتقاسمن الطعام معًا منذ كن صغيرات إلى الحد الذي يجعل التمرة حدثًا مهمًا في اليوم — تمرة لمروة، وتمرة لرحمة، وتمرة لسليمة، ثم تدور القسمة كلها من جديد، من غير أن تحتاج أي واحدة منهن إلى قول لمن الدور.

كان علي يحاول أن يصعد إلى الشاحنة أولًا. ومن مظهره، كان قد حاول مرتين بالفعل. في المرة الأولى، لم يستطع بلوغ الجانب العالي. وفي الثانية، رفعه صبي أكبر في منتصف الطريق، ثم قرر أن المزحة انتهت، فوضعه على الأرض. أما الآن، في محاولته الثالثة، فكان يجند كرسيًا صغيرًا من جانب الجدار.

كانت صفية — مرتدية أطول تنورة لديها، وبالوشاح الذي تعلمت أن تربطه كما ينبغي، وحاملة الحقيبة القماشية الصغيرة التي أعطتها إياها أم ثرياء في الأسبوع الماضي — تصلح وشاحها مرة أخرى. كان قد انزلق قليلًا في الطريق من البيت. كانت تتحسن. ليست خبيرة. لكنها أفضل.

كانت تبتسم. وأدركت، حين رأت وجهها في نافذة الشاحنة المغبرة، أنها تبتسم حقًا — ابتسامة صغيرة غير متكلفة لامرأة استيقظت ذلك الصباح وكانت تتطلع إلى هذا.

نظرت إلى صندوق الشاحنة. إلى جوانبه المعدنية العالية. إلى الصندوق العاري المفتوح، بلا مقاعد، بلا أحزمة، بلا أي شيء سوى السماء فوقه.

سألت: «هل أنتِ متأكدة أن هذا آمن؟»

ضحكت ثرياء — تلك الضحكة الصافية الدافئة التي كانت تضحكها دائمًا حين يصطدم مفهوم صفية الإنجليزي عن السلامة بالمفهوم العُماني لكيف تعمل الأشياء في الحقيقة.

قالت: «آمن جدًا. فقط أمسكي جيدًا... ولا تطيري بعيدًا.»

كررت صفية ببطء، كأنها تجرب العبارة في فمها: «أطير بعيدًا. هذا قلقي الجديد.»

أما السيد جون — الذي كان واقفًا قرب العجلة الأمامية، يضع يديه على خصره — فكان ينظر إلى الشاحنة بعينين لامعتين. لامعتين فعلًا. كانت عينه قد تعافت تقريبًا الآن، وكان يستخدم كامل تعبيرها ببهجة رجل ظل أيامًا كثيرة محدودًا بنصف وجه.

أعلن: «مغامرة! أنا أحب المغامرة.»

نظرت إليه ثرياء. وابتسمت بطريقة معينة — ابتسامة بدأت صفية، خلال أسابيعها هنا، تعرفها بوصفها ابتسامة ثرياء-تعرف-شيئًا-لا-يعرفه-جون. كانت صغيرة. صبورة. تنتظر.

قالت: «نعم. أنت تحبها.»

صفق العم ناصر — رجل عريض ذو وجه لوحته الشمس، وضحكة كريمة، وكفاءة مستقرة محددة لرجل يقود شاحنات القرية منذ قبل أن يولد نصف الأطفال في صندوقها — بيديه مرة واحدة.

«يالله! الجميع فوق!»

كانت كلمة يالله — كما تعلمت صفية — تحتوي، في مقطعيها الصغيرين، المفهوم العُماني الكامل لمعنى هيا بنا، بسرعة، ولكن بلطف أيضًا، والآن أيضًا. كلمة تقوم بعمل عدة جمل إنجليزية.

بدأ الأطفال يصعدون. أحمد، متماسكًا. منصور، بسرعة زائدة، وكاد يعبر إلى الجهة الأخرى. نورة، لا تزال تسأل. علي، ومعه كرسيه الصغير. خليل، برضا صغير خاص وماكر.

وسرعان ما كانوا جميعًا في صندوق الشاحنة — الأطفال يمسكون الجوانب العالية، وجون وصفية جالسان معهم على الأرض المعدنية، يحاولان ألا يسقطا. أما ثرياء — لأنها ثرياء، ولا جدال في أمرها — فقد جلست في المقعد الأمامي إلى جوار العم ناصر.

اشتغل المحرك. كان ذلك السعال العالي المصاب بالربو، الصادق بكامله، لشاحنة قديمة يُطلب منها، مرة أخرى، أن تفعل ما كانت تفعله دائمًا. أمسك المحرك. ثبت. وبدأت تتحرك.

Scene Two
Al-Naabi and the Fenzuz

تقدمت الشاحنة، وارتفع الغبار خلفها في عمود طويل ناعم لا يستقر بسرعة. كان الطريق الخارج من سمائل طويلًا، بنيًا، ومليئًا بالحجارة. لم يكن مفهوم لندن للطريق. كان المفهوم العُماني — ممرًا حُفر في الأرض بعقود من الأقدام والحوافر والإطارات التي مضت في الاتجاه نفسه قبلهم.

صرخ منصور، من مكانه قرب جانب الشاحنة — كأن ضجيج المحرك يتطلب منه الصراخ، وربما أيضًا لأنه منصور:

«إلى أين نذهب؟»

استدارت ثرياء في مقعدها. وكان عليها أن تميل نصف ميل من النافذة كي يصل صوتها.

«إلى اللجل. في وادي المعاول.»

سأل علي: «ما هو اللجل؟»

استدارت ثرياء — ليس بالكامل، لأن الطريق كان وعرًا، لكن بما يكفي لتلتقي عيني علي. وقالت الجملة التالية بذلك الفخر الهادئ المحدد لشخص كان ينتظر السؤال.

«إنها قرية. وهي مليئة بأهلي. قبيلة الناعبي.»

سأل جون: «القبيلة؟» وكانت الكلمة قد ظهرت فيه بذلك الالتباس اللطيف الذي يحمله دائمًا حين تظهر كلمة عربية-إنجليزية. «ما القبيلة؟»

ابتسمت ثرياء. وفي ابتسامتها مودة — لا مودة تصحيح خطأ، بل مودة فتح باب كانت سعيدة بفتحه.

قالت: «في عُمان، الناس ينتسبون إلى قبائل. عائلات كبيرة. عائلات قديمة. نقول: هذه قبيلتي. هذا اسمي. هذا تاريخي.»

قالت كل واحدة من تلك الجمل الثلاث ببطء. ومع وقفة صغيرة بعد كل واحدة. كأنها تسلّمه ثلاث قطع من الصورة نفسها، قطعة بعد قطعة، حتى يستطيع جون أن يمسك بها واحدة واحدة.

وشعرت صفية، وهي جالسة في الصندوق ويداها مستندتان إلى جانب الشاحنة، بأن الجمل تقع في داخلها. كانت ثلاث جمل كان يمكن للإنجليزية، بطريقتها الاقتصادية، أن تضغطها في جملة واحدة. أما العربية فقد قررت، منذ زمن بعيد، أنها ثلاث جمل مختلفة. والآن، وهي تسمعها منفصلة، فهمت صفية لماذا. قبيلتي شيء. واسمي شيء آخر. وتاريخي شيء ثالث. نعم، كانت تنتمي بعضها إلى بعض، لكنها كانت أيضًا — كل واحدة منها — نوعًا خاصًا من الهبة.

قفزت الشاحنة فوق نتوء عميق على نحو خاص. فارتفع كل طفل في الخلف، للحظة، في الهواء، ثم عادوا إلى الأسفل ضاحكين. أمسكت صفية بجانب الشاحنة. وانزلقت حقيبة جون فوق الأرض المعدنية حتى استقرت عند قدمي أحمد — وأحمد، كما كان متوقعًا، رفعها وحملها بعناية حتى استطاع جون أن يمد يده إليها من جديد.

واصلت ثرياء، رافعة صوتها قليلًا فوق المحرك: «في عُمان، لدينا أيضًا شيء يسمى تغييرة.»

رفعت صفية نظرها. «تغييرة؟»

قالت ثرياء: «نعم.» وكانت قد بدأت تدخل في الموضوع — صار في صوتها ذلك الوضوح المحدد الذي تستخدمه حين تُدرّس. «هي مثل... رمز عائلي. علامة. كل قبيلة لها واحدة.»

توقفت. وقفة صغيرة راضية — وقفة شخص وصل إلى الاسم الذي كان يريد أن يقوله أكثر من غيره.

ابتسمت.

«بالنسبة إلى الناعبية، التغييرة هي فنزوز.»

هبطت الكلمة في صندوق الشاحنة، وكما تفعل الكلمات أحيانًا، أعادت ترتيب الهواء حولها. الأطفال الأكبر سنًا الذين يعرفونها رفعوا رؤوسهم وأومأوا إيماءات صغيرة. أما الأصغر سنًا فكانوا يراقبون وجه ثرياء بحثًا عن أدلة على الطريقة التي ينبغي أن تُستقبل بها الكلمة.

جرّبها جون. جرّبها بحرص، كما كان يجرب كل كلمة عربية جديدة — ينطقها ببطء، بفمه الإنجليزي الذي كان دائمًا مهذبًا أكثر قليلًا مما تحتمله هذه اللغة.

«فن... زوز؟»

منصور — الذي ظل صامتًا لأربعين ثانية غير مسبوقة، ولم يعد يحتمل الصمت — صححه. بصوت عالٍ. وبالهيبة الجادة المحددة لصبي منحه خطأ أجنبي في النطق فرصة أن يكون الخبير.

قال: «فنزوز»، بدقة، كأنه ينطق اسم جده.

ضحك الجميع.

أما جون، بروح الدعابة الطيبة لرجل قبل منذ أسابيع أن كرامته اللغوية، في هذه القرية، قابلة للتضحية بها دائمًا، فقد أحنى رأسه لمنصور.

«شكرًا، يا معلم.»

جلس منصور متألقًا بالرضا، رضا صبي رُقّي للتو علنًا.

Scene Three
My Name Is, I Am From, I Belong To

واصلت الشاحنة اهتزازها. ارتفعت الجبال إلى اليسار. وظهرت المزارع إلى اليمين — قطع طويلة ضيقة من النخيل والخضرة، يحد كل واحدة منها فلجها الصغير، وكل واحدة تعمل بهدوء والشاحنة تمر بها.

قالت ثرياء، وهي تستدير في مقعدها — ممسكة بجانب النافذة المفتوحة بيد واحدة لتحفظ توازنها:

«اليوم سنتدرب على شيء مهم جدًا.»

وأخرجت من حقيبتها القماشية الصغيرة ورقة. كانت قد أعدتها في الليلة السابقة — استطاعت صفية أن ترى انتظام الكتابة، وعناية السطور الثلاثة — ورفعتها حتى يقرأها الأطفال.

My name is… I am from… I belong to…

صفقت صفية بيديها — تصفيقة صغيرة مسرورة، من ذلك النوع الذي تعطيه المعلمات حين تمنحهن معلمة أخرى الدرس نفسه الذي كن سيخترنه.

«رائع! هيا نتدرب!»

استدارت إلى الصبي الأقرب إليها — وكان، بالطبع، أحمد، لأن أحمد وضع نفسه، كما لاحظت صفية، في المكان الذي رآه على الأرجح سيُختار أولًا.

«أنت أولًا.»

جلس أحمد مستقيمًا — وهذا، في شاحنة تتمايل، إنجاز صغير في الوقفة. عدل حقيبته في حجره. تنحنح. وتكلم ببطء، وبتأنٍ، ينطق كل كلمة كما ظل يتدرب على نطق كلمات الإنجليزية منذ اليوم الذي دخل فيه السيد جون المدرسة أول مرة.

«My name is Ahmed. I am from Samail. I belong to… my family.»

ابتسمت ثرياء. «جيد. جيد جدًا.»

وكان خليل، الذي ينتظر دوره بقلق محدد لصبي يحتاج أن يطلق نكتته وهي لا تزال طازجة، هو التالي.

«My name is Khalil. I am from here. I belong to… trouble.»

ضحك الجميع. وضحكت ثرياء أيضًا — ضحكتها الصغيرة المستسلمة لمعلمة كانت تنتظر تلك الجملة بالضبط ولا تستطيع، بصدق، أن تختلف معها.

جاء دور نورة بعده. نورة كانت تتطوع دائمًا. وكان لديها رأي في هذه الصيغة، وستكرمها.

«My name is Noura. I am from Samail. I belong to my mother.»

راقبت صفية وجه ثرياء حين قالت نورة هذا. دخلت ليونة صغيرة إلى تعبير ثرياء. كانت جملة I belong to my mother، بالنسبة إلى فتاة عُمانية في العاشرة، الجملة الصحيحة الخاصة والصادقة جدًا. كان ذلك هو المكان الذي تنتمي إليه حقًا، جسديًا وعاطفيًا. كل أم في القرية تملك، بهذه الطريقة المحددة، ابنتها الصغيرة. والابنة الصغيرة تعرف ذلك.

مروة — بصوت أنعم: «My name is Marwa. I am from the farms.»

رحمة — بأنعم أكثر: «My name is Rahma. I belong to my grandmother.»

ومرت ليونة صغيرة أخرى على وجه ثرياء. جدة رحمة — لم تكن صفية تعرف قصتها، لكن ثرياء تعرفها بوضوح — كانت الشخص الذي يشغل المركز في عالم رحمة.

ثم منصور.

وقف منصور في الشاحنة — وكان هذا خطرًا، وكانت صفية ستصححه، لولا أن الجملة التي كان على وشك إلقائها كانت عرضًا بوضوح، وكان التصحيح عندئذ خارج الموضوع — وصرخ فوق ضجيج المحرك:

«My name is Mansoor. I am from everywhere!»

ضحك جون — ضحكته الحقيقية، الضحكة المتعبة السعيدة التي كانت تتجمع منذ بدأت الشاحنة تتحرك. وقال: «Everywhere مكان كبير.»

انحنى منصور. وجلس.

ثم — بهدوء، في وسط هذا الدرس الذي نظمته من غير أن تلفت النظر إلى نفسها — قالت ثرياء جملتها.

«My name is Thuraya. I am from Al-Lajal. I belong to Al-Naabi.»

هبطت الجمل الثلاث في صندوق الشاحنة بثقل شهادة شخصية صغيرة. قالتها كما يقول المرء اسمه في مجلس — ببساطة، وكمال، وبلا زينة. اسمي. أنا من. أنا أنتمي إلى. ثلاثة أنواع مختلفة من المعرفة. وكلها صحيحة.

نظر إليها السيد جون. نظر إليها بطريقة مختلفة، كما فكرت صفية، عما كان ينظر إليها قبل عشر دقائق.

قال جون بهدوء: «ثرياء، هذا اسم جميل.»

ابتسمت ثرياء. كانت ابتسامة ناعمة — أنعم من ابتسامة المعلمة، وأنعم من الابتسامة التي تستخدمها للمزاح. كانت ابتسامة شخص يُقال له شيء عن نفسه ورثه.

«اسم جدتي كان أيضًا ثرياء.»

رفعت صفية نظرها، متفاجئة بصدق. «حقًا؟»

قالت ثرياء: «نعم.» ثم، بينما كانت الشاحنة تمر بين تلين حادين ويتغير الضوء على وجهها، أخبرتهم القصة التي ربما كانت تحفظها لهذا الطريق بالضبط — إلى هذه القرية بالضبط — ومعها حمولة صغيرة من الأطفال ومعلمَان إنجليزيان استحقا الآن، أخيرًا، القصة.

«جدي علي كان معلم فقه. كان يدرّس في المسجد في سمائل. لذلك بقي هناك.»

توقفت — لا بتردد. بل بتلك الوقفة الصغيرة المقصودة لشخص يروي قصة عائلية ويعطي كل جملة مساحتها.

«تزوج جدتي. وكان اسمها ثرياء.»

اتسعت عينا جون. كلتاهما. كانت العين المتورمة قد تعافت أخيرًا بالكامل — وكانت تلك هبة كونية صغيرة، لأن ما يسمعه يستحق عينين عاملتين.

«إذن... اسمك مثل اسم جدتك.»

قالت ثرياء: «نعم.»

نظرت إلى الطريق. كانت الجبال أقرب الآن. وفي مسافة وسطى، التقط فلجٌ ما الشمس وردّ خطًا لامعًا صغيرًا.

«الأسماء هنا لها قصص.»

Scene Four
Falaj Al-Lajal

تحركت السيارة بين الجبال والأماكن الخضراء. ظهرت النخيل. وظهرت المزارع. أما الضوء — الذي كان ضوء عسل في الصباح الباكر — فقد صار الآن ضوء العمل الكامل لآخر الصباح. كل ورقة ظاهرة. وكل حجر على الطريق مرئي.

فجأة، أشار جون.

«هل ذلك هو الفلج؟»

تحتهم، منحنيًا على طرف النخيل، كان شريط طويل لامع من الماء. يجري بين ضفتين من الحجر. يلتقط الشمس. يتحرك بذلك الجريان المحدد الهادف لماء ظل يتحرك في هذا المجرى نفسه مدة أطول مما ظلت القرية تقيس الزمن.

استدارت ثرياء. «نعم. فلج اللجل.»

ابتسم جون ابتسامة عريضة. كانت ابتسامة رجل غسل، منذ وقت قريب جدًا، وجهه في فلج القرواشية البارد ونجا، ويؤمن الآن — بثقة رجل نجا من شيء مرة واحدة — بأنه مجهز لأي فلج يمكن أن تقدمه هذه البلاد.

«سباحة!»

نظرت إليه ثرياء.

كانت الابتسامة الصغيرة الغريبة نفسها التي أخرجتها ذلك الصباح — ابتسامة ثرياء-تعرف-شيئًا-لا-يعرفه-جون — لكنها كانت أكبر الآن، لأن اللحظة التي كانت تعد لها وصلت.

قالت: «لا تتحمس كثيرًا. ليس كل فلج... ودودًا.»

وكان واضحًا أن جون لم يسمع التحذير كما ينبغي. كان يقيس الماء بعينيه بالفعل. كان يخطط لقفزته.

أبطأت الشاحنة. أخرجها العم ناصر عن الطريق إلى بقعة مستوية من الأرض الصلبة قرب بستان نخيل. أطفأ المحرك. فجاء ذلك الهدوء المفاجئ المحدد الذي يعقب إطفاء محرك صاخب — حين تتحرر الأذن وتعود تسمع الأصوات الصغيرة. سعف النخيل. الفلج. طائر في مكان ما. وكل شيء آخر كان ينتظر.

حين وصلوا — حين نزلوا من الشاحنة ونظروا حولهم — كان المكان جميلًا. أشجار خضراء. بيوت قديمة — أقدم من بيوت سمائل، بتلك الطريقة المحددة التي تكون بها البيوت القديمة أقدم، بجدران استقرت أكثر في الأرض، وبأبواب رُقعت وأعيد ترميمها عبر أجيال. وماء يتحرك بين الحجارة.

ركض الأطفال. بالطبع ركضوا. لم يكونوا يحتاجون إلى أن يُقال لهم إلى أين يذهبون — كانوا جميعًا في عمر يجعل الماء، في جوهر الأمر، الشيء الذي يركض إليه المرء حين يصل إلى مكان جديد فيه ماء.

صرخت صفية: «انتظروا! احذروا!»

لكن جون — جون — كان قد بدأ يخلع حذاءه بالفعل. كان يخلعه بسرعة ومرح، بكفاءة رجل قرر، في وقت ما خلال الدقائق الثلاث السابقة، أن هذه هي اللحظة التي كان ينتظرها منذ لندن.

أعلن، ولا يخاطب أحدًا بعينه، وحذاؤه الآن موضوع بعناية على حجر مستوٍ: «ماء بارد! أنا جاهز!»

فتحت ثرياء فمها.

«جون —»

فات الأوان.

قفز جون.

قفز بانطلاق رجل إنجليزي طويل ظل ينتظر طوال الصباح اللحظة التي يستطيع فيها أن يرمي نفسه في فلج صافٍ بارد ويبرد نفسه تمامًا.

لم يكن الفلج باردًا.

ولم يكن الفلج حتى منعشًا.

كان الفلج حارًا.

لما يقارب ثلث ثانية، عالج جسد جون هذه الحقيقة الجديدة بصمت. أغلق الماء حول كاحليه، وربلتيه، وفخذيه. وقارن دماغه، بسرعة الضوء، الحرارة المتوقعة بالحرارة الفعلية، وأنتج ردًا عليه مقطعًا واحدًا قريبًا من العربية لم يكن يعرف سابقًا أنه يملكه.

«آآآآآآآآ! وفقريا!»

اندفع خارج الفلج كرجل اكتشف، وهو في منتصف القفزة، أنه يحترق. خرجت قدماه كلتاهما من الماء. وهبط متعثرًا على الضفة الحجرية. ورفع ذراعيه. واستقر وجهه — الذي كان لا يزال يحمر لأسباب أخرى: حرارة الماء، وحرج الموقف، وفيضان الأدرينالين المفاجئ — في التعبير المحدد لرجل شعر بأن بلدًا كان يتعلم الوثوق به خانه على مستوى عميق.

صرخ: «إنه حار! الماء حار!»

الأطفال، الذين وقفوا على مسافة حذرة — فقد علمتهم أمهاتهم وخالاتهم، عبر أجيال، أمر هذا الفلج، وكانوا يعرفون، خلافًا لجون، ما الذي سيحدث بالضبط — وقعوا على الأرض من الضحك.

ليس مجازًا. حرفيًا. منصور — ومن غيره — جلس أولًا، ثم تأرجح إلى الخلف واختفى في العشب الطويل قرب الفلج في نوبة ضحك ستدوم، بحسب تقدير صفية، نحو أربع دقائق. وتبعه خليل إلى الأرض. ووضعت نورة يدها على فمها وضحكت بعجز. أما أحمد — أحمد — فقد سمح لنفسه بشخير واحد غير مهيب.

ومن العشب، استطاع منصور أن يتكلم.

«المعلم انطبخ.»

وأضاف خليل، وقد وجد نفسًا لجملة واحدة بالضبط: «شوربة فلج.»

أما ثرياء — التي كانت تراقب التسلسل كله من الضفة الحجرية وذراعاها متصالبتان، وبذلك الصبر الراضي الصغير لشخص تجاهلوا تحذيره تمامًا — فقالت بهدوء:

«قلت لك لا تتحمس كثيرًا.»

نظر إليها جون — يقطر ماءً، ووجهه أحمر، ولا يزال يقفز قليلًا على قدم واحدة.

«كنتِ تعرفين.»

قالت ثرياء: «نعم.» ووصلت الابتسامة التي كانت تحبسها طوال الصباح إلى حجمها الكامل أخيرًا. «فلج اللجل دافئ.»

كرر جون، بتوكيد هادئ لرجل شعر أن كلمة دافئ غير كافية، وربما دبلوماسية، لما اختبره للتو: «دافئ. إنه دافئ.»

وافقت: «دافئ. دافئ جدًا.»

Scene Five
Tell Me About Yourself

كانت صفية — تضحك، جافة، ولا تزال جالسة في صندوق الشاحنة حيث بقيت بحكمة أثناء غمر زوجها في الماء — تنزل الآن. عبرت إلى حيث تجمع الأطفال. رتبت تنورتها تحتها وجلست على الضفة الحجرية قرب الماء.

قالت، بحزم دافئ لمعلمة تستعيد صباحها: «حسنًا. وقت الدرس!»

التفت إليها الأطفال، وكانوا لا يزالون يهدأون من ضحكهم على السيد جون. ورتبوا أنفسهم حولها في نصف دائرة مفككة محددة يصنعها الأطفال حول شخص بالغ جالس — ترتيب لا يحتاج إلى نقاش.

أما جون، الذي كان لا يزال واقفًا على الضفة الحجرية، فأعاد حذاءه إلى قدميه ببطء. ثم انضم إليهم — بحذر ما — وجلس عند طرف المجموعة، وكرامته في حال أفضل قليلًا من قدميه.

قالت صفية، وعيناها لامعتان: «Now, tell me about yourself.»

نظرت حولها. كانت ستختار أحدهم. كانت تحتاج — فقد أنتج تدريب ثرياء مجموعة جميلة من الجمل، لكنها دارت بين المؤدين المعتادين. أرادت صفية أن تسمع من الذين لم يتكلموا بعد.

أشارت — بلطف — إلى الصبي الذي كان أهدأهم في الشاحنة. الصبي صاحب الكرسي الصغير في ذلك الصباح. الصبي الذي حاول ثلاث مرات أن يصعد إلى الشاحنة، وفي النهاية استخدم الهندسة.

«أنت.»

رفع علي — علي الصغير الحذر، الذي يرسم بدلًا من أن يكتب — نظره. لم يكن يتوقع أن يُختار. كان متهيئًا لأن تختار صفية، كما يفعل المعلمون غالبًا، أحد الأطفال الأعلى صوتًا.

أخذ نفسًا. وجلس معتدلًا — ليس باستقامة أحمد، لأن لا أحد يستطيع أن يجلس باستقامة أحمد، لكن باستقامة تكفي لتكريم اللحظة.

وتكلم — ببطء. بحذر. بذلك الإنجليزي المقيس المحدد لصبي لا يزال فمه يتعلم أشكال لغة لم تكن فيه حتى وقت قريب.

«My name is Ali. I am from Samail. I belong to my family.»

نظر إلى صفية. كانت في عينيه يقظة صغيرة حذرة لطفل فعل للتو شيئًا صعبًا ويريد أن يعرف إن كان فعله صحيحًا.

قالت صفية: «Good!» خرجت الكلمة أدفأ مما خططت. أصابتها إنجليزية الصبي الصغيرة إصابة مباشرة أكثر مما توقعت. ومن غير قصد، سمحت لصوتها أن يضيء.

ابتسم علي. ابتسامة صغيرة. مرتاحة. فخورة.

ثم، حوله، أخذ الآخرون أدوارهم.

تدربوا مرة أخرى. ومرة أخرى. دارت صفية حول الدائرة الصغيرة وسمعت كل جملة. My name is. I am from. I belong to. وصلت الجمل بأصوات مختلفة — أصوات صغيرة، وأصوات عالية، وصوت منصور الحاسم، وصوت أحمد الدقيق، وصوت نورة السريع — وكل جملة، مع كل تكرار، صارت أكثر ثباتًا قليلًا في فم الطفل. وفي كل مرة، وُضع شيء صغير في مكانه الصحيح. وفي كل مرة، شكّل فم جديد إنجليزية I belong to بثقة أكبر. وفي كل مرة، شق جزء صغير آخر من العالم العُماني طريقه، بأدب، عبر ثلاث جمل إنجليزية.

My name is Marwa. I am from Samail. I belong to the farms.

My name is Rahma. I am from Al-Qurawashiyah. I belong to my grandmother.

My name is Salima. I am from Samail. I belong to my father.

My name is Khalil. I am from here. I belong to trouble. مرة أخرى. لم يستطع مقاومة ذلك. تركته صفية.

My name is Ahmed. I am from Samail. I belong to my family.

My name is Mansoor. I am from everywhere. أيضًا مرة أخرى. وسمحت به أيضًا.

ثم، بعد صمت طويل راضٍ — كان الفلج يواصل همسه الخفيف، وكان طائر صغير قريب يطلق نداءً بنمط غير مألوف، وكانت امرأة بعيدة في مكان ما من القرية تدندن خافتًا بإيقاع ليس أغنية تمامًا — تكلم السيد جون.

كان صامتًا منذ بعض الوقت. جفت قدماه. وعادت كرامته، بكرامة الزمن، عودة جزئية. تنحنح.

«My name is John. I am from London.»

توقف. وقفة طويلة. وقفة نظر فيها الأطفال، وثرياء، وصفية، جميعًا إليه — ينتظرون جملته الثالثة.

فكر.

نظر حول دائرة الوجوه الصغيرة. إلى منصور، والعشب في شعره. إلى أحمد، وحقيبته لا تزال في حجره. إلى نورة، التي كانت تجهز سؤالها التالي بالفعل. إلى علي، الذي لا يزال فخورًا بهدوء بجمله الثلاث الصحيحة.

إلى ثرياء. وإلى صفية.

ثم — بابتسامة صغيرة محددة لرجل غلاه الفلج قبل أقل من عشرين دقيقة، ومع ذلك عبر منذ ذلك الحين إلى جهة أخرى من اليوم أوضح — أكمل.

«I belong to… this lesson.»

ضحكت ثرياء. وضحكت صفية. وضحك الأطفال — وكان منصور الأعلى صوتًا، لأنه لم يفهم النكتة تمامًا لكنه لم يكن مستعدًا أن يُستبعد من أي ضحك.

وفي مكان ما، خلف الشاحنة، في ظل نخلة عند طرف المزرعة — ظهر رأس صغير أبيض ذو قرنين. خرج مالود — الذي لم يره أحد يصعد إلى الشاحنة ذلك الصباح، لكنه، بطريقة مالود، فعل ذلك بوضوح — من الظل. مشى، بخطوته الخاصة غير المستعجلة المالكة التي كانت توقيعه، إلى وسط الدائرة.

نظر إلى الأطفال. ونظر إلى صفية. ونظر إلى جون. ونظر — بلا لبس — إلى الضفة الحجرية، حيث كانت حقيبة جون الصغيرة مفتوحة، وقطعة ورق ظاهرة.

بدأ يمشي نحوها.

«مالود —»

لكن الأطفال كانوا يضحكون من جديد بالفعل. وفهمت صفية، وهي تراقب — جافة، آمنة، جالسة في الشمس الدافئة إلى جوار الفلج الدافئ، في قرية لم تكن جدتها لتتخيل أن تزورها حفيدتها — أن بعض الأشياء تسافر معك، وأن الماعز كان، على ما يبدو، واحدًا منها.

استمر الدرس، ولكن بطالب إضافي واحد.

Scene Six
The Practice That Did Not End

تدربوا مرة بعد مرة.

كان ذلك نسيج العصر. لا درسًا واحدًا ينتهي. بل درسًا يواصل العودة — بأفواه جديدة، وباختلافات جديدة، وبمقاطعات عربية صغيرة، وبمنصور يقف ويجلس ثم يقف مرة أخرى، وبمالود يُبعد بأدب عن حقيبة جون نحو أربع مرات منفصلة — ومع الفلج، الفلج الدافئ، الفلج الحار الطيب الصبور في اللجل، يواصل همسه الصغير إلى جوارهم طوال الوقت.

خرجت الجمل مختلفة في كل مرة.

My name is Ahmed. I am from Samail. I belong to my family.

My name is Noura. I am from Samail. I belong to my mother. And my father. And my grandmother. أضافت، في الدورة الثانية، أشخاصًا إلى قائمتها. وكانت صفية، التي فهمت ما تفعله، لم تصحح لها.

My name is Ali. I am from Samail. I belong to my family. And today… I belong to Al-Lajal a little.

التقطت صفية تلك الجملة. كانت جملة علي الخاصة. لم تلقنها له. لقد وسّع النموذج بنفسه. نظرت إلى ثرياء. وكانت ثرياء تراقب، فأعطتها أصغر إيماءة.

My name is Marwa. I am from Samail. I belong to the farms. And to my sisters.

My name is Rahma. I am from Al-Qurawashiyah. I belong to my grandmother. Who is sick this week.

انقبض قلب صفية قليلًا. قالت رحمة هذه الجملة بلا دراما، ومن غير أن تطلب تعاطفًا، بل أدرجت جدتها في الجملة التي تتحدث عن نفسها، لأن الجملة التي تتحدث عن نفسها كانت ستكون ناقصة من دونها. لم تصحح لها صفية. قالت فقط بلطف: «أتمنى أن تتحسن قريبًا.»

«Thank you, teacher.»

My name is Salima. I am from Samail. I belong to my father. And my mother. And my brother who is a fisherman in Sur.

My name is Khalil. I am from here. I belong to trouble.

قالت صفية بصرامة تمثيلية: «خليل، هل تستطيع أن تجرب جملة ثالثة جديدة؟»

فكر خليل في ذلك. فكر طويلًا. كان، خلف المكر، صبيًا متأملًا — بدأت صفية تلاحظ ذلك — وكان الآن يحاول بوضوح أن يفكر في جملة ثالثة أفضل.

وأخيرًا —

«My name is Khalil. I am from here. I belong to… my friends.»

قالها بذلك الصوت المحدد الخجول قليلًا لصبي فاجأ نفسه بأنه يعنيها. وصمت الأطفال الآخرون، لثانية ناعمة واحدة. رفع علي نظره إليه. ولاحظ خليل ذلك، فاحمر فورًا ونظر بعيدًا.

قالت صفية بخفة مقصودة — لتعيد إليه مساحته كي يكون نفسه: «جميلة. هذه جملة ثالثة جميلة.»

My name is Mansoor. I am from everywhere. I belong to the truck.

أثارت هذه الجملة ضحكة. وتلألأ منصور مرة أخرى.

أما جون، في مروره الثاني — شعره جاف الآن، وحذاؤه ثابت في قدميه، وكرامته مستعادة تمامًا — فقال:

«My name is John. I am from London. I belong to… this country, a little, now.»

قالها بخجل. كما يقول الرجل جملة لم يستحقها بعد، لكنه يأمل أن يستحقها. نظرت إليه ثرياء — النظرة الطويلة المتأملة التي تمنحها للجمل التي تراها، في حكمها، صادقة بما يكفي لتُكرم.

أومأت مرة واحدة.

لم تصحح القواعد. كانت القواعد، على أي حال، جيدة.

ومضى العصر. كان العم ناصر — الذي اختفى في وقت ما نحو بيت أحد أقاربه في القرية — قد عاد بحزمة قماش فيها خبز وتمر ولبن بارد، وبسطها على الضفة الحجرية قرب الفلج. أكل الأطفال. وأكل جون. وأكلت صفية، التي كانت جائعة ولم تعرف، ببطء وكمال. وأكلت ثرياء وهي تنظر إلى الماء. واستمر الماء. وتحركت الشمس، ببطء، فوق سعف النخيل فوقهم.

وفي لحظة ما — لم تعرف صفية متى تمامًا — صار الدرس شيئًا آخر. كان منصور يخبر عليًا عن ابن عمه الذي سقط يومًا في هذا الفلج نفسه. وكان أحمد يكتب — نعم، يكتب — جملة I belong to my family على لوحه، بثلاثة خطوط زخرفية مختلفة تحتها. وكانت نورة تسأل ثرياء، بهدوء، عن جدتها — الجدة التي كانت تُدعى أيضًا ثرياء، تلك التي تزوجت معلم الفقه في المسجد. وكانت ثرياء تخبرها. وكانت نورة، للمرة الأولى، تستمع أكثر مما تسأل.

جلست صفية وظهرها إلى الضفة الحجرية الدافئة. وتركت العصر يكون ما يريد أن يكون. لم تُخرج دفترها. ولم تترجم اللحظة إلى خطة درس. بل سمحت ببساطة — للمرة الأولى منذ وصولها إلى هذه البلاد — لعصرٍ كامل أن يمر خلالها من غير أن تحاول الإمساك به.

حين انخفضت الشمس، وربت العم ناصر على جانب الشاحنة، وصعد الأطفال — بتردد وبطء — إلى الخلف، مشت صفية إلى الفلج، وجثت إلى جانبه، و— بحذر شديد، وهي واعية تمامًا هذه المرة لما تفعله — غمست أصابعها في الماء الدافئ.

كان دافئًا. دافئًا حقًا. مثل حمام، لكنه أقدم. أبقت أصابعها هناك ثانية طويلة، وشعرت بتلك الحرارة المحددة التي تأتي، كما شرحت ثرياء لاحقًا، من مكان عميق في الأرض.

رفعت يدها. ووقفت.

ومشت عائدة إلى الشاحنة.

صعدت. وكان الأطفال، أخيرًا، هادئين — ذلك الهدوء الخاص بأطفال أمضوا يومًا ممتلئًا وبدأت أجسادهم الصغيرة تفهم الآن أنهم سينامون في طريق العودة.

اشتغل المحرك. وتقدمت الشاحنة. وارتفع الغبار خلفهم، كما يحدث دائمًا. واختفى اللجل عند منعطف.

في صندوق الشاحنة، أسندت صفية — من غير قصد، ومن غير تخطيط، لأن اليوم انتزع منها ذلك — رأسها إلى الجانب المعدني الدافئ للشاحنة، وقالت بهدوء، لا لأحد على وجه الخصوص، جملتها الخاصة:

«My name is Safiya. I am from London. I belong to…»

لم تُكمل الجملة. لا لأنها لا تعرف. بل لأنها لا تريد بعد أن تقرر.

ثرياء، في المقعد الأمامي، سمعتها — بطريقة ما، فوق صوت المحرك — واستدارت لحظة لتنظر إليها من خلال النافذة الخلفية الصغيرة.

لم تقل شيئًا.

ابتسمت فقط — ابتسامة خفيفة جدًا. — Palm Ten / النخلة 10 —

PALM TEN · Smoke, Truck, and an Englishman Speaking Arabic
Palm
Palm Ten
Smoke, Truck, and an Englishman Speaking Arabic
Scene One
Before the Bell

لم يكن جرس الصباح قد رن بعد، لكن سمائل كانت تبدو مستيقظة بالفعل.

هكذا كانت هذه القرية تعمل. كان الجرس إجراءً شكليًا، لا إعلانًا. ففي الوقت الذي يرن فيه نحاسه من يد أبي سالم، تكون البيوت قد تقلبت بالفعل، والأبواب قد أخرجت أول أهلها، والدروب الصغيرة قد جمعت أول الجدالات الناعمة في اليوم بين الأمهات والأطفال الذين يحاولن إلباسهم.

صعدت شمس باهتة ببطء خلف الجبال. وكانت رائحة الهواء غبارًا، ورائحة مزارع تستيقظ في الجهة الأخرى من الجدار، و— كانت صفية تلتقطها خافتة عند طرف النسيم — رائحة شيء دافئ يُطهى بعيدًا. مرق، ربما. أمٌ ما، كريمة في مطبخها.

خرج السيد جون من البيت البسيط، يحمل دفترًا صغيرًا.

كان يحدق بعينين ضيقتين في الشمس الباهتة كرجل أضاع نظارته في نومه في مكان ما ولم يجمع بعد طاقته للبحث عنها — مع أن جون، في الحقيقة، لا يلبس نظارة. كان فقط يملك ذلك الوجه المحدد لرجل في هذه البلاد يوشك دائمًا، تقريبًا، أن يلبسها.

وقفت صفية — وكانت صفية الآن، على نحو صحيح وكامل، كل من في القرية يناديها بذلك، وقد توقفت منذ زمن عن تصحيحهم — خلفه عند الباب، تربط وشاحها.

ربطته بترتيب. بعناية. وبذلك الرضا الصغير المحدد لامرأة تعلمت أخيرًا، بعد أسابيع عدة من الفشل اليومي، مهارة كانت جاراتها يفعلنها منذ كن في السادسة. ربطته، ثم — من غير أن تستطيع منع نفسها — نظرت إلى أطرافه لتتأكد أنها مستقرة كما ينبغي، بالطريقة التي يتفقد بها طفل رباط حذائه للمرة الثالثة في الأسبوع الأول من المدرسة. بدت فخورة به. كما لو أنه قاعدة جديدة تعلمتها أخيرًا بإتقان من أول محاولة.

ظهرت الآنسة ثرياء عند نهاية طريق الجارة. كانت خطواتها سريعة وواثقة. في يدها حقيبة قماشية. وخلف أذنها — مثبتة هناك كما يثبت النجارون أقلام الرصاص — قطعة طباشير صغيرة.

قالت بالإنجليزية وهي تبتسم: «Good morning.»

ابتسم جون عريضًا. «Good morning! Today is… Monday?»

ضحكت ثرياء. كانت ضحكتها الصغيرة المتسامحة، ضحكة المعلمة — الضحكة التي تحتفظ بها لمحاولات السيد جون المتفائلة في الثقة.

قالت: «سيد جون، ما زلت تحتاج إلى تعلم الأيام.»

ثم — قبل أن يقرر أحد تمامًا من سيجيب بعد ذلك — قفز شيء صغير وأبيض إلى الفناء.

كان يقفز كسحابة ماكرة لها أرجل.

كان، بالطبع، مالود.

سار — ولا كلمة أخرى تصفه — مباشرة إلى حقيبة جون. توقف. شمها بجدية — ذلك الشم المهني المحدد غير المستعجل لماعز تعلم، في حياته القصيرة، أن الحقائب كثيرًا ما تحتوي أشياء مثيرة. ثم حاول أن يعض الزاوية.

«هيه! لا! هذه حقيبة تدريسي!»

لوّح جون بيديه — لوّح بهما كما يلوّح رجال المطار للطائرات، واسعًا وبطيئًا ومهمًا جدًا. لم يكن لحركة المطار أي تأثير على الماعز. وقد ثبت هذا، حتى الآن، في السجل العلمي للقرية.

لم يهتم مالود. مالود لا يهتم أبدًا.

انحنت ثرياء. فعلت ذلك بسهولة — كانت تلك القرفصة المنخفضة المحددة لامرأة قرية اعتادت القرفصاء منذ استطاعت المشي. وربتت على جنب مالود.

قالت: «هو لعمتي عزيزة من البيت المجاور. لكنه يحب بيتكم كأنه بيته.»

همست صفية، غالبًا لجون: «إنه... واثق أكثر من اللازم.»

ثم جاء صوت جعل القرية تحول انتباهها — ذلك التحول الصغير المحدد لمكان كامل كان، حتى تلك اللحظة، يقرأ صفحته الخاصة، ثم قلب الصفحة كلها معًا في الوقت نفسه.

محرك عالٍ. شاحنة. وصوت رجل ينادي من بعيد — ينادي بالطريقة التي ينادي بها صوت اعتاد مكبرات الصوت، حتى حين لا يستخدم واحدًا في تلك اللحظة.

ضيّقت ثرياء عينيها. ذلك التضييق الصغير السريع لشخص تعرف إلى الصوت قبل أن يفرغ العقل من تسميته.

«أوه لا. شاحنة البلدية.»

رمش جون. «شاحنة ماذا؟»

وقبل أن تشرح، ظهرت الشاحنة عند نهاية الطريق المغبر. كانت تتحرك ببطء — ببطء كما تتحرك حشرة كبيرة — مثل خنفساء عملاقة تعرف بالضبط إلى أين تذهب ولا اهتمام لديها بأن تصل بسرعة.

كان رجلان جالسين في الخلف مع خزان معدني كبير. وخلفهما — ينساب ببطء إلى الخارج، مالئًا الشارع المغبر بسحابة ضبابية باهتة — كان الدخان.

ارتفع حاجبا صفية. «هل هذا... دخان؟»

شدت ثرياء وشاحها قليلًا على وجهها — تلك الحركة الصغيرة المتمرسة لامرأة رأت هذه الشاحنة كثيرًا في طفولتها وتعرف الرد الصحيح.

قالت: «مبيد. يرشونه لقتل الحشرات. كان الناس يفعلون ذلك كثيرًا.»

أصدر مالود صوتًا ضئيلًا — صوتًا صغيرًا متذمرًا يشبه الشكوى — ثم، للتأكيد، سعل مرة واحدة.

تقدم جون خطوة، قلقًا. «هل هو آمن؟»

فتحت ثرياء فمها.

لكنها لم تنل فرصة الإجابة.

لأن الأطفال كانوا قد وصلوا.

Scene Two
The Smoke Chase

جاءت مجموعة من الأولاد تركض خلف الشاحنة. كانوا يصرخون. كانوا يضحكون. كانوا يطاردون الدخان — يطاردونه كأنه لعبة اختُرعت، خصيصًا، من أجلهم.

وكان منصور واحدًا منهم.

طبعًا كان منصور.

كان يركض كأن أسدًا يطارده. ساقاه الصغيرتان تتحركان بسرعة لا يستطيع جسده أن يحتملها تمامًا، ووجهه — وجهه كان فرحًا خالصًا. لا فرح الفوز في لعبة. بل ذلك الفرح الأقدم، الأبسط، فرح الجري داخل سحابة من دخان كيميائي في زقاق من أزقة القرية مع الأصدقاء، والتظاهر بأنه في مكان آخر تمامًا.

صرخت ثرياء — صرخة المعلّمة الخاصة، تلك التي تعبر الفضاءات المفتوحة بدقة تدهش من لا يعرفونها —

«منصور! توقف!»

لم يتوقف.

قفز جون إلى الأمام. كانت القفزة مفاجئة، كاملة، ولا شيء إنجليزي فيها — ذلك التفعيل الفوري لوضع المعلّم، الذي يحدث عند المعلّمين الجيدين بلا أي قرار واعٍ.

التقط عصًا رفيعة من السياج — وستحاول صفية لاحقًا أن تتذكر من أين جاءت تلك العصا، وستفشل — ورفعها كإشارة مرور.

صرخ بإنجليزية كاملة: «توقفوا! ادخلوا إلى الداخل!»

تجمّد الأولاد — نصف ثانية، لا أكثر — ثم صاحوا عائدين بفرح. لم يفهموا الإنجليزية. فهموا أن معلّم الإنجليزية دخل اللعبة، وهذا، من حيث التصنيف، كان أفضل من اللعبة نفسها قبل ثلاثين ثانية.

صاح أحد الأولاد بشيء بالعربية العُمانية — قصيرًا، سريعًا، بنبرة السخرية الخاصة لطفل في العاشرة خطرت له لتوّه إهانة ممتازة. ضحك ولد آخر. ومنصور، من وسط السحابة، لوّح — لوّح كما يلوّح المعجبون للممثلين المفضلين في مسرحية — كأن جون صار الآن جزءًا من العرض.

صرخ جون مرة أخرى، أعلى: «لاااا! إلى الداخل! إلى الداخل!»

غطّت صفية فمها بيدها. كانت تضحك. تضحك حقًا — تلك الضحكة غير الوقورة التي تسمح بها الزوجة لنفسها فقط حين يكون زوجها، في رأيها، رائعًا في أمرٍ ما ومخطئًا فيه في الوقت نفسه.

تمكنت من القول: «جون، تبدو مثل شرطي بريطاني.»

جون، متجاهلًا إياها، خطا خطوة ثابتة نحو الدخان.

ثم انزلق.

لامس حذاؤه بقعة مبللة — واحدة من مجاري الفائض الصغيرة من قناة الفلج التي كانت تعبر الطريق كل بضعة أمتار. انزلقت قدمه. وقدمه الأخرى، التي حاولت إنقاذ الموقف، وصلت متأخرة. ارتفعت ذراعاه. ودفتره — الدفتر الصغير المهني الذي كان في يده طوال الصباح — طار في قوس نظيف إلى رقعة صغيرة من الغبار وسعف النخيل.

مالود، من جانب الباب، قفز إلى الجنب بسرعة حفظ الذات الخاصة بماعز يريد، بوضوح تام، ألا تكون له أي علاقة بهذا. كان وضع جسده يقول: ليست مشكلتي.

سقط جون.

على وجهه. في الأرض المغبرة.

ثم، كأن الصباح كان ينتظر هذا التكوين بالذات — تدحرج الدخان فوقه.

مرّ الضباب الباهت فوق جسده. ببطء. كاملًا. ملأ الهواء حوله. استقر على كتفيه. استقر في شعره. واستقر في الخطوط الرفيعة الطويلة حيث كان وجهه، قبل ثانية واحدة، يحمل لونًا إنجليزيًا صحيًا.

وحين عبرت السحابة — حين صفا الهواء، وكانت أضواء مؤخرة الشاحنة تبتعد في الطريق — نهض جون ببطء.

كان يبدو… مرعبًا.

كان شعره ممتلئًا بالغبار. وكان وجهه رماديًا باهتًا متساويًا — رمادي الجدران القديمة، والقبور القديمة، والجص الذي فقد طلاؤه منذ عقود. وكانت عيناه، الدامعتان من المادة الكيميائية، محتقنتين ومفتوحتين على اتساعهما.

كان يبدو، بالضبط، كشبح خسر عراكًا.

صرخت صفية. ثم ضحكت — ضحكت حتى اضطرت أن تسند نفسها إلى الجدار الطيني لبيتهما، يدها مفرودة على الطين، والأخرى على بطنها.

غطّت ثرياء فمها. كانت تحاول أن تكون مهذبة. كانت تفشل. «يا إلهي…»

صرخ الأطفال أيضًا. لكن الأطفال لم يصرخوا خوفًا من الدخان.

صرخوا خوفًا من جون.

صاح منصور بمسرحية: «أبووويه!» — وهرب نصف الأطفال كأن الشبح حقيقي.

مسح جون عينيه. سعل. ثم سعل مرة أخرى.

قال: «أنا… بخير.»

لم يكن بخير. كان واقفًا في سحابة رمادية من غباره، بشفة مشقوقة لم يلاحظها بعد، في زقاق من أزقة القرية، بينما تختفي شاحنة البلدية عند منعطف. لكنه كان واقفًا. وبالنسبة إلى رجل كان قبل قليل على وجهه في الأرض، كان الوقوف وضعًا مستعدًا للدفاع عنه.

Scene Three
Shayb Khalaf

ثم تحرّك ظل عند حافة الدخان.

لا بطريقة درامية — فلا ظل في القرية يتحرك بطريقة درامية. هذا الظل تحرك فحسب، حركة بطيئة مقصودة لشخص طويل نحيل يخرج من ضباب آخذ في التلاشي. عصا مشي. كتف مهترئ. لحية بيضاء، ظهرت أولًا جزئيًا، ثم كاملة، ثم ظهر الرجل كله.

رجل عجوز نحيل. وجه مجعّد — مجعّد كالأرض بعد الصيف، مثل تلك الشقوق العميقة المحددة التي تتكون في الأودية حين يكون المطر الأخير قد اختفى منذ زمن. وعينان، رغم كل شيء آخر، حادتان.

رآه الأطفال فتجمّدوا.

كان تجمّدًا من نوع مختلف عن تجمّدهم حين صار جون شبحًا. ذلك التجمّد السابق كان ممتعًا. أما هذا فلم يكن ممتعًا. كان يحمل تلك الهيبة المحددة لأطفال قيل لهم، منذ كانوا صغارًا جدًا، عن هذا الرجل بالذات.

همس بعضهم — لا بصوت يكفي ليكون جملة، بل بما يكفي ليُتشارك — «خلف…»

همس أحدهم بفحيح: «الساحر!»

مالت صفية نحو ثرياء. بهدوء. لم تكن مذعورة — كانت تعرف خلف الآن، وقد قابلته، وقبلت خاتمها من يده — لكن ردة فعل الأطفال كانت معلومة من نوع خاص.

همست: «لماذا يبدون كأنهم رأوا وحشًا؟»

همست ثرياء في ردها، محافظة على صوت منخفض وسهل — نبرة امرأة تفكك أسطورة القرية كلها في جملة واحدة.

«يظنون أنه ساحر. يعيش وحده في بيت طيني قديم. والناس يخافونه.»

العجوز — شايب خلف — سار مباشرة إلى جون.

لم يتوقف. لم يبطئ. قطع الرقعة الصغيرة من الأرض المغبرة بين موضعه وموضع جون، وأمسك بذراع جون — لا برفق ولا بقسوة، أمسكه فحسب، كما يثبّت فلاح عجوز حيوانًا صغيرًا ضلّ اتجاهه.

قال: «وقف عدل.» خشنًا — لكنه غير قاسٍ.

جون، الذي كان لا يزال دائخًا، ورأسه لا يزال مثقلًا بالغبار، وفمه لا يزال ممتلئًا بالمذاق الكيميائي للمبيد، فجأة — ومن دون أي قرار يستطيع عقله المدرّب إنجليزيًا أن يفسره لاحقًا — تكلم بالعربية.

العربية التي خرجت منه لم تكن عربية الكتب المدرسية. لم تكن العربية الفصحى المهذبة في كتيّب العبارات الذي حمله السيد جون على الطائرة. كانت عربية محلية — صياغة سمائلية محددة لرجل أصبح، بطريقة ما، خلال الثواني القليلة الماضية، من أهل القرية.

يح… حسبتك جني! خوفتني… الله يصرفك صرفة!

شهقت صفية. وانفتح فم ثرياء دهشة.

حدّق خلف في جون. لثانية طويلة. ثم — بلا إنذار، لأن خلف لا ينذر الناس — أطلق ضحكة قصيرة.

واحليلك باه… تفزع؟ خليك رجّال.

رفع عصاه قليلًا. قليلًا فقط. رفعة صغيرة مرحة.

والاّ بذي الخيزرانة ع ظهرك!

اتسعت عينا جون.

ومن فمه — وما زال ليس بالإنجليزية — خرج الجواب. سريعًا. شبه مهذب. جواب رجل من أهل القرية.

هاعه… الشيمة تجمّل.

ثم توقف جون.

رمش. مرات عدة. كأن دماغه أنهى للتو عملية لم يُستشر فيها، وها هو الآن — الآن فقط — يصل إلى الاجتماع ليعرف ما الذي تقرر.

التفت إلى صفية. وهمس، بالإنجليزية، بصوت صغير مرتبك لرجل سمع فمه للتو يقول شيئًا لم يهيئه عقله —

«كيف قلت… ذلك؟ أنا لا أعرف هذه الجمل.»

انهارت صفية — مرة أخرى، الجدار، والبطن، والاستسلام الكامل لامرأة أنتج صباحها، في خمس عشرة دقيقة، مادة كوميدية أكثر من الأسابيع الثلاثة السابقة مجتمعة.

تمكنت من القول: «جون، لقد هددتَ وصححتَ نفسك بالعربية!»

حاولت ثرياء أن تبدو جادة. كان كتفاها يهتزان من الجهد. ولم يكن الجهد قابلًا للاستمرار.

قالت، بتماسك يستحق الإعجاب: «مستر جون، أنت تفاجئني.»

أما مالود — وقد لاحظ أن لا أحد ينظر إليه للمرة الأولى منذ أربعين ثانية — فكان يسعل، دراميًا، مرة، مرتين، ثم ثالثة، مائلًا بجسده الصغير إلى الجدار كممثل في فيلم حزين. لم ينتبه إليه أحد.

مضت شاحنة البلدية. خفّ الدخان. وعاد الأطفال، الذين كانوا قد تفرقوا جزئيًا، بحذر — يطلّون أولًا من خلف الأسوار.

تقدم منصور. بفخر. «تيتشر جون… أنت… شبح!»

جون، الذي كان لا يزال رماديًا ولا يزال غير ثابت تمامًا، أشار إليه بحزم رجل قرر أنه تحمّل من الإهانة ما يكفي هذا الصباح.

«لا. أنا معلّم.»

صفقت ثرياء مرة واحدة. «حسنًا! الجميع… إلى المدرسة.»

Scene Four
The New Teachers

دخل جون الصف، في وقت لاحق من ذلك اليوم، بعينين حمراوين منتفختين. كان قد اغتسل — سريعًا، بإهمال — لكن شيئًا من الرماد ما زال عالقًا في شعره، وعيناه لا تزالان تحملان حمرة كيميائية صغيرة لرجل كان، منذ وقت قريب جدًا، وجهًا لوجه مع سحابة.

كان الصف على حاله المعتاد. السبورة قديمة ومغبرة — وفيها الشبح الخفيف المحدد لدرس الأمس لا يزال مرئيًا تحت محاولات المسح. وكانت الغرفة تفوح، كما تفوح دائمًا، برائحة الطباشير، والحر، والغداءات الصغيرة السرية المخبأة في الجيوب — تمرات، قطعة خبز، لفافة صغيرة من الملح.

قرب الباب — وهذا كان جديدًا — وقف معلّمان لم ترهما صفية من قبل.

رجل مصري قوي. شارب حاد. وجه جاد. تلك الوقفة المستقيمة المحددة لرجل يمكن، في أي بلد، تمييزه فورًا بوصفه من النوع الذي لا يحتمل العبث.

قال بصوت عالٍ، مانحًا كل مقطع وزنه الكامل: «أنا محمدين. معلّم الرياضيات.»

وقفت إلى جانبه زوجته — رياضية، واثقة، ترتدي بدلة رياضية بدا واضحًا أنها لم تنتمِ يومًا إلا إليها.

قالت، بصوت عالٍ مثله، وبلا خوف مثله: «وأنا فتكات. معلّمة الرياضة.»

جلس الطلاب باستقامة أكبر فورًا. لا لأن أحدًا أمرهم بذلك. بل لأن الهواء في الغرفة تبدّل، في مساحة جملتين، وقرأت أجسادهم الصغيرة ذلك التبدل قراءة صحيحة.

رفع محمدين عصًا رفيعة — لا غضبًا، ولا تهديدًا، بل رمزًا. بيانًا صغيرًا جافًا نظيفًا للسلطة.

قال: «أي صوت، وأسكتكم أسرع من البرق.»

ابتلع منصور ريقه.

بوضوح. وبصوت مسموع. تلك البلعمة الخاصة بولد صغير أعاد للتو حساب ميزانية الشغب المحتملة لهذا الصباح، فاكتشف أنها انخفضت كثيرًا.

همست صفية إلى ثرياء: «يبدون خائفين. ومحترمين. في الوقت نفسه.»

همست ثرياء في جوابها. بواقعية. لا بحكم.

«هكذا كان الأمر.»

ثلاث كلمات صغيرة. هكذا كان الأمر. شعرت صفية بالجملة تستقر. لم تكن — كما فهمت — ثرياء تدافع عن ممارسة. كانت تمنحها حقيقة تاريخية. مدرسة قرية في عام 1973، في عُمان الريفية، كانت مكانًا يكون فيه وجود عصا على الطاولة عُرفًا، لا قسوة. كان ذلك ما كانت عليه الصفوف الإنجليزية أيضًا، ذات يوم. والأطفال الذين يجلسون باستقامة أكبر حين تظهر العصا لم يكونوا، في عقولهم، يتعرضون للترهيب. كانوا يُمنحون كرامة أن يُؤخذوا على محمل الجد. هكذا كان الأمر.

تنحنح جون — متألمًا قليلًا، لأن سعال المبيد لم يغادر صدره تمامًا بعد.

قال: «اليوم، نتحدث عن… ما حدث.»

كتب على السبورة، بحروف كبيرة دقيقة:

PAST SIMPLE: Yesterday, I… / He… / They…

استدار. «كرروا: Yesterday, I walked.»

ردد الصف — اثنا عشر صوتًا صغيرًا، متراكبًا، غير متزامن تمامًا — «Yesterday, I walked.»

أشار جون إلى منصور. «منصور. Yesterday, you…?»

وقف منصور بفخر. لم يصمد ذلك الضبط الجسدي الصغير الذي حصل قبل خمس دقائق أمام سماع اسمه.

«Yesterday, I run.»

ابتسم جون. وكانت ابتسامته، لأول مرة ذلك الصباح، كاملة بلا تحفظ. «جيد! قل: I ran.»

قطّب منصور. كان الماضي من run إحدى خيانات الإنجليزية الصغيرة — فعلًا يرفض اتباع القاعدة. فكر. جربها.

«I ran.»

أومأ جون. «ممتاز.»

ثم — بذلك التقليل الذاتي النظيف الاحتفالي لمعلّم قرر أن يستخدم مصيبته مادة للدرس — أشار جون إلى نفسه.

«Yesterday, I… fell.»

انفجر الصف ضاحكًا.

وأضافت صفية، من الخلف — غير قادرة على المقاومة: «And yesterday, Mr. John looked like a ghost.»

تنهد جون. تنهيدة زوج كانت زوجته، مرة أخرى، على حق. «Yes. He looked like a ghost.»

رفعت ثرياء حاجبًا واحدًا. «He looked like a very dramatic ghost.»

راقب محمدين — محاولًا ألا يبتسم. أما فتكات فلم تحاول الانضباط نفسه. ضحكت بصراحة. كانت ضحكتها كبيرة، دافئة، وغير معتذرة إطلاقًا.

ثم خفّض جون صوته. صار جادًا كالمعلّمين من جديد. وعاد جو الغرفة — تقريبًا — إلى نبرة الدرس.

«أمس، رشّت الشاحنة المبيد. ماذا نقول؟»

تدخلت صفية — التي أصبحت، الآن، جزءًا منتظمًا من الصف — بإشارات يديها. تكلمت ببطء. بوضوح. كما تتكلم الأمهات حين يعلّمن الأطفال الكلمات المهمة.

«نقول: Don't run behind the truck. Go inside. Close the door.»

أومأت ثرياء. «إنجليزية السلامة.»

كتب جون المزيد على السبورة:

Don't + verb Don't run. Don't breathe the smoke. Don't touch the spray.

رفع منصور يده. «Teacher… Malood… yesterday… Malood… cough?»

تهلل وجه صفية. «نعم! قل: Malood coughed.»

ردد الطلاب: «Malood coughed.»

نقر جون على السبورة. «Perfect.»

توقف. ثم استدار ببطء نحو ثرياء. كانت عيناه قد ضاقتا. لا غضبًا. بل بذلك التضييق التحقيقي المحدد لرجل لم ينسَ، رغم الدرس، ورغم الدخان، ورغم الشبح، أن شيئًا حدث ذلك الصباح ولم يُفسّر بعد.

قال: «سأسألك شيئًا بعد الحصة.»

تحولت ابتسامة ثرياء إلى براءة مبالغ فيها. تلك الابتسامة البريئة أكثر مما ينبغي لامرأة كانت تنتظر هذا الحديث طوال الصباح.

«بالطبع.»

تمتم جون لنفسه بالإنجليزية، بصوت يكفي صفية أن تلتقطه: «Something strange is happening here.»

ومن آخر الصف — من المقعد الملاصق للجدار البعيد، المقعد الذي بدأت صفية تلاحظ أنه مشغول دائمًا بالطفل الهادئ نفسه — كان ولد يراقب كل شيء بعينين لامعتين.

لا يتكلم. لا يشارك. يراقب فقط.

كان اسمه سعيد.

وكان — ولن تفهم ذلك إلا لاحقًا — يجمع الأسرار بالفعل كأنها كنز.

Scene Five
The Forest of Fenzuz

ملاحظة: ينتمي هذا المشهد إلى النخلة التاسعة — اللجال — ووُضع هنا لأنه في المخطوطة الأصلية يتصل مباشرة بجملة «تدرّبوا مرة بعد مرة» في نهاية ذلك الفصل. يبيّن هذا المشهد ما كان يفعله السيد جون بينما كانت صفية تعلّم الأطفال أسماءهم. أُدرج الآن حتى يكتمل اليوم الكامل في اللجال.

بينما كانت صفية جالسة قرب الفلج الدافئ تعلّم الأطفال: my name is، I am from، I belong to — مرة بعد مرة، في دورات صغيرة صبورة — كان السيد جون، على مسافة منها، يمشي.

كان لا يزال، بهدوء، غاضبًا من الفلج.

كان الغضب يحمل تلك السطوح الصغيرة الجامدة لغضب تجاوزته حرارته نفسها — وقد تقلص الآن إلى تذمر صغير، صبور، غير منطقي، استقر في مشيته. كل خطوة تقول: فلج دافئ. وكل خطوة ثانية تقول: فلج دافئ. لقد اكتسبت كلمة دافئ، بالنسبة إلى جون، معنى جديدًا تمامًا ومريبًا.

مشى بين النخيل عند حافة البستان. كان الضوء هناك مرقّطًا. وكانت الأرض ألين هنا — سعف قديم ساقط، تراب جاف، وقطعة صغيرة عارضة من — توقف.

لقد رأى شيئًا بين الأشجار.

انحنى. فحص. على الأرض، نصف مخفية بين السعف، كانت هناك أشكال صغيرة متفرقة، مميزة. صغيرة. خاصة. بالشكل نفسه تمامًا لما أرته لهم ثرياء في وقت سابق داخل الشاحنة، حين شرحت تغييرة آل الناعبي.

همس لنفسه، لأنه لم يكن هناك أحد غيره: «فنزوز.»

أضاء وجهه. وانصرف، مؤقتًا، تذمر الفلج الدافئ.

بدأ يجمع.

بهدوء. واحدة. اثنتان. ثلاث. كثير. تحرك حول السعف بطريقة منهجية. وضعها في حقيبته — الحقيبة نفسها التي حاول مالود أكلها ذلك الصباح، والحقيبة نفسها التي سيأكل مالود ورقها أيضًا لاحقًا.

قال لنفسه: «سأفاجئ ثرياء. ستسرّ.»

كان يتخيل في رأسه اللحظة الاحتفالية الصغيرة وهو يقدم لها الفنزوز. انظري، يا ثرياء — لقد جئتك بعلامة قبيلتك. كان يشعر أن هذه اللفتة الثقافية من النوع الذي سيؤكد، مرة وإلى الأبد، أنه ينتبه. أنه أنصت. أنه يفهم.

وحين عاد إلى الفلج، كان الأطفال يبدؤون إنهاء جملهم. كان منصور في محاولته الرابعة من I am from everywhere. وكانت صفية تصفق، دافئة ومتعبة. وكانت ثرياء جالسة متربعة على حافة الحجر، ورضا المعلّمة ظاهر عليها.

وصل جون بتلك المتعة الهادئة المحددة لرجل على وشك تقديم هدية.

فتح حقيبته. مدّها نحوها.

«انظري!»

نظرت ثرياء في الداخل.

لثانية كاملة لم يفعل وجهها شيئًا. ثم تحرك التعبير — عبر المفاجأة، ثم التعرف، ثم ذلك الذهول المرح المحدد لامرأة قُدمت لها، من أجنبي حسن النية، الهدية الخطأ تمامًا.

ضحكت. كثيرًا.

لا عليه — بل معه. بتلك الضحكة الثرياوية الدافئة المحددة التي تعني: لقد فعلت شيئًا خاطئًا على نحو كامل إلى درجة أن عليّ الآن أن أشرحه لك، لكنني أريدك أن تفهم أولًا كم أقدّر النية.

قالت: «جمعت تغييرة أهلي.»

قال جون بفخر: «نعم!» تلك النبرة الفخورة المحددة لرجل لم يفهم نكتته بعد.

هزت ثرياء رأسها. كانت هزة رأس ناعمة. تحمل دفئها الخاص.

قالت: «آل الناعبي فقط يمكنهم استخدامها.»

نظر جون إلى الحقيبة.

نظر إلى الأشكال الصغيرة المميزة، الخاصة بآل الناعبي وحدهم، التي ظل، بعناية كبيرة، يجمعها طوال عشرين دقيقة لامرأة كانت الشخص الوحيد عند الفلج الذي يحق له، في الحقيقة، امتلاكها.

«آه.»

الأطفال — الذين أدركوا خلال الثواني العشر الماضية ما حدث — ضحكوا. من جديد. الضحكة المحددة نفسها التي ظلوا يضحكونها طوال اليوم، على هذا الإنجليزي الطويل الذي وجد، مرة أخرى، أكثر هدية غير ملائمة ثقافيًا ضمن نطاق خمسين مترًا.

جون، برشاقة متعبة لرجل ضُحك عليه الآن مرتين في يوم واحد من الجمهور نفسه، أحنى رأسه قليلًا.

قال: «سأعيدها إلى المكان الذي وجدتها فيه.»

ولاحقًا، حين انخفضت الشمس، وكان العم ناصر يقود الشاحنة ببطء عائدًا على الطريق المغبر، مال منصور نحو جون — غير قادر على ترك ظهيرة كاملة من المادة الممتازة تمر بلا استخدام.

«تيتشر… هل ستسبح مرة أخرى؟»

قال جون بسرعة — جملة بدا واضحًا أنه حضّرها: «لا.»

ابتسمت صفية. برفق. «لكنك تعلمت شيئًا اليوم.»

قال جون: «نعم. اسأل دائمًا قبل أن تقفز.»

ضحكت ثرياء. «واستمع دائمًا إلى المعلّمات العُمانيات.»

في تلك الليلة، عند الطاولة الخشبية الصغيرة في بيتهما البسيط، كتب جون في دفتره. كتب ببطء، ذلك البطء المحدد لرجل يدوّن درسًا على الورق كما ينبغي، حتى لا يستطيع لاحقًا أن يتظاهر بأنه لم يتعلمه.

Today, I learned about names, tribes, and hot falaj. And I learned that not all water is friendly.

توقف. نظر إلى الجملة. ثم — بصدق مرح صغير لرجل بدأ، أخيرًا، يجد مكانه — أضاف سطرًا آخر تحت السطرين الأولين:

Also — never trust Thuraya's smile.

Scene Six
The Boy Who Collected Secrets

في الصف، في يوم الدخان، كان الدرس قد انتهى. وقد رن الجرس — جرس أبي سالم، الجرس النحاسي الذي تعلّم كل طفل في القرية أن يجيبه. واندفعت العواصف الصغيرة إلى الخارج، نصفها إنجليزي ونصفها عُماني، تصرخ عن الأشباح والبرق وعصا محمدين وسعال مالود.

صار الصف، مرة أخرى، بذلك الفراغ المحدد الذي تصير إليه الصفوف حين يغادرها أطفالها للتو — الهواء لا يزال يحمل شكلهم، والمقاعد لا تزال دافئة، وغبار الطباشير يستقر ببطء.

وقف جون في المقدمة، ينقر السبورة مرة واحدة، بلا انشغال، بحافة طبشورته المسطحة. وكانت صفية تجمع الأوراق. وكانت ثرياء تنظف اللوح الأصغر قرب الجدار.

كان محمدين وفتكات قد ذهبا بالفعل — إلى غرفة المعلّمين الصغيرة المشتركة حيث فهمت صفية الآن أن البالغين الأربعة في المدرسة سيضطرون إلى مشاركة الشاي ومساحة العمل إلى أجل غير قريب.

التفت جون، بجدية خاصة لرجل يعود إلى حديث لم يكتمل.

«ثرياء.»

«نعم، مستر جون.»

أشار إلى فمه. فمه الإنجليزي نفسه، الذي كان — في ذلك الصباح — قد أنتج جملًا عربية لا يعرفها عقله الإنجليزي.

«اشرحي.»

وضعت ثرياء لوحها جانبًا. جلست على الكرسي الصغير في المقدمة. فكرت في جوابها. ثم أجابت — ببساطة، بصدق، بالطريقة التي كانت ثرياء تجيب بها دائمًا عن الأسئلة التي لا تنوي التهرب منها.

قالت: «كنتَ تستمع. أكثر مما تعرف.»

«أستمع إلى ماذا؟»

«إلينا. كل يوم. في السوق. عند الفلج. في الطريق. في الصف. حين يتحدث الأطفال بعضهم إلى بعض. حين تصرخ العمة عزيزة على مالود. حين ينادي العم ناصر الركاب. حين تعاتب النساء عند الماء بعضهن بعضًا. حين يحيي الشيوخ عند المسجد بعضهم بعضًا.»

توقفت. ابتسمت — ابتسامة المعلّمة الصغيرة، لا الابتسامة المشاكسة.

قالت: «أذناك أذكى من فمك. ظلّتا تجمعان الجمل. واليوم — حين صُدمت، وحين كان عقلك في مكان آخر — استخدمها فمك أخيرًا.»

حدّق جون فيها. وفكر في الأمر. كان، كما أدرك، تفسيرًا ممكنًا تمامًا — وأيضًا، بطريقة ما، غير مطمئن تمامًا.

قال ببطء: «إذن سأستمر… في فعل ذلك؟»

قالت ثرياء: «إن كنت محظوظًا، نعم. إن كنت محظوظًا، فكل أسبوع، ومن دون أن تلاحظ، ستتكلم عربية أكثر قليلًا. وزوجتك أيضًا.» وأضافت، ملتفتة إلى صفية: «هي كذلك.»

صفية، التي كانت تستمع، ابتسمت. «جيد.»

في الخارج، كانت القرية تستقر في ساعة الظهيرة. كان الجرس قد رن. وكان الأطفال قد تفرقوا. بعضهم ذهب إلى البيت. وبعضهم ذهب إلى الفلج. وبعضهم، من غير خطة معينة، تجمعوا في مجموعات صغيرة قرب جدار المسجد، حيث الظل أفضل، ليستمروا في الحديث عن أي شيء كان الأطفال في العاشرة يتحدثون عنه عام 1973 حين تنتهي المدرسة.

وكانت إحدى تلك المجموعات الصغيرة تحت شجرة غاف قرب الجدار القديم.

ثلاثة أولاد. اثنان صغيران. وواحد — أكبر قليلًا، أهدأ قليلًا — جالس بينهما متربعًا، في وضعية الراوي المحددة المتماسكة.

سعيد.

الولد الهادئ. الولد من مؤخرة الصف. الولد الذي لا يتكلم، ولا يلعب، ولا يشارك — لكنه، طوال الصباح، كان يراقب.

لم يكن يلعب الآن. كان يتكلم. بهدوء.

كان الولدان الأصغر يستمعان — مائلين إلى الأمام، أعينهما أكبر من المعتاد، وآذانهما ملتزمة تمامًا باستقبال ما كان سعيد يقوله لهما.

قال سعيد — بصوت منخفض، مستوٍ، موزون: «تيتشر جون دخل الدخان.»

همس أحد الولدين: «شفنا.»

وتابع سعيد: «وحين خرج، كان رماديًا. مثل الشبح.»

«شفنا.»

قال سعيد — وقد أخفض صوته بما يكفي ليشير إلى الجزء المهم: «ثم جاء شايب خلف. وأمسكه. وتيتشر جون… تكلم عربي.»

همس الولد الآخر — الأصغر، صاحب الجدية ذات الأسنان المتفرقة: «رجل إنجليزي؟ يتكلم عربي؟»

نظر سعيد إلى الاثنين. نظر إليهما بالسلطة المحددة لولد ظل يراقب طوال الصباح بينما كان الجميع الآخرون يذعرون أو يضحكون أو يركضون، ولذلك جمع أرشيفًا صغيرًا خاصًا من حقائق اليوم الغامضة.

قال بهدوء: «شيء ما حدث حين لمسه شايب خلف.»

سكن الولدان تمامًا.

لم يقل سعيد شيئًا آخر. لم يكن بحاجة إلى ذلك. لقد ترك — بالاقتصاد الصغير الدقيق لراوٍ طبيعي — الجملة غير مكتملة. والجملة غير المكتملة، بعد أن تُلقى، ستؤدي عملها وحدها. ستنتشر. ستتكاثر. وبحلول المساء، سيكون كل طفل في سمائل يخبر أمه بنسخة مختلفة قليلًا من الشيء نفسه — دخل تيتشر جون الدخان وخرج يتكلم العربية.

في داخل الصف، لم يكن جون يعرف هذا بعد.

كان ينظر إلى ثرياء. ويقطّب قليلًا.

«ثرياء.»

«نعم؟»

«الرجل العجوز. خلف. أخبريني… أخبريني عنه.»

التقت ثرياء عينيه. وعادت الابتسامة المشاكسة الصغيرة — ابتسامة ثرياء-تعرف-شيئًا-لا-يعرفه-جون. الابتسامة نفسها التي كتب جون، في دفتره عصر ذلك اليوم، بجانبها التعليمات: لا تثق أبدًا.

قالت: «غدًا. سأخبرك غدًا.»

«لماذا ليس الآن؟»

قالت: «لأنك غدًا ستكون مستعدًا لسماعها.»

وفي الخارج، تحت شجرة الغاف، وقف سعيد — ابن الثماني سنوات، الصبور، الهادئ، الذي يحمل أسرار اليوم في يديه كحصى صغيرة. نفض ثوبه. ومشى، من دون عجلة، نحو المجموعة الصغيرة التالية من الأطفال الذين كان يومهم، في رأيه، يحتاج إلى تحسين بالنسخة الصحيحة من القصة. — Palm Eleven / النخلة 11 —

··
PALM ELEVEN · Maghsoob — And the Boy Who Watches
Palm
Palm Eleven
Maghsoob — And the Boy Who Watches
Scene One
The Night That Would Not Sleep

لم ينم جون جيدًا تلك الليلة.

كان هواء الليل في سمائل، في أكتوبر من عام 1973، دافئًا ساكنًا. وكان من نوع الليالي التي تكون، في أي مساء آخر، نعمة — ذلك السكون الدافئ المحدد الذي يجعل البساط كريمًا، والنسيم الداخل من النافذة مقصودًا، وصوت الفلج البعيد كأنه تهويدة.

هذه الليلة، لم يكن شيئًا من ذلك.

كلما أغمض جون عينيه، رأى الدخان.

أو العصا. أو رجلًا عجوزًا نحيلًا بعينين حادتين. أو — بالطريقة غير المفيدة التي تخلط بها العقول المتعبة الصور — كلها معًا، في نهاية طريق مظلم، واقفة في صف صغير، تقول شيئًا لا يستطيع فهمه تمامًا.

استدار في سريره البسيط. نظر إلى السقف.

وتذكر، للمرة الثانية خلال أسبوعين، أن السقف مصنوع من سعف النخيل. وتذكر أيضًا أن السعف يحتوي على أشياء صغيرة تتحرك. والأشياء الصغيرة المتحركة، في الليل، حين يكون العقل مشغولًا أصلًا بالدخان والشيوخ والعصي، لم تكن حضورًا مطمئنًا كما كانت قبل ثلاثة أسابيع.

همس بالإنجليزية — بهدوء، لأن صفية كانت نائمة بجواره: «هذا المكان يفعل شيئًا بعقلي.»

بجواره، كانت صفية نائمة. تتنفس بسلام. وكان وشاحها مطويًا بعناية قرب الوسادة — مطويًا بالطريقة التي علّمتها إياها أم ثرياء، تلك الطية المثلثة الصغيرة التي يجب أن تُفعل بدقة ليجلس الوشاح صحيحًا مرة أخرى في الصباح.

لاحظ جون، بشيء من الاستياء، أنها تمتلك نومًا هادئًا تمامًا لامرأة لا تعرف الكلمة العربية «مغصوب»، ولم تصحح-تهدد نفسها ذلك الصباح بلغة لا تتكلمها.

في الخارج، كانت قرية سمائل هادئة. في مكان بعيد، نبح كلب — مرة، مرتين، ثم توقف، وقد قرر أن الشيء الذي كان ينبح عليه لا يستحق الجهد. وفي مكان أقرب — من الساحة الصغيرة لبيت العمة عزيزة — أصدر مالود صوتًا صغيرًا غير سعيد، ذلك الصوت الصغير الخاص بماعز يجادل أحلامه.

أغمض جون عينيه مرة أخرى.

وفورًا، رأى شايب خلف.

لم يكن خلف مهددًا. لم يكن خلف رافعًا عصاه. كان فقط الرجل العجوز، واقفًا قرب جدار طيني، ممسكًا بخيزرانته، يبدو تمامًا — تمامًا — كما بدا ذلك الصباح.

جاء الصوت، داخل رأس جون، بعربية الرجل العجوز.

«خلّيك رجال.»

قال الصوت: كن رجلًا. داخل رأس جون نفسه. بعربية كاملة.

فتح جون عينيه.

قال لنفسه بصوت عالٍ، بالإنجليزية: «لا. يكفي.» كأن الإنجليزية نفسها ستعمل نوعًا من الحماية، جملة صغيرة ثابتة يستطيع عقله أن يتمسك بها.

قال: «غدًا، سأسأل ثرياء. عن كل شيء.»

استدار على جنبه. راقب الخط الناعم لتنفس صفية. حاول أن يطابق تنفسه مع تنفسها. فشل. حاول مرة أخرى. فشل مرة أخرى.

في مكان ما، نبح الكلب مرة أخرى. وقدّم الماعز حجته الصغيرة. واستمرت القرية في صمتها العتيق.

وبقي جون مستيقظًا. لوقت طويل.

Scene Two
Two Missions

في صباح اليوم التالي، مشى جون إلى المدرسة ومعه مهمتان واضحتان.

الأولى: تعليم الإنجليزية.

الثانية: فهم لماذا تكلم، في صباح اليوم السابق، بالعربية فجأة مثل شاعر مرتبك.

كان قد رتب المهمتين في رأسه كقائمة مرقمة. وفكر في كتابتهما. ثم قرر، بعد تأمل، أن كتابة جملة: فهم لماذا تكلمت العربية فجأة مثل شاعر مرتبك، هي من النوع الذي — إن وجدها أحد في دفتر — سيكون من الصعب جدًا شرحها.

صفية، التي كانت تمشي بجواره، لاحظت وجهه الجاد فورًا. كانت قد تعلمت أن وجهه يملك ثلاثة أوضاع — وضع المعلّم العادي، وضع المتسلّي من منصور، ووضع هناك-شيء-محدد-يحدث-في-رأسي-ولن-أخبر-أحدًا-عنه-بعد.

هذا الصباح، كان الوضع الثالث.

قالت، بذلك المزاح الحنون الذي صار الشكل الطبيعي لمشيهما الصباحي: «تبدو كأنك ذاهب لتعتقل أحدًا.»

لم يبتسم جون.

قال: «سأعتقل. لغزًا.»

كانت ثرياء في المدرسة بالفعل. دخلت الصف بعدهما ببضع ثوانٍ — مرحة كالعادة، تحمل كتبًا وقطعة طباشيرها الصغيرة.

قالت: «صباح الخير.»

نظر إليها جون بعناية. كانت النظرة هي النظرة التحقيقية نفسها التي أعطاها لصفية في الطريق. «صباح الخير. يجب أن نتحدث.»

وجه ثرياء — من دون أي مفاجأة، لأنها كانت تتوقع هذا بالضبط — رتب نفسه في ابتسامة. وضعت كتبها على الطاولة. عدّلت، تعديلًا خفيفًا جدًا، الطبشورة خلف أذنها.

«عن درس الطيران أمس؟»

قال جون بصوت مسطح. وكان في صوته ذلك المسطح المحدد لرجل لا ينوي أن يُصرف عن الموضوع: «عن الرجل العجوز. وعن الشيء الذي لم تخبريني به.»

رفعت ثرياء حاجبيها — تلك الرفعة الصغيرة الدقيقة لمعلّمة سُئلت سؤالًا واسعًا وقررت، استراتيجيًا، أن تضيق نطاقه.

قالت: «لم أخبرك بأشياء كثيرة. عليك أن تكون أكثر تحديدًا.»

وقبل أن يستطيع جون تنقيح سؤاله — وقد كان ينقحه في رأسه منذ السادسة صباحًا — اندفع الباب مفتوحًا وركض الطلاب إلى الداخل. ملأوا الغرفة بالضجيج والغبار والطاقة المحددة لعشرة أجساد صغيرة كانت، طوال خمس عشرة دقيقة تقريبًا، بلا إشراف في الطريق.

جاء منصور أولًا. طبعًا فعل. كاد يصطدم بمقعد — كاد، لأنه طوّر غريزة صغيرة لتفادي المقاعد في اللحظة الأخيرة، مهارة قروية لم تتعقب صفية أصلها بعد.

دخل أحمد بهدوء، بطريقته الحذرة المعتادة، وجلس مستقيمًا كالمسطرة.

همس خليل بشيء إلى علي. فضحكا ضحكة ولدين سيكونان، خلال ثلاث دقائق، في شكل صغير من المتاعب.

ودخلت البنات — نورة، ومروة، ورحمة، وسليمة، ومثيلة — معًا. كنّ يتحدثن عن شيء جاد، وسري، وفهمت صفية أنها لن تعرف ما هو. أسرار البنات، في هذا الصف، كانت تحمل صفة محمية محددة لا تملكها أسرار الأولاد — باستثناء أسرار سعيد.

وفي الخلف، قرب الباب، وقف ولد واحد.

لم يجلس فورًا. وقف لحظة أولًا — كأنه يمسح الغرفة بعينه سريعًا قبل أن يلتزم بمقعد. ثم مشى، بهدوء، إلى المقعد الأخير البعيد وجلس.

سعيد.

لم يكن يتحدث كثيرًا. لم يكن يلعب كثيرًا. كان يراقب.

دائمًا يراقب.

Scene Three
Telling Stories

جون، معيدًا نفسه إلى المهمة الأولى — التي وعد نفسه بها — التفت إلى السبورة. كتب، بحروف كبيرة دقيقة:

Today's Topic: Telling Stories

استدار إلى الصف. كان، في الحقيقة، قد خطط لهذا الدرس قبل أن يحدث دخان الأمس، وأبقاه اليوم لأن درسًا عن سرد القصص صار، لأسباب بدأ يفهمها، ذا صلة محددة جدًا بهذه القرية بالذات.

قال: «في الإنجليزية، حين نحكي قصة، نستخدم كلمات خاصة. كلمات صغيرة. لكنها تساعدنا على التحرك عبر الزمن.»

كتب:

First Then After that Finally

صفية — من مكانها المعتاد قرب الخلف — صفقت بيديها، تصفيقة المعلّمة الدافئة التي كانت تتبناها أكثر فأكثر من غير أن تلاحظ.

قالت: «جيد! اليوم، نتحدث عن… أمس.»

تفاعل الصف فورًا.

أعلن منصور — بفخر، وبذلك الصوت الانتصاري المحدد لولد كان ينتظر منذ الفجر ليعيد إدخال كارثة الأمس في سجل الصف: «تيتشر جون طاح!»

أغمض جون عينيه. لثانية واحدة فقط. إغماضة الثانية الواحدة المحددة لمعلّم يقبل أن إهانة شخصية أصبحت الآن، رسميًا، جزءًا من المنهج.

قال: «نعم. شكرًا يا منصور. القرية لن تنسى أبدًا.»

ابتسمت ثرياء. «حسنًا. من يريد أن يحكي القصة؟»

رفع أحمد — الولد المستعد دائمًا — يده. كانت صفية ترى أنه كان يؤلف هذه الجملة في رأسه طوال الدقيقتين الماضيتين. كان ينتظر لحظته.

وقف. وضع يديه خلف ظهره بطريقته المعتادة، طريقة رجل صغير في اجتماع. وتكلم.

قال: «Yesterday, first, the truck came. Then, we ran. After that, Teacher John fell. Finally, he became a ghost.»

ضحك الصف.

تنهد جون. «قواعد ممتازة. قصة فظيعة.»

أشارت صفية إلى نورة. «دورك.»

فكرت نورة. مرّ وجهها بمراحله المعتادة — التفكير الجاد، والترتيب الصغير، والقرار. ثم تكلمت ببطء، تمزج لغتيها كما كان الأطفال كلهم يمزجون.

«Yesterday, first, smoke come. Then, Mansoor run like crazy. After that, Malood cough. Finally… teacher John… grey.»

أومأت صفية بسعادة. «جيد! جيد جدًا!»

لم تصحح القواعد. ستصبح القواعد، مع كل رواية، أفضل قليلًا. أما القصة نفسها — فذلك كان هو المقصود. الطفلة نجحت، للمرة الأولى في حياتها الإنجليزية القصيرة، في استخدام ثلاث علامات زمنية متتابعة، ووصلت، صحيحًا، إلى النهاية.

استمر الدرس. حكى خليل نسخة أنقذ فيها، بنفسه، عصفورًا صغيرًا من الدخان — نسخة لم يتذكرها أحد غيره، لكنه قدّمها بقناعة كاملة. وحكى علي — بهدوء — نسخة بقي فيها في الداخل مع أمه. وحكت مثيلة نسخة لوّح لها فيها رجل المبيد، وهذا كان صحيحًا على الأرجح.

أما سعيد، في الخلف، فكان صامتًا.

يراقب.

يستمع.

يجمع.

Scene Four
The Maghsoob

بعد أن انتهت الحصة، لم يغادر جون.

انتظر.

وحين ركض آخر طالب خارج الباب — منصور، كما هو متوقع، يصرخ بشيء في الممر لا ينتمي تمامًا إلى صوت الداخل — التفت جون إلى ثرياء.

قال: «الآن. أخبريني الحقيقة.»

ابتسمت ثرياء بعذوبة. الابتسامة العذبة. تلك التي كتب جون في دفتره أنها لا ينبغي أن تُوثق أبدًا.

«عن ماذا؟»

قال جون: «عن شايب خلف. وعني. وعن سبب تكلمي بالعربية.»

نظرت إليه. لثانية طويلة. تفكر.

ثم — بإيماءة حاسمة صغيرة لامرأة قررت، في النهاية، أن تجامله — قالت: «تعال. لنمشي.»

خرجا يمشيان. مرا بجانب الفلج. وبجانب الأشجار. وبقيت صفية، وهي تعرف أن الحديث ليس لها، في الخلف لتنظم الكتب. فهمت أن ثرياء ستخبر جون شيئًا محددًا، بالطريقة المحددة التي كانت ثرياء تحكي بها الأشياء، وأن المشي جزء من طريقة الحكي.

وصلا إلى جدار قديم. جدار بيت طيني شديد القِدم — من النوع الذي رُمّم مرات كثيرة حتى صارت الرقع نفسها لها رقع. توقفت ثرياء.

استندت إليه بخفة. نظرت إلى الأرض. ثم نظرت إلى جون.

قالت: «الناس هنا يحبون القصص.»

أومأ جون. «لاحظت.»

وتابعت، وقد انخفض صوتها قليلًا: «والناس هنا يحبون الخوف.»

لم يعجب جون الاتجاه الذي يسير إليه الحديث.

خفضت صوتها أكثر. ذلك الانخفاض المحدد الذي يقول للمستمع: ما يأتي بعد هذا ليس للجميع، فاستمع جيدًا.

«بعضهم يقول إن شايب خلف ساحر.»

رمش جون. «ماذا؟»

قالت بوضوح، ببطء: «ساحر.»

ضحك جون. لم تكن ضحكة واثقة. كانت الضحكة الصغيرة السريعة أكثر من اللازم لشخص يحاول جاهدًا ألا يأخذ الأمر بجدية.

«هذا ليس مضحكًا.»

قالت ثرياء: «أنا لا أمزح.» كان صوتها جادًا. جادًا أكثر مما ينبغي. شعر بعموده الفقري يجري تعديلًا صغيرًا لا إراديًا.

«تقول القصة: حتى يصبح الرجل ساحرًا عظيمًا — قويًا — عليه أن يعطي واحدًا من أبنائه للشياطين. عليه أن يسلّم الطفل. فيختفي الطفل.»

توقفت. كانت الوقفة محددة. محسوبة. وقفة راوٍ.

وتابعت: «بعد سنوات… يعود الطفل. لكن ليس كطفل. يعود مغصوبًا.»

شعر جون بالبرد.

لا مجازًا. بل بردًا حقيقيًا صغيرًا محددًا مرّ خلف عنقه ونزل على كتفيه — الطريقة الخاصة التي يسجل بها الجسد قصة لا يريد أن يسجلها.

تابعت ثرياء، وصوتها أهدأ الآن: «يقولون إن المغصوب يعود مثل رجل ميت. وسخًا. ملابسه قديمة. عقله ضائع. أكلت الشياطين عقله. والناس لا يقبلونه، لأنهم… كانوا قد مات في قلوبهم، يوم أعطاه أبوه. فيبقى المغصوب يهيم. بين البيوت. وحده. بقية حياته. علامة ماشية على ما فعله أبوه ليشتري سحره.»

ابتلع جون ريقه.

همس: «ويقولون إن خلف… لديه واحد من هؤلاء الأطفال؟»

«هذا ما يقولونه. ابن. أُعطي قديمًا. والآن — في مكان ما في القرية التالية، أو ربما أبعد — يمشي مغصوب. مغبر. صامت. لا يعرفه أحد.»

خفضت صوتها درجة أخرى.

«ويقولون إن ساحرًا مثل خلف… أحيانًا… يستطيع أن يضع الكلمات في فمك.»

حدّق جون فيها.

فكر، لثانية كاملة، في ما قيل له. وفكر، لثانية ثانية، في الجمل العربية التي خرجت من فمه في الصباح السابق — جمل لا يعرفها، مصرفة بشكل صحيح، منطوقة بنبرة قرية. وفكر، لثانية ثالثة، في احتمال أن يكون الأمران متصلين.

ثم استعاد توازنه. استعاد توازنه بكل قوة عقلانيته الإنجليزية.

قال: «…أنت تمزحين.»

نظرت ثرياء إليه.

ولوقت طويل، لم يعطِ وجهها شيئًا.

ثم — ببطء، وبلا رحمة — ابتسمت.

قالت: «نعم. طبعًا أمزح.»

لم يسترخِ.

كتفاه، اللذان كانا قريبين من أذنيه خلال الجمل الثلاث الأخيرة، لم يهبطا. ونَفَسه، الذي ظل سطحيًا خلال الثلاثين ثانية الماضية، لم يعد كاملًا. مشكلة النكتة حين تُحكى بصوت منخفض جاد، بجانب جدار طيني قديم، عن أسطورة قرية لم تسمع بها من قبل، هي أن الجسد يستقبلها قبل أن يحصل العقل على فرصة التصويت.

ضحكت — الآن بحق. ضحكة ثرياء الدافئة الكاملة. «مستر جون، وجهك! تبدو كأنك رأيت الشبح مرة أخرى.»

قال: «قلتِ ذلك لي عمدًا.»

أومأت. بفخر.

«نعم.»

Scene Five
Meanwhile, Under the Trees

ليس بعيدًا — قرب الأشجار، في تلك البقعة الباردة المحددة من الظل خلف ساحة المدرسة الصغيرة — كان سعيد جالسًا مع ولدين أصغر منه.

لم يكن يلعب.

كان يتكلم.

بهدوء.

جلس الولدان الأصغر متربعين أمامه. كانا يراقبان وجهه. كان لديهما ذلك الانتباه الكامل المحدد لأطفال وُعدوا بقصة، وتعلموا — في سن السادسة تقريبًا — أن البالغين في القرية يعطونك أخبارًا، أما الأطفال من نوع سعيد الخاص فيعطونك أسرارًا، وهي أثمن بكثير.

قال سعيد — بادئًا كما يبدأ كل راوٍ جيد، بعبارة «يقولون» التي تعفي الراوي من أي مسؤولية شخصية عن الادعاء: «يقولون إن شايب خلف ساحر. قوي.»

اتسعت عيون الولدين.

تابع سعيد: «يقولون إنه منذ زمن طويل… أعطى واحدًا من أبنائه.»

همس أحد الولدين: «أعطاه إلى أين؟»

قال سعيد بهدوء صافٍ: «للشياطين. حتى يصير قويًا. ساحرًا قويًا.»

حدّق الولدان.

وتابع سعيد: «والابن رجع. لكن ليس كابن. رجع مغصوبًا. مغبرًا. فارغًا. عقله مأكول.»

همس الولد الأصغر: «أين هو الآن؟»

قال سعيد: «يمشي. في مكان ما. لا يتوقف أبدًا عن المشي.»

وقفة. ثم — الزينة التي كان سعيد يحضرها، اختراعه الخاص، لأن ثرياء لم تقل هذا الشيء تحديدًا — «وبعضهم يقول، حين يلمسك ساحر مثل خلف… يستطيع أن يضع كلمات عربية في فمك. كلمات لا تعرفها.»

همس أحد الولدين — الأصغر، صاحب الوجه الواسع المذعور: «هل وضع كلمات في فم تيتشر جون؟»

فكر سعيد في السؤال.

فكر فيه بذلك التمهل الصغير المحدد لراوٍ يزن مقدار التزامه بالادعاء. إن قال نعم، ستكبر القصة. وإن قال ربما، ستدوم القصة أطول.

اختار الخيار الأكثر بقاء.

ابتسم. ابتسامة صغيرة ذكية. «ربما.»

وجلس الولدان — يومئان ببطء، وأعينهما لا تزال واسعة — ومعهما ذلك الـ«ربما» في حضنيهما كشيء صغير، مضيء، حي. «ربما» ستسافر، مع نهاية اليوم، عبر أمهاتهما إلى جارات أمهاتهما، إلى آبائهما عند المسجد، إلى أبناء عمومتهما في المزارع البعيدة.

تحت الأشجار، اتكأ سعيد إلى الجذع. أغمض عينيه لحظة قصيرة. كان في الثامنة من عمره. وكان بالفعل — رغم أن أحدًا في القرية لم يقل ذلك بعد — كاتبًا جيدًا إلى حد بعيد. لم يكن قد تعلّم كتابة القصص، بالضبط. كان قد تعلّم أن يراقب. لكن المراقبة، إن طالت بما يكفي وصبرت بما يكفي، تُنتج قصصها الخاصة.

فتح عينيه.

نظر إلى الولدين الأصغر. وفكر فيما يضيفه بعد ذلك. كان لديه الآن حدس صغير عن اللحظة التي تكون فيها القصة قد اكتسبت وزنها الكافي تمامًا.

وقف. نفض ثوبه. ومشى — بلا عجلة، بلا إعلان — خارجًا من تحت الأشجار، نازلًا في الطريق نحو المجموعة التالية من الأطفال الذين سيكون يومهم، في رأيه، أفضل بالنسخة الصحيحة مما حدث في اليوم السابق.

Scene Six
The Afternoon of Shadows

في ذلك اليوم، كان جون... متوترًا.

قصة المغصوب، رغم أن ثرياء سحبتها رسميًا في الجملة التالية، كانت قد استقرت في داخله. في صدره. خلف عظمة القص تمامًا. في ذلك الموضع الصغير المحدد حيث تستقر القصص، متى دخلت من الزاوية الصحيحة، فيصعب جدًا اقتلاعها.

كل ظلّ، في تلك الظهيرة، بدا مريبًا.

كل صوت بدا خطرًا.

وحين قفز مالود — الذي كان، بسحر مالود الماعزي الخاص، قد وضع نفسه خلف دلو ماء في ساحة المدرسة من غير أن يلاحظه جون — قفز جون كأنه رأى أسدًا.

أسدًا حقيقيًا. قفزة كاملة، كاملة. كلتا قدميه ارتفعتا عن الأرض.

ضحكت صفية، التي رأت المشهد كله. قالت: «أنتَ تصير محليًا جدًا.»

أجاب جون، بلا أي سرور: «أنا أصير خائفًا جدًا.»

وحين مشوا عائدين إلى البيت — على الطريق المعتاد، بمحاذاة الجدران المعتادة، وتحت الأشجار المعتادة — صار جون ينظر إلى كل رجل عجوز.

إلى كل جدار.

إلى كل شجرة.

كان الأمر مرهقًا، كما لاحظت صفية. لم تقل شيئًا. فقد تعلّمت منذ زمن أن الزوج يستحق كرامة مخاوفه الصغيرة غير الضرورية، على الأقل إلى أن يتخلى الخوف عن نفسه بنفسه.

ثم رأى جون شخصًا جالسًا قرب الطريق.

عجوزًا. نحيلًا. يمسك عصًا.

شايب خلف.

توقف جون عن المشي.

لم يتوقف وفق خطة. توقف لأن قدميه توقفتا ببساطة — من غير أن تستشيراه، ومن غير أن تطلبا إذنًا، ومن غير أي موافقة من الجزء الإنجليزي في دماغه. بدا أنهما اتخذتا قرارًا نيابة عنه.

واصلت صفية المشي خطوات قليلة. ثم انتبهت.

«جون؟»

استدارت. تبعت نظره. رأت الرجل العجوز. وفهمت في ثانية واحدة الموقف كله — الليلة بلا نوم، والجمل العربية، والهمهمة بكلمة مغصوب، والآن هذا — وخطرت لها، في صمت، فكرة الزوجة الصغيرة غير المرئية: يا جون، أحقًا؟

رفع الرجل العجوز رأسه.

تلاقت أعينهما.

لم يقل خلف شيئًا. اكتفى بالنظر.

لا بعداوة. ولا ترحيب. مجرد نظر — بذلك الهدوء الخاص الذي كان لخلف، والذي كانت صفية قد لاحظت أنه طريقته الوحيدة في النظر إلى أي شيء.

أومأ جون. بأدب شديد. تلك الإيماءة الإنجليزية الصغيرة المتحفظة لرجل سمع حكاية أشباح عن شخص، ثم وجد نفسه واقفًا في طريق عام، وقرر في ثانيتين أنه سيكون مهذبًا في كل الأحوال.

أومأ خلف بدوره.

لم يحدث شيء.

لم تأتِ كلمات إلى فم جون. لا عربية. لا نبوءة. لا عبارة قديمة تصعد من مكان لا يتذكر أنه يملكه. بقي فمه مطيعًا. ووافقت قدماه — بعد توقفهما الصغير غير المصرح به — على أن تبدآ السير من جديد.

ابتعدا.

لم يتنفس جون حتى بلغا المنعطف.

ثم، عند المنعطف تمامًا، زفر — زفرة طويلة كاملة، زفرة رجل نجا لتوه من لقاء متخيل بالكامل مع خطر متخيل بالكامل.

وضعت صفية ذراعها في ذراعه. قالت برفق: «البيت.»

وافق جون: «البيت.»

في تلك الليلة، لم يستطع جون النوم.

مرة أخرى.

نظر إلى السقف. ثم إلى الباب. ثم إلى النافذة.

همس، لا لأحد: «ثرياء تستمتع بهذا أكثر مما ينبغي.»

في الخارج، كانت القرية هادئة. في الداخل، لم يكن خياله كذلك.

أغمض عينيه. وهناك، في الطيّة الصغيرة بين اليقظة والنوم، حلم.

حلم برجل مصنوع من الغبار، يخرج من قبر عند نهاية طريق طويل — ذلك الطريق الطويل تحديدًا الذي يمتد من طرف القرية نحو المزارع. كان الرجل طويلًا. نحيلًا. يمسك عصًا. ثيابه قديمة. وجهه كان وجه شايب خلف نفسه، لكنه أشحب — وأكثر غبارًا — وأكثر حضورًا من الناس الحقيقيين حين يكونون موجودين فعلًا، كما يحدث في الأحلام. وكان الرجل، في الحلم، يتكلم. يتكلم بهدوء. بإنجليزية مثالية. «صباح الخير، معلم جون. كنت أنتظر. لدي شيء أخبرك به.»

استيقظ جون.

جلس في السرير.

نظر إلى صفية. كانت نائمة بسلام. ووشاحها ما يزال مطويًا.

عاد فاستلقى. حدّق في السقف. راقب التحولات البطيئة لسعف النخل فوقه حتى جاء النداء الأول للفجر من المسجد — وحتى حينها، لم ينم.

في اليوم التالي في المدرسة، دخل جون يحمل كوبًا صغيرًا من القهوة في يده، وعيناه محمرّتان.

لاحظ أحمد فورًا. «معلم... أنت تعبان؟»

قال جون: «نعم. جدًا.»

ابتسم منصور تلك الابتسامة العارفة الخاصة بطفل في الثامنة، وقد سمع بطريقة ما نسخة من حديث الأمس عن المغصوب عبر قنوات المعلومات القروية التي لا يستطيع أي بالغ أن يرسم خريطتها بدقة.

«أنت خايف؟»

كذب جون: «لا.»

وفي الخلف، قرب الباب، كان سعيد — الولد الذي يجمع الأسرار كما تُجمع الكنوز، الولد الذي صارت كلمة ربما الخاصة به تسافر الآن في القرية في قطع صغيرة مضيئة — يراقب.

ويبتسم.

قليلًا فقط. — Palm Twelve / النخلة 12 —

··
PALM TWELVE · A Ring, a Goat, and an Apology
Palm
Palm Twelve
A Ring, a Goat, and an Apology
Scene One
Too Quiet a Morning

بدأ اليوم بهدوء.

بهدوء أكثر مما ينبغي.

كان جون أول من لاحظ ذلك، وهذا وحده جعله يرتاب.

قرية سمائل كانت عادة تستيقظ على الضجيج. تستيقظ على ذلك الضجيج المتراكب الخاص: أطفال يركضون فوق الرمل، وماعز تجادل الجدران المنخفضة التي تحاول احتواءها، وصوت شخص ينادي شخصًا آخر من فناء إلى فناء، ونساء يدققن الحبوب، وأبواب تُفتح وتُغلق، ودائمًا، بثبات وبلا فشل، منصور يفعل شيئًا في مكان ما كان ينبغي ألا يفعله.

لكن هذا الصباح، لم يكن هناك إلا صوت الطيور، والهمس الناعم المتصل لماء الفلج.

لا شيء غير ذلك.

كانت صفية جالسة قرب المرآة الصغيرة، تعدّل وشاحها. كانت تتحرك ببطء. وبهدوء. كما يتحرك المرء حين يريد لليوم أن يبقى مسالمًا — كأن السكينة عصفور صغير قد يطير لو تحركتَ فجأة.

كان جون يكتب شيئًا في دفتره. كان يدوّن الملاحظات الصغيرة لرجل بدأ، من غير قصد، يحتفظ بيوميات. لم يكن قد خطط لهذا. غير أن القرية حوّلته بهدوء، ومن غير أن تستأذن، إلى شخص يكتب الأشياء عند الإفطار.

وصلت ثرياء بعد دقائق قليلة، تحمل كتبًا وتبتسم.

قالت: «صباح الخير.» وانتقلت عيناها، سريعًا، من وشاح صفية المرتب بعناية إلى دفتر جون نصف الممتلئ. «تبدوان... مرتاحين أكثر مما ينبغي.»

رفع جون رأسه. «نعم. وهذا يقلقني.»

ضحكت صفية. «أنت تصير محليًا جدًا.»

أدركت أنها صارت نكتة صغيرة جارية بينهما. أنت تصير محليًا جدًا. كانت تستخدمها منذ أسبوعين. وفي كل مرة كانت تعني شيئًا مختلفًا قليلًا. اليوم كانت تعني: صرت تشك حتى في السلام نفسه. وكان ذلك، كما كان عليها أن تعترف، موقفًا سمائليًا جدًا.

مشوا معًا إلى المدرسة.

تبعهم مالود، الجدي الصغير — الذي صار، بموجب اتفاق غير مفهوم لم يوقّعه أحد رسميًا، العضو الرابع الصغير في مجموعة سيرهم — مثل غيمة بيضاء صغيرة لها أرجل.

لم يدعه أحد.

ولم يستطع أحد إيقافه.

كان الطريق أهدأ من المعتاد. حيّتهم امرأة من عتبة باب. وانطلق صبي يحمل خبزًا في يديه عائدًا إلى البيت. والفلج، كعادته، واصل همسه. لكن صباح القرية الكثيف المتداخل — ذلك الشيء الذي تفعله القرية كل صباح — لم يكن يحدث.

واستمر الهدوء، لأسباب لم يستطع جون أن يصوغها لكنه بدأ يقبلها، يبدو كأنه وعد بشيء ما.

Scene Two
The Discovery

مرت الحصتان الأوليان بشكل طبيعي.

طبيعي أكثر مما ينبغي.

أنجز الطلاب عملهم. حتى منصور لم يتسبب إلا في مشكلتين صغيرتين — عدد قليل إلى درجة أن صفية، حين لاحظت، احتفظت له في رأسها بعدّ صغير، كما قد يعدّ طبيب نبض مريض منخفضًا. واحدة: قلب لوحه. اثنتان: قال لعلي إن خطه يشبه شجار نملة. هذا كل شيء. وبمقاييس منصور، كان ذلك شبه سلوك حسن.

ثم، أثناء الفسحة، نهضت صفية لتغسل يديها قرب جرة الماء في زاوية الصف.

توقفت.

نظرت إلى يدها.

نظرت مرة أخرى.

ثم تجمدت — بذلك السكون الصغير المحدد لشخص توقف صباحه، في لمحة واحدة، عن أن يكون صباحًا عاديًا.

قالت ببطء، وكل كلمة منفصلة: «خاتمي.»

استدارت ثرياء. «ماذا؟»

«خاتمي. ليس هنا.»

تفقدت صفية يدها الأخرى. كانت الأصابع موجودة. وكان الإصبع موجودًا. وكانت الدائرة الصغيرة الباهتة، الغائرة قليلًا، من الجلد، أفتح من بقية اليد، موجودة. لكن الخاتم نفسه — الحلقة الذهبية — لم يكن موجودًا.

فتشت جيبها. ثم حقيبتها. ثم، بذلك الذعر الصغير الخاص بامرأة فقدت الخاتم نفسه مرة من قبل، فتشت حقيبتها مرة أخرى.

لا شيء.

وقف جون فورًا. «أي خاتم؟»

قالت صفية: «خاتمي. الذي من أمي.»

صمت.

حتى منصور شعر أن الأمر جاد. كان، قبل ثانية، يستعد لإطلاق نكتة — كانت صفية ترى النكتة تتشكل على فمه الصغير — لكنه ابتلعها إلى الداخل. بلعة طفل في العاشرة قرأ الجو، مرة واحدة في حياته، قراءة صحيحة.

اقتربت ثرياء. «هل أنتِ متأكدة أنك لبستِه اليوم؟»

قالت صفية: «نعم. أتذكر. رتبت وشاحي. رأيته في المرآة.»

تذكرت اللحظة بدقة. تذكرت أنها فكرت، كما فعلت في صباحات كثيرة منذ وفاة أمها: الخاتم. ما زال هناك. جيد. كان واحدًا من تلك التسجيلات الصغيرة التي تحدث تحت سطح الصباحات، كل صباح، تلقائيًا.

تغير وجه جون. لم يتحول إلى ذعر. بل إلى تركيز تحقيقي خاص برجل كان، في حياة أخرى، بارعًا جدًا في العثور على أشياء أضاعها الناس. «حسنًا. لا يهلع أحد. سنجده.»

رفع منصور يده. ببطء. وعلى نحو شبه متردد. إشارة ولد خطر له حل يعرف أن أحدًا لا يريد سماعه.

«معلم... يمكن مالود أكله؟»

استدار الجميع. ببطء.

كان مالود واقفًا قرب باب الصف. داخل مثلث الشمس الصغير الداخل من الفجوة أسفل الباب. كانت وقفَته وقفة جدي قضى الصباح كله يهتم بشؤونه الخاصة.

يمضغ.

شيئًا ما.

حدق الجميع.

قفز قلب صفية. «مالود! لا، لا، لا...»

مشت نحوه. ببطء. ذلك الاقتراب البطيء الخاص بامرأة تحاول ألا تفزع حيوانًا صغيرًا صارت تحتاج تعاونه فجأة وبإلحاح.

توقف مالود عن المضغ.

ثم — باتخاذ القرار المتمرّس غير النادم لجدي قرر أن السلامة شأن يخص الماعز والناس الآخرين — ركض.

Scene Three
The Chase

ركض مالود كأنه سرق تاج الملك.

لم يركض في خط مستقيم. ركض بذلك التعرج الخاص الذي تركض به المخلوقات الصغيرة المطاردة حين تريد، بإلحاح، ألا تُمسك.

ركض الأطفال خلفه.

كلهم. دفعة واحدة. بالغريزة الجماعية الخاصة بصف كان، في جيبه، طوال صباحات شهرين، يأمل سرًا أن يحدث هذا الشيء بالضبط يومًا ما.

«أمسكوه!»

«أكل الخاتم!»

«توقف، مالود!»

ركض جون أيضًا. ركض ممسكًا بسرواله — لأن سروال جون، في مناخ القرية الدافئ، كانت له عادة صغيرة موثوقة بأن يرتخي في أسوأ اللحظات الممكنة — ولم يكن، في تلك اللحظة تحديدًا، يريد أن يُذكر في القرية بوصفه المعلم الإنجليزي الذي طارد جديًا بلا سروال.

صرخت ثرياء من الخلف — بصوت المعلمة الهادئ الخاص الذي يُسمع واضحًا فوق أي فوضى — «انتبهوا!»

قفز مالود فوق جدار صغير.

قفز الأطفال أيضًا. بسهولة. بتلك القفزة القصيرة الأرجل للأولاد والبنات الذين ظلوا يقفزون فوق هذه الجدران بالضبط منذ استطاعوا المشي، والذين امتصت أجسادهم الفن منذ زمن.

حاول جون.

لم يقفز.

تسلق.

ببطء.

بحذر.

بالتسلق الوقور المتحفظ الخاص برجل إنجليزي طويل بالغ، قبل أخيرًا أن جسده ليس جسد قرية، وأن بعض الجدران، بالنسبة إليه، جبال.

وحين وصل إلى الجهة الأخرى — يلهث، ويتعرق، وسرواله ما يزال من الناحية التقنية في مكانه — كان مالود قد اختفى.

بحثوا قرب الأشجار.

قرب الفلج.

قرب الحقول الصغيرة عند طرف القرية، حيث كانت خضروات العمة عزيزة تنمو في صفوف صغيرة صبورة.

لا شيء.

لا غيمة بيضاء. لا صوت مضغ. لا هيئة صغيرة مالكة لنفسها فوق أي جدار.

بدت صفية كأنها تريد البكاء. ليس تمامًا. تقريبًا. ذلك الشدّ الصغير السابق للبكاء لدى امرأة كان غرضها الوراثي المهم الوحيد في الجهاز الهضمي للص صغير ذي قرنين.

وضعت ثرياء يدها على كتف صفية. يد صديقة ثابتة، دافئة، محددة. «سنجدها.»

ثم قال صوت صغير — بهدوء شديد، من مكان قرب كتلة الأطفال الواقفين عند حافة الطريق —

«...يمكن شايب خلف.»

استدار الجميع.

كان أحد الأولاد الأصغر. واحدًا لم تكن صفية تعرف اسمه بعد — طفلًا صغيرًا واسع العينين، بوجه جاد وثوب مغبر.

كبرت عينا منصور. «نعم! شايب خلف!»

همس ولد آخر: «يحب الأشياء اللامعة.»

قالت بنت، من غير أن تقصد تقريبًا، الكلمة: «هو... ساحر...»

وأضافت بنت أخرى: «وولده مغصوب.»

شعر جون ببرد.

ذلك البرد الصغير المحدد الذي شعر به أول مرة حين ذكرت ثرياء كلمة مغصوب قرب الجدار القديم. البرد الذي لم يكن في حقيقته متعلقًا بصدق أي شيء — فهذا، في النهاية، كان مزاح ثرياء — بل بالطريقة التي لا تغادر بها القصص، متى دخلت جسدًا صغيرًا، تمامًا.

نظرت صفية إلى ثرياء بسرعة. «هم لا يقصدون ذلك فعلًا... صحيح؟»

ترددت ثرياء.

قليلًا فقط.

أصغر تردد في العالم. ربع ثانية. أقل.

لاحظه جون.

وهذا جعل كل شيء أسوأ.

Scene Four
The Rumour

بحلول وقت الغداء، كانت القصة في كل مكان.

هاجرت — عبر القنوات الصغيرة التي تحمل كل معلومات القرية المهمة، وهي أفواه الأطفال، وعتبات الأمهات، وشاي الرجال عند دكان سادو، وأحاديث النساء عند الفلج — حتى صار لدى القرية كلها، في حوالي الثانية عشرة والنصف، مجموعة الجمل نفسها متاحة في أربع أو خمس نسخ مختلفة قليلًا.

«شايب خلف أخذ الخاتم.»

«مالود يعمل معه.»

«يستخدم السحر.»

«ولده مغصوب. باعه للسحر منذ زمن.»

لم يقل سعيد شيئًا.

كان يستمع فقط.

ويتذكر.

كان، مرة أخرى، جالسًا في مكانه الهادئ المعتاد — هذه المرة تحت شجرة الغاف الصغيرة خلف ساحة المدرسة، وحقيبته على ركبتيه، وعيناه تنتقلان بين مجموعات الأطفال الآخرين وهم يعيدون ترتيب القصة، رواية صغيرة بعد أخرى. بدأت صفية تفهم أنه ليس مجرد جامع أسرار. كان مفهرسًا لها. بدا أنه يتذكر كل نسخة.

حاولت صفية أن تبقى هادئة. أبقت وجهها متماسكًا. وساعدت ثرياء على مواصلة الدرس. بل ابتسمت مرة لمنصور — ابتسامة صغيرة هادئة احتاجت في تلك اللحظة إلى جهد حقيقي.

لكن جون كان يرى أنها قلقة.

ليست مذعورة. قلقة. ذلك القلق المحتوى الخاص بامرأة تبذل جهدها لتؤدي دور التماسك، بينما تقيس في سرها، في الداخل، مقدار الألم الذي تشعر به تجاه الفقد.

أما جون — جون فكان غاضبًا.

قال لثرياء بهدوء، وهما واقفان عند طرف الساحة: «هذا جنون. نحن نتهم رجلًا عجوزًا لأن جديًا غبي.»

عطس مالود — الذي كان قد عاد في وقت ما خلال الساعة الماضية، وجلس الآن في ظل الجدار المنخفض بذلك الرضا الخاص بجدي لا يملك ما يعترف به.

أشار جون إلى الجدي. «أترين؟ حتى هو يوافق.»

تنهدت ثرياء. كان تنهدًا طويلًا. أقدم من الصباح. تنهد معلمة قرية محدد، ظلت ترى هذا النمط نفسه طوال حياتها: شيء ضائع → يُلام رجل عجوز.

قالت: «الناس هنا، حين يضيع شيء... يبحثون عن القصص قبل أن يبحثوا عن الحقائق.»

نهضت صفية، وكانت تستمع.

قالت بهدوء لكن بحزم: «إذن، فلنبحث عن الحقائق.»

Scene Five
The Visit

مشوا إلى طرف القرية.

لم يقترب الأطفال.

بقوا بعيدًا. يراقبون. تجمعوا في صف فضفاض حذر عند نهاية الطريق — منصور، وخليل، وعلي، والأولاد الصغار، ومثلث البنات، وسعيد في الخلف — وكلهم ملتزمون، كما يلتزم جمهور بمسرحية سمع حبكتها سلفًا، بأن يشهدوا المواجهة.

كان بيت شايب خلف صغيرًا.

مصنوعًا من الطين. ذلك الطين الهادئ الخاص بالبيوت العمانية القديمة — الطين المخلوط بالتبن، والجدران المرقعة ثم المرقعة مرة أخرى، والباب أزرق بسيط مهترئ صار، بعد سنوات كثيرة، أقرب إلى الرمادي منه إلى الأزرق.

هادئ.

شعر جون بقلبه يخفق أسرع.

لم يكن يريد أن يكون هنا. كان، بنشاط كامل، لا يريد أن يكون هنا. قضى الطريق وهو يقول لنفسه، بصرامة متزايدة، إنه لا يخاف من الرجال العجائز. وأنه معلم إنجليزي. وأنه جاء إلى هذا البلد مع زوجته. وأن الخاتم، في كل احتمال، يعود إلى المجرم القروي الصغير الشاحب النائم قرب الجدار المنخفض، لا إلى رجل عجوز قضوا الصباح وهم يشهرون به.

طرقت ثرياء.

لا شيء.

طرقت مرة أخرى.

انفتح الباب — ببطء. بذلك الهدوء غير المستعجل نفسه الذي انفتح به في المرة السابقة. كان خلف واقفًا هناك.

نحيلًا. هادئًا. يمسك عصاه.

قال: «نعم؟»

تحدثت ثرياء برفق. بصوتها العربي الحذر الخاص بشخص أصغر يخاطب كبيرًا ترى أن صبره طُلب منه أكثر مما يكفي هذا اليوم.

«مساء الخير، عمي. نعتذر على الإزعاج.»

نظر إلى جون.

ثم إلى صفية.

ثم إلى مالود — الذي كان قد تبعهم بلا إذن، وجلس الآن بجانب كاحل جون، متماسكًا وغير مكترث.

توقفت عيناه عند مالود.

قال خلف، ببرود مسطح: «...هذا الجدي. دائمًا جوعان.»

ابتلع جون ريقه.

كان في صوت الرجل العجوز، كما فكر جون، شيء محدد — ليس انزعاجًا، ولا لومًا، بل تعرفًا مرهقًا لرجل سبق له، عدة مرات في حياته الطويلة، أن تتبع مشكلة صغيرة في فناء بيته حتى وجدها تنتهي عند حيوان أبيض صغير لا يخصه.

شرحت ثرياء — بحذر واحترام. «صوفيا فقدت خاتمها. والأطفال... خائفون أنه جاء إلى هنا.»

تغير وجه خلف.

لا غضب. لا خوف. لا دهشة.

مجرد... تعب.

تعب موروث محدد لرجل — فهمت صفية، بوضوح مفاجئ كامل ومؤلم — اتُّهم بأشياء كثيرة عبر سنوات كثيرة، بسبب أشياء كثيرة ضاعت من أناس كثيرين في قرية قررت، منذ زمن بعيد، أنه حين يحدث شيء-مفقود، فإن أول اسم يُمدّ إليه اليد هو اسمه.

قال: «أنا لم آخذ شيئًا.»

كانت الجملة هادئة. وكانت أيضًا، كما لاحظت صفية، جملة قالها من قبل. ربما مرات كثيرة. جملة لها عنده نعومة حجر ظل يُقلَّب في الجيب مرة بعد مرة.

شعرت صفية بالخجل.

قالت بسرعة: «نحن آسفون. كنا فقط... نريد أن نسأل.»

أومأ خلف. مرة واحدة.

«يمكنكم أن تنظروا.»

تنحى جانبًا، بلا مراسم، وتركهم يرون الداخل.

نظروا.

كان البيت بسيطًا. حصير على أرضية ترابية مدكوكة — البساط، ناعمًا من كثرة الاستعمال في المواضع المحددة التي جلس عليها رجل طويل نحيل سنوات كثيرة. قدر. مجموعة صغيرة من الثياب معلقة على خطاف. جرة ماء من طين. رف صغير عليه ثلاثة كتب — استطاعت صفية أن ترى، على كعب أحدها، التجليد القديم ذي الخيط الذهبي لمصحف قديم. لا شيء غير ذلك. لا أشياء لامعة. لا حلي. لا خاتم.

لا خاتم.

شعر جون بالارتياح.

وبالذنب.

كلاهما في وقت واحد — ذلك الشعور المختلط الخاص بشخص اقتنع جزئيًا، خلال الساعات الأربع الماضية، بقصة ما، ثم اكتشف الآن، وهو واقف في غرفة هادئة بسيطة للرجل الذي دارت عنه القصة، أن الغرفة مجرد — غرفة.

غرفة رجل عجوز. فيها بساط، وقدر، وثلاثة كتب، ولا خاتم.

Scene Six
The Truth and the Apology

حين عادوا يمشون على الطريق، كان سعيد ينتظر.

لم يكن مع مجموعة الأطفال الرئيسية. كان، بطريقة ما، أمامهم — جالسًا على جدار منخفض عند منعطف الطريق، وحقيبته على ركبتيه، يراقب اقتراب البالغين الثلاثة بهدوئه المعتاد المتماسك.

لم يبتسم. لم يمزح. ولم — بخلاف منصور، الذي كان سيفعل — يطلب الانتباه.

وقف فقط. وانتظر حتى وصلوا إليه. ثم تكلم.

قال سعيد: «مالود كان يمضغ شيئًا أبيض هذا الصباح.»

تجمد الجميع.

استدار جون ببطء.

«أبيض؟»

أومأ سعيد. «قرب الحجر الكبير. ثم ركض.»

نظر صفية وجون وثرياء بعضهم إلى بعض. طوال ثانية كاملة، لم يتكلم أحد. ثم استدار الثلاثة، من غير تشاور، ومن غير كلمة، ومشوا — بسرعة — في اتجاه الحجر الكبير.

ركضوا.

وجدوا مالود.

نائمًا. بسعادة شديدة. في نوم ما بعد الغداء الخاص بحيوان صغير أكل، قبل وقت غير بعيد، شيئًا استمتع به كثيرًا.

رفعه جون.

قال: «آسف يا صديقي» — وخرجت كلمة صديقي، حين طُبقت على جدي، من فمه وفيها نغمة دهشة صغيرة، كأن مفرداته اتخذت قرارًا من غير أن تستشيره — «هذه... تحقيق.»

انتظروا.

وانتظروا.

وانتظروا.

وكانت، كما ستتذكر صفية لاحقًا، أطول خمس عشرة دقيقة في يومها. كانوا قد تجمعوا في دائرة احتفالية صغيرة حول مالود — الذي صار مستيقظًا الآن، وقد وضعوه على الأرض المدكوكة، وكان، بهيئة جدي لا يعرف ما الذي يحدث حوله ولا ينوي أن يكتشف، يقضم ورقة يابسة.

أخيرًا —

صرخت صفية.

«خاتمي!»

كان متسخًا. متسخًا جدًا. كان قد — عبر عمليات لن تصفها صفية في أي رسالة إلى بيتها — تحوّل تمامًا خلال مروره في مالود. لكنه كان هناك. كان، بلا أي لبس، خاتمها.

أغمض جون عينيه. كان وجهه يحمل تعبير رجل ظل، خلال الساعات الأربع الماضية، يكتب في سره فلسفة شخصية جديدة عن الماعز، ثم يمحوها، ثم يعيد كتابتها، وقد وصل في هذه اللحظة إلى مسودتها النهائية.

قال بهدوء وباقتناع عميق: «أنا... لن أقول شيئًا سيئًا عن الماعز مرة أخرى.»

بدا مالود فخورًا.

وقف. تمدد. مشى، بلا عجلة، في دائرة صغيرة وقورة. بدا، في رأي صفية، كبطل حرب صغير يتسلم وسامًا.

كان الأطفال قد تجمعوا. سمعوا الصرخة. ووقفوا الآن في قوس حذر يراقبون.

لم يضحك أحد.

ولا حتى منصور.

حملت صفية الخاتم في كفها. نظرت إلى ثرياء.

«كدنا نلوم رجلًا بريئًا.»

أومأت ثرياء بهدوء. «هذا يحدث كثيرًا.»

قال جون بصوت خفيض: «علينا أن نصلح هذا.»

عادوا، ثلاثتهم، إلى بيت شايب خلف. كان الخاتم المنظف في كف صفية. غسلته مرتين. وغسلته، بلا ضرورة، مرة ثالثة. عاد لامعًا. وجلس في إصبعها، حيث ينتمي، ولم تعد يدها أخف من المعتاد.

طرقوا.

فتح خلف الباب. كان وجهه، حين رآهم، الوجه نفسه الذي أراهم إياه قبل ساعتين — متعبًا، هادئًا، وغير متفاجئ على الإطلاق.

تكلمت صفية أولًا.

«نحن آسفون جدًا.»

وأضاف جون — بوضوح وبعناية، حتى تصل الجملة — «صدقنا قصة. لا الحقيقة.»

نظر إليهم خلف لحظة طويلة. تلك اللحظة الطويلة الهادئة الخاصة برجل عجوز يقرر ما يقول.

ثم قال: «الناس يفعلون ذلك دائمًا.»

استدار. فهموا أنه على وشك أن يغلق الباب. لكن — في اللحظة الأخيرة، بذلك اللين الصغير المفاجئ الخاص برجل لم يكن ينوي أن يمنحهم شيئًا آخر — توقف.

استدار مرة أخرى.

«لكنكم عدتم.» التقت عيناه بعيني صفية. ثم بعيني جون. ثم بعيني ثرياء. «وهذا... شيء.»

أغلق الباب. برفق.

في ذلك المساء، كان جون صامتًا. وكانت صفية صامتة. وكانت ثرياء مفكرة. كانت القرية، من حولهم، عادية من جديد — الفلج يواصل همسه، والمساء يستقر في ساعته الذهبية، وأصوات العشاء الصغيرة تبدأ في البيوت الأخرى.

لكن شيئًا ما تغيّر.

في تلك الليلة، عند الطاولة الخشبية الصغيرة، كتب جون في دفتره. كتب، بخط معلم دقيق، جملة واحدة:

اليوم، تعلمنا شيئًا أهم من الإنجليزية.

وفي جزء آخر من القرية — تحت شجرة الغاف نفسها التي ألقى تحتها قصص الأمس — كان سعيد جالسًا مع الولدين الصغيرين نفسيهما اللذين استمعا ذلك الصباح إلى «ربما» الخاصة به. كان يخبرهما شيئًا مختلفًا الآن. كان يخبرهما بالتصحيح. كان يخبرهما، بصوته الهادئ الذي يستخدمه لكل جمله المهمة —

«القصص قوية. لكن الحقيقة أقوى.»

ومالود؟ كان مالود نائمًا.

يحلم، كما تخيلت صفية، بوجبته التالية. — Palm Thirteen / النخلة 13 —

PALM THIRTEEN · The Yellow Mask Disaster
Palm
Palm Thirteen
The Yellow Mask Disaster
Scene One
A Personal Attack from the Sky

لم تكن شمس سمائل تستيقظ برفق.

كانت تهاجم.

بحلول الثامنة صباحًا، كانت القرية قد بدأت تتوهج — تتوهج، وتلمع، وبذلك التهديد الناعم الخاص الذي لا تتقنه إلا شمس الصحراء، تهدد في صمت كل من نسي قبعة، أو وشاحًا، أو شيئًا من المنطق.

كانت صفية — وعند هذه النقطة من قصة حياتها، صارت صفية تمامًا، في كل مكان، حتى في رأسها — واقفة أمام المرآة الصغيرة في بيتهما البسيط، تلمس وجهها بحذر.

كانت تتحقق. انتقلت أطراف أصابعها من جبينها إلى وجنتيها إلى البقعة الرقيقة من الجلد تحت عينيها مباشرة. كل لمسة صغيرة أنتجت انتفاضة صغيرة صغيرة. أدركت أن وجهها لم يعد وجه امرأة تعيش داخل البيوت.

قالت — ببطء، لانعكاسها، لأن جون كان في الخارج — «أظن أن وجهي... يُطبخ.»

كانت كلمة يُطبخ سخية. ففي المرآة الصغيرة، كان وجهها بالدرجة المحددة من الأحمر التي لا تبلغها الطماطم إلا بعد أن تُترك عمدًا في مقلاة على نار هادئة مدة أطول مما قصد أي أحد.

في الخارج، كان جون يتعرق بالفعل ويتظاهر بأنه لا يتعرق. وكانت هذه موهبة إنجليزية محددة — فن التظاهر بأن المرء لا يتعرق بينما هو، في الحقيقة، يعرق من ظهر قميصه. وقف في بقعة الظل الصغيرة بجانب الباب وحاول، بلا نجاح، أن يبدو باردًا.

قال بجدية، كأنه يخاطب مجلسًا: «هذه ليست شمسًا. هذا هجوم شخصي من السماء.»

في ساحة المدرسة، وصلت ثرياء كعادتها. هادئة. مستعدة. غير منزعجة. كما لو أن — ولا يمكن التأكد من هذا، لكن صفية بدأت تشك — الشمس، في وقت ما خلال السنوات الأربعين الماضية، وقعت معها اتفاق سلام خاصًا صغيرًا، ووافقت على أن تتركها وشأنها.

وخلفها جاءت فتكات — مليئة بالطاقة، ترتدي ملابس الرياضة، وتحمل صافرتها حول عنقها كسلاح ذي أهمية كبيرة.

قالت فتكات بصوت عالٍ، وهي تروّح على نفسها بيدها الحرة: «يا بنتي، هذه الشمس ليست طبيعية. هذه الشمس تحتاج تأديبًا.»

نظرت صفية إليها. وكانت يدها قد صعدت مرة أخرى إلى خدها.

«وجهي كأنه نار.»

لمست فتكات خدها هي أيضًا. ثم، وكأنها تؤكد تشخيصًا، فعلت ذلك مرة ثانية.

«أنا كذلك. انظري.» مالت بوجهها نحو صفية. «نحن... حمراوان.»

وقفتا معًا في بقعة الظل الصغيرة بجانب جدار المدرسة. تفحصتا وجنتي بعضهما — بجدية ووقار — كطبيبتين لا تملكان بينهما شهادة واحدة، ومع ذلك عندهما استعداد عظيم للتشخيص.

مر جون بجانبهما. نظر إليهما. فكر لحظة في ما إذا كان ينبغي أن يقول شيئًا. ثم قاله على أي حال.

اقترح: «أنتما الاثنتان تبدوان كطماطم ذهبت إلى الشاطئ.»

ضحكت ثرياء. وقالت لصفية، على سبيل المساعدة: «تحتاجين شيئًا لبشرتك.»

لمعت عينا فتكات — ذلك اللمعان المفاجئ الخاص بامرأة كانت تنتظر هذه الفتحة بالضبط، وكانت توصيتها جاهزة منذ حوالي خمس عشرة دقيقة.

«هناك مرهونة. تعمل أقنعة جيدة. تقليدية حقيقية.»

صفقت صفية. «عناية بالبشرة!»

رفع جون حاجبًا واحدًا. ذلك الحاجب الخاص بإنجليزي شهد، في لحظات سابقة عدة من حياته، حماس زوجته لعلاج تجميلي قروي جديد، وكانت لديه أسباب للقلق.

قال: «كوني حذرة. ربما البشرة لا توافق.»

تجاهلاه.

وسيتبين أن ذلك كان خطأ.

Scene Two
The Salon of Marhoona

لم يكن مكان مرهونة صالونًا حقًا.

كان غرفة صغيرة. في بيت صغير. عند نهاية طريق صغير في الجهة البعيدة من القرية، بعد بيت العمة عزيزة بقليل، وقبل أن ينعطف الطريق نحو المزارع. كان الباب بالأزرق المطلي نفسه الذي تلبسه كل أبواب سمائل. أما الغرفة خلف الباب فكانت من النوع الذي لم يُدعَ صالونًا في حياته قط، وكانت حتى وقت قريب تُسمى مخزنًا، وقبل ذلك تُسمى غرفة خلفية، وفي نقطة قديمة جدًا كانت زاوية من مطبخ جدة أحدهم.

في الداخل: حصير. ومرآة مستديرة صغيرة بإطار فضي فقد معظم فضته. وكثير من الثقة.

أما مرهونة نفسها فكانت امرأة في نحو الخمسين — قصيرة، متينة، بأطراف أصابع ملوّنة بالحناء، وبسلطة هادئة محددة لامرأة ظلت، طوال نحو ثلاثين سنة، الكلمة الأخيرة في القرية في أي شأن يتعلق بالشعر، أو البشرة، أو تجهيز العروس، أو إزالة الشعر غير المرغوب فيه.

نظرت إلى وجه صفية. ثم إلى وجه فتكات. وأومأت — ببطء — كقاضٍ حكيم يصل إلى حكمه.

قالت: «شمس. كثير.»

وكان ذلك، كما ستلاحظ صفية لاحقًا، تشخيصًا غير خاطئ.

بدأت مرهونة تخلط أشياء في وعاء طيني صغير. كانت تتحرك بسرعة — تلك السرعة المتمرسة الخاصة بامرأة فعلت هذا مرات كثيرة — وتسمي مكوناتها وهي تسقطها في الوعاء، كما قد يسمي طاهٍ بهاراته لزائر.

«صندل. زعفران.»

ابتسمت.

«جيد جدًا للبشرة.»

وضعت القناع على وجه صفية — تفرده بالضغط الدافئ الثابت لأصابع وضعت هذا الخليط نفسه مئات المرات. ثم على وجه فتكات. أُمرتا بأن تبقيا عيونهما مغمضتين. وأُمرتا أن تنتظرا.

أغمضتا عيونهما.

وانتظرتا.

وانتظرتا.

وانتظرتا.

كانت الرائحة لطيفة. وكان الصندل يدفئ بشرة صفية. أما الزعفران — ولم تكن قد شمّت الزعفران بهذه القوة من قبل خارج المطبخ — فكان عميقًا وعطريًا. شعرت، كما ظنت، أن القناع يعمل — ذلك الشد الخفيف في بشرتها، وذلك الأثر البارد الصغير، وذلك الإحساس الصغير بأنها تُعالَج.

بعد ما بدا أنه المدة الصحيحة — وكانت مرهونة تتتبع الوقت بساعة داخلية لا آلية ظاهرة لها — مسحت مرهونة القناع.

ناولت صفية المرآة الصغيرة الخالية من الفضة.

فتحت صفية عينيها.

نظرت.

صرخت.

فتحت فتكات عينيها هي أيضًا. نظرت إلى صفية. قالت بهدوء، وبدهشة حقيقية: «يا رب.» ثم خطفت المرآة بنفسها. نظرت. «يا رب!»

كانت وجهاهما...

أصفرين.

أصفرين جدًا.

كالليمون.

بل — كما ستدقق صفية الوصف لاحقًا في رأسها — كليمون حزين جدًا. ذلك النوع من الليمون الذي كان، في مرحلة ما، متحمسًا لمسيرته الليمونية، ثم أُخبر أنه لن يُستخدم في كعكة، ولا في شراب، ولا في تتبيلة، بل سيُعصر ويُترك في وعاء على الطاولة ويُنسى لساعات عدة.

لمست صفية خدها. وقالت ببطء، لا لأحد بعينه: «لماذا... صار لوني لون موزة؟»

كانت فتكات أعلى صوتًا. «يا رب! أنا أشبه علامة تحذير!»

قالت مرهونة بهدوء: «سيزول.»

لم يساعد ذلك.

Scene Three
The Return

عادتا إلى المدرسة.

بحذر.

ببطء.

تأملان ألا يراهما أحد.

أدركت صفية، بعد أول خمسين خطوة فقط، أن هذا الأمل أحمق. رآهما الجميع. فالقرية، في منتصف النهار، عام 1973، في مستوطنة زراعية صغيرة كان أكثر خبر مثير في أي أسبوع فيها عادة هو: بقرة من أعطت حليبًا أكثر، لم تكن من النوع الذي تمر فيه امرأتان صفراوان بلا ملاحظة.

رأتهما امرأة عند عتبة باب. لم تتكلم. توقفت فقط عن الكنس، وأسندت مكنستها إلى الجدار، وراقبتهما تمران باهتمام لا يرمش، اهتمام شخص يكتب في ذهنه، في الوقت الحقيقي، القصة التي سترويها لأختها بعد الظهر.

رآهما ولد يحمل خبزًا. توقف عن المشي تمامًا. حدق. نسي أمر الخبز. تدلى الخبز من يده بزاوية قلقة.

وراقبهما رجل عجوز، جالس على الجدار المنخفض الذي يحدد طرف المزارع، وهما تقتربان. راقبهما تمران. راقبهما تبتعدان. ثم، حين انعطفتا عند الزاوية، نادى — من غير أن يدير رأسه — شيئًا لجاره في الفناء التالي، جملة تحتوي كلمة موزة ونبرة استفهام صغيرة.

كان جون أول شخص في المدرسة يراهما. وكان أول شخص، كما حدث، لأنه كان واقفًا في باب الصف، ينتظر عودتهما، يشرب كوبًا صغيرًا من ماء فاتر، ويشعر — لأن زوجته في موعد عناية بالبشرة مع معلمة الرياضة — بقدر غير معتاد من الهدوء.

استمر الهدوء حتى ظهر اللون الأصفر من خلف الزاوية.

توقف.

نظر.

وضع الكوب على حافة النافذة بحذر شديد. لم يكن يريد، إذا كان على وشك أن يفعل ما كان على وشك فعله، أن يسكبه.

ثم سقط على كرسي ضاحكًا.

ليس مجازًا. مشى خطوتين، وجد أقرب كرسي خشبي للمعلمين، جلس عليه، وضحك بكل جسده — تلك الضحكة الكاملة الخاصة برجل كان يكتم منذ أسابيع عدة المادة الكوميدية المتراكمة للعيش في قرية تنتج، بانتظام، مواقف لم يهيئه لها أي تدريب إنجليزي.

قال بين الضحكات — وكان جزء منه، حقًا، آسفًا، لكن ليس آسفًا بما يكفي ليتوقف: «أنا آسف... أنا آسف فعلًا... لكنكما تبدوان كأن... حافلة مدرسة وليمونة أنجبتا طفلًا.»

جاءت ثرياء.

نظرت.

حاولت أن تكون مهذبة.

فشلت.

كان الفشل وقورًا في البداية. ضمت شفتيها. نظرت إلى السقف. نظرت إلى الأرض. حاولت، بوضوح، أن تجمع وجهها. ثم نظرت مرة أخرى إلى الوجهين الأصفرين أمامها، فانخلع التماسك — مثل القناع — عنها.

قالت، وهي تشير إلى وجهيهما: «هذا... يسمى عناية بالبشرة؟»

مسح جون عينيه. «نعم. لكن...»

وقف. بالوقفة المسرحية الخاصة برجل سُلّمت إليه للتو، من آلهة الكوميديا نفسها، الجملة المثالية — وينوي الآن أن يلقيها.

قال: «بعضكم يفعل كثيرًا من العناية بالبشرة... لكن البشرة لا تهتم.»

حتى مالود — الذي كان قد دخل الساحة في وقت ما، وراقب العودة كلها، ثم قرر، لأسبابه الخاصة، أن المرأتين الصفراوين تستحقان فحصًا أقرب — أصدر صوتًا صغيرًا. صوتًا يمكن، ببعض الكرم الخاص الذي يمنحه المستمع، أن يُفسر ضحكة.

Scene Four
Mohammadeen Arrives

ثم وصل محمدين.

وكان وصول محمدين، كما هو دائمًا، حدثًا. لم يكن يدخل الغرف. كان يصل إليها. بتلك الطريقة الأوبرالية الخاصة التي يستطيع بها معلّم رياضيات مصري أن يصل إلى مدرسة قرية، ومن دون أن يرفع صوته، يجعل الأمر واضحًا تمامًا: لقد وصل.

دخل من البوابة. رأى زوجته. فتجمّد — في منتصف الخطوة، وقدمه ما تزال مرفوعة. وشاربه، الذي كان عادةً يميل إلى الأعلى بثقة، هبط قليلًا. وانتقلت عيناه من أعلى جبين زوجته الأصفر إلى أسفل ذقنها الصفراء.

ثم قال — بالعربية المصرية القوية، الغنية، التي لا يمكن أن تُخطئها الأذن، والتي كان يستخدمها حين تتجاوز مشاعره قدرته على احتوائها —

الله! إيه ده اللي في وشك يا فتكات؟ عاملة زي لون الليمون كده ليه؟

(يا الله! ما هذا الذي على وجهك يا فتكات؟ لماذا صرتِ بلون الليمون هكذا؟)

وضعت فتكات يديها على خاصرتيها. تلك الوقفة الخاصة لزوجة لم تطلب رأي زوجها، ولا ترغب فيه في هذه اللحظة.

قالت بالإنجليزية، بوضوح وحزم، وباللغة الدولية العالمية للزوجة المنزعجة: «لا تتحدث إليّ.»

وصل الطلاب.

في موجتهم الصغيرة المعتادة — أحمد متماسك، وخليل يضحك أصلًا مع علي، والبنات في مثلثهن، وسعيد في الخلف — دخلوا من البوابة.

ثم وصل منصور.

رأى منصور.

أشار منصور.

ضحك منصور.

بصوت عالٍ جدًا. بذلك الانطلاق الكامل الذي كان موهبة منصور الشخصية الوحيدة التي لا تتزعزع. قال: «معلمة فتكات! معلمة صفية! أنتما… YELLOW!»

ضحك الصف.

كل طفل فيه. حتى أحمد سمح لنفسه بزفير صغير وقور، كان سيكون ضحكة مكتومة لو صدر من طفل آخر.

حاولت صفية أن تبقى هادئة. حاولت أن ترسم ابتسامة معلمة صغيرة. لكنها خرجت أقرب إلى تلك الابتسامة المشدودة الخاصة بامرأة وافقت، في ذلك الصباح، على أن يُوضع الزعفران على وجهها، وهي الآن تدفع الثمن علنًا.

أما فتكات، فلم تحاول أن تبقى هادئة. لم تحاول فتكات في حياتها أن تبقى هادئة حين يُضحك عليها أمام الناس.

صرخت: «OUT! YOU! OUTSIDE!»

وقف منصور مكانه. مرّ وجهه بمراحل عدة — أولًا انتصار، ثم ارتباك خفيف، ثم ومضة احتجاج صغيرة.

قال: «لكن يا معلمة، أنا فقط—»

«OUT!»

خرج منصور.

حزينًا. لكنه — لأنه كان، وسيبقى دائمًا، منصور — ظل مبتسمًا.

Scene Five
In the Classroom

مشى جون إلى السبورة. بذلك التحرك الاحتفالي الصغير الخاص بمعلمٍ خطرت له، في تلك اللحظة تحديدًا، الحصة التي يحتاجها اليوم بالضبط.

أخذ قطعة طباشير. وكتب، بحروفه الكبيرة الحريصة الخاصة بالمعلمين:

Today's Topic: SKIN, SOAP, AND THE SUN

استدار. قال: «اليوم،» وفي صوته رضا هادئ لرجل يستخدم الكارثة الصغيرة التي أصابت زوجته مادةً تعليمية، «نتحدث عن… ما لا ينبغي فعله.»

صفية — من مقعدها، ووجهها لا يزال أصفر، وخداها محمران قليلًا تحت الصفرة — لمست وجهها مرة أخرى. وقالت: «وما لا ينبغي وضعه.»

ابتسمت ثرياء. «لنتعلّم.»

كتب جون قائمة على السبورة. قائمة بسيطة. تلك القائمة المحددة التي يكتبها أي معلم إنجليزي في أي بلد حين يقرر أن يحوّل مادة اليوم إلى مفردات الغد.

skin face soap water clean dirty sun burn wash care

أشار إلى صفية. «قولي: My skin is…»

صفية — وقد رتبت وجهها في ذلك الاتزان الوقور الخاص بالمعلمات، الذي طورته خلال الأشهر الأخيرة — قالت: «My skin is… yellow.»

ضحك الصف. مرة أخرى.

أومأ جون. «جملة جيدة. حزينة، لكنها جيدة.»

أشار إلى طالب — واحد من الأولاد الأصغر، طفل لم تكن صفية تعرف اسمه بعد. «أنت. قل: I wash my…»

قال الولد — بتركيز طفل يستعد لجملة إنجليزية قصيرة: «I wash my face.»

«Good.»

أضافت صفية — مستخدمة الإشارات، لأنها تعلّمت منذ زمن أن جملها الإنجليزية تصل بثبات أكثر حين ترافقها تمثيلات صغيرة —

«I wash my hands. I wash my face. I use soap.»

جاءت كل جملة بأدائها الصغير. عند wash my hands فركت كفيها معًا. وعند wash my face صنعت حركات دائرية صغيرة على خديها الأصفرين. وعند use soap مثّلت — بعناية وتعمّد — رغوة صابون خيالية بين أصابعها.

قالت ثرياء: «The sun is hot.»

ردد الصف، بصوتهم القروي المتداخل: «The sun is hot.»

كتب جون على السبورة:

The sun is hot. My skin is red. I wash my face. I use soap. I take care of my skin.

نسخ الأطفال. بهدوء. كان نسخ أحمد، كالعادة، فعلًا صغيرًا من أفعال الخط الجميل. أما نورة فقد أنهت نسخها، وقد أضافت زهرة صغيرة بجانب الشمس. ونسخ منصور — الذي كان يحدث من خلال النافذة المفتوحة، لأنه لم يُسمح له بالعودة إلى الداخل — كان عاليًا، ومجهدًا، ومصحوبًا بقراءات هامسة بصوت عالٍ لكل كلمة وهو يكتبها.

ثم — حين خفّ النسخ في أغلبه — كان هناك طرق على الباب.

هادئ جدًا.

ومتواضع جدًا.

التفت كل رأس في الغرفة نحو الباب. كانوا يعرفون طرق من هذا. فليست هناك، في النهاية، احتمالات كثيرة.

عقدت فتكات ذراعيها. «قل آسف.»

انفتح الباب قليلًا. ظهر وجه منصور الصغير. نظر إلى الوجهين الأصفرين — وقد صارا الآن أقل صفرة قليلًا مما كانا، لكنهما ما زالا أصفرين إلى حد واضح. نظر إليهما بجدية. ثم، بذلك الصوت الجاد الخاص بولد ظل يجهز اعتذاره طوال خمس عشرة دقيقة، قال —

«I am sorry.»

سكون. ربما سمحت فيه فتكات لنفسها بأن تصدق أن الاعتذار انتهى.

ثم أضاف منصور، بعد تفكير — بذلك الصدق المباشر الخاص بولد لا يستطيع، في اعتذار واحد، أن يخون الحقيقة —

«But… you still look funny.»

أشارت فتكات إلى الباب.

«Outside again.»

خرج منصور — بذلك القبول الحزين الخاص بولد صغير كان يعرف، في قلبه، أن هذه هي النهاية التي ستبلغها الجملة.

Scene Six
The Skin That Didn't Care

بحلول نهاية اليوم، بدأ الأصفر يصير… أقل اصفرارًا.

لم يختفِ. ليس بعد. لكنه كان يتلاشى. ذلك الانسحاب الناعم المحدد لبقعةٍ، مثل كل البقع، يقنعها الزمن في النهاية.

لمست صفية وجهها بحذر، في ضوء الصف بعد الظهر — ضوء آخر النهار، الذي دخل منخفضًا فوق المقاعد ومنح كل شيء ذلك اللون الذهبي الدافئ الخاص بيوم يقترب من خاتمته.

قالت بهدوء لفتكات: «أظن أنه يزول.»

فتكات — التي كانت صفرتها تتراجع بالمعدل نفسه تقريبًا الذي تتراجع به صفرة صفية، مع أن فتكات بذلت جهدًا معتبرًا في استعجالها عبر ثلاث غسلات منفصلة أثناء استراحة الغداء — تنهدت تنهيدة طويلة لامرأة تعلّمت درسًا.

قالت، بذلك الحسم المتعب لشخص رأى الحقيقة: «في المرة القادمة نستخدم الماء. الماء فقط.»

ابتسم جون. تلك الابتسامة الصغيرة المطمئنة لرجل تأكد تحذيره السابق، على امتداد اليوم، تأكدًا رائعًا — وكان له فضل أنه قرر ألا يقول: لقد أخبرتكم.

قال: «وربما قبعة.»

في ذلك المساء، عند الطاولة الخشبية الصغيرة في بيتهما البسيط، كتب جون في دفتره. كان وجهه — لا رماديًا شاحبًا كما في يوم الدخان، ولا أحمر دامع العينين كما في يوم الدبور، بل ورديًا باهتًا عاديًا لرجل إنجليزي متعب — مستقرًا في ذلك الهدوء المحدد لرجل عاش كوميديا قروية صغيرة أخرى، وكان، كعادته، يدوّن ملاحظات.

كتب:

Today we learned: The sun is strong. Soap is useful. And not all "skin care" cares about skin.

توقف. نظر إلى السطر الأخير. وابتسم له، في خصوصية — تلك الابتسامة الخاصة التي يمنحها الكاتب لجملة يظن أنها قد تُقتبس عليه يومًا ما.

أغلق الدفتر.

كانت صفية، الجالسة قبالته، تضع كمية صغيرة من الماء الصافي على خديها — بتلك الحركات البطيئة الصبورة الخاصة بامرأة لا يزال وجهها يحمل إيحاءً خفيفًا بالزعفران. لا صابون. لا صندل. لا أي شيء آخر.

مالود، الذي كان — عبر عمليات لا تريد صفية أن تفحصها — قد وجد طريقه إلى داخل البيت مرة أخرى، اقترب من صفية. تأمل يدها — اليد التي عليها ماء — وبذلك التركيز الجاد الخاص بجدي صغير قرر أن اليد تبدو مثيرة للاهتمام، حاول أن يلعقها.

حركت صفية يدها. بسرعة.

قالت بحزم، وبالسلطة الهادئة لامرأة كان صباحها مكلفًا بما يكفي: «لا. لقد فعلت ما يكفي أصلًا.»

تأمل مالود الأمر. تأمله لثانيتين ربما — الثانيتين المحددتين اللتين يحتاجهما الجدي ليفكر هل يضغط في قضيته أم لا. ثم، وقد بدا أنه قبل الحكم، استدار. مشى بكرامة صغيرة مجروحة لضيف لا يقدّره أحد نحو زاوية البساط. تمدد.

أغلق عينيه.

نام.

وخارج البيت الطيني الصغير، أخذت الشمس — التي شنّت، في ذلك الصباح، هجومها الشخصي من السماء — تنخفض أخيرًا نحو الجبال، كما تفعل دائمًا. برد هواء القرية. واستمر الفلج. وفي مكان ما، بدأت امرأة طبخ المساء، وبدأت رائحة خفيفة من البصل والسمن تسافر على الممر.

وفهمت صفية — صفية بوجهها الذي تتلاشى صفرته، وبخاتمها النظيف العائد إلى إصبعها، وبالقرية التي سامحتها في اليومين الأخيرين، ثم ضحكت معها مرة أخرى في الساعتين الأخيرتين — أنها تصير شخصًا لم تكنه من قبل.

لا صفراء. ولا إنجليزية. ولا عُمانية.

شيئًا بين ذلك. شيئًا كانت القرية، ببطء وثبات وصبر — ومن دون أن يطلب منها أحد — في طور صناعته. — Palm Fourteen / النخلة 14 —

··
PALM FOURTEEN · Sadou Climbs the Palm
Palm
Palm Fourteen
Sadou Climbs the Palm
Scene One
The Man in the Sky

كان صباح سمائل دافئًا بالفعل — حتى قبل أن ترتفع الشمس ارتفاعها الصحيح — بذلك الدفء المبكر الخاص بيوم قرر مسبقًا ألا يكون رحيمًا.

بدت الجبال ناعسة. أما القرية فلم تكن كذلك. كانت الديوك عالية الصوت. والأبواب تُفتح. وفي مكان ما — صوت صار، الآن، جزءًا بسيطًا من موسيقى صباحات سمائل — كان أحدهم يصرخ على جدي.

مشى جون وصفية مع ثرياء على الطريق المغبر نحو المدرسة. تبعهم مالود، الجدي الصغير، بضع خطوات — ثم توقف. فقد بدت له ورقة شجر على يساره، لأسباب لم تستطع صفية أن تحددها، أكثر إثارة للاهتمام منهم.

عدلت صفية وشاحها. «ما زلت لا أصدق كم يكون هذا المكان هادئًا في الصباح.»

ابتسم جون. «الهدوء جيد. أتمنى أن يكون الصف هادئًا اليوم أيضًا.»

ضحكت ثرياء — تلك الضحكة الدافئة الخاصة التي كانت تحتفظ بها لتوقعات جون الأكثر تفاؤلًا بشأن صفه. «أنت دائمًا تتمنى.»

كانوا يمرون للتو قرب المزارع — تلك القطع الضيقة الصغيرة من النخيل الممتدة على طرف القرية — حين توقفت صفية فجأة عن المشي.

«انتظروا… ما هذا؟»

تبع جون عينيها — إلى الأعلى.

على النخلة الطويلة قرب الطريق، كان رجل يتسلق. لا ببطء. ولا بحذر. ولا بذلك الأسلوب الحذر الخاص بشخص فكر، ولو للحظة، في الجاذبية.

كان يطير.

إلى أعلى، أعلى، أعلى — يستخدم يديه وقدميه كما لو أن النخلة سلّم، كما لو أن النخلة درجه الخاص، بل كما لو أنها، في الحقيقة، أرض يمشي عليها في اتجاه غير تقليدي. كان جسده الصغير يتحرك بإيقاع لم تستطع صفية أن تلاحقه. أرادت عينها أن تمسك كل موضع لقدم، وكل قبضة يد، وفشلت عينها. وما إن كانت لا تزال تبحث عن موضعه الثاني، حتى كان هو في موضعه الخامس. كانت النخلة، ربما، بطول خمسة عشر مترًا. ولم يبدُ أن ذلك مهم.

كان سادو.

صاحب المتجر.

الرجل الذي يبيع البطاطس، والحلوى، وتشكيلة لا يمكن تصنيفها من أشياء صغيرة غريبة لم يطلبها أحد قط، لكنها — بطريقة ما — كانت تُباع دائمًا.

وها هو الآن فوق نخلة.

فتح جون فمه. «هل… هل هذا سادو؟»

أومأت ثرياء. بهدوء. كما لو أن هذا، في الحقيقة، طبيعي تمامًا. كما لو أن كل من يدير متجرًا في سمائل يتسلق النخيل أيضًا في صباحات الأربعاء — وهو أمر بدأت صفية تشك أنه قد يكون صحيحًا.

«نعم.»

رمشت صفية. وسألت — بصدق حقيقي، كما يسأل المرء الأطفال عن أشياء في كتب الصور: «لماذا هو في السماء؟»

ابتسمت ثرياء. «إنه يجمع الرطب. هكذا يجمع الناس الرطب الطازج. يتسلقون. ويقطعون.»

كان جون منبهرًا. فقد مرّ وجهه، خلال الثواني العشرين الأخيرة، بعدة مراحل — عدم تصديق، ثم إعجاب، ثم رهبة ثقافية، ثم استقر الآن في ذلك التعبير الإنجليزي واسع العينين الذي يعني: سأضطر إلى مراجعة عدة آراء لي.

قال ببطء وحذر: «إذن… سادو يبيع الأشياء في متجر… ويتسلق النخيل؟»

قالت ثرياء: «طبعًا.»

وكانت كلمة «طبعًا»، في بساطتها اللطيفة المحددة، أكثر إدهاشًا من التسلق نفسه.

شاهدوا سادو يقطع عذقًا من الرطب. وشاهدوه — على نحو غير معقول وبكل عفوية — يقفز إلى الأسفل ومعه كيس الرطب، كما لو أن الهبوط من نخلة طولها خمسة عشر مترًا هو نوع من الأشياء التي يفعلها رجل صغير بين مشوارين. هبط بسهولة. نفض سرواله. ورفع نظره نحو المراقبين الثلاثة على الطريق، بذلك الإدراك المسرور الخاص برجل من القرية لاحظ جمهوره وهو على وشك أن يخاطبه.

Scene Two
The Multi-Talented Superhero

هز جون رأسه ببطء. وقال بالإنجليزية، بذلك الصوت الاحتفالي الخاص برجل يعلن لقبًا رسميًا: «سادو… بطل خارق متعدد المواهب.»

ضحكت ثرياء.

«أنت لم ترَ شيئًا بعد.»

توقفت قليلًا. تلك الوقفة الصغيرة الخاصة التي تستخدمها حين تكون على وشك أن تقدم معلومة ستسعد جون.

«ولديه أيضًا محل خياطة.»

تجمّد جون.

استطاعت صفية أن ترى دماغه يتوقف عن العمل ثانية واحدة. ثانية كاملة. وقفة إنجليزية صغيرة مكتملة، بينما تشق جملة «ولديه أيضًا محل خياطة» طريقها، عبر الغبار والضوء وحقيقة الهبوط من النخلة التي لم تكن قد استقرت بعد، إلى فهمه المثقل أصلًا لما يكونه سادو.

«محل… ماذا؟»

قالت ثرياء: «محل خياطة. يصلح الملابس.»

نظر جون إلى سادو — الذي كان يمشي نحوهم الآن، وكيس الرطب على كتفه، وقميصه مغبر قليلًا — كما ينظر المرء إلى أسطورة كُشف للتو أنها ثلاث أساطير مختلفة في واحدة.

رآهم سادو. ابتسم — ابتسامة صاحب متجر قروي عريضة، بلا تحفظ. وضرب صدره براحة يده — تلك الحركة الخاصة برجل يقدّم ادعاءً عن نفسه — وناداهم بعربيته السمائلية الكاملة:

فكّر ما في معلوم أنا… سادو! أنا… سادو يعرف كل شي منيه!

(تظنون أن هناك شيئًا لا أعرفه؟ أنا سادو! أنا، سادو، أعرف كل شيء!)

وردّ جون — من دون أن يفكر، ومن دون إذن، ومن دون أي مشاورة مع الجزء الإنجليزي من دماغه — بالعربية. مرة أخرى.

أبوي، ما نرومه صوبنا!

(يا أبوي، لا نستطيع أن نصل إلى مكانك!)

توقفت صفية وثرياء عن المشي معًا.

نظرتا إلى جون.

ببطء. وبعناية. ذلك التفحص البطيء الخاص الذي يُحفظ للرجال الذين أنتجت أفواههم، للمرة الثانية خلال أسبوعين، جملًا عربية لا شأن لأفواههم بإنتاجها.

قالت صفية: «ماذا… قلت للتو؟»

رمش جون. رمشة حقيقية مرتبكة لرجل بدأت أذناه تلحقان بفمه. «هل قلت شيئًا؟»

عقدت ثرياء ذراعيها. «نعم. بالعربية.»

شعر جون بالبرد فجأة. مرة أخرى. ذلك البرد المحدد الذي صار، خلال الأسبوعين الماضيين، إحساسًا مألوفًا على امتداد ظهره. البرد الذي يأتي حين يجد العربية، مرة أخرى، تخرج من فمه من غير أن يكون قد وضعها هناك قط.

«آه.»

نظر إلى الأرض. ثم إلى السماء. ثم إلى سادو.

وتظاهر، بذلك التظاهر الوقور الخاص برجل أحرج نفسه أمام زوجته للمرة السابعة ذلك الشهر، أنه لم يسمع شيئًا. وسار أسرع.

وفي رأسه، في تلك الأثناء، كان جدال قلق صغير يدور.

كيف قلت ذلك؟ أنا لا أعرف تلك الجملة. هل أنا… أتعلم العربية في نومي؟ أم… هل هذا أمر المغصوب مرة أخرى؟ لا. لا. لا تفكر. امشِ فقط.

ضحك سادو خلفهم. ضحكة كبيرة، ودودة، غير قلقة إطلاقًا. لوّح لهم. لوّحوا له. وواصلوا السير إلى المدرسة.

Scene Three
I Can, He Can, She Can

كان الصف صاخبًا قبل أن يبدأ الدرس أصلًا.

كان منصور يصنع طائرة ورقية.

وكان خليل — بذلك الصبر الصغير الخاص بولد يؤمن، في عمقه، أن كل شيء يصبح أفضل حين يُسرق — يحاول أن يسرقها.

وكانت نورة تتحدث. بدأت الحديث قبل أن تدخل الغرفة، وواصلت الحديث بالسرعة نفسها، وبالطاقة نفسها، مع جمهور مختلف قليلًا.

وكان أحمد جالسًا باستقامة المسطرة. ومسطرتُه — مسطرته الحقيقية — أمامه. وقد صفّها على مكتبه موازية للحافة.

وكانت مثيلة تشارك قلم رصاص. وكان، بطريقة ما، هو القلم نفسه الذي ظل القلم المشترك لمثلث مروة–رحمة–سليمة طوال ثلاثة أسابيع.

أما سعيد — الولد الهادئ في الخلف — فكان جالسًا في موضعه المعتاد، يراقب كل شيء. كعادته.

دخل جون. تنحنح.

«Good morning!»

«Good morning, teacher!»

كتب على السبورة، بحروف كبيرة واضحة:

Today's Lesson: TALENTS I can… / He can… / She can…

صفقت صفية بيديها. «حسنًا! اليوم نتحدث عمّا تستطيعون فعله.»

ابتسمت ثرياء. «مهاراتكم. مواهبكم.»

رفع منصور يده — من دون أن ينتظر أن يُنادى عليه، بذلك اليقين الذي لا يُقاوم الخاص بولد حدد أفضل إجابة مسبقًا.

«I can run!»

أومأ جون. «جيد. قل: I can run.»

«I can run!»

خليل، رافضًا أن يسبقه أحد: «I can climb!»

ابتسمت صفية. «I can climb.»

قال أحمد بهدوء، بذلك الوقار الخافت الذي كان يضعه في كل مساهماته: «I can read.»

هدأت الغرفة قليلًا. فهمت صفية أن جملة I can read هي — من بين كل الجمل في ذلك الصف، ومن بين كل الجمل في تلك القرية — الأشد أثرًا. ولد عُماني في التاسعة يقول I can read بالإنجليزية، في عام 1973، في قرية لا يستطيع معظم أجداده القراءة فيها، كان ثورة صغيرة متخفية في تمرين قواعد.

قالت مثيلة بفخر: «I can help.»

وقالت نورة، بذلك الرضا الصغير لفتاة تخبر الجميع بما كانوا يريدون سماعه: «I can talk.»

ضحك الصف. لم تكن قسوة. كان اعترافًا.

كتب جون على السبورة:

I can run. I can climb. I can read. I can help.

Scene Four
Sadoo Can Climb

ثم فعل جون شيئًا لم يكن قد خطط له. أخذ قطعة طباشير جديدة، ورسم — سريعًا، ببراعة هاوٍ صغيرة — نخلة على السبورة. طويلة. وبضع خطوط مقوسة للسعف.

وعلى الجذع، في منتصف الطريق إلى الأعلى، رسم رجلًا صغيرًا. هاوٍ أيضًا. لطيف أيضًا. وبلا شك: سادو.

كتب تحتها:

Sadoo can climb a palm tree.

ضحك الصف. بسعادة. لقد رأوه جميعًا — بعضهم ذلك الصباح، وكلهم في وقت ما — وكانت المتعة الخاصة في أن يُوضع صاحب متجر قريتك على السبورة مثالًا نحويًا، متعة لا يستطيع أي كتاب مدرسي أن يمنحهم إياها.

صرخ منصور — لأن منصور كان يصرخ دائمًا: «Yes! Sadoo climb like monkey!»

صححه جون. بلطف. بذلك التصحيح الصبور الصغير الخاص بمعلم قرر ألا يحارب الاسم.

«Sadoo can climb.»

ردد الصف: «Sadoo can climb!»

أشارت صفية إلى جون. «معلم جون — what can you do?»

ابتسم جون. تلك الابتسامة الصغيرة المتواضعة الخاصة بالمعلم، التي كان يتدرّب عليها منذ كان في الثانية والعشرين. «I can… teach.»

صفق الصف.

قالت ثرياء — من زاويتها: «And I can explain.»

وقالت صفية: «And I can organise.»

وقال منصور — لأنه لا يريد أن يُترك خارج الأمر، ولا يقبل أبدًا أن تمر جملة جيدة من غير أن يساهم فيها: «And I can… make noise!»

وفي تلك اللحظة بالضبط، كان محمدين — الذي كان يمر أمام الباب المفتوح في طريقه إلى صفه، يحمل كتب الرياضيات، وعلى وجهه ذلك التعبير المحدد للمهنية المصرية الهادفة — قد توقف.

نظر إلى الداخل. مسح الغرفة بنظره.

وقال بصوته المصري القوي — ذلك الصوت الذي يتطلب، من حيث بنيته، الطاعة: «No. You cannot.»

ساد الصمت في الصف فورًا.

كان الصمت جراحيًا. لا تدريجيًا. ثانية واحدة كاملة من صمت صفّي كامل تام. حتى فم منصور انغلق.

همست صفية لثرياء: «واو. لا يحتاج إلى الإنجليزية.»

ضحك جون — بهدوء، تحت أنفاسه. «إنه عالمي.»

Scene Five
The Quiet Challenge

عاد جون إلى الصف. نظر إلى منصور — الذي كان، لأول مرة ذلك الصباح، لا يزال هادئًا.

«منصور. Can you be quiet?»

نهض منصور. بفخر. تلك الوقفة الفخورة الخاصة بولد سُئل للتو إن كان يستطيع فعل شيء، وقرر، بكل التزام صدره الصغير ذي الثماني سنوات، أن يقول نعم.

«Yes. I can.»

رفعت ثرياء حاجبًا. «لنرَ.»

نظرت صفية إلى ساعتها. الساعة الفضية الصغيرة التي أهداها لها والدها في عيد ميلادها الحادي والعشرين. لم تكن تحتاج إليها كثيرًا في هذه القرية، حيث يُقاس الوقت بالصلوات والفلج. لكنها ما زالت تعمل.

«لنجرب. دقيقتان.»

قال جون: «Okay. Mansoor. Sit. Be quiet.»

جلس منصور.

وكان هادئًا.

لعشر ثوانٍ.

كان هادئًا بذلك التركيز المحدد الذي يسكن الأولاد الصغار حين يقررون أن الهدوء شيء يمكنهم الفوز به. كانت يداه مبسوطتين على المكتب. ووجهه إلى الأمام. وعيناه مثبتتين على علامة صغيرة بعينها في السبورة، كان قد قرر، خلال الثواني الثلاث الأخيرة، أنها ستكون مرساته. كان، لأول مرة منذ عرفته صفية، يؤدي السكون أداءً.

ثم — بدأت قدمه تتحرك.

حركة صغيرة. لا إرادية. القدم تنقر بخفة شديدة على رجل المكتب.

ثم يده. إصبع واحد يتحرك بإيقاع صغير على الخشب.

ثم همس لخليل.

نظر إليه جون.

أغلق منصور فمه. فجأة. في منتصف الهمس. مثل بوابة.

ثلاثون ثانية.

بدأ، بهدوء شديد، يصنع أصوات طائرة. بررررم. بررررم. صغيرة. تحت أنفاسه. كما لو أن الطائرة بعيدة جدًا.

قالت صفية — بهدوء وحزم معلمة: «منصور…»

توقف.

دقيقة واحدة.

كان — كما لاحظت صفية بوخزة صغيرة من الحنان — يرتجف. يرتجف فعلًا. ذلك الارتجاف الصغير لجسد صغير يحبس حالته الطبيعية.

قالت ثرياء بلطف: «تستطيع أن تفعلها.»

أومأ منصور. بجدية. وبامتنان.

دقيقة وثلاثون ثانية.

ثم — دفعة واحدة، في انفجار صغير من الصدق ستتذكره صفية لاحقًا كواحد من أصدق لحظات عامها التعليمي — انكسر.

«Teacher, I CAN'T!»

ضحك الصف.

وضحك جون أيضًا. تلك الضحكة الدافئة الخاصة بمعلم تقول: لقد أعطيتني شيئًا صادقًا، وأنا أقبله.

قال: «لا بأس. يمكنك أن تحاول مرة أخرى غدًا.»

واستدار إلى السبورة. أخذ الطباشير. وبذلك الاهتمام المدروس الخاص بمعلم يمنح صفه جملته الحقيقية الأخيرة في ذلك اليوم، كتب تحت قائمة المواهب سطرًا إضافيًا:

I can try.

رددها الصف. بجوقة القرية المتداخلة كاملة. بما فيهم منصور — الذي قالها بأعلى صوت من الجميع، لأنه اكتشف، في آخر تسعين ثانية، أن المحاولة نوع من «أستطيع» يمكنه، في الحقيقة، أن ينجزه.

«I can try.»

Scene Six
The Sewing Shop

حين دق الجرس، قالت صفية: «كان اليوم جيدًا.»

أومأ جون. «جيد جدًا.»

خرجا.

قرب الطريق — ذلك الامتداد الصغير الذي يمر بطرف السوق ويمضي نحو البيوت — رأيا سادو مرة أخرى.

هذه المرة، لم يكن في شجرة. هذه المرة، كان جالسًا على كرسي خشبي منخفض خارج الباب الأمامي الصغير لمحله. وكان يخيط.

لا يرقع فقط. ولا يغرز إبرة في شق فحسب. كان يخيط — تلك الخياطة الحريصة، المتمرّسة، الحرفية تمامًا لرجل كانت يداه، لسنوات كثيرة، تعيدان القمصان إلى حالها. كان وجهه الصغير ذو العينين الداكنتين منكبًا فوق القماش. ويمتد خيط أبيض طويل من إبرته إلى البكرة. وبجانبه، على العتبة، قميصان آخران، مطويان، ينتظران دورهما.

انفتح فم صفية.

«إنه يفعل كل شيء حقًا.»

ابتسم جون. تلك الابتسامة المستقرة الخاصة برجل أعاد، خلال صباح واحد، بناء مفهومه الكامل عن اقتصاد القرية.

«Sadoo can climb. Sadoo can sew. Sadoo can sell. Sadoo can…»

توقف — لأنه كان على وشك أن يواصل، ولأنه أدرك، حتى وهو يقولها، أنه لا يستطيع أصلًا أن ينهي القائمة. فحسب فهم جون الآن، كان سادو يستطيع أن يفعل كل شيء. لم يكن للقائمة نهاية.

رفع سادو رأسه. رآهم. وابتسم — بفخر، بذلك الرضا الذاتي الخاص برجل صارت قائمة مهاراته للتو موضوع درس في الصف.

كاد جون أن يقول شيئًا بالعربية مرة أخرى.

كان يشعر به. الجملة الصغيرة الصاعدة. ذلك الانقباض المحدد في آخر حلقه، الذي يعني أن فمه حضّر عبارة لا يعرفها دماغه.

أوقف نفسه.

عن عمد. بذلك الانضباط الصغير الخاص برجل قرر الآن أن يكون شاهدًا على فمه، لا ضحية له. أغلق شفتيه. وأومأ لسادو. بالإنجليزية. وبالإنجليزية فقط.

«Good work, Sadoo.»

أشرق وجه سادو. رفع القميص الذي يعمل عليه، كأنه يعرضه. وأمال رأسه إيماءة صغيرة مهذبة.

نظرت صفية إلى جون. نظرت إلى جون بريبة واضحة.

قالت بنبرة مستوية: «أنت تفكر بالعربية مرة أخرى، أليس كذلك؟»

فكر جون في السؤال. فكر فيه بصدق، كرجل طوّر، خلال الأسابيع الأخيرة، علاقة جديدة مع فمه.

قال: «لا.» ثم توقف. «ربما.» ثم توقف ثانية. «لا أعرف.»

ضحكت ثرياء. بدفء. تلك الضحكة التعليمية الخاصة التي تستخدمها حين تكون على وشك أن تسلم جملة هي نكتة، وتحت النكتة ملاحظة صحيحة.

«لا تقلق يا مستر جون. شوي شوي، عُمان تعلمك.»

رفع جون بصره.

نظر إلى النخيل على امتداد الطريق. ونظر إلى الجبال، منخفضة وبنية مائلة إلى الزرقة، تحفظ خطها القديم في مواجهة السماء. ونظر إلى المدرسة، صغيرة وبيضاء، وقد صارت فارغة بالفعل في ذلك العصر. ونظر إلى سادو، يخيط قميصه الصغير على كرسيه الصغير، ذلك الرجل الذي يستطيع، على ما يبدو، أن يفعل كل ما تحتاجه هذه القرية.

نظر إلى زوجته. إلى ثرياء. إلى الطريق المغبر الصغير نحو البيت.

وقال بهدوء — لنفسه بقدر ما قالها لأي شخص يسمع: «ربما أستطيع أن أتعلم أكثر مما أظن.»

وفي مكان ما، غير مرئي لكنه حاضر، اختار مالود تلك اللحظة بالضبط ليركل شيئًا صغيرًا في فناء أحدهم. ارتطام صغير. ومأمأة صغيرة. وصوت العمة عزيزة البعيد ينادي اسمه.

لم يجفل جون حتى.

وأدركت صفية — بهدوء، في العصر الوردي الذهبي — أنه يصير رجلًا يجفل أقل. — Palm Fifteen / النخلة 15 —

··
PALM FIFTEEN · When Marhoon Lifted His Hand
Palm
Palm Fifteen
When Marhoon Lifted His Hand
Scene One
The Missing Things

بعض الأيام في سمائل تبدأ بهدوء.

وبعض الأيام… تنتظر المتاعب — كما تنتظر المتاعب أحيانًا، في الساعة الباردة قبل أن تصعد الشمس — كشيء مختبئ خلف النخيل.

بدأ ذلك اليوم بالخوف.

ليس الخوف الكبير. بل خوف الأشياء المفقودة الصغير، العادي، في ساحة المدرسة القروية. بدأ هناك — عند الجدار المنخفض الصغير حيث يجتمع الأطفال عادة قبل الجرس، حيث يرقد الغبار ناعمًا على الطين، وحيث تمر معظم الأشياء المفقودة والموجودة ثم المفقودة مرة أخرى في القرية، في وقت ما، خلال أي أسبوع.

كان علي يقفز. لا بسعادة. على قدم واحدة. غاضبًا ومشوشًا، بذلك الاستعجال ضيق الحاجبين الخاص بولد اكتسب صباحه أزمة للتو.

صرخ: «My zanoubah is GONE! أمي ستقتلني!»

كانت رحمة تبكي. لا بكاءً صغيرًا من جرح صغير. بكاءً كبيرًا. ذلك البكاء الممتلئ الصدر الخاص بفتاة صغيرة اختفت صنادلها الجديدة، المعطاة لها حديثًا، ذات الإبزيم — الصنادل التي اشتراها لها والدها من سوق سمائل قبل ثلاثة أيام فقط — بطريقة ما، على يد الكون.

بكت: «My new sandals! لقد حصلت عليها للتو! With a BUCKLE!»

منصور — لأنه كان يعدّ كل دراما قروية صغيرة، بمعنى ما، دراماه الخاصة — نظر حوله بعينين واسعتين مسرحيتين. رتب وجهه في ذلك العبوس الجاد الخاص بولد على وشك أن يقدم تفسيرًا مروّعًا. خفّض صوته. وترك الجملة تحمل وزنها.

قال: «إنه عمل شايب خلف.»

تجمد الأطفال.

همس خليل — بذلك الذهول القَلِق الصغير الذي تنتجه نظرية الساحر المفضلة في القرية: «الساحر؟»

أومأ منصور بجدية. «هو يسوي حورة. الأشياء تختفي.»

أمسكت نورة بذراع سليمة. «ربما أخذها إلى بيته الطيني…»

عدّل أحمد كتبه — أحمد، صوت النظام الوحيد في ساحة مدرسة كانت، مرة أخرى، على وشك أن تبدأ بالأسطورة قبل المنطق. واتخذ وجهه الصغير الحكيم ذلك التعبير الصبور المتعب الخاص بولد فهم، في سن التاسعة، أن المتعة الوحيدة الموثوقة في أن تكون عقلانيًا هي أن تشاهد الجميع وهم ليسوا كذلك.

قال: «هذا لا معنى له.»

لكن لا أحد استمع.

كان هناك ولد واحد فقط يعرف الحقيقة.

سعيد.

Scene Two
What Saeed Saw

كان سعيد قد رأى كل شيء.

كان قد رأى عليًا، في وقت سابق من ذلك الصباح، يلعب قرب الفلج — تلك اللعبة الصغيرة الصاخبة الخاصة بالرشق والرشّ مع الأولاد الأصغر، حيث تميل زنوبة الواحد إلى أن تنتهي في مكان ما على الضفة الحجرية، وأحيانًا، إن لم ينتبه المرء، قريبة جدًا من الحافة.

وكان قد رأى رحمة، وهي تعبر الساحة في وقت سابق، بصنادلها الجديدة ذات الإبزيم — رآها، بتلك اللامبالاة الخاصة بفتاة صغيرة ما تزال أحذيتها جديدة، تتركها قرب الشجرة بينما تلعب مع سليمة.

وكان قد رأى مالود.

نعم.

مالود.

الجدي الصغير. يتحرك — بذلك الهواء الخاص، العابر، التملكي، غير المكترث تمامًا، الخاص بجدي ظل يسرق قطعًا صغيرة من القرية منذ أسابيع — نحو الشيئين معًا. يأخذهما. بهدوء. في فمه. ويختفي خلف الجدار المنخفض بهما، واحدًا بعد الآخر.

كان سعيد قد رأى كل ذلك.

لكن سعيدًا لم يقل شيئًا.

ظل يراقب فقط.

راقب، كما كان يراقب كل شيء، من المكان الهادئ المحدد الذي حفره لنفسه عند طرف الجماعة. راقب الأطفال وهم يذعرون. راقب منصور وهو يطلق نظريته عن الساحر. راقب خليلًا وهو يتلقاها. راقب نورة وهي تقبض على ذراع سليمة. راقب أحمد وهو يحاول أن يكون عاقلًا. وراقب، كما فعل في صباحات كثيرة، ذلك النمط الصغير يكرر نفسه: شيء يضيع ← رجل كبير يُلام. كان ذلك يحدث، كما قالت ثرياء مرة، كثيرًا.

كان يستطيع أن يتكلم.

لم يفعل.

ثم — دفعة واحدة، كلكمة صغيرة من ذكرى قديمة عادت — تذكّر.

كان ينبغي أن يكون في المال.

المزرعة الصغيرة. الشريط الصغير من نخيل أبيه، عند طرف القرية، حيث يعبر مجرى الفلج رقعة الأرض الحجرية التي كانوا يستأجرونها منذ سنتين.

السقي.

كان ينبغي أن يكون قد سقاها قبل ساعة.

انقلبت معدته. انقلبت كما تنقلب معدة طفل حين يتذكر، متأخرًا جدًا، أمرًا مهمًا. ذلك الإحساس المحدد بالهبوط — عميقًا، في الداخل — وهو أول صورة يأخذها الخوف في جسد ولد في التاسعة.

نهض. لم يركض. ليس بعد. مشى — بخطى سريعة، كما يمشي ولد صغير حين يتظاهر بأنه ليس مستعجلًا — بعيدًا عن المدرسة، في الطريق الصغير، نحو المزارع.

كان بين ساحة المدرسة والمال، ربما، عشر دقائق من المشي. قد لا يكون أبوه، مرهون، قد وصل بعد. قد تكون لديه نصف ساعة أخرى. قد يلحق.

لن يلحق.

Scene Three
At the Mal

كانت الشمس عالية حين وصل مرهون، والد سعيد، إلى المال.

كان رجلًا طويلًا. نحيلًا. قد لوّحته الشمس، بذلك التراكم الخاص لرجل عمل في الخارج كل يوم منذ كان في الثانية عشرة. كان يرتدي دشداشة بسيطة. وكان يحمل، على كتفه، كيسًا صغيرًا من القماش فيه تبغه والورقة الصغيرة الملفوفة التي يستخدمها حين يحتاج إلى التدخين.

وقف في وسط المزرعة الصغيرة. نظر إلى الأرض الجافة.

كانت القنوات فارغة.

وكانت النباتات عطشى.

كانت الحواف الترابية الصغيرة المقوّسة التي حفرها هو بنفسه، على مدى سنوات عدة، لتجلب ماء الفلج بالتساوي إلى قاعدة كل نخلة فتية — جافة. جافة كالعظم. ذلك الجفاف الشاحب المتشقق الخاص بأرض لم تشعر بالماء منذ عصر أمس، في أقرب احتمال، وربما منذ اليوم الذي قبله.

أظلم وجهه.

ليس ظلام الغضب، ليس بعد — بل ظلام رجل صار استثماره كله في مستقبل عائلته الصبور يُفحص أمام عينيه في تلك اللحظة، ووجد، بأبسط صورة ممكنة، أنه قد خُون.

«سعيد!»

لا جواب.

دار في المال. مرّ بالقنوات الجافة. مرّ بالحبل الصغير المعلق من الإطار الخشبي فوق مصدر الماء. مرّ بالدلو الحديدي — ذلك الذي كان على سعيد أن يستخدمه، يغرف به إلى الأسفل ثم يجذبه إلى الأعلى، عشرين، ثلاثين، أربعين مرة حتى الآن، حتى تمتلئ القنوات ويجد الماء، بثقله البطيء، طريقه إلى الجذور العطشى.

لا شيء.

ثم رآه.

الحبل. الدلو. لم يُمسا.

بل إن الحبل — لاحظ — كان ملفوفًا بعناية، كما لفّه سعيد في الليلة السابقة. لم يلمسه أحد منذ ذلك الوقت.

تصلّب فكّه. ذلك التصلب الصغير المحدد لرجل انتقل، في تلك اللحظة، من ظلام القلق إلى ظلام الفهم.

قال — بصوت خافت، لا يخاطب أحدًا، لا يخاطب إلا الأرض الجافة والهواء الحار — «ذهب ليراقب أولاد المدرسة مرة أخرى.»

قالها بذلك الخذلان الثقيل الخاص بأب خاض هذه الحجة نفسها مع ابنه من قبل. بذلك التعب الصغير الخاص برجل حاول، مرات كثيرة، أن يشرح أن المال حقيقي وأن المدرسة للأولاد الآخرين.

التقط عصًا رفيعة من الأرض.

خيزران. مثلما كان معظم الآباء في القرية يحملون، إن احتاجوا إليها. ومثلما حمل معظم الآباء آثارها من آبائهم، إن احتاجوا إليها. قطعة رفيعة من القصب. خفيفة. مرنة.

مشى.

بسرعة.

في اتجاه المدرسة.

Scene Four
The Road

كان سعيد جالسًا قرب طريق المدرسة.

لم يصل، في النهاية، إلى المال. قطع نصف الطريق — ثم استدار، مشدودًا، كما كان دائمًا، إلى صوت الأطفال. وجد مكانه المعتاد: جدارًا حجريًا منخفضًا إلى جانب شجرة غاف صغيرة، قرب المنعطف الأخير قبل المدرسة، حيث يستطيع أن يرى الأطفال يلعبون من خلال فتحات الجدار المنخفضة، من غير أن يروه.

كان يراقب دائمًا.

لم يكن يقترب.

كان يجلس فقط.

كان في التاسعة. ولم يدخل صفًا قط. قبل ثلاث سنوات، حين بنت القرية مدرستها أول مرة، منعه أبوه من الذهاب. كان لأبيه أسبابه. وقد ورث أبوه، مثل أغلب رجال جيله، تلك الأسباب — الاعتقاد بأن المدرسة النظامية ستجعل الابن لينًا، وستجعله غير صالح للمال، وستعلمه أن يقول نعم ولا بلسان أجنبي، وينسى لغة الفلج والأرض. لم يكن أبوه مخطئًا تمامًا. كان فقط، في شأن هذا الولد تحديدًا، يسيء قراءة ما وُلد الولد ليفعله. وُلد سعيد ليجمع. لا الأشياء. بل القصص.

ثم سمع خطوات.

خطوات ثقيلة.

التفت.

أبوه.

مرهون.

نهض سعيد. ببطء. ذلك البطء الخاص بولد صغير لم يقرر بعد إن كان سيركض أم سيواجه الأمر، وكان، في تلك اللحظة، يقرر — بذلك الاستسلام الصغير الخاص بطفل أجرى هذه الحسابات من قبل — أن يواجهه.

صرخ مرهون: «لماذا أنت هنا؟ لماذا المال جاف؟»

نظر سعيد إلى الأرض. ذلك النظر الصغير إلى الأرض الخاص بولد على وشك أن يتكلم، ويعرف، حتى قبل أن يتكلم، أن الجملة لن تكفي.

قال: «أنا فقط… أردت أن أرى…»

لم يكمل.

نزلت العصا.

مرة.

مرتين.

صرخ سعيد. وسقط على ركبتيه. لم يكن سقوطًا دراميًا. كان السقوط الصغير المنهار لجسد صغير كان فطرته أن ينكمش.

كان مرهون يرتجف من الغضب. كان هيكله الطويل النحيل كله يرتجف. لا برجفة رجل يفقد سيطرته — بل برجفة رجل يمسك نفسه في مكانها، في وجه تيار شيء أقدم من هذا الصباح.

أهالك باه! تبا تتعلم yes و no كما الكفّار؟ تباني أربطك في ذي النخلة؟!

(تبًا لك! أتريد أن تتعلم «yes» و«no» مثل الكفار؟ أتريدني أن أربطك بهذه النخلة؟!)

كان الأطفال عند آخر الطريق قد توقفوا.

سمعوا الصراخ. خرجوا من ساحة المدرسة. تجمعوا عند حافة الطريق — جماعة صغيرة مفككة من سبعة، ثمانية، عشرة أطفال — وكانوا يراقبون، متجمدين، من بعيد.

لم يتحرك أحد.

ثم — جاء صوت، من مسافة أبعد على الطريق، كالرعد.

«توقف!»

كانت ثرياء.

كانت تركض إلى الأمام — تركض بعباءتها الطويلة، تركض بذلك الاستعجال الكامل الجسد الخاص بامرأة رأت شيئًا لن تسمح به — وكانت صفية تركض خلفها، وجون يركض خلف صفية، وعبر الثلاثة المسافة في ثوانٍ قليلة مضغوطة بدت، لكل من كان حاضرًا، أطول بكثير.

وقفت ثرياء بين مرهون وسعيد. كالجدار.

«يكفي!»

أما صفية — من غير أي قرار — فقد ركعت في الغبار. جذبت سعيدًا إليها. احتضنته كما يُحتضن أي شيء صغير مجروح: بقبضة كاملة، واقية، لا تقبل التفاوض مطلقًا. كان يرتجف عند كتفها.

نظر جون إلى مرهون. غاضبًا. مرتبكًا. ذلك الارتباك الإنجليزي المحدد لرجل لم تُترجم له الكلمة العربية بعد.

ثم سأل جون، بالإنجليزية — بحذر، لأنه لم يرد أن يكون مخطئًا: «ماذا تعني koffar؟»

التفتت ثرياء إليه. كان وجهها مشدودًا. وكان صوتها مستويًا. «تعني… غير مؤمنين.»

Scene Five
The Arabic That Came

أخذت ثرياء نفسًا عميقًا. ذلك النفس الطويل المحدد لمعلمة تجمع نفسها قبل الدخول في حديث لم تكن، عند الإفطار، تتوقع أن تجد نفسها فيه.

قالت: «دعني أتحدث معه.»

رفع جون يده. «صبرييي!»

نظر الجميع إليه.

صبري — انتظر — كانت، لرجل مثل جون لم يمضِ في البلد إلا شهرين، طلبًا واثقًا على نحو مدهش.

ثم بدأ جون يتكلم.

بالعربية.

من دون أن يعرف.

مرة أخرى.

إلا أن العربية هذه المرة كانت مختلفة. لم تكن الصرخة الصغيرة المذهولة التي خرجت منه لخلف. ولم تكن الجواب الصغير المحترم الذي قدّمه عند قدمي سادو. كانت دفاعًا. خطابًا صغيرًا كاملًا، يتشكل من فمه الإنجليزي، مقطعًا بعد مقطع:

أوووي، هااا! ما كفار حنوه! احنا مسلمين! نصلّي ونصوم كماكم باه! لا تحسب!

(مهلًا، اسمع! لسنا كفارًا! نحن مسلمون! نصلي ونصوم مثلكم! لا تظن غير ذلك!)

سكون.

سكون خالص. ذلك السكون الطبقي الخاص بطريق أُغلقت فيه كل الأفواه، في اللحظة نفسها، من الصدمة.

انفتح فم مرهون. لا ليتكلم. بل ليبقى هناك — تلك الصدمة الجسدية الخاصة برجل خاطبه للتو رجل إنجليزي طويل، بعربية قريته العامية الكاملة، مدعيًا ديانة لا يملكها الإنجليزي، من حيث الحقيقة الدقيقة.

اتسعت عيون الأطفال.

همست صفية — وهي ما تزال راكعة في الغبار، وما تزال تحتضن سعيدًا — بالإنجليزية، غالبًا لنفسها، بذلك الصوت الصغير المرتبك الخاص بزوجة أُدخلت، من غير موافقتها، في دعوى دينية لا تتذكر أنها اكتسبتها:

«متى صلّينا؟ أو صمنا؟»

ثم — وصل راكضًا، وفتكات إلى جانبه — محمدين.

كان قد سمع. سمع معلّم الرياضيات المصري ذلك الصوت المحدد لرجل إنجليزي ينتج عربية القرية، فجاء بأقصى سرعته ليشهد الأمر. التقط المشهد كله بمسح مهني واحد — العصا، الأب، الولد المرتجف، المرأة الإنجليزية الراكعة، الرجل الإنجليزي الواقف، الأطفال المتجمدون.

أشار إلى جون. وصرخ بعربيته المصرية الكاملة، الغنية، التي لا تُخطئها الأذن:

مش انتو يا أختي! ده الجني اللي فيه! يا خرابي، الواد اتلبس!

(ليس أنتم يا أختي! هذا الجني الذي فيه! يا خراب بيتي — الرجل تلبّس!)

صرخت فتكات.

ليست صرخة المفاجأة الصغيرة. بل الصرخة الكبيرة، الملتزمة، الأوبرالية، لامرأة قررت، قبل ثانية، أن الموقف يحتاج إلى رد فعل كامل، فأنتجت واحدًا، بتلك الطريقة المصرية الخاصة.

ثم أُغمي عليها.

سقطت مثل كيس أرز.

قفز الجميع.

صرخت صفية: «Oh no!» — يدها لا تزال على ظهر سعيد، ويدها الأخرى تمتد نحو فتكات.

ثرياء — ثرياء، في لحظة ستعيش، لعقود بعدها، في الذاكرة الخاصة لكل من كان حاضرًا — حاولت ألا تضحك. حاولت بذلك الانضباط الكامل الجسد الخاص بمعلمة تفهم أن الضحك، في هذه اللحظة بالذات، غير مناسب. فشلت. أفلتت منها ضحكة صغيرة مكتومة.

رمش جون. نظر حوله — إلى زوجته المرتجفة، وإلى معلمة الرياضة المغمى عليها، وإلى الزوج المصري المتجمد، وإلى الأب القروي المتجمد، وإلى الأطفال المتجمدين، وإلى الولد الراكع.

قال بهدوء، بالإنجليزية: «لماذا ينظر الجميع إليّ؟»

جلس مرهون. ببطء. ببطء شديد. ذلك الجلوس البطيء الخاص برجل توقفت ساقاه، دفعة واحدة، عن الموافقة على حمله.

لم يتكلم. لم يصرخ.

ظل يحدق فقط.

في جون. في سعيد. في العالم — تلك القطعة الصغيرة منه التي كان، هذا الصباح، يظن أنه يفهمها.

Scene Six
The Goat, and What Changed

كان سعيد هو من كسر السكون.

كان لا يزال راكعًا في الغبار، داخل ذراع صفية. كان لا يزال يرتجف — تلك الرجفة الصغيرة المتراجعة لجسد يعود، ببطء، إلى نفسه. وحين جاء صوته، كان صغيرًا جدًا.

همس: «أنا لم أسرق شيئًا… مالود أخذها…»

التفتوا جميعًا.

كان مالود واقفًا قرب الشجرة.

كان قد وصل، في وقت ما أثناء الاضطراب — لم يرَ أحد متى — وتموضع، بذلك الهواء المتملّك غير المكترث الذي يحضره معه إلى كل مشهد، في شريط الظل الصغير تحت شجرة الغاف. وكان يمسك — ظاهرًا، بلا خجل، وبلا أي فهم لما تسبب به للتو — زنوبة علي في فمه.

وبجانبه، على الأرض: صندل رحمة ذي الإبزيم. ممضوغ قليلًا.

صرخ الأطفال.

«الجدي!»

أغمضت ثرياء عينيها. ذلك الإغماض الطويل المرهق الخاص بامرأة رأت، في مسيرتها التعليمية، القرية تلوم رجالًا كبارًا كثيرين على أشياء كثيرة، وقد رأت الآن — مرة أخرى — واحدة من حقائقها الصغيرة المفضلة تتأكد: أن الطرف المذنب، في هذه القرية، كان في الغالب صغيرًا، ذا قرنين، وغير نادم على الإطلاق.

«طبعًا.»

لاحقًا، حين عادوا مشيًا إلى المدرسة — سعيد بين صفية وثرياء، وذراعه الصغيرة ملفوفة في ذراع صفية، ووجهه مخطط بالدموع لكنه هادئ — لم يتبعه مرهون. جلس، طويلًا، على الرقعة المغبرة من الأرض حيث وقع. لم يلتقط العصا مرة أخرى. لم يذهب إلى المال. ظل جالسًا فقط.

وكان ذلك، كما ستقول ثرياء لصفية تلك الليلة، هو الجلوس المحدد لأب أُري، بلا مجال للخطأ، الفجوة بين ما كان يؤمن به وما كان صحيحًا بالفعل.

في المدرسة، كانت فتكات قد أفاقت. أعيد وعيها بالماء وبكثير من التهوية من النساء الأخريات. وكانت الآن تشرب شايًا حلوًا وتشرح، بصوت عالٍ، لكل من يستمع، أنها كانت تعرف، كانت تعرف، أن فم معلم الإنجليزية ليس طبيعيًا. ومحمدين، إلى جانبها، كان لا يزال يخبر الجميع بهدوء أن الرجل ممسوس. وقد انقسم الصف، بحلول ذلك الوقت، إلى معسكر مؤيد للتلبس ومعسكر مؤيد لمعجزة مرتبكة، وكان النقاش، من جهة فتكات، حيًا.

جلس جون في زاوية الصف. ممسكًا برأسه.

نظرت إليه صفية. بهدوء. بذلك الود الصغير الدافئ الخاص بزوجة أنقذ زوجها، في مساحة صباح واحد، ولدًا وأرعب القرية، من غير أن يعرف تمامًا كيف فعل أيًا منهما.

قالت: «أنت خطير بالعربية.»

همس جون — في كفيه، بذلك الهمس المكتوم الخاص برجل لم يقرر بعد كيف يشعر تجاه نفسه:

«لا أتذكر شيئًا.»

نظرت ثرياء عبر الصف — بعد جون، وبعد فتكات، وبعد محمدين — إلى الباب.

كان سعيد جالسًا هناك.

كان جالسًا بهدوء، على الدرجة الخشبية الصغيرة داخل الباب. ذراعاه حول ركبتيه. وجهه هادئ الآن، وآثار دموعه الصغيرة تجف في ضوء العصر. عيناه مفتوحتان. يراقب.

ليس طالبًا.

وليس ضيفًا.

لكن — للمرة الأولى — ليس غير مرئي بعد الآن.

راقبته ثرياء لحظة طويلة. ثم قالت — بهدوء شديد، كأنها تقولها لنفسها تقريبًا: «غدًا.»

نظرت إليها صفية. «غدًا ماذا؟»

لم ترفع ثرياء عينيها عن الولد.

قالت: «غدًا سنذهب إلى بيت الشيخ. وسنصلح هذا.»

توقفت. وقفة صغيرة، مدروسة، مستقرة تمامًا.

«ليس لسعيد وحده. لهم جميعًا.» — Palm Sixteen / النخلة 16 —

PALM SIXTEEN · The Sheikh's House and the Mandoos
Palm
Palm Sixteen
The Sheikh's House and the Mandoos
Scene One
The Invitation

في سمائل، حين يحدث أمر كبير، لا يتحدث الناس عنه في الشارع.

يتحدثون عنه في بيت الشيخ.

وفي ذلك اليوم، كان أمر كبير قد حدث.

كانت صفية قد فهمت، على امتداد العصر — ببطء، كما صارت تفهم معظم شؤون القرية، عبر الترسبات الصغيرة المتراكبة من النظرات الصغيرة ونصف الترجمات — أن الصباح حرّك شيئًا. عصا مرهون. عربية جون المنفلتة. إغماءة فتكات. ثرياء وهي تقف بين أب وابنه. امتصت القرية ذلك كله بحلول الظهر. وبحلول العصر، بدأت القرية تهضمه. وبحلول المساء — كما اتضح — كانت القرية قد قررت.

جاءت الرسالة في العصر.

ركض ولد من بيت إلى بيت — ذلك الولد الصغير الخاص بالبيوت الذي كانت كل قرية عمانية في تلك الفترة تحتفظ بمخزون منه — يقول الجملة نفسها عند كل باب.

«بعد صلاة المغرب. الجميع إلى بيت الشيخ.»

لم يشرح. لم يكن محتاجًا إلى ذلك. كانت القرية تعرف أصلًا. وبحلول وصول الولد إلى الباب الثالث، كان السبب قد سبقه.

كانت ثرياء جالسة على الدكة الخشبية المنخفضة خارج البيت الطيني الصغير، تطوي قطعة قماش. رفعت نظرها حين وصل الولد إلى البوابة. سمعت الجملة. وعادت إلى طيّها.

لكن يديها — لاحظت صفية — توقفتا.

نهضت بهدوء. وضعت القماش جانبًا. وقالت، بلا مراسم، بذلك الصوت الهادئ المحدد الذي تستخدمه حين تعطي معلومة لها وزن:

«سيتحدثون عن سعيد. وعن المدرسة.»

أغلق جون دفتره. كان، طوال العصر، لا يكتب شيئًا — يمسك القلم فوق الصفحة من غير أن يدعه يلمسها. لم يكن ذهنه مستقرًا بما يكفي لينتج جملة.

سأل بحذر: «هل هذا جيد أم سيئ؟»

نظرت إليه ثرياء. لم تبتسم. لم تقطب. بل منحته تلك النظرة المستوية الصادقة الخاصة التي تمنحها لجون حين تكون على وشك أن تترجم مفهومًا قرويًا إلى الإنجليزية، وتعرف مسبقًا أن النسخة الإنجليزية لن تلتقطه تمامًا.

قالت: «في سمائل، هذا أمر serious.»

كلمة serious — بالطريقة المحددة التي استخدمتها ثرياء — كانت تغطي الجيد والسيئ معًا. كانت تغطي كل نتيجة يستطيع اجتماع القرية أن ينتجها. كانت الكلمة الصحيحة. سمعها جون، ولم يسأل أكثر.

رفعت صفية نظرها. «هل نحتاج أن نجهّز شيئًا؟»

ابتسمت ثرياء — ابتسامة صغيرة حذرة. «قلوبكم فقط. وربما… بطونًا فارغة.»

أومأت صفية، وهي لا تفهم بعد لماذا ستكون البطون الفارغة مفيدة. فقد تعلّمت، بحلول ذلك الوقت، أن جمل ثرياء تشرح نفسها عادة بعد ساعة أو ساعتين.

Scene Two
The House of the Sheikh

لم يكن بيت الشيخ صغيرًا.

ولم يكن فخمًا أيضًا.

كان، كما أدركت صفية حين اقتربوا منه في آخر الضوء الذهبي بعد المغرب، بيتًا بُني، عمدًا، ليكون البيت الذي تستطيع فيه أعداد كبيرة من الناس أن تجلس على الأرض في الوقت نفسه من غير أن يصطدم بعضهم ببعض.

كانت فيه غرفة أمامية طويلة. ومجلس منخفض واسع على امتداد أحد الجدران. وكان دخان البخور يرتفع بالفعل، في أعمدة ناعمة بطيئة، من مبخرتين عند طرفي الغرفة.

لكنه كان ممتلئًا.

جلس الرجال على السجاد.

الشيوخ — رجال القرية ذوو اللحى الفضية، أولئك الذين لم يعودوا يعملون في المزارع لكنهم يزنون الأمر حين يحين وقت الوزن. والشباب — آباء الأطفال الصغار، رجال في الثلاثينيات والأربعينيات، رجال ما تزال لهم مصلحة مباشرة في اللعبة. آباء. أعمام. بعض الرجال عرفتهم صفية من بوابة المدرسة. وبعضهم لم تعرفهم إطلاقًا.

كانت رائحة الهواء قهوة — القهوة الطازجة الثقيلة بالهيل التي أُعدّت للتو في غرفة خلفية — وبخورًا، وتلك الرائحة المتراكبة المحددة للحديث الجاد التي تنتجها مجالس الرجال في كل مكان.

وعند جانب الحوش، من خلال باب منخفض مفتوح، كانت النساء منشغلات.

منشغلات جدًا.

قدور كبيرة. مراجل كبيرة. صحون كبيرة. وخطط كبيرة، بدأت بالفعل، للغداء — أو بالأحرى للعشاء — بعد الاجتماع.

همست صفية لثرياء: «لماذا كل هذا الطعام؟»

أجابت ثرياء بلا تردد، بذلك اليقين الهادئ الخاص بحقيقة قروية:

«لأن لا اجتماع عمانيًا ينتهي بلا طعام.»

أومأت صفية. «قاعدة مهمة.»

وأدركت أنها قاعدة فعلية. ليست عادة فقط. قاعدة. بالطريقة نفسها التي يكون فيها للفلج قوانين قاعدة. كل اجتماع قروي مهم ينتهي، مهما كان ما حدث قبله، بوجبة جماعية كاملة — وكانت الوجبة، في ذاتها، تصديقًا على الاجتماع.

Scene Three
The Food Fear

نظرت صفية حول طرف المطبخ من الحوش. انتقلت عينها — بلا قصد في البداية — من القدور، إلى الصحون، إلى البخار الصاعد، إلى السحابة العطرية الخفيفة من اللحم المطبوخ.

ثم — من غير إنذار — تغير وجهها.

«ثرياء…»

«نعم؟»

«أين مالود؟»

رمشت ثرياء. كانت، مثل الجميع، مركزة على الاجتماع، ولم تفكر في الجدي — كما قدّرت — منذ ساعة ونصف تقريبًا. «كان في الخارج.»

كبرت عينا صفية.

قالت، ببطء، بتلك الإنجليزية البطيئة المحددة لزوجة تقترب من فرضية مخيفة: «في الخارج… أم في المطبخ؟»

نظرت إلى السكاكين الكبيرة.

إلى القدور الكبيرة.

إلى الصحون الكبيرة.

تجمّع المنطق في رأس صفية بسرعة مرعبة. اجتماع قرية. وجبة كبيرة. لحم ضأن، غالبًا. ومن أين يأتي الضأن، في يوم بلا إنذار، ومن غير وقت للذهاب إلى الجزار؟ من جدي، غالبًا. جدي متاح محليًا. جدي صغير، أبيض، ذو قرون، جعل نفسه واضح الحضور في كل حوش من أحواش القرية خلال الشهرين الماضيين.

همست: «Oh no. لقد قتلوا مالود.»

وضعت يدها على قلبها. حرفيًا. ذهبت يدها إلى صدرها من غير أن تخطط لذلك.

«الجدي…»

في تلك اللحظة بالضبط — ذلك التوقيت المحدد الذي لا تنتجه إلا كوميديا القرية — جاءت فتكات حول الزاوية. كانت تضحك. كانت قد سمعت الجملة الأخيرة.

كوّرت يديها حول فمها — كأن صفية في آخر الحوش لا على بعد ثلاثة أمتار — وصرخت، بعربيتها المصرية الكاملة:

إيه بس بقى يا أختي! مالود إيه اللي يتدبح؟ ده بره مع الحريم! قاعد ياكل ويعمل دوشة عند أم مثّلى!

(ما الذي تقولينه يا أختي! مالود — من سيذبحه؟ إنه في الخارج مع النساء! جالس يأكل ويصنع فوضى عند أم مثلى!)

تجمدت صفية. «هو… حي؟»

أومأت فتكات. ووضعت يديها على خاصرتيها — تلك الوقفة العريضة المحددة لامرأة سُئلت للتو سؤالًا له جواب مُرضٍ جدًا. «أكثر من حي.»

وفي الخارج، كأنه سمع — وكأنه قرر، من أي مكان كان فيه، أن يجعل نفسه مسموعًا — رنّ جرس مالود بصوت عالٍ. ذلك الجرس الصغير اللامع المحدد الذي ربطته العمة عزيزة في رقبته قبل أسبوعين في محاولة لتتبعه.

وصاح أحدهم، من الحوش:

«توقف عن أكل ذلك!»

كادت صفية تبكي. من الفرح. من ذلك الارتياح الكامل المحدد لامرأة لم يُضحَّ، في النهاية، بحيوانها الصغير المتبنّى من أجل الوجبة الجماعية.

جلست. على كرسي خشبي صغير. وأمسكت قلبها مرة أخرى — هذه المرة امتنانًا لا حزنًا.

Scene Four
The Meeting Begins

في الداخل، بدأ الاجتماع يلتئم.

جلس الشيخ في الوسط — عند آخر المجلس، على وسادة صغيرة مرتفعة ترفعه، بمقدار عرض كف، فوق بقية الغرفة. كان، كما رأت صفية الآن — وهي تنظر إليه جيدًا للمرة الأولى — رجلًا مسنًا، ربما في السبعين، ذا لحية بيضاء ممشطة بعناية، وعينين هادئتين، وذلك الحضور المستقر المحدد لرجل أمضى أربعين عامًا يستمع إلى أهل القرية وهم يختلفون، وفي وقت ما، لم يعد بحاجة إلى أن يرفع صوته.

كان مرهون — والد سعيد — جالسًا قرب الجدار.

هادئًا.

غير غاضب.

فقط… ثقيلًا.

ذلك الثقل المحدد لرجل أُري، ذلك الصباح، أمام الناس، الفجوة بين ما كان يعتقده وما كان صحيحًا بالفعل، وحمل تلك الفجوة في جسده طوال العصر.

جلس سعيد خلف عمود. نصف مختبئ. ذلك الجلوس الصغير نصف المختبئ الخاص بولد أُحضر إلى الاجتماع، وقيل له إنه يستطيع البقاء، فاختار المقعد الدقيق الذي يمنحه الحضور، وإذا احتاج، الاختفاء.

جلس جون وصفية وثرياء معًا. قرب الباب. بذلك الانفصال الخفيف المحدد المخصص للضيوف الذين هم جزء من الحديث، لكنهم ليسوا جزءًا من النسب.

نحنح الشيخ.

هدأت الغرفة. فورًا.

قال — بالعربية، ببطء، بتلك الوضوح المتمرّس الخاص برجل يعرف أن كلماته ستُترجم في عدة رؤوس داخل الغرفة: «نحن هنا لنتحدث عن أولادنا. وعن التعلم.»

قال صوت من مكان ما على السجاد: «المدرسة جديدة.»

وقال آخر: «العمل أهم.»

إيماءات صغيرة. هزات رأس صغيرة. تلك الحركة الصغيرة المحددة لغرفة ظهرت فيها للتو، صامتة، عدة آراء.

نظر مرهون إلى الأرض.

لم يتكلم.

بل نظر، للمرة الأولى في ذلك العصر الطويل، إلى الأسفل — ولم يرفع نظره.

وقفت ثرياء.

لم تصرخ.

لم تبكِ.

تكلمت فقط — بعربيتها الواضحة النظيفة، عربية معلمة القرية، تلك العربية المحددة التي طورتها خلال ست سنوات من العمل في مدرسة، العربية التي تحمل كرامة أنها استُخدمت، مرات كثيرة، لترجمة كلمات إنجليزية صغيرة لآذان عمانية صغيرة.

قالت: «العلم لا يأخذ أبناءكم منكم. إنه يعطيهم طريقًا.»

وقعت الجملة.

لا بصوت عالٍ. لا بدراما. لكنها وقعت، كما تقع بعض الجمل حين تكون قد انتظرت، زمنًا طويلًا، الغرفة الصحيحة تمامًا لتُقال فيها.

أراد جون أن يساعد. كانت صفية تراه إلى جانبها، ذلك التصلب الصغير الخاص برجل انطلق فمه، مرتين في ذلك اليوم، من غير إذنه. أخذ نفسًا صغيرًا. كان على وشك أن يتكلم.

أمسكت صفية ذراعه. بحزم. تحت الكم، أغلقت أصابعها حول معصمه.

«لا عربية اليوم.»

أومأ. ببطء. بذلك الإيماء الممتن المنضبط الخاص برجل بدأ، بعد ثلاث نوبات عربية غير مصرّح بها، يثق بقبضة زوجته أكثر مما يثق بفمه.

تحدث الرجال.

جادلوا.

استمعوا.

ذلك الدوران المحدد لمجلس يعمل — رجل يعطي رأيه، يتوقف، وآخر يلتقط الخيط، والشيخ يميل برأسه على فترات، ومقاطعة صغيرة من عم أصغر، وتصحيح صغير من رجل أكبر. لم تستطع صفية أن تتابع كل ذلك. لكنها استطاعت أن تتابع شكله.

ثم جاء، من مكان ما قرب الجدار، صوت لم تتعرف إليه في البداية.

قال بصوت خافت، بعربية بسيطة استطاع حتى جون، وهو يميل إلى الأمام، أن يتبع جزءًا منها: «كنت خائفًا. ظننت أن المدرسة ستغيره.»

أدارت صفية رأسها.

مرهون.

كان قد تكلم. كان رأسه لا يزال منخفضًا قليلًا. لم يكن صوته عاليًا. لكن كل رجل في الغرفة سمع الجملة.

أومأ الشيخ. ببطء. ذلك الإيماء البطيء المحدد لرجل كان ينتظر — بصبر، من غير أن يتوقع — هذه الجملة بالضبط.

قال: «ستغيره. لكن ليس بطريقة سيئة.»

وعبر الغرفة، خلف العمود، رفع سعيد — الولد الهادئ، جامع الأسرار، ابن التاسعة الذي حمل ذلك الصباح كدمات من عصا أبيه — نظره. للمرة الأولى. التقت عيناه بعيني الشيخ. ثم بعيني أبيه. ثم — ببطء شديد — استقرتا على ثرياء.

Scene Five
And Then — Lunch

وكالسحر…

تغيرت الوجوه الجادة.

كانت تلك الأعجوبة الصغيرة المحددة في التجمعات العمانية، التي كانت صفية تشهدها للمرة الأولى — اللحظة التي يُفهم فيها أن مرحلة الكلام قد انتهت، وأن مرحلة الأكل قد بدأت، من غير أن يعلن أحد الانتقال بصوت عالٍ.

جاءت الصحون.

الصحون الجماعية العمانية الهائلة المحددة، يحمل كل واحد منها شخصان، وكل واحد في حجم طاولة صغيرة وحده.

أرز — ذلك الأرز القروي طويل الحبة، المطبوخ بقرون الهيل وخيوط الزعفران التي جعلت الحبوب ذهبية باهتة، وفوقه شرائح صغيرة من اللوز المقلي والزبيب الحلو المتناثر.

لحم.

مزيد من الأرز.

مزيد من اللحم.

والرجال — بذلك التنسيق المحدد الخاص برجال فعلوا هذا معًا مرات كثيرة — اقتربوا من الصحون، دسّوا أطراف دشاديشهم تحت ركبهم، غسلوا أيديهم اليمنى في الأحواض الصغيرة التي مُررت بينهم، وبدأوا، بلا إعلان، يأكلون.

نظر جون إلى الطعام.

نظر إليه كما ينظر رجل إلى شيء لم يفهم، حتى هذه اللحظة، حجمه. كانت عيناه واسعتين. وكان وجهه، كما لاحظت صفية، هو الوجه المحدد لإنجليزي أدرك للتو أن أحجام الحصص المهذبة التي نشأ عليها ليست، في قواعد الضيافة العالمية الأكبر، إلا لهجة متواضعة.

أكل.

وأكل.

وأكل.

صفية، إلى جانبه، راقبته وهو يشق طريقه عبر جبل صغير من الأرز وطبقة سخية من لحم الضأن، بذلك appetite المتواصل المحدد لرجل قرر، في نقطة مبكرة من الوجبة، أن عدم الأكل كاملًا سيكون وقاحة ثقافية.

بعد بعض الوقت — وقد وصل جون الآن إلى ما ستصفه صفية لاحقًا لأختها بأنه الهضبة الخامسة — أوقفته. بهدوء. ويدها على معصمه. مرة أخرى.

«جون…»

قال — وفمه ممتلئ، بذلك الإلقاء المرح المكتوم الخاص برجل وجد، في تلك الأمسية، مهنته الصحيحة: «هذا تاريخ. يجب أن أحترم التاريخ.»

بعد الوجبة، بدأ ذلك الترتيب البطيء المحدد لما بعد الطعام. جمع الشباب الطوال الصحون. استند الشيوخ إلى الوسائد. جون لم يستند. كان جون قد استند فعلًا، وكان الآن يمسك بطنه بكلتا يديه، وكان، كما رأت صفية، في حالة دهشة جسدية مما حدث له للتو.

قال — بصوت عالٍ، بالإنجليزية، بذلك الوضوح الفلسفي الصغير الذي يأتيه بعدما يأكل أكثر مما ينبغي بكثير:

«الآن أفهم لماذا بطون الرجال العمانيين كبيرة.»

سكون.

سكون صغير مذعور، من جهة صفية، لأن لها زوجًا يقول مثل هذه الأشياء في مثل هذه اللحظات.

ثم صاحت ثرياء — ثرياء، من الجهة الأخرى من الغرفة، وهي تضحك قبل أن تتكلم أصلًا:

«هذا جيد للبس الخنجر!»

ضحك الرجال. بصوت عالٍ. ذلك الضحك الدافئ، المتسامح، المرحّب، الخاص بمجلس قرر، جماعيًا، أن يأخذ قلة أدب جون على أنها مجاملة.

رمشت صفية. «ما هو… الخنجر؟»

ابتسمت ثرياء — تلك الابتسامة المحددة: ثرياء تعرف شيئًا.

«سترينه. قريبًا جدًا.»

Scene Six
Outside, and That Night

في الخارج، كان مالود ما يزال حيًا.

حيًا جدًا.

كان، بمزيجٍ ما من دهاء الماعز وظرفٍ سعيد، في الفناء الخلفي مع النساء والأطفال. كان يأكل. كان يسرق الطعام. كان يجعل الأطفال يصرخون — من الفرح، ومن ذلك الخوف المحدد من أن تُنتزع حصتهم الصغيرة بأيدي لصٍّ أبيض صغير.

وبجواره — قريبًا بما يكفي حتى تستقر يده الصغيرة، مرة أو مرتين، على خاصرة مالود الدافئة — كان سعيد جالسًا.

مبتسمًا.

لا ابتسامة واسعة. ولا عالية. لكن — وللمرة الأولى التي تراها صفية قط — كان يبتسم.

تلك الابتسامة الهادئة الخاصة بطفلٍ في التاسعة كان قد دخل، بطريقته الصغيرة، في قرارٍ قروي. سمع أباه يتكلم. وسمع الشيخ يجيب. وسمع الغرفة لا ترفضه. ورأى أباه، من الطرف الآخر من الغرفة، لا ينظر إليه بغضب — ثم، في النهاية، لا ينظر إليه أصلًا، لأن الأمر كان قد حُسم، بالطريقة القروية غير المنطوقة.

غدًا، سيأتي سعيد، أخيرًا، إلى المدرسة.

لم يقل أحد ذلك بهذه الكلمات. لم يكتبه أحد على ورق. لكنه كان، في مكانٍ ما بين جملة ثرياء وإيماءة الشيخ واعتراف مرهون الهادئ، قد تقرّر. وكان كل شخص في ذلك المجلس يعرف ذلك.

في تلك الليلة، في بيتهما البسيط، استلقى جون على البساط ويده على بطنه. كان لا يزال يشعر، بخفة، بثقل الأرز. وكان قد أعلن عند الباب أنه لن يأكل مرة أخرى لمدة يومين. ابتسمت صفية لذلك — ابتسامة الزوجة الصغيرة العارفة، التي سمعت التصريح نفسه من قبل، وتعرف، بثقة كاملة، كم سيصمد.

مدّ يده إلى دفتره.

كان يكتب أكثر خلال الأسبوع الأخير. صار الدفتر الآن ممتلئًا ربما بثلثه. وبدأ، من غير تخطيط، يحتفظ بشيءٍ يشبه اليوميات — لا سجلًا مهنيًا، ولا دفتر متابعة للتدريس، بل ذلك السجل الشخصي المتراكم لرجلٍ كانت قرية تصنعه بهدوء وثبات.

كتب، ببطء:

اليوم، تكلمت قرية. وتغيّر شيء ما.

كانت صفية، جالسة قبالته على جزئها الصغير من البساط، قد فتحت دفترها أيضًا. كانت قد قررت، قبل أسابيع، أن تحتفظ بسجلها الخاص. كتبت جملتها تحت جملته — بخطها الإنجليزي الأصغر والأكثر استدارة:

وأيضًا، مالود ليس طعامًا.

قرأ جون الجملة. فضحك — ضحكة رجلٍ هادئة ممتلئة البطن، أنهكه اليوم، ثم صار، في نهايته، راضيًا.

في الخارج، وقفت ثرياء في الفناء الصغير لبيت والديها، تنظر إلى النجوم.

كانت نجوم سمائل، في أكتوبر من عام 1973، نمطًا كثيفًا مخصوصًا، ظلت القرية تراقبه منذ زمنٍ سبق وجود القرية نفسها بزمن طويل. وقد راقبت تلك النجوم، في ذلك المساء، القرية وهي تحاور نفسها. راقبت الشيخ يومئ. وراقبت مرهون يعترف بخوفه. وراقبت سعيد يرفع عينيه.

نظرت إليها ثرياء طويلًا. ثم قالت — بهدوء، لا لأحد، للنجوم وحدها — تلك الجملة الصغيرة المحددة التي يقولها المعلم حين يعترف لنفسه، في خلوته، بأن شيئًا كان يرجوه قد حدث أخيرًا:

قالت: "غدًا، نبدأ شيئًا جديدًا." — Palm Seventeen / النخلة 17 —

··
PALM SEVENTEEN · Spicy Food and Saeed's First English Sentences
Palm
Palm Seventeen
Spicy Food and Saeed's First English Sentences
Scene One
The Visit

كانت لبعض البيوت في سمائل أسرار.

ليست أسرارًا سيئة.

بل جميلة.

وكان معظمها يعيش داخل مندوس.

في ذلك الصباح، دعت ثرياء جون وصفية إلى بيت والديها.

قالت، وهي تبتسم بتلك الطريقة التي تعلّمت صفية أن تقرأها — وكانت تعني أشياء كثيرة: "أمي تريد أن تريكما شيئًا."

تحمّست صفية. "هل هو طعام؟"

ضحكت ثرياء. "ليس هذه المرة."

بدا جون مرتابًا. تلك النظرة الحذرة المحددة لرجلٍ فوجئ، حتى الآن، مراتٍ كافية بالدعوات العُمانية حتى صار يعرف أن كلمة شيء تحمل وزنًا.

سأل: "هل هو شيء سيجعلني آكل مرة أخرى؟"

كان بطنه — من عشاء الليلة السابقة في بيت الشيخ — لم يتعافَ تمامًا، كما سيعترف لاحقًا. في الواقع، لم يأكل في الإفطار إلا قطعة خبز صغيرة واحدة، في محاولةٍ منه لأن يبلغ جسده حالةً محايدة.

قالت ثرياء: "ربما." تلك الـ"ربما" المازحة المحددة. "لكن أولًا… الثقافة."

مشوا معًا إلى بيت والدي ثرياء — عبر الطريق الصغير الذي يمتد خلف المدرسة، مرورًا ببستاني نخيل، وبالبئر القديمة التي لم تُستخدم منذ أن مُدّ الفلج عام 1968، حتى وصلوا إلى البيت الطيني المنخفض ذي الباب الأزرق والفناء الأمامي الصغير الذي يُكنس نظيفًا كل صباح.

كان البيت بسيطًا ودافئًا. جدرانه فاتحة اللون — بذلك الأصفر المغري الشاحب والدافئ لطين القرية غير المطلي — وكانت الغرف تفوح برائحة العود — يحترق بهدوء في مبخرة طينية صغيرة قرب الباب — ورائحة القهوة.

رحّبت بهما أم ثرياء بلطف. كانت امرأة صغيرة متينة، أطراف أصابعها مخضّبة بالحناء، وتحمل ذلك الدفء الثابت الخاص بامرأةٍ قروية صارت، في ستينيات عمرها، مرتاحة تمامًا مع الغرباء.

قالت: "تفضلوا، تفضلوا. اجلسوا."

جلسوا على الوسائد المنخفضة المرتبة بمحاذاة الجدار. أحضرت القهوة — في الكؤوس التقليدية الصغيرة، تلك الفناجين الخاصة بالضيافة العُمانية — وطبقًا صغيرًا من التمر. وتحدثت إليهم، عبر ترجمة ثرياء اللطيفة، عن الطقس، وعن صحتهم، وعن ساق جون التي كانت، بحلول ذلك الوقت، قد تعافت تمامًا من الدبور.

ثم اختفت في غرفة أخرى.

وعادت — تمشي ببطء وحذر — وهي تحمل شيئًا بكلتا ذراعيها.

صندوق خشبي كبير.

قديم.

ثقيل.

جميل.

كان بحجم طاولة قهوة صغيرة تقريبًا. خشبه الداكن صُقل، على مدى عقود، بذلك الفرك الأسبوعي الدقيق الذي تقوم به يدا أحدهم بعناية. وكان وجهه وجانباه مرصعين بمسامير نحاسية صغيرة — عشرات وعشرات منها، مرتبة في زخارف هندسية، ضمن تلك النقوش التقليدية المحددة التي بدأت صفية تتعرف إليها على عتبات الأبواب وواجهات الخزائن في أنحاء القرية.

كان للغطاء قفل نحاسي صغير. أما المفتاح — مفتاح ثقيل، قديم، مزخرف — فكان يتدلّى في سلسلة فضية رفيعة من معصم أم ثرياء.

سألت صفية: "ما هذا؟" كان صوتها قد انخفض. ذلك الصوت الهادئ المحدد لامرأة أدركت، قبل أن تعرف أي شيء آخر، أنها على وشك أن ترى شيئًا مهمًا.

قالت ثرياء — بفخر ودفء، وبذلك الود الخاص بابنة تشير إلى شيءٍ عائلي: "هذا هو المندوس."

مدّ جون يده إلى الأمام. لمسه — بحذر، بإصبعين، على أحد المسامير النحاسية. "يبدو كصندوق كنز للقراصنة."

ابتسمت أم ثرياء حين تُرجم لها ذلك. تلك الابتسامة الصغيرة الفخورة لامرأة سمعت صندوقها الحبيب يُقارن بصندوق قراصنة، وقررت، بخفة مرح فورية، أن تقبل المجاملة وتحسّنها.

قالت: "أفضل."

Scene Two
The Treasure Inside

انفتح المندوس بصوتٍ بطيء درامي — ذلك الصرير الخافت المحدد لخشبٍ ظل مغلقًا زمنًا طويلًا، ولمفصلات قديمة، ولقفل لم تُدره إلا أيدٍ محددة قليلة على مدى عدة عقود.

في الداخل…

ضوء.

فضة.

ذهب.

حكايات.

انحنت صفية إلى الأمام من غير أن تقصد. انحبس نفَسها. لم يكن داخل المندوس مجرد وعاء. كان، كما ستكتب في دفترها تلك الليلة، متحفًا صغيرًا كاملًا لحياة أحدهم.

أخرجت أم ثرياء أول شيء.

خنجر.

استدارت عينا جون واتسعتا. تلك النظرة المستديرة العينين لرجلٍ سمع، خلال أسبوع واحد، كلمة خنجر مرات عدة، وها هو — أخيرًا — يراه في اليد الحقيقية لامرأة عُمانية حقيقية.

"آه! السكين المنحني!"

نظرت إليه ثرياء. بجدّية. بذلك الصبر الجاد المحدد الذي تستخدمه حين تكون على وشك أن تصحح فهم زائرٍ أجنبي لرمزٍ وطني.

"إنه ليس مجرد سكين."

توقفت. لتترك التصحيح يصل.

"إنه رمز."

كان الخنجر بطول نحو ثلاثين سنتيمترًا، من طرف غمده المنحني إلى أعلى قبضته. وكان الغمد نفسه منحنيًا إلى أعلى بذلك الشكل الهلالي المحدد الذي صار توقيع عُمان الوطني. التفّ سلك فضي رفيع، مشغول بزخارف معقدة، حول الغمد من طرفه تقريبًا إلى فمه. وزيّن الفضة ورد صغير مطروق يدويًا. أما الحزام الملحق به فكان شريطًا عريضًا من الجلد، منقوشًا بخيوط فضية أخرى.

سألت صفية بهدوء: "هل أستطيع لمسه؟"

أومأت أم ثرياء.

حملته صفية. حملته كما يحمل المرء شيئًا قد يتبين، في أي لحظة، أنه مصنوع من زجاج. ولاحظت أن يديها صارتا حذرتين جدًا.

"إنه جميل."

ثم جاءت الحُلي الفضية.

الحُلي الفضية الخاصة بعُمان القديمة، تلك التي صُنعت قطعةً قطعة على أيدي صاغةٍ متخصصين صغار في أسواق نزوى ومسقط والرستاق خلال الستين سنة الماضية، والتي جمعتها جدة ثرياء على امتداد حياتها الزوجية.

عقود كبيرة — تلك العقود الصدرية العريضة التي ترتديها النساء في الأعراس، وفيها دلايات فضية طويلة تنسدل على الصدر وتكاد تبلغ الخصر.

أساور ثقيلة — رفعت صفية واحدًا منها، وفوجئت بوزنه. سوار واحد، إذا ارتدته امرأة في معصمها يومًا كاملًا، سيذكّرها بوجوده كلما رفعت ذراعها.

أقراط لامعة — صغيرة وكبيرة، بعضها بقطرات فضية، وبعضها بأحجار ملونة دقيقة، وبعضها بتلك الزخارف الفضية المخروطية الشكل التي كانت تُصنع في نزوى منذ ربما مئتي عام.

ثم — شيء آخر. شيء، حين رفعته أم ثرياء من المندوس، تحرّك.

حركة صغيرة، محددة جدًا، منسدلة. وصوت. رنين فضي خافت لقطعٍ فضية صغيرة تتحرك بعضها على بعض.

ابتسمت ثرياء. قالت: "هذه مرتعشة."

قالت صفية الكلمة ببطء وحذر. "مر… تع… شة."

تحركت الحلية في يد أم ثرياء. وأصدرت ذلك الصوت الخافت مرة أخرى.

"آه!" ضحكت صفية — ضحكة صغيرة مبتهجة لامرأة فهمت للتو. "إنها ترتجف!"

أومأت ثرياء. "لهذا السبب."

ثم جاء البنجري.

بدت صفية حائرة. "ما هذا؟"

أرتها أم ثرياء. "أساور. كثيرة منها."

أشارت إلى ذراع صفية. مدت صفية ذراعها، مترددة قليلًا. وأدخلت أم ثرياء البنجري، واحدًا بعد واحد، في معصمها.

واحد.

طنّة.

اثنان.

طنّة. طنّة.

ثلاثة.

طنّة. طنّة. طنّة.

وحين انتهت، كان معصم صفية يحمل ربما اثني عشر سوارًا فضيًا رفيعًا. حرّكت يدها. فتحركت كلها معها.

كان صوته كالموسيقى.

صفّق جون. قال: "أنتِ الآن آلة موسيقية تمشي."

Scene Three
Silver or Gold?

أخرجت ثرياء عقدين من المندوس. وضعتهما، بحذر، على قطعة قماش بيضاء صغيرة فوق الطاولة المنخفضة أمامهم.

قالت: "أحدهما من الفضة. والآخر من الذهب."

قال جون، وهو يتفحصهما معًا بذلك الانتباه الحذر لرجل يحاول أن يشارك مشاركة ذات معنى في درسٍ ثقافي: "الفضة… رمادية. والذهب… أصفر."

لم تستطع صفية، الجالسة قبالته، أن تقاوم.

قالت — بذلك المزاح الصغير الدافئ لزوجة كانت تدّخر هذه الملاحظة طوال الأسبوع: "مثل جون، بعد الغداء، وجون قبل الغداء."

تجاهلها جون. ذلك التجاهل الإنجليزي الوقور المحدد الذي صقلته، على مدى زواجه، حتى صار فنًا صغيرًا.

ابتسمت ثرياء. كانت قد سمعت النكتة. وقررت أن تترك لجون كرامته.

قالت — عائدة إلى صوتها التعليمي، ذلك الصوت المحدد الذي تستخدمه حين تكون على وشك أن تشرح شيئًا له ثقل ثقافي: "في عُمان، الفضة مهمة جدًا. خصوصًا للنساء."

رفعت العقد الفضي. التقطت قطعه الضوء القادم من النافذة الصغيرة العالية — كان الضوء قد بلغ، في تلك الساعة، زاوية منتصف الصباح المائلة التي رأت صفية أنها الزاوية المناسبة تمامًا لإظهار الفضة.

كان للفضة هنا صفة مختلفة عن الفضة التي عرفتها في لندن. كانت فضة مصنوعة يدويًا — ذلك النوع الذي يحمل اختلافات صغيرة، وآثار مطرقة دقيقة، وعلامات ظاهرة لليد المحددة التي شكّلته. لم تكن مصقولة حتى لمعان المصانع. كانت مصقولة إلى بريقٍ ألين، بريق شيءٍ أُحبّ واستُخدم.

نظرت صفية إلى الحُلي على الطاولة.

قالت: "إنها ثقيلة."

كانت ثقيلة هي الكلمة. عقد واحد، إن لُبس، سيستقر على صدر المرأة بوزن حقيقي، مستمر، مذكِّر. لن تنسي أنك ترتدينه.

أومأت أم ثرياء — تلك الإيماءة الهادئة المؤكدة لامرأة ارتدت هذه القطع نفسها مراتٍ كثيرة.

"نعم. لكنها جميلة."

قال جون — وهو يحمل أحد العقود الأكبر على راحته، يختبر وزنه — بعجبٍ صادق: "أظن أنني إذا ارتديت هذا، فسأسقط."

ضحكت ثرياء. "لا نضع كل شيء على شخص واحد."

شرحت الحُلي — فيما بدأت أمها ترفع قطعًا أصغر، واحدة بعد واحدة، وتضعها على القماش — أنها تُوزع على جسد المرأة في يوم زفافها المحدد. المرتعشة عند الحلق. والبنجري عند المعصم. والأقراط. والخواتم. والحزام. وزينة الرأس. وكل ذلك معًا له اسمه الخاص، وترتيبه الخاص، ومعناه الخاص.

العروس، وهي تلبس كل ذلك، تحمل — ليومٍ واحد — تاريخ أسرتها المدّخر كله على جسدها.

Scene Four
Trying Clothes

ثم أحضرت أم ثرياء الملابس التقليدية.

خرجت من الغرفة الداخلية وهي تحملها بحذر على ذراعيها الاثنتين — ذلك الحمل الموقر المحدد لملابس ظلت، لسنوات، تنتظر في خزانة معتمة صباحًا من هذا النوع تمامًا.

فستان لصفية. فستان عرسٍ عُماني مطرّز بعينه، بخيوط ذهبية على الأكمام وعبر الصدر، ضمن زخارف هندسية محددة ظلت تُنسج في هذه المنطقة ربما منذ مئة عام.

ودشداشة لجون. بيضاء بسيطة. مكوية حديثًا. بذلك البياض القطني النظيف المحدد لدشداشة حُفظت للضيوف.

وحزام.

وشيء طويل ولامع.

أشار جون — بتلك الإشارة الحذرة لرجلٍ فهم، منذ اللحظة التي ظهر فيها الشيء الطويل اللامع، ما هو، وكان يريد — لكنه لم يجرؤ تمامًا — أن يسأل.

"هل هذا… لي؟"

ابتسمت ثرياء. ببطء. تلك الابتسامة البطيئة المحددة لامرأة توشك أن تعطي رجلًا إنجليزيًا طويلًا، لأول مرة في حياته، خنجرًا.

"نعم."

ارتدى جون الدشداشة.

انسدلت حتى كاحليه. ولاحظت صفية أنها تليق به على نحوٍ مفاجئ — فالقطن الأبيض الفضفاض انسدل من هيكله الطويل النحيل كما صُممت الدشداشة أن تنسدل، وكان أثر ذلك أن بدا، لأول مرة منذ وصولهما إلى البلاد، لا كأجنبي، بل كنوعٍ مفهوم من الرجال.

ثم ساعدته ثرياء في الحزام. لفّته مرتين حول خصره، وعدّلت المشبك، وشدّته بالطريقة الصحيحة المحددة. ثم التقطت الخنجر. وثبّتته في مقدمة الحزام — بالزاوية المحددة، مائلًا قليلًا إلى الخارج، التي ظل الرجال العُمانيون يثبتون بها خناجرهم منذ عدة قرون.

نظر جون إلى نفسه — في مرآة صغيرة أخرجتها أم ثرياء خصيصًا لهذا.

مستقيمًا.

جديًا.

مهمًا.

لم يكن التحول المحدد الذي يصنعه الخنجر في جسد رجلٍ لم يرتده من قبل خفيًا. وقف بطريقة مختلفة. اعتدل كتفاه. وارتفعت ذقنه.

صفّقت صفية. لم تستطع منع نفسها.

قالت: "تبدو مثل سلطانٍ جائع جدًا."

وقف جون أطول. كان قد قرر أن يقبل اللقب. "أشعر بالقوة."

ضحكت ثرياء. قالت — بتلك الحكمة الصغيرة المحددة لجملةٍ ربما قالتها لها أمها حين كانت في العاشرة: "انتبه. القوة تأتي مع المسؤولية."

جرّبت صفية الفستان. ثم — قطعةً قطعة — الحُلي.

البنجري. اثنا عشر منه. طنّة. طنّة. طنّة.

العقد.

الأقراط.

المرتعشة.

مشت. بحذر. تلك المشية البطيئة المحددة لامرأة ترتدي، لأول مرة في حياتها، من المعدن على جسدها ما يكفي لأن تُرى مسموعةً من مسافة عشرة أمتار.

طنّة طنّة طنّة.

استدارت. ونظرت إلى نفسها في المرآة الصغيرة نفسها.

سألت بهدوء: "هل أبدو عُمانية؟"

ابتسمت ثرياء بدفء. تلك الابتسامة الصغيرة الدافئة لامرأة تخيّلت، مراتٍ كثيرة، هذه اللحظة بالذات — زوجة المعلم الإنجليزي، بفضة عرس أمها، في ذلك الضوء المائل الناعم المحدد لغرفة جلوس أمها الصغيرة.

"جدًا."

Scene Five
The Lesson Idea

لاحقًا، جلسوا من جديد على الوسائد. أحضرت أم ثرياء قهوة جديدة. ذلك التجديد الاحتفالي الصغير الذي يحدث، في كل بيت عُماني، عند النقطة الدقيقة من الزيارة حين ينتقل الحديث من الضيافة الرسمية إلى الصحبة الحقيقية.

كان جون، الذي لا يزال في دشداشته، قد مدّ يده إلى دفتره. وكانت صفية ترى أنه يفعل ذلك الشيء الصغير المحدد الذي يفعله حين يجد درسًا — ذلك التركيز الصغير المقطب الجبين لمعلم يحوّل التجربة المعاشة إلى مادة صفية.

قال، ببطء، وهو يكتب: "يمكننا أن نجعل هذا درسًا."

أومأت صفية. "نعم! الملابس. والحُلي."

قالت ثرياء — بذلك اليقين الهادئ المحدد لمعلّمة رأت خطة الدرس في رأسها أصلًا: "المفردات."

أخذت قطعة ورق صغيرة. وكتبت، بخطها العربي والإنجليزي الواضح:

Gold Silver Wearing Necklace Bracelet Khanjar Dress

انحنت صفية إلى الأمام. "يمكننا أن نعلّمهم: 'I am wearing…' و'She is wearing…'"

وأضاف جون — برضا معلّم صغير: "وأيضًا: 'It is made of silver.' و'It is made of gold.'"

أومأت ثرياء. "جيد."

جلسوا مدةً أطول قليلًا في الغرفة الصغيرة الدافئة. استمر العود يحترق. ورفعت أم ثرياء، التي كانت تراقبهم بذلك الرضا البطيء المحدد لامرأةٍ نجح بيتها للتو في تقديم نجاح ثقافي صغير، المندوس — وقد صار أخف قليلًا مما كان — وحملته إلى الغرفة الداخلية.

عادوا إلى البيت عبر ضوء العصر. كانت صفية، بحلول ذلك الوقت، قد عادت بلا زينة — خاتمها العادي في إصبعها، ووشاحها العادي حول عنقها. لكنها تحركت بقية العصر بإحساسٍ صغير محدد بمعصميها. كأن جزءًا منها لا يزال يحمل، بخفة، ذكرى البنجري.

أما جون — الذي أعاد، بترددٍ شديد، الدشداشة والحزام والخنجر عند الباب — فقد مشى أكثر استقامة طوال الطريق إلى البيت. وستلاحظ صفية لاحقًا أن كتفيه ظلّا معتدلين قرابة ثلاث ساعات أخرى، حتى أعاده الأثر المتراكم للتدريس والغداء وكونه طويلًا إلى انحناءته الإنجليزية المعتادة.

Scene Six
At School: I Am Wearing

في اليوم التالي، كان الصف ممتلئًا بالهمسات.

دخلت صفية وهي لا ترتدي إلا سوارًا واحدًا — بنجريًا فضيًا واحدًا كانت أم ثرياء قد أدخلته في معصمها عند الباب ذلك الصباح بلطف، ورفضت أن تقبله عائدًا.

ودخل جون بالحزام فقط. لا الخنجر — فقد قالت ثرياء، بحزمٍ شديد، إن الخنجر نفسه لا ينبغي أن يُحضر إلى الصف؛ الخنجر شيء، لا وسيلة تعليمية — لكن الحزام، بما فيه من شغلٍ فضي جميل، سُمح له أن يرتديه.

وحملت ثرياء كيسًا قماشيًا صغيرًا.

فتحته على مكتبها.

فشهق الأطفال.

تلك الشهقة الجماعية الكاملة المحددة لاثني عشر طفلًا عُمانيًا صغيرًا رأوا، معظم حياتهم، أمهاتهم يرتدين مثل هذه الحُلي في الأعراس فقط — من بعيد، عبر قاعة مزدحمة، في مناسبات خاصة — ولم يروا قط، حتى هذه اللحظة نفسها، القطع نفسها موضوعة بعناية على مكتب معلمة.

صاح منصور: "واو!"

ابتسمت مثيلة. "جميل!"

قال أحمد — وهو يدرس إحدى القطع بذلك الانتباه الدقيق المحدد لصبي يعدّ نفسه خبيرًا في معظم الأشياء المنزلية: "هل هذه فضة حقيقية؟"

ابتسمت ثرياء. لم تجب مباشرة. بدلًا من ذلك، التفتت إلى السبورة وكتبت، بأحرفها الكبيرة الواضحة:

I am wearing…

أشارت إلى صفية. "صوفيا. ماذا ترتدين؟"

قالت صفية ببطء، وهي ترفع معصمها — والبنجري الفضي الوحيد يلتقط ضوء الصباح: "I am wearing… a bracelet."

كرر الصف. بجوقته المعتادة المتداخلة.

"I am wearing a bracelet."

أشار جون إلى نفسه. إلى الحزام المشغول بالفضة. "I am wearing… a belt."

كرر الصف. ولاحظت صفية أن أحمد كتب الجملة مرتين، وتحتها خطان زخرفيان مختلفان.

ثم رفعت ثرياء العقد الفضي الكبير. ذلك الذي كان، في اليوم السابق، معلقًا في يد أمها.

"ما هذا؟"

قالت نورة — أولًا، كما هي دائمًا: "Necklace."

"جيد. ومِمَّ صُنع؟"

صمت.

ذلك الصمت الصفي الصغير المحدد لمجموعة أطفال رأوا، لسنوات، هذه المادة نفسها على أعناق أمهاتهم وصدورهن، وكانوا يعرفون — يعرفون تمامًا — ما هي، لكن لم يُطلب منهم قط أن يسمّوها بالإنجليزية.

قالت ثرياء، مساعدةً: "It is made of… silver."

كرر الصف. "It is made of silver."

ثم رفعت ثرياء قطعة أخرى — خاتمًا ذهبيًا صغيرًا أعارته أمها لذلك اليوم تحديدًا من أجل هذا الدرس.

"وهذا؟"

صاح خليل — فورًا، بثقة صبي لم يحتج هذه المرة إلى التفكير:

"Gold!"

ابتسمت ثرياء. "نعم. It is made of gold."

رفع منصور يده. "معلمة… أنتِ ترتدين… أشياء كثيرة؟"

ضحكت ثرياء. تلك الضحكة الدافئة المحددة لمعلّمة أظهر أفضل طلابها في التداولية، مرة أخرى، موهبته في طرح السؤال الدقيق الذي كانت ترجو أن يطرحه أحدهم.

"ليس اليوم."

في آخر الصف، كان سعيد جالسًا بهدوء.

كان جديدًا. ما يزال حذرًا. وصل ذلك الصباح — بعد الاجتماع في بيت الشيخ، وبعد قرارات المساء — واتخذ مقعدًا في الخلف، قرب الباب، حيث الضوء أبرد، وحيث يستطيع، كما هي عادته، أن يراقب من غير أن يُراقَب.

نظر إلى الحُلي على المكتب كأنها جاءت من عالمٍ آخر.

وبمعنى ما، كانت كذلك. لم تكن عائلته تملك مثل هذه القطع. كانت معصما أمه عاريين. ومعصما جدته، في آخر حياتها، كانا عاريين أيضًا. إن امتلاك مندوس ممتلئ بالفضة يتطلب، كشرطٍ سابق، عدة أجيال من اليسر المتواضع — وهو ما ظلت عائلته، لسبب أو لآخر، تفتقده باستمرار.

لاحظت صفية. مشت — بهدوء، بلا جلبة — إلى آخر الصف. وجثت بجانب مقعده الصغير. مدت معصمها. التقط البنجري الفضي الوحيد ضوء الصباح.

سألت، بلطف، بالإنجليزية الحذرة المحددة لمعلّمة اختارت جملة بسيطة: "Saeed, what am I wearing?"

فكر سعيد.

تركّز وجهه الصغير الجاد. كانت عيناه — عينَي صبي ضُرب بعصا قبل يومين — تحملان الآن ذلك الصفاء الصغير المحدد لطفلٍ يُطلب منه، لأول مرة في حياته، أن ينتج جملة بالإنجليزية.

قال — ببطء وحذر: "You… are wearing… bracelet."

ابتسمت صفية. بدفء. تلك الابتسامة الدافئة الخاصة بمعلّمة كانت تنتظر طوال الأسبوع أن تمنحها.

"Good!"

وأضاف جون — الذي كان قد اقترب ليقف خلفها — بلطفٍ مماثل: "And what is it made of?"

همس سعيد — ذلك الهمس الصغير الخجول لصبي يجرّب كلمة جديدة: "Silver."

أومأ جون. "Excellent."

لم تكن كلمة excellent كلمة سمع سعيد أنها تُقال عنه من قبل. جلس ساكنًا جدًا. واعتدل كتفاه قليلًا، تقريبًا من غير إذنه.

ومن مقعدين بعيدين، همس منصور إلى خليل — وهو الذي لا يستطيع، حتى الآن، أن يدير أكثر من ثلاثين ثانية من انتباهٍ متصل: "في يومٍ ما، سأرتدي خنجرًا."

همس خليل جوابًا، بلا تردد، بتلك القسوة الصغيرة الودودة لصديقٍ في التاسعة: "في يومٍ ما، ستضيعه."

في ذلك المساء، كتب جون في دفتره:

اليوم، علّمنا الفضة والذهب. وأيضًا، أريد خنجري الخاص.

قالت صفية، من غير أن ترفع نظرها، ببرود: "لا."

وضحكت ثرياء، التي جاءت لتناول الشاي.

وفي الخارج، في الفناء الصغير، كان مالود — الذي قرر، لأسبابه الخاصة، أن هدف اليوم سيكون قطعة قماش تجف على حبل الغسيل — يحاول أن يسحبها إلى الأسفل.

رأت ثرياء ذلك عبر النافذة. فصاحت — بصوت المعلمة الكامل: "لا يا مالود!"

تجاهلها مالود.

كالعادة. — Palm Eighteen / النخلة 18 —

··
PALM EIGHTEEN · Mountains, Sea, and the Magic Box of Muttrah
Palm
Palm Eighteen
Mountains, Sea, and the Magic Box of Muttrah
Scene One
The Tired Fan

كان الصف حارًا أصلًا قبل أن تبلغ الشمس وسط السماء.

كانت هذه حرارة سمائلية من نوعٍ محدد. ليست حرارة عصرٍ صيفي إنجليزي، تأتي وتمضي وتسمح للمرء أن يخلع سترته فيشعر فورًا بتحسن. وليست حرارة غرفة فندق في أغسطس. كانت حرارة متراكمة لصباح أكتوبر في داخلية عُمان — حرارة تبدأ في الجدران، ظل الطين يحتفظ بها طوال الليل من شمس الأمس، وتشع بهدوء من الطين المدكوك، وتجعل كل شيء — المقاعد، والسبورة، وأكوام الدفاتر الصغيرة، وكرسي صفية نفسه — يبدو كأنه قد غُمر طويلًا بدفءٍ لن يتخلى عنه قريبًا.

كانت المروحة في السقف تدور ببطء. رأت صفية أنها تدور كما يدور حصان عملٍ متعب — لا لأنه يؤمن بالدوران، بل لأن أحدًا لم يعفه من المهمة.

كانت تصدر صوتًا جافًا ضعيفًا.

تك… تك… تك…

ذلك الطقطق المعدني الجاف المحدد لمحملٍ معدني ظل، لعدة سنوات، يرفع عريضة صامتة طلبًا لقليلٍ من الزيت لم يخطر لأحد أن يعطيه إياه. وأدركت صفية أن المروحة في حالٍ تشبه حال معظم الآلات الصغيرة في القرية — تخدم بإخلاص، ناقصة الصيانة، بلا شكوى.

لكن الهواء لم يغيّر رأيه.

ظل دافئًا. وظل ثقيلًا. وظل ممتلئًا برائحة الغبار والطباشير المحددة لصفٍ صار، منذ أشهر الآن، بيت صفية الثاني — ممتلئًا بطباشير السبورة، وغبار الأرض الترابية المدكوكة، والحلاوة الخفيفة الصغيرة للتمر الذي دسّه بعض الأطفال في جيوبهم من أجل فسحة الصباح.

وقف جون قرب النافذة، يرمش. كانت عيناه لا تزالان محمرتين قليلًا من الأمس — بقايا الزعفران، والدخان، والإهانات الصغيرة المتراكمة لأسبوع كان وجهه فيه، بحسب إحصائه اللاحق، هدفًا لأربعة أخطار محلية منفصلة على الأقل.

جلست صفية على كرسي المعلمة، تهوّي على نفسها بدفتر.

كان الدفتر يفعل في يدها ما عجزت مروحة السقف عن فعله طوال الصباح. حركاته الورقية الصغيرة السريعة، على بعد بوصة من وجهها الدافئ، كانت تُنتج ذكرى الهواء البارد، إن لم تُنتج الهواء البارد نفسه.

قالت — بتلك النبرة الجافة المسطحة المحددة لزوجة توقفت، خلال الساعة الماضية، عن التظاهر بالاحتراف: "في المرة القادمة، ندرّس الإنجليزية داخل الثلاجة."

ابتسمت ثرياء. تلك الابتسامة المستقرة المحددة لامرأة كان بلدها، منذ عدة آلاف من السنين، حارًا بهذا الشكل بالضبط. "مرحبًا بكِ في سمائل."

كان الطلاب في الداخل أصلًا — أو، بدقة أكبر، كان الطلاب في الداخل قبل وصول الكبار، وهو ما صارت صفية تفهم أنه الترتيب المعتاد للأشياء في قرية لا يملك أطفالها تنقلاتٍ طويلة، ولا زحامًا، ولا جداول غير: الجرس على وشك أن يرن.

جلس أحمد مستقيمًا — ذلك الاستقامة المحددة لمسطرة موضوعة على صفحة. ولاحظت صفية أنه طوّر خلال الأسابيع الماضية هيئة صغيرة تربطها بالأولاد العُمانيين الذين يقررون مبكرًا أنهم سيصبحون أطباء.

أما منصور فلم يكن جالسًا باستقامة على الإطلاق. كان منصور في تكوينة محددة منحنية، نصف متهدلة، نصف جاثية، توحي بأن جسده كان، خلال الدقائق العشر الماضية، في عدة تكوينات مختلفة.

كان خليل يهمس بشيء لعلي. ومهما كان ما يهمس به، فقد كان مضحكًا — كانت كتفا علي تهتزان صامتتين، بذلك الاهتزاز المكبوت المحدد لصبي يعرف أنه لا يُفترض به أن يضحك.

كانت رحمة وسليمة تتشاركان قلم رصاص. ذلك التشارك الهادئ المحدد لقلمٍ بين فتاتين لا تحتاج صداقتهما إلى كلمات.

كانت مروة ترسم زهورًا صغيرة في زاوية كتابها. ورفعت نورة يدها حتى قبل أن يبدأ الدرس — ذلك الرفع الاستباقي المحدد ليد فتاة أرادت أن تضمن أنها ستكون أول من يُنادى عليها، حتى لو لم يكن المعلم قد سأل سؤالًا بعد.

وفي آخر الصف — في مقعده الجديد، الذي ما يزال تجريبيًا، والذي صار رسميًا له، المقعد الذي منحه إياه بيت الشيخ قبل يومين — جلس صبي بهدوء، يراقب كل شيء.

سعيد.

لم يجلس مع الآخرين. لم يتكلم. اكتفى بالمراقبة.

لكن المراقبة كانت مختلفة الآن. كانت صفية ترى ذلك. لقد انتقلت — بخفة، خلال يومين — من مراقبة جامع أسرارٍ محددة لشخصٍ خارج الدائرة، إلى مراقبة مختلفة قليلًا لصبي صار الآن، قانونيًا وعلنيًا، في الداخل. لقد قررت القرية. وأومأ الشيخ. وقال أبوه، في غرفة مليئة بآباء آخرين، أصعب جملة في حياته. وكان سعيد، هذا الصباح، لا يزال يتعلم كيف يحمل وضعه الجديد داخل جسده الصغير ذي التسع سنوات.

Scene Two
We Ate Lamb

تحت المكتب، تحرك شيء صغير.

مالود.

كان الجدي الصغير قد قرر — بطريقته الأحادية المحددة التي يتخذ بها مالود كل قراراته — أن الصف صفّه هو أيضًا. كان قد أسس، بحلول ذلك الوقت، ترتيبًا إقليميًا صغيرًا تحت الصف الثاني — رقعة من الأرض الأبرد، مخفية جزئيًا بظل المكتب، يستطيع منها أن يخرج ويدخل الصف مرة أخرى بحسب مشيئته.

نظرت صفية إلى الأسفل نحوه. وهمست — إلى جون غالبًا: "نحن حقًا بحاجة إلى أن نتحدث عن طالبك."

أجابها مالود — من غير أن يرفع رأسه، ومن غير اعتذار — بأن مضغ، بصوتٍ مسموع، قطعة ورق. ذلك الصوت الرطب الصغير المحدد لمضغ ماعزٍ أسهم، مرة أخرى، في العجز الصباحي المبكر لقطع الورق الصغيرة في الصف.

وقبل أن يبدأ جون الدرس، وقف منصور فجأة.

لم يكن الوقوف تدريجيًا. منصور لم ينهض. منصور انطلق. في نصف ثانية، كان جسده الصغير قائمًا، وذراعاه مرفوعتين أصلًا، بتلك الهيئة العاجلة المحددة لإعلان صبي تذكّر، خلال الثواني الأربع الماضية، أهم شيءٍ واحد في حياته.

"أستاذ! أستاذ!"

"نعم، منصور؟"

"We eat lamb yesterday."

رمش جون. تلك الرمشة الصغيرة المحددة لمعلم يترجم الزمن النحوي في الوقت الحقيقي. "You… ate lamb."

"Yes! And with chili."

أثارت كلمة chili — حين قالها منصور، بذلك النفس المحدد لصبي بنى، خلال حياته القصيرة، علاقة شديدة الجدية مع قرن الفلفل — الصف.

وفي اللحظة نفسها بالضبط — ضمن تلك الجوقة المتداخلة المحددة التي ينتجها صف قروي حين تُسمّى تجربة مشتركة بصوتٍ عالٍ:

"Hot!"

"Very hot!"

"My mouth burn!"

"I cry!"

وأضاف خليل بفخر — تلك المساهمة الصغيرة الفخورة لصبي تكمن كبرياؤه في قدرته على النجاة من أشياء لا ينجو منها غيره من الأولاد: "I eat more."

هزّ علي رأسه. هزّه بذلك الشك الصغير غير المتأثر لصبي يعدّ نفسه أعقل من أن ينافس في مسابقات أكل الفلفل.

"You crazy."

ضحكت صفية. "إذًا… الجميع أكل طعامًا حارًا؟"

أومأ الطلاب. جماعيًا. ذلك الإيماء المتدرج لاثني عشر رأسًا صغيرًا يؤكد، في الوقت نفسه، أن نعم — تجربة ثقافية مشتركة قد حدثت مساء الأمس في القرية كلها.

ابتسم جون. ببطء.

ابتسامة معلّم. من النوع الخطير المحدد — تلك الابتسامة الخاصة الصغيرة التي تعني أن الدرس قد دخل من الباب على ساقيه، وتطوع للخدمة.

قال: "جيد. جيد جدًا. اليوم… نتحدث عن المذاق."

Scene Three
The Five Senses

التفت إلى السبورة. وكتب — بأحرفه الكبيرة الواضحة:

THE FIVE SENSES

ثم، تحتها، بزخرفة أصغر:

TASTE

نظر إلى الصف. "Repeat after me. Taste."

قال الصف: "Taaaste." طبقات من الأصوات. ممدودة قليلًا. ذلك المدّ المحدد لحرف العلة الذي يصنعه أطفال القرية حين يمنحون كلمة إنجليزية جديدة كامل احترامها بأن تُذاق، للمرة الأولى، في الفم فعلًا.

"Good. Now… what words do we use for taste?"

كتب، واحدة تحت الأخرى، في عمود رأسي مرتب:

Sweet Sour Salty Spicy

أشار إلى كل كلمة، بالترتيب، وكرر الصف — بتلك البهجة المحددة لصفٍ يتعلم أربع صفات جديدة يستطيع استخدامها فعلًا.

"Sweet."

"Sweet."

"Sour."

"Sour."

"Salty."

"Salty."

"Spicy."

قال منصور: "Spaiiiicy" — بذلك التشديد الزائد المحدد لصبي قرر أن نسخته من الكلمة ستكون النسخة الصحيحة.

أومأ جون. بصبر. "Yes. Spicy."

صفّقت صفية بيديها. "حسنًا! أمثلة! من يستطيع أن يعطيني مثالًا؟"

ارتفعت يد نورة كالصاروخ. كانت في الحقيقة مرفوعة منذ نحو دقيقتين — لكنها الآن ارتفعت أكثر، ذلك الرفع الإضافي المحدد ليد فتاة شعرت أن رفعها الحالي مهدد بألّا يُلاحظ.

"نعم، نورة."

"Sugar is sweet."

"Excellent!"

رفع أحمد يده — بحذر، وعلى الارتفاع الصحيح تمامًا، لا أعلى مما ينبغي ولا أخفض. ذلك الرفع المحسوب المحدد ليد صبي فهم، في التاسعة من عمره، أن كرامة المساهمة تتحدد جزئيًا بضبط الذراع.

"Lemon is sour."

"Perfect."

وقال خليل، رافضًا أن يسبقه أحد: "Fish is salty."

"Good."

ثم — لأن منصور كان، منذ دقيقتين ونصف، يحاول أن يجد طريقًا إلى الجملة — قفز منصور من مقعده. لم يكن للقفزة إنذار. ولم يكن لها سبب ظاهر. كانت ببساطة، كما بدأت صفية تفهم، ما يفعله منصور حين لا تعود مساهمته قادرة على البقاء داخل جسده.

"Chili is… spicy and KILL YOU!"

ضحك الصف.

وضحك جون أيضًا. "نعم. Chili is spicy. But it does not kill you."

تحت المكتب، أصدر مالود — الذي كان، حتى تلك اللحظة، غير مرئي — صوتًا. صوتًا صغيرًا حزينًا. ذلك الصوت الصغير من نوع huh الذي كان يطلقه، على فترات، منذ صباح الأمس.

نظرت صفية إلى الأسفل. ورأته بوضوح، للمرة الأولى ذلك الصباح. أدركت أنه كان خامدًا بعض الشيء. كانت لمعة التملك المعتادة لديه غائبة. وعيناه، حين رفعهما إليها، حملتا ذلك الألم الصغير المحدد لماعزٍ ندم مؤخرًا على خيارٍ غذائي.

أضافت صفية، بهدوء: "إلا إذا كنت ماعزًا صغيرًا."

ضحكت ثرياء. "تعلّم مالود الدرس بالطريقة الصعبة أمس."

أما التفاصيل — كما ستجمعها صفية لاحقًا — فكانت تتعلق بفلفلة حمراء تُركت بلا مراقبة على حافة نافذة منخفضة في بيت العمة عزيزة، وبجدي صغير كان، كالعادة، يخلط بين كل شيء والطعام.

Scene Four
I Like, I Don't Like — And Saeed Speaks

عاد جون إلى السبورة. وكتب، تحت كلمات المذاقات الأربع، بحروف مختلفة قليلًا:

I like… I don't like…

قال: "Repeat. I like sweet."

"I like sweet."

"I don't like spicy."

قال نصف الصف: "I don't like spicy" — بجدية بالغة، بذلك الاقتناع الصغير المحدد لأطفال يعلنون حقيقة شخصية كانوا ينتظرون الإذن كي يقولوها.

شبك منصور ذراعيه. شبكهما على صدره الصغير المعتز، في تلك الوقفة العريضة المحددة لصبي يستعد لتسجيل اعتراض علني.

"I like spicy."

قال خليل: "طبعًا تحب."

سارت صفية بين المقاعد. كانت تسير مشية المعلمة البطيئة المحددة التي ظلت، خلال الشهرين الأخيرين، تتدرب عليها — تلك المشية التي تسمح لها أن تتوقف، من غير أن تقاطع، عند كل مقعد صغير، وأن تجعل حضورها متاحًا للأطفال الخجولين كما هو متاح للصاخبين.

"Okay. You. Ali."

وقف علي. "I like salty."

"Good. Rahma?"

ابتسمت رحمة — تلك الابتسامة الصغيرة الراضية لفتاة كانت، في رأسها، تركّب هذه الجملة نفسها منذ أربعين ثانية.

"I like sweet."

"Marwa?"

"I don't like sour."

"Excellent!"

ثم — لأن مشية صفية البطيئة كانت، من غير إعلان، قد أوصلتها إلى مؤخرة الصف — رفعت نظرها.

إلى المقعد الخلفي.

إلى الصبي الهادئ.

قالت — برفق، ومن غير ضجة، بذلك الرفق المحدد الذي كانت تنتظر به هذه اللحظة بالضبط: "وأنت… ما اسمك؟"

تجمّد الصبي الهادئ.

التفت الصف. ببطء. كل رأس صغير. تلك الالتفاتة الجماعية البطيئة لاثني عشر طفلًا أدركوا، في اللحظة نفسها، أن شيئًا مهمًا على وشك أن يحدث.

بدت ثرياء متفاجئة — ثم، بعد جزء من الثانية، بدت متأثرة. ذلك الاستقرار الصغير في الوجه حين يفهم ما يجري.

قالت بهدوء: "اسمه سعيد."

قالتها بالطريقة التي ربما كانت صفية نفسها، في حياة أخرى، ستقول بها: هذا ابننا. لا بصوت عالٍ. فقط — بذلك الادعاء الدافئ المحدد لمعلّمة كانت، أخيرًا، تقول اسمه ليُسجَّل.

وقف سعيد.

ببطء.

ذلك الوقوف الصغير البطيء لصبي لم يكن، في حياته، قد اضطر يومًا إلى الوقوف في صف — كان، في الحقيقة، يحاول أن يقلّد بجسده الوقفة التي رأى عليًا يفعلها قبل ثلاثين ثانية، الوقفة التي ظل يشاهدها لأسابيع من مقعده على الجدار المنخفض خارج المدرسة.

كان صوته صغيرًا.

لكنه واضح.

قال: "I… I like sweet."

صمتت الغرفة ثانية واحدة.

ثانية كاملة من ذلك الصمت الصغير المحدد الذي يهبط أحيانًا على الصف حين يحدث شيء عادي بطريقة غير عادية. صبي وقف. وتكلم. بالإنجليزية. للمرة الأولى. الجملة نفسها لا شيء — I like sweet، جملة يستطيع أي طفل في السادسة أن يقولها — لكن قولها، بذلك الصوت الصغير الحذر، وبتلك الوقفة في آخر الصف، ومن هذا الصبي تحديدًا، كان كل شيء. شعرت صفية، وهي واقفة في الممر الأوسط، بانقباض في حلقها. وشعرت، في مكان ما خلف عظم صدرها، بدفء جسدي صغير محدد تعلمت، عبر مسيرة تعليمية كانت حتى هذه اللحظة عادية نسبيًا، أن تتعرف إليه بوصفه السبب الذي جعلها تصبح معلمة من الأساس.

ثم ابتسمت صفية. بدفء. وقالت — بذلك الدفء الكامل الحذر الذي كانت تدخره لهذه الإجابة بالضبط: "Very good, Saeed."

جلس سعيد من جديد. كان قلبه — وكانت صفية تراه من حيث وقفت، من الحركة الصغيرة في قميصه الصغير — يخفق بسرعة. تلك الخفقة السريعة المحددة لصبي عبر، في جملة واحدة، عتبة ظل يشاهدها من الجانب الآخر ثلاث سنوات.

همس منصور — همسة القرية العالية المحددة التي بلغت الغرفة كلها: "He talk!"

وهمس خليل ردًا عليه — بدهشة صغيرة ستتذكرها صفية، بقية حياتها: "He talk ENGLISH!"

Scene Five
The Window

تحت المكتب، تحرّك مالود من جديد.

لم تكن حركته القلقة المعتادة. كانت حركة أخرى. زحفة صغيرة مضطربة. تلك الزحفة المحددة لحيوان صغير التقط أنفه شيئًا قرر جسده، من غير أن يستشيره، أن يتفاعل معه.

وفجأة، شعر جون بشيء غريب.

حضور صغير محدد وغير مألوف في الهواء. لم تكن رائحة تمامًا — أو لم تكن كذلك بعد. كانت أول همسة لرائحة. رسولًا خافتًا يسبق الرائحة. شيئًا حادًا، شيئًا أحمر، شيئًا كان قد فُتح في مكان قريب، منذ لحظات قليلة جدًا.

قال جون بحذر — بذلك الصوت البطيء المحدد لصوت التحقيق حين يشك في شيء: "لماذا… أشمّ فلفلًا حارًا؟"

اتسعت عينا صفية. تلك العينان الواسعتان المحددتان لزوجة أدركت، في اللحظة نفسها تمامًا، المادة الحادة الخفيفة ذاتها على لسانها.

"أوه لا."

التفتت إلى النافذة.

في الخارج، في ساحة المدرسة — من خلال الفتحة الصغيرة بين جدار الصف والجدار الخارجي المنخفض الذي يحدّ حافة الحوش — كان صف آخر يأكل.

لحمًا.

مع فلفل حار.

فلفلًا شديد الحمرة — تلك الحمرة الشريانية العميقة المحددة لفلفل سمائلي جُفف بعد ظهر أمس في الشمس، وسُحق باليد، وخُلط بالزيت، وكان الآن، في هذه اللحظة نفسها، يُفرد على قطع من اللحم الدافئ بأيدٍ صغيرة لا تراها صفية، لكنها تستطيع — في رأسها — أن تتخيلها تمامًا.

وكانت الرائحة تدخل.

ببطء. وبإصرار. بالطريقة المحددة التي يسافر بها الكابسيسين في الزيت الدافئ — لا يسير مستقيمًا، بل يتسلل إلى الغرفة من أي فتحة صغيرة متاحة، وحين يلتفت المرء إلى وجوده يكون الهواء قد امتلأ به أصلًا.

بدأت عينا جون تدمعان.

لا على نحو درامي. فقط ذلك الدمع الصغير اللاإرادي لقنوات دمع قررت، من غير إذنه، أن تبدأ الدفاع عن نفسها.

ابتسم منصور. تلك الابتسامة الصغيرة المستمتعة لصبي يعيش صباحًا جيدًا. قال: "Teacher… smell is spicy."

قال جون ببطء، كأنه يؤكد تشخيصًا: "نعم، الرائحة… spicy."

وكان — كما رأت صفية — يلتزم بالدرس. ذلك الالتزام المحدد لمعلم أدرك لتوه أن المادة الكيميائية المحمولة في الهواء والتي تغزو صفه الآن هي، في الحقيقة، مادة تعليمية.

أما مالود — الذي لم يستطع الالتزام بالدرس، لأنه ماعز ذو أنف حساس جدًا — فقد وقف فجأة. ومشى، بفخر، بتلك المشية الصغيرة العملية لحيوان قرر أن الموقف يحتاج إلى إدارة فورية.

مشى إلى الباب. وتوقف.

عطس.

ثم سعل.

ثم أطلق صوتًا حزينًا جدًا — تلك المأمأة الصغيرة اليائسة لماعز تعرض، في يومين متتاليين، لكمينين مختلفين من الفلفل الحار، وبدأ يشك في أن الكون يحمل ضده أمرًا محددًا.

اندفعت صفية. "أوه لا، مالود!"

ضحك الطلاب.

لكن بعد ذلك — حدث شيء أسوأ.

جون — لأن جون لم يكن قد تعلم بعد، وكان سيحتاج إلى عدة لحظات أخرى من هذا النوع قبل أن يتعلم، أن الفضول في هذه البلاد له ضريبة محددة — مشى إلى النافذة.

قال: "دعيني أرى."

كان ذلك — كما ستتأمل صفية لاحقًا، لسنوات طويلة، في كل مرة تروي فيها هذه الحكاية — خطأً كبيرًا.

ضربت موجة من هواء الفلفل الحار وجهه.

ليست رائحة. موجة. تلك الموجة الكيميائية الحارة المحددة لهواء مشبع بالكابسيسين كان، طوال الأربعين ثانية الماضية، يتجمع خارج النافذة منتظرًا أجنبيًا يميل نحوه.

انغلقت عيناه — لا إراديًا، تلك الطقّة الوقائية المحددة للجفون التي لم تكن، في حياتها الإنجليزية السابقة كلها، قد واجهت شيئًا عدوانيًا إلى هذا الحد.

انفتح فمه.

استنشق.

ثم —

"AAAAAA!"

قفز إلى الخلف. كلتا يديه على وجهه. تلك العثرة الخلفية المحددة لإنجليزي طويل تقدّم جهازه التنفسي كله، في اللحظة نفسها، بعدة شكاوى.

تمكّن من القول: "فمي… ON FIRE!"

Scene Six
The News from Dhofar

اندفعت صفية لتساعده. لكن — حين وصلت إليه — شمّتها هي أيضًا. تلك اللحظة الصغيرة المحددة للتضامن الزوجي في الفلفل الحار.

"أوه لا—"

سعلت.

حاولت ثرياء أن تكون قوية. حاولت — حاولت حقًا — بكل الانضباط المهني لمعلّمة عمانية. لكن حتى هي بدأت تضحك وتسعل في الوقت نفسه. ذلك الفعل المزدوج غير المسيطر عليه لامرأة اصطدم فخر قريتها، أخيرًا، بموقف لا يستطيع فخر قريتها احتواءه.

انفجر الصف.

ضحك منصور حتى سقط من كرسيه — سقط فعلًا، جانبًا، على أرض الصف المرصوصة، وظل هناك يضحك ثماني ثوانٍ كاملة قبل أن يساعده أحمد بهدوء على النهوض.

أمسك خليل بطنه.

حاول أحمد أن يبقى جادًا. وفشل. ذلك الفشل النادر المحدد لرباطة جأش أحمد — الفشل الذي ربما يحدث مرة واحدة في الشهر — فتفتت وضعية المسطرة المستقيمة التي يحملها عادة، وأنتجت، لعشر ثوانٍ كاملة، ضحكة صغيرة لاهثة.

دار مالود في دائرة. ثم — بعد أن أعاد تقييم استراتيجيته — اختبأ تحت المكتب مرة أخرى.

أمسك جون بزجاجة الماء. وشرب. لا رشفة. بل التزام طويل بالشرب — ذلك الإرواء الطارئ المحدد لرجل يحاول أن يطفئ فمه من الداخل.

قال، ودموع صغيرة حقيقية تنزل من عينيه: "إنه… هواء spicy."

صفية — وهي ترى، حتى من خلال سعالها، أن الصف قد أنتج الظروف الدقيقة لدرس إنجليزي مثالي — تقدمت إلى السبورة. وكتبت بسرعة، وهي ما تزال تضحك:

Hot Burn My mouth is burning!

التفتت إلى الصف. "Repeat!"

"My mouth is burning!"

أشار جون إلى نفسه — تلك الإشارة الواضحة المحددة لمعلم يستخدم معاناته الشخصية مادة تعليمية. "My mouth is burning!"

صرخ منصور — لأنه طبعًا فعل: "TEACHER JOHN IS BURNING!"

نظر إليه جون. بذلك الامتنان الجامد الوجه لرجل استخدم تلميذه للتو زمن المضارع المستمر استخدامًا صحيحًا.

"Thank you, Mansoor. Very helpful."

ثم عاد ينظر إلى السبورة. "Okay. New sentence."

كتب: It is too spicy.

"Repeat."

"It is too spicy."

"Good."

مسح عينيه. "اليوم… نتعلم الإنجليزية. ونتعلم… ألا نفتح النوافذ قرب الفلفل الحار."

ضحك الصف مرة أخرى.

ثم صفق جون بيديه. "Now. Past simple."

كتب: Yesterday, I ate…

أشار إلى منصور. "Mansoor."

وقف منصور بفخر. "Yesterday, I eat lamb."

ابتسم جون. "قل: I ate."

"Yesterday, I ate lamb."

"With chili!"

أضاف الصف: "With chili."

أشار جون إلى مالود. "Yesterday, Malood…"

قال خليل بسرعة: "Yesterday, Malood ate paper."

ضحكت صفية. "قولوا: Malood ate paper."

"Malood ate paper."

ثم أشار جون إلى نفسه.

"Yesterday, I…"

فكر لحظة. تلك الوقفة الصغيرة المحددة لمعلم يدرك أن الأمس كان مليئًا بما فعله، لكن شيئًا واحدًا فقط يصلح جملة جيدة.

"…I opened the window."

أضافت صفية بهدوء: "And today, you learned a big lesson."

أومأ جون. تلك الإيماءة الكاملة المتقبلة لزوج لخّصته زوجته مرة أخرى. "Yes. Today, I learned a big lesson."

في آخر الصف، ارتفعت يد صغيرة.

التفت الجميع.

سعيد.

للمرة الثانية في ذلك الصباح.

قال جون برفق — بذلك الصوت التعليمي الرفيق الذي يستخدمه حين يفهم أن الجملة التالية الخارجة من فم طالب ستكون، بالنسبة لذلك الطالب، تاريخية: "Yes, Saeed?"

قال سعيد ببطء وحذر: "Yesterday… I ate… dates. Sweet."

ابتسم جون بدفء. تلك الابتسامة الدافئة الكاملة لمعلم صار يومه، بهدوء ومن غير إعلان، أفضل يوم في مسيرته التعليمية.

"Excellent sentence."

جلس سعيد. كان وجهه أكثر إشراقًا قليلًا. ذلك الإشراق الداخلي الصغير لصبي أنتج، خلال درس إنجليزي واحد، جملتين كاملتين بلغة لم يكن، قبل أربعة أيام، قد استخدمها قط.

راقبته ثرياء بهدوء.

لم تتكلم. لم تصفق. لم تُبدِ أي رد فعل ظاهر. اكتفت بالمراقبة — تلك المراقبة الساكنة المحددة لمعلّمة كانت، في تلك اللحظة نفسها، تشهد البداية الصغيرة البطيئة للسبب الذي دخلت من أجله مهنتها.

ظلّت المروحة تدور.

تك… تك… تك…

وبقي الحر.

واستمر الدرس.

في نهاية الحصة، كتب جون على السبورة — تحت عنوان اليوم — قائمة المفردات المتراكمة كاملة: Taste. Sweet. Sour. Salty. Spicy. Hot. Burn. I like… I don't like… Yesterday, I ate… عشرة عناصر. مفردات صادقة محددة لصباح أنتج كل واحدة منها من خبرة معاشة لا من كتاب. أعلنت صفية الواجب: "اكتبوا ثلاث جمل عما تحبون وما لا تحبون." تنهد منصور على نحو مسرحي، كما كان يفعل دائمًا — ذلك التنهد التمثيلي المحدد لصبي أتقن، خلال حياته المدرسية، الفن الصغير للمعاناة المرئية عند تكليف أي واجب.

ثم — تغيّر شيء.

من الخارج — من مكتب المدرسة الصغير حيث يحتفظ أبو سالم، الحارس، بالمذياع المشترك الوحيد الذي يخدم المدرسة كلها — جاء صوت. صوت لم يكن موجودًا قبل عشر ثوانٍ. لقد شُغّل. كان أحدهم، في المكتب، قد قرر أن الوقت قد حان.

منخفض. قديم. جاد.

صوت رجل. بالعربية. تلك العربية الرسمية الحذرة المحددة لإذاعة الدولة.

"…هذه آخر الأخبار من ظفار…"

لم يفهم الصف الكلمات.

لكنهم شعروا بالنبرة.

لم تكن مضحكة.

ولا خفيفة.

ولا مثل الفلفل الحار.

نظرت صفية ببطء إلى جون.

ونظر جون إليها.

وللحظة واحدة، صار الصف هادئًا.

حتى المروحة — حتى تك… تك… تك… — بدت أصغر، بطريقة ما. كأن المروحة نفسها أدركت التحول في الهواء.

حتى مالود توقف عن الحركة.

لم تكن عمان مكانًا للحكايات المضحكة فقط. لم تكن قرية يسقط فيها الإنجليز في الأفلاج، وتصبغهم نساء طيبات النية بالزعفران، وتلسعهم الدبابير، وتباغتهم هواءات الفلفل الحار. كانت أيضًا بلدًا — في ذلك أكتوبر، في تلك السنة تحديدًا — في وسط حرب طويلة هادئة، بعيدًا في الجنوب، كان لكل عائلة في القرية قريب فيها أو جار متصل بها. حرب ظلت، منذ ثماني سنوات، تأكل شباب البلد. حرب يتحدث عنها المذياع كل صباح في هذه الساعة، دائمًا بالصوت الجاد المستوي نفسه، ودائمًا بالكلمات الرسمية الحذرة نفسها. لم تكن صفية، حتى هذه اللحظة، قد فهمت تمامًا أن القرية تعرف. أن كل بالغ في ذلك الحوش المدرسي الصغير حولها كان، هذا الصباح، قد سمع النشرة السابقة أصلًا. وأن الأطفال الذين سيركضون، في النهاية، إلى أمهاتهم، سيمرون برجال في الطريق وجوههم جادة بالطريقة المحددة التي تجعل بها قطعة خبر وجهًا جادًا.

كانت عمان أيضًا مكانًا للحكايات الكبيرة.

أغلق جون دفتره. ببطء.

قال بصوت خافت: "Okay. Class is over."

وقف الأطفال. ذلك الوقوف الصغير المنظم لأطفال فهموا، من غير حاجة إلى أن يُقال لهم، أن الصباح قد انزاح إلى شيء آخر.

جمعوا دفاترهم.

ومشوا إلى الخارج.

بهدوء.

وقف سعيد، في الخلف، هو أيضًا. رفع حقيبته الصغيرة. لم يستعجل. لم يتكلم. لكنه حين مرّ بصفية عند مقدمة الغرفة، رفع عينيه إليها — لحظة واحدة فقط — وكانت عيناه تقولان: شكرًا.

خرج إلى ساحة آخر الصباح الحارة. حيث كان الصف الآخر، الآن، يوشك أن ينهي لحمه وفلفله الحار. وحيث كان المذياع، من المكتب، ما يزال يتكلم بهدوء بصوته الجاد المستوي عن حرب كانت، بالنسبة إليهم جميعًا، ذلك الظل الثقيل المحدد الجالس عند طرف كل يوم عادي. — Palm Nineteen / النخلة 19 —

PALM NINETEEN · The Zanzibari Trader and the Saffron Mask
Palm
Palm Nineteen
The Zanzibari Trader and the Saffron Mask
Scene One
An Honest Morning

كانت السماء ما تزال ناعسة حين صرخ ديك العمة عزيزة برأيه في القرية كلها.

كان الرأي نفسه الذي يصرخ به كل صباح — إعلانًا طويلًا حاسمًا غير معتذر بأن الليل انتهى، وأن على الجيران أن ينهضوا، وأن العالم لن ينتظرهم حتى يكونوا مستعدين. لم تكن في صوت هذا الديك أي مفاوضة. ولا اقتراح. كان هناك فقط يقين القرية القديم بأن الصباح جاء، وأن كل من لا يزال نائمًا قد تأخر عن الموعد.

فتح جون عينيه ببطء — كأن الصباح نفسه دفع بابًا ثقيلًا على وجهه.

أنصت ثانية. كان، حتى بعد أسابيع من هذا، ما يزال يستمع على التردد الإنجليزي القديم — يستمع إلى الصباحات الهادئة المهذبة في ضاحية من ضواحي نورويتش، إلى الطنين الناعم البعيد لعربة حليب مبكرة، إلى صوت الطيور الغائب الذي كان، في طفولته الإنجليزية، الشيء الوحيد الذي تسمعه قبل الثامنة.

لكن سمائل لا تصنع صباحات مهذبة.

سمائل تصنع صباحات صادقة.

في الخارج، طبقة الصوت الكثيفة المحددة لقرية استيقظت أصلًا — الديك، طبعًا، ورنين معدني صغير مستعجل لقدور تُرتب على الموقد، وتحت ذلك كله — ذلك التششش الناعم المحدد لشيء بدأ يقلى في الزيت.

ثم — الرائحة.

خبز طازج. تلك الرائحة الدافئة من الخميرة والدخان لخبز يُصنع، على بعد ثلاثة أفنية، فوق صاج معدني حار على جمر صغير — الخبز الذي تعمل رائحته، في أي قرية عمانية، كمنبّه قروي من نوع ما: ناعمة، دافئة، مستحيلة التجاهل، تجعل كل شخص ضمن مدى الرائحة يتذكر، في اللحظة نفسها تمامًا، أنه جائع.

جلست صفية. أصلحت وشاحها. وابتسمت بهدوء — تلك الابتسامة الصباحية الحالمة المحددة لامرأة كان أول إحساس لها في اليوم إحساسًا طيبًا.

همست: "هناك شيء… رائحته مذهلة."

شمّ جون الهواء. "أظن أن جارتك تعد الإفطار للكوكب كله."

طرقت ثرياء إطار الباب الخشبي ودخلت — من غير انتظار — لأن الناس في القرى، في السبعينيات، لم يكونوا يطرقون الأبواب كما تُطرق أبواب المتاحف. كانوا يطرقون كما يطرق الصديق: مجاملة، لا طلبًا للإذن.

قالت بإشراق: "صباح الخير. هل أنتما جاهزان؟"

نظر جون حول بيتهما البسيط. الجدران عادية — طين، غير مطلية، دافئة اللون. حقائبهما ما تزال نصف مفتوحة. طرف من فستان صفية معلق على مسمار واحد — كأن البيت نفسه يحاول مساعدتهما على تفريغ الأمتعة، بأن يعرض مجانًا كل الخطاطيف والمسامير الصغيرة التي ظل يجمعها طوال الأربعين سنة الماضية.

قال، متظاهرًا على نحو غير مقنع بأنه ليس متوترًا: "أنا جاهز. إلى أين نذهب مرة أخرى؟"

لمعت عينا ثرياء. "مسقط. سوق مطرح."

انفتح فم صفية. "سوق حقيقي؟"

أكدت ثرياء: "سوق حقيقي."

فرك جون يديه. تلك الفركة المهنية الصغيرة المحددة لمعلم يستعد لتحويل يوم خارج البيت إلى مادة صفية. "حسنًا. مفردات جديدة. ومغامرة جديدة."

Scene Two
The Pickup and the Mountains

خلف ثرياء، تسلل شيء صغير ومصمم عبر الباب مثل لص له حوافر.

مالود.

دخل كأن البيت بيته. شمّ حذاء جون. تأمل الحذاء. قرر أن الحذاء غير مثير للاهتمام. ثم اتجه — مباشرة، ومن غير أي تحقيق إضافي — نحو حقيبة صفية القماشية.

قالت صفية برفق، وهي ترفع حقيبتها بعيدًا عن متناوله: "لا. ليس اليوم."

حدق فيها مالود — كأنه فهم كلمة اليوم، وكان يحسب داخليًا إن كان هذا الصباح المحدد يجعله استثناءً حقيقيًا من القاعدة — ثم حاول مرة أخرى.

أشار إليه جون. تلك الإشارة الصارمة المحددة لمعلم صار لديه، الآن، من الخبرة الشخصية مع مالود ما يكفي ليعرف أن الصرامة هي دفاعه الوحيد المتاح.

"مالود. أنت غير مدعو."

اهتزت أذنا مالود. كان واضحًا أنه مستاء.

ضحكت ثرياء. "يأتي من حوش الجيران كل صباح. يظن أنكما عائلته الآن."

تنهدت صفية — ذلك التنهد الصغير المحدد لامرأة تخلّت، في مرحلة ما، عن سؤال هل مالود ماعزهم أم لا. "إنه واثق أكثر من اللازم."

صفقت ثرياء بيديها مرة واحدة — وضع العمل. "هيا. العم ناصر ينتظر."

في الخارج، كانت سيارة البيك أب تنتظر — مثل حيوان قديم قوي. كانت واحدة من تلك الموديلات الصندوقية القاسية، المخدوشة قليلًا، من سيارات البيك أب في تلك الفترة — مغبرة، فخورة، تلك البيك أب اليابانية المحددة التي بدأت صفية تفهم أنها أصبحت حصان العمل في كل قرية عمانية داخلية منذ بدأت الطرق تظهر.

جلس العم ناصر خلف المقود. ذلك الوجه الهادئ المحدد لرجل قاد، في حياته، على طرق كانت أحيانًا طرقًا، وأحيانًا — حين يقرر الوادي غير ذلك — مجرد آمال.

في مؤخرة السيارة كان هناك مقعد خشبي وحبل مربوط بعناية، جاهز ليمسك به الركاب. لم يكن العم ناصر يتكلم كثيرًا. لم يكن يحتاج إلى ذلك. عصاه الخيزرانية — عصا السائق الطويلة الرفيعة التي تستريح إلى جواره — كانت، بطريقتها، مقعدًا إضافيًا.

صعد جون أولًا إلى الخلف — محاولًا أن يبدو واثقًا. تحركت البيك أب، قليلًا فقط، تحت وزنه. فأمسك بالحافة. بسرعة.

صعدت صفية بحذر أكبر — ممسكة بوشاحها، ضاحكة من ذعر جون السابق، جالسة على المقعد بتلك الحركة الحذرة المحددة لامرأة لم تصبح الملابس العمانية طبيعية تمامًا على جسدها بعد.

قفزت ثرياء إلى الداخل — كأنها فعلت ذلك، حرفيًا، ألف مرة. وهو ما أدركت صفية أنها فعلته، غالبًا، بالفعل.

قالت ثرياء: "تمسكوا جيدًا. ولا تصرخوا. مثل منصور."

رمش جون. "منصور يصرخ؟"

ابتسمت ثرياء. "منصور يصرخ حين تلمسه الريح."

تحركت البيك أب إلى الأمام — بداية بطيئة ثقيلة راضية — وانفتحت القرية خلفهم مثل كتاب حكايات. ظلال النخيل. ممرات صغيرة. امرأة عند باب ترفع جرة ماء. ماعزان يراقبانهم من فوق جدار منخفض، بنظرة التقييم المحددة لأمن القرية.

ثم بدأت الأرض تتغير.

ظهرت الجبال.

ليست تلالًا مهذبة. ولا منحدرات الجنوب الإنجليزي اللطيفة. ولا الخضرة المتدحرجة الرؤوفة التي جهزت كتب الجغرافيا الإنجليزية صفية لها. جبال حقيقية. عالية وجريئة، تنهض حولهم مثل جدران بنية عملاقة. ذلك الحجر البني الطبقي فوق البني المحدد لسلسلة الحجر — السلسلة التي ظلت، لعشرات الملايين من السنين، تُدفع ببطء من قاع بحر قديم بفعل تصادم الصفائح التكتونية، السلسلة التي تحمل، في لونها الأحمر البني المحدد، الحفريات الحرفية للمحيط الذي كانت عمانه يومًا. كانت تنهض من السهل لا بزاوية هادئة، بل على هيئة جرف. كانت تنهض كأنها، في زمن بعيد، غضبت غضبًا شديدًا — ثم تجمدت، في منتصف الغضب، حجرًا.

مال جون إلى الأمام. عيناه واسعتان.

"صفية. انظري."

حدقت صفية.

"جون. لم أرَ جبالًا كهذه قط."

نظرت ثرياء إليهما كليهما. وابتسمت — تلك الابتسامة الصغيرة الصبورة المحددة لامرأة عمانية رأت للتو وجهين إنجليزيين يخضعان لذلك الارتباك الصغير المحدد الذي يظهر على كل وجوه الزوار عند رؤيتهم الأولى للحجر.

"أليس عندكم جبال في بريطانيا؟"

اعترف جون — بحذر، لأنه لم يرد أن يخون وطنه بوضوح أكثر من اللازم: "لدينا… جبال صغيرة."

توقف. كان يفكر في سنودون، الذي صعده مرة حين كان طالبًا. وكان يفكر في المرتفعات الاسكتلندية التي رآها في الصور. وكان يقارنها، بصدق، في رأسه، بالعمالقة البنية الصامتة التي تنزلق الآن إلى جانب البيك أب.

قال: "لكن هذه… هذه تبدو كأنها تنتمي إلى فيلم."

همست صفية — شبه بخشوع، وعلى الرغم منها تقريبًا: "تبدو قديمة جدًا."

Scene Three
The First Glimpse of the Sea

ومع استمرار الطريق، تغيّر الهواء.

صار مالحًا. ذلك الملح البحري الواضح المحدد الذي ظل، منذ كانت صفية طفلة في بلدة ساحلية إنجليزية، الرائحة التي تربطها أكثر من غيرها بالحرية. ريح من نوع آخر غير ريح سمائل الداخلية. رائحة أخرى.

أبرد. وأكثر — بطريقة محددة لم تستطع أن تسميها بعد — حركة.

رفعت صفية ذقنها. كأنها تستطيع تذوقه.

قالت: "البحر."

أضاءت عينا جون. ذلك الضوء الصبياني المحدد لرجل صار قلبه، لحظة شمّ الملح، أصغر بعشر سنوات.

"البحر!"

أومأت ثرياء. "نحن قريبون من مطرح الآن."

وحين ظهرت أول لمحة من الماء — بين كتفين منخفضين من التلال، في فجوة صغيرة مفاجئة بين الهضاب الساحلية — أصدرت صفية صوتًا صغيرًا. ذلك الصوت الصغير الذي يصدره المرء حين يكون، من غير أن يدري تمامًا، حابسًا أنفاسه، ثم يأتي منظر غير متوقع فيحرر ذلك النفس.

امتد البحر واسعًا.

لامعًا.

ذلك اللمعان المحدد لبحر عُمان في منتصف الصباح، في أواخر أكتوبر، عام 1973 — قبل عصر البلاستيك، قبل عصر بقع النفط، قبل عصر السياحة الجماعية التي ستغير، بعد عقود، صفاء الماء المحدد. البحر الذي كانت تنظر إليه ظل يبدو هكذا، ربما، منذ ألفي عام. كان البحر نفسه الذي أبحر فيه عرب السندباد. والبحر نفسه الذي وصل عليه البرتغاليون في القرن السادس عشر. والبحر نفسه الذي عبره ابن بطوطة. والبحر نفسه الذي حملت رياحه التجارية، لأكثر من ألف عام، المراكب الخشبية بين مسقط ومومباسا وبومباي والبصرة وعدن والعودة. البحر نفسه.

كانت القوارب والسفن تستريح في البعيد. قوارب صيد بيضاء صغيرة. وعدد من السفن الخشبية أبعد قليلًا، بأشرعتها اللاتينية المحددة المطوية عند الصاري. وسفينة شحن أكبر، بعيدة عند الأفق، بظلها الداكن المحدد لسفينة شحن ما بعد الحرب تنتظر دورها عند ميناء مطرح.

كان الميناء مزدحمًا — حيًا — مثل صف عملاق يؤدي فيه الجميع عملًا مختلفًا في الوقت نفسه، وكل عمل، بطريقة ما، ضروري لكل عمل آخر.

أشار جون. وكان على وجهه ذلك الفرح المحدد لإنجليزي كبر على كبلنغ ووجد نفسه أخيرًا — في الحياة الحقيقية، وبعينين حقيقيتين — في واحد من أماكن كبلنغ المحددة.

"Ships!"

ابتسمت ثرياء. "نعم. واليوم ستتعلمان كلمات لا يمكن أن تتعلماها في الصف."

فتحت صفية دفترها. ذلك الفتح السريع الصغير المحدد لامرأة قررت أن هذا اليوم يستحق التوثيق. "أنا جاهزة."

توقفت البيك أب قرب الميناء. نزلوا.

شعرت ساقا جون بغرابة. ذلك الاهتزاز الوهمي المحدد لجسد ظل، طوال أربعين دقيقة، يمتص ذبذبات سطح طريق عماني، ولم يحدّث جهازه العصبي نفسه بعد إلى حقيقة أنه يقف الآن على أرض ثابتة.

قال العم ناصر بهدوء ومن غير دراما: "ابقوا قريبين."

ثم أضاف، بهدوء أكثر: "ولا مشاكل."

أومأ جون بسرعة. "No trouble."

رفعت ثرياء حاجبًا واحدًا. ذلك الحاجب العماني المرح المحدد لامرأة سمعت للتو أجنبيًا يقول جملة كانت البلاد، بحسب خبرتها، تميل إلى جعلها مستحيلة.

قالت: "هذه الجملة خطيرة في عمان."

Scene Four
The Zanzibari Trader

مشوا نحو منطقة السوق. لكن أولًا — قبل أن يصلوا إلى المدخل الرئيسي — مروا بمجموعة صغيرة مبعثرة من الباعة قرب الميناء.

بعضهم معه سلال. وبعضهم فرش أقمشة على الأرض، رتّب عليها أشياء صغيرة في صفوف بعناية.

ثم رأوه.

تاجر زنجباري بسيط — جالسًا متربعًا إلى جوار صندوق خشبي بدا كأنه سافر، في حياته الخشبية الصغيرة، أكثر مما سافر أي جواز في إنجلترا جون. بشرته لوحتها الشمس. وملابسه بسيطة — قميص قطني عادي، وسروال واسع، وقبعة صغيرة. وابتسامته تلك الابتسامة الحادة المحددة لرجل يعرف نكتة لم يسمعها العالم بعد.

أمامه، مرتبة على قماش قطني صغير، كانت الأشياء الصغيرة المحددة التي يبيعها تاجر زنجباري عند حافة الميناء سنة 1973 — خرز صغير، وقوارير عطر دقيقة بسدادات فلين، ومرآة صغيرة في إطار معدني مطروق، وبعض الأشياء اللامعة الفضية اللون التي لم يكن غرضها، من النظرة الأولى، واضحًا.

أبطأت صفية خطوتها. "أوه… انظروا."

مال جون. "ماذا يبيع؟"

همست ثرياء — بتلك الهمسة التحذيرية الصغيرة المحددة لامرأة عمانية تحاول حماية صديقين أجنبيين من تاجر عرفته، من ست خطوات، أنه محترف: "أشياء كثيرة. لكن انتبها. بعض الباعة في مطرح لديهم مهارات… كلام قوية."

رفع التاجر نظره. واستقرت عيناه على جون وصفية كما تستقر عينا صياد على سمكتين دخلتا شبكته، من غير أن تعرفا تمامًا.

ابتسم. ابتسامة عريضة مرحبة وتجارية بالكامل.

"Welcome, welcome! Come! Look! Very good things!"

تجمد جون. سمع الإنجليزية. ليست إنجليزية كاملة. لكنها واضحة بما يكفي. كافية للتفاوض.

ابتسمت صفية بأدب. "Hello."

أومأ التاجر بفخر — تلك الإيماءة الفخورة المحددة لرجل جمع، عبر مهنته التجارية، العبارات الإنجليزية الصغيرة المفيدة من كل نوع من الزبائن الأوروبيين الذين مروا على قماشه.

"Hello! Hello! You want? I have nice things. Small price. Big happiness."

ضحك جون بخفة. "Big happiness؟ يبدو هذا جيدًا."

ربّت التاجر على الصندوق الخشبي — بحب، بتلك الربتة الصغيرة العاطفية المحددة لرجل يعدّ صندوقه شخصية في التفاوض.

"This box? Magic box. It has… everything."

حاولت ثرياء ألا تبتسم. "Magic?"

انحنى التاجر إلى الأمام. دراميًا. ذلك الانحناء الصغير المحدد لحكّاء محترف يستعد لإلقاء الجملة الحاسمة. "Yes. Magic."

همست صفية لجون — بهدوء، وبفرح صغير: "إنه حكّاء."

وجون، لأنه جون، قرر — ذلك القرار المحدد الذي لا يقاوم لرجل لا يستطيع، تحت أي ظرف، أن يتوقف عن كونه معلم إنجليزي — أن هذه لحظة تعلم.

نحنح. بصوت المعلم. والتفت إلى صفية وثرياء.

"Okay. Vocabulary."

ثم عاد إلى التاجر، بابتسامة ودودة. "What do you sell?"

لمعت عينا التاجر — ذلك اللمعان المحدد لتاجر أدرك للتو أن زبونه سيشتري منه محادثة كاملة قبل أن يشتري أي شيء آخر. "I sell… things. Good things."

أومأ جون. "How much?"

رمش التاجر. ثم اتسعت ابتسامته. ذلك الاتساع المسرور المحدد لرجل أعلن زبونه، باستخدام الجملة الثانية الصحيحة، أنه ليس مبتدئًا تمامًا. "Ah. You know. You learn fast."

كانت عينا صفية لامعتين. "جون. اسأله أسماء الأشياء."

أشار جون إلى خيط من الخرز. "What is this?"

أجاب التاجر بسرعة، بذلك الفخر الصغير المحدد لرجل يسمّي بضاعته: "Beads."

"Good. And this?"

أشار جون إلى قارورة صغيرة.

قال التاجر: "Perfume. Very strong. One drop, you smell like… rich person."

قهقهت صفية. "One drop?"

أومأ التاجر بجدية شديدة — تلك الجدية الصغيرة الجامدة لمحترف بيع يستعد لإطلاق أفضل جملة لديه. "One drop. Two drops, you become problem."

اهتز كتفا ثرياء بالضحك.

Scene Five
The Ship Key

أشار جون إلى شيء فضي صغير — قصير، لامع، يشبه المفتاح على نحو غامض، وله مقبض مشغول في أحد طرفيه.

"And this?"

تردد التاجر. ذلك التردد الصغير المحدد لرجل لم يكن، حتى هذا السؤال بالضبط، قد قرر بعد ماذا سيكون هذا الشيء بعينه.

ثم قال — بثقة، تلك الثقة الكاملة المفاجئة لرجل اتخذ، خلال ربع ثانية، قرارًا جديدًا تمامًا بشأن هوية غرض:

"A… ship key."

رمش جون. "A ship key?"

مالت صفية إلى الأمام. ذلك الميلان الصغير المحدد لامرأة سُحرت، رغم حكمها الأفضل تمامًا. "مفتاح لسفينة؟"

أومأ التاجر — تلك الإيماءة الواثقة الكاملة لرجل قرر أن نعم، طبعًا، مفتاح السفينة، الجميع يعرف مفتاح السفينة. "Yes yes. For ship. You open ship."

أدارت ثرياء وجهها بعيدًا. كانت تضحك الآن بصوت مسموع في وشاحها — تلك الضحكة العاجزة في الوشاح لامرأة ظلت، طوال الثلاثين ثانية الماضية، تحاول حفظ كرامة بلدها أمام صديقيها الإنجليزيين، ثم استسلمت أخيرًا.

نظر إليها جون. "هل هذا حقيقي؟"

حاولت ثرياء أن تكون جادة. وفشلت. لكنها استطاعت أن تتكلم.

"لا، مستر جون. هذا ليس حقيقيًا."

قفز التاجر سريعًا — إذ شعر، برادار التاجر المحترف المحدد لرجل يبيع الأشياء منذ ثلاثين سنة، أن خطرًا دخل التفاوض.

"Okay okay! Not ship key. It is… decoration!"

ضحك جون. "آه. Decoration. جيد."

همست صفية لثرياء — بتلك الهمسة الصغيرة المبهجة لامرأة فهمت شيئًا مهمًا للتو: "إنه يحاول أن يبيع حكاية. لا غرضًا."

أومأت ثرياء. تلك الإيماءة المستقرة المحددة لامرأة تؤكد حقيقة سوقية عرفتها طوال حياتها. "نعم. هذا هو مطرح."

نظر جون إلى التاجر. وقرر — ووضع المعلم ما يزال يعمل كاملًا — أن يعلّم. بأدب.

قال بحذر: "In English, we say… I want."

اتسعت عينا التاجر. وكرر الجملة — بالمتعة الصغيرة المحددة لرجل يضيف أداة جديدة إلى صندوق أدوات التفاوض لديه. "I want."

ابتسم جون. "Good. I want beads."

كرر التاجر: "I want beads."

ضحكت صفية. "صار يبدو كأنه الزبون الآن."

وفجأة — من غير إنذار، كأن زرًا ضُغط في مكان عميق داخله — أشار التاجر إلى جون.

"You! You want beads!"

ضحك جون. "No. Not me."

أشار التاجر إلى صفية.

"You want perfume!"

هزت صفية رأسها بسرعة. "No. Thank you."

رفع التاجر قارورة العطر — كجائزة يقدمها إلى بطل. "One drop, you smell like QUEEN!"

تنحنحت ثرياء. وتدخلت. بذلك الحزم الدبلوماسي المحدد لامرأة عمانية تتدخل نيابة عن ضيوفها.

"نحن ذاهبون إلى السوق. شكرًا."

لكن التاجر مال إلى الأمام. صار مصممًا الآن. ذلك الميلان المصمم المحدد لرجل لم يكن، في رأسه، قد تخلى عن البيع بعد.

"Wait! Wait! Gift. Small gift."

فتح الصندوق الخشبي. ومد يده إلى الداخل — بتلك الحركة المسرحية الصغيرة المحددة لرجل يخرج أرنبًا من قبعة — وسحب المرآة الصغيرة ذات الإطار المعدني المطروق.

قدمها إلى صفية.

ترددت صفية. كان قلبها الإنجليزي المهذب يريد، بصدق، أن يقبل — فالهدية، حين تُقدَّم بحرية، ليست شيئًا ترغب في رفضه. لكن عقلها الإنجليزي الأذكى قليلًا كان يصرخ، في مكان ما في مؤخرة جمجمتها، ذلك التحذير العالي المحدد: لا تقبلي هدايا من الغرباء.

حاول جون أن يساعد. "No. It's okay. Thank you."

دفع التاجر المرآة برفق أقرب إليها. "Free. Welcome gift."

وأخيرًا — أخذتها صفية. بحذر. "Thank you."

ابتسم التاجر. كأنه فاز للتو.

ثم أشار إلى جون.

"Now you buy."

تجمّد جون.

"…What?"

رقصت عينا ثرياء — ذلك الرقص الصغير المحدد لامرأة سلّمها بلدها، مرة أخرى، الدرس الذي كانت تنتظره تمامًا.

قالت: "Welcome to Muttrah."

التفت جون إلى صفية. "Safiya!" — بذلك الصوت المخذول المحدد لزوج أدخلته زوجته للتو، هو وهي، في فخ تجاري صغير.

رفعت صفية المرآة بخجل. "ظننتها لطفًا."

أومأ التاجر بفخر. "Yes. Kindness business."

Scene Six
I Don't Want To Buy

تنهد جون.

ذلك التنهد الكامل المحدد لرجل اقترب، قبل ست دقائق، من تاجر زنجباري صغير طلبًا لدرس لغوي، ووجد نفسه الآن — لضيقه — مناورةً داخل شراء صغير شبه إلزامي.

وقرر — لأن جون هو جون، ولأن هناك دائمًا، بالنسبة إلى جون، لحظة تعلم أخرى متاحة — أن هذه اللحظة أيضًا ستتحول إلى واحدة.

واجه التاجر. وتكلم ببطء. بوضوح. بذلك الدبلوماسية المقاسة المحددة لرجل قرر أن يستخدم الجملة نفسها باعتبارها جملة.

"I don't want to buy."

قطب التاجر. "You don't want to… buy?"

كرر جون — بالتأني المقاس نفسه:

"I don't want to buy."

همست ثرياء إلى صفية، بتلك الهمسة التعليمية الصغيرة المحددة لصديقة عمانية: "جملة جيدة."

همست صفية ردًا، بذلك الامتنان الكامل المحدد لزوجة: "جملة جيدة جدًا."

حدق التاجر في جون. ثانية كاملة. ثم — مبتسمًا فجأة، بتلك ابتسامة الاحترام المهني المحددة لتاجر خسر تفاوضًا صغيرًا بعينه وكان، في ذهنه، قد انتقل بالفعل إلى الزبون التالي:

"Okay okay. You don't want to buy. But you can… look."

زفر جون. "Yes. Look."

بدأوا يمشون بعيدًا — نحو السوق — لكن جون لم يستطع أن يتوقف عن التفكير في شيء واحد.

التفت إلى ثرياء. بصوت منخفض.

"هل كان ذلك… خدعة؟"

ابتسمت ثرياء بعذوبة. تلك الابتسامة الثرياوية الصغيرة العذبة المحددة، الابتسامة التي حُذّر جون منها في دفتره.

"ليست خدعة. إنها… درس."

كانت صفية تخربش في دفترها — بسرعة، وهي تمشي، وقلمها يتحرك بذلك الميلان السريع المحدد لامرأة تحاول التقاط عشر كلمات جديدة قبل أن تهرب.

كلمات جديدة: mountain, sea, ship, port, seller, beads, perfume, gift, mirror, price.

نظر جون إلى مدخل السوق أمامه. الأزقة الضيقة. الظلال. الأصوات — نداءات الباعة المتداخلة، والإيقاع المحدد للمساومة بثلاث لغات مختلفة، ونداءات الحمالين العالية وهم يعبرون بين الحشود بصوانٍ فوق رؤوسهم. الروائح — بهارات وبخور وجلد قديم وشيء مقلي لم يستطع أن يحدده. الأصوات.

ابتلع ريقه.

قال بهدوء: "أظن… أن هذا المكان سيعلّمني الإنجليزية من جديد."

أومأت ثرياء. "والصبر."

ابتسمت صفية. "والنجاة."

نادى العم ناصر من خلفهم — تلك الكلمة المفردة العملية المحددة لسائق حدد مسبقًا المرحلة التالية من الرحلة، وينوي نقلهم إليها: "يلا!"

شد جون كتفيه. "Okay. Next task."

مازحته صفية بهدوء، بذلك المزاح الدافئ المحدد لزوجة تعرفت للتو إلى زوجها وهو ينزلق مرة أخرى إلى مفرداته المهنية: "Task-Based Learning… في الحياة الحقيقية."

ابتسمت ثرياء. "بالضبط."

اقتربوا من السوق. وخلفهم، كان التاجر — الذي أعاد ضبط وجهه وقماشه القطني الصغير للزبون التالي، بتلك السرعة المحددة التي يمتلكها كل الباعة الناجحين — يلوح بسعادة. كأن شيئًا لم يحدث.

"Welcome! Welcome! Big happiness!"

تمتم جون من تحت أنفاسه: "Small price. Big trouble."

سمعته ثرياء. وضحكت.

وقبل أن يدخلوا أول زقاق ضيق في سوق مطرح — قبل أن يبتلعهم الظل البارد المعتم للرواق المسقوف، وقبل أن يبدأ الكمين الحسي الكامل للسوق — سمع جون، في مكان ما من الزحام أمامهم، صوتًا مألوفًا.

عالٍ. واثق. وبالكامل، وبلا لبس — سادو.

توقف جون عن المشي.

اتسعت ابتسامة ثرياء ببطء. ذلك الاتساع البطيء المحدد لابتسامة تعرفت، مع صوت ذلك الرجل، إلى مشكلة الصباح التالية كاملة.

"أوه لا."

رمشت صفية. "ماذا؟"

أشارت ثرياء نحو الصوت — نحو الزحام المتداخل، نحو الفتحة الصغيرة المعتمة لزقاق السوق الرئيسي.

"ذلك الصوت… سيبدأ مشكلتنا التالية."

همس جون، بذلك التوسل الصغير المحدد لرجل يأمل — ضد كل أدلة القرية — ألا تكون الجملة التي سيسمعها هي الجملة التي يخاف منها: "أرجوكِ قولي لي إن سادو ليس هنا."

همست ثرياء ردًا. بكاد أن تكون حانية.

"سادو في كل مكان."

والثلاثة — صفية ودفترها مفتوح أصلًا، وجون وكتفاه مشدودان، وثرياء بابتسامتها الصغيرة المحددة المستعدة لأي شيء — دخلوا السوق…

مباشرة نحو المشكلة. — Palm Twenty / النخلة 20 —

··
PALM TWENTY · Of Goats and Grammar
Palm
Palm Twenty
Of Goats and Grammar
Scene One
Everything, All At Once

أول شيء دخل أنف جون داخل سوق مطرح كان… كل شيء.

لم تكن رائحة. كانت تعدادًا للروائح. بهارات — هيل يسخن في أكياس صغيرة مفتوحة، وكمون يلتقط ضوء آخر الصباح كغبار لقاح بني صغير، وحدّة الكركم الفلفلية، وراتنج اللبان الداكن الحلو الذي ظل، لثلاثة آلاف عام، يُحمل من هذه الشوارع نفسها على سفن خشبية متجهة إلى كل ميناء يبلغه البحر. سمك — ملح وقشور السمك الطازج غير المعتذر وهو يستريح فوق طبقات الثلج في مؤخرة الممرات المظللة المعتمة، ممزوجًا بالرائحة الخفيفة للسمك المجفف التي تلتصق، على نحو دائم، ببعض الأكشاك الخشبية التي ظلت تبيع السمك ستة أجيال. بخور — دخان عود يلتف من مجامر صغيرة خارج الدكاكين، يحترق ببطء ويدعو الزبائن. جلد — تلك الرائحة الحيوانية الدافئة المحددة لدكان دباغ تتدلى فيه الصنادل من أوتاد خشبية. خشب قديم — عوارض الأرز العتيقة للرواق المسقوف، اسودّت من عقود من الأيدي المارة. عطر — أدهان ومسك وعنبر، طبقات تتراكم وتتنافس. وشيء مقلي — لم يعرف جون اسمه، وكانت رائحته، في مكان ما بين الثوم والبصل والزيت الحار، تجعله، رغماً عنه، جائعًا قليلًا.

الشيء الثاني الذي دخل أذنيه كان الضجيج.

ليس ضجيج سمائل. ليس الهمس اللطيف المتدرج للقرية. كان هذا الضجيج التجاري الكثيف المتراكم المحدد لمدينة ميناء تتاجر مع العالم منذ زمن البرتغاليين.

أصوات تنادي — بالعربية، وبالسواحلية، وبالبلوشية، وبالهندية، وبإنجليزية مكسّرة. أناس يساومون — ذلك الصعود والهبوط الإيقاعي المحدد للأرقام وهي تُرمى ذهابًا وإيابًا، وللغضب المصطنع، ولإعادة التفكير البطيئة. أصوات معدن — قدور نحاس تُطرق، وميزان نحاسي يرن، وحدّاد في آخر زقاق يضرب الإيقاع البطيء المنتظم المحدد لرجل كان، ذلك الصباح، يصنع النوع نفسه من المسامير الذي ظل يصنعه على هذا السندان نفسه عشرين سنة. خطوات. وحمير في مكان ما خلفهم. وفي وسط ذلك كله، في مكان ما — يرتفع فوق البقية كما ترتفع آلة واحدة من أوركسترا —

سادو.

صوته، الذي لا يُخطأ، ممتلئ الحنجرة، موجّه إلى شخص اسمه سالم عبر زقاق ضيق:

يا سالم يا سالم! اليوم تجارتنا نار! نار!

(O Salim! O Salim! Today our business is fire! Fire!)

توقف جون عن المشي.

توقف بالطريقة التي يتوقف بها رجل يسمع، على غير توقع، صوتًا كان قد تمنى، قبل ساعة واحدة فقط، أن يتجنبه. ذلك التوقف المتجمد الصغير المحدد لمسافر حُذّر من شيء، وأدرك للتو أن التحذير صار، في هذه اللحظة بالضبط، حقيقة.

اصطدمت صفية بظهره. "لماذا توقفت؟"

أشار جون ببطء — تلك الإشارة البطيئة المقاسة لشخص يشير إلى حيوان بري في حديقة حيوان. "ذلك… الصوت."

أغلقت ثرياء عينيها ثانية واحدة. ثانية واحدة فقط. ذلك الإغلاق الصغير المحدد لعيني امرأة تجمع نفسها للساعة التالية من حياتها.

"نعم. هذا سادو."

رمشت صفية. "سادو الخاص بكم؟"

صححت ثرياء بهدوء، بذلك الادعاء القروي الصغير المحدد لامرأة قبلت، منذ زمن طويل، أن بعض الناس لم يعودوا ملكية فردية بل ملكية قروية:

"سادو الخاص بنا."

Scene Two
The Happy Storm

تحرّكوا بحذر عبر الممر الضيق — يتخلّلون الحمّالين الذين يحملون صواني التمر فوق رؤوسهم، ويمرّون بجانب مجموعات صغيرة من التجار الهنود بقمصانهم البيضاء، وبجانب رجل بلوشي طويل يحمل حبلًا ملفوفًا على كتفه — إلى أن رأوه.

كان سادو واقفًا أمام دكان صغير.

يرتدي ملابسه المعتادة — الدشداشة نفسها المغبرة قليلًا التي كان قد ارتداها وهو يتسلق نخلة، والطاقية الصغيرة نفسها، والنعلين نفسيهما — ويتكلم بيديه، وقدميه، وكانت صفية ستقسم أنه يتكلم بحاجبيه أيضًا على الأرجح. حوله أكياس. وصناديق. وحبال. ورجل حائر جدًا يمسك بسلة.

رآهم سادو.

تحوّل وجهه إلى احتفال.

ذلك الاحتفال المفاجئ الكامل الخاص بوجه رجل من القرية كان، قبل ثوانٍ فقط، يمارس التجارة بأعلى طبقة من صوته، ثم مُنح، مجانًا، ثلاثة من أحب الناس إليه في وسط مدينة لم يكن يتوقع أن يراهم فيها.

هااااه! الأستاذ جون! صفيه! مس ثرياء! وينكم من زمان!

(هاه! الأستاذ جون! صفية! مس ثرياء! أين كنتم كل هذا الوقت!)

اندفع نحوهم — كعاصفة سعيدة، بذلك الاندفاع المحدد لرجل قصير من سمائل ينطلق بأقصى سرعته حين يقرر أن اللقاء المفاجئ يستحق تلامسًا جسديًا فوريًا.

ابتسم جون. بحذر. تلك الابتسامة الحذرة الخاصة برجل كان، قبل دقائق، يتمنى ألّا يكون سادو في هذه المدينة، وها هو الآن يلتزم بأن يكون مهذبًا تجاه حقيقة أنه كان مخطئًا.

"Hello, Sadoo."

صافحه سادو. بقوة. بمصافحة الساعد الكامل الخاصة برجل يرى المصافحات الضعيفة عيبًا أخلاقيًا صغيرًا. ثم صافح صفية. بالقوة نفسها. ثم حاول أن يصافح ثرياء.

تراجعت ثرياء خطوة إلى الخلف. بسرعة. تلك الخطوة القروية المتمرّسة الخاصة بامرأة عُمانية لم تكن، من حيث المبدأ، تصافح الرجال منذ كان عمرها خمس عشرة سنة، وقد طوّرت، عبر سنواتها في التعليم، رد الفعل هذا حتى صار فنًا صغيرًا.

سألته بجفاف — بعربيتها السمائلية الواضحة —

سادو، ويش تسوي هنا؟

(سادو، ماذا تفعل هنا؟)

نفخ سادو صدره. ذلك الانتفاخ الصغير الكامل الخاص برجل كانت كرامته العامة كلها على وشك أن تُختصر في جملة واحدة.

أنا؟ أنا تاجر كبير تو! جيت أشتري أغراض للدكان. مطرح! كله خير!

(أنا؟ أنا تاجر كبير الآن! جئت أشتري أغراضًا للدكان. مطرح! كل شيء بخير!)

نظرت صفية حولها إلى التل الصغير من الأكياس والصناديق إلى جواره.

"You have… many bags."

أومأ سادو. بفخر.

كلها لي!

(كلها لي!)

نظر جون إلى أحد الأكياس.

كان يتحرك.

تجمّد.

ذلك التوقف الكامل المتجمد الخاص برجل التقطت عينه حركة لم يكن دماغه مستعدًا، في العاشرة صباحًا، في بلد جديد، أن يعالجها.

"…Why is your bag moving?"

نظر سادو. نظر إلى الكيس بدهشة خفيفة محددة لرجل نسي، حتى تلك اللحظة، أنه كيس يتحرك.

آه. هذا؟ سمك.

(آه. هذا؟ سمك.)

تراجع جون خطوة. "Alive fish?"

أومأ سادو بهدوء.

طازج.

(طازج.)

همس جون لصفية — بذلك الهمس الإنجليزي الصغير اليائس الخاص برجل نفدت احتياطاته الثقافية، أخيرًا، في ذلك الصباح — "I am not ready for this country."

Scene Three
The Bargaining

قبل أن تتمكن ثرياء من السيطرة على الموقف — وكانت، كما لاحظت صفية، قد فتحت فمها أصلًا لتحاول — أمسك سادو بذراع جون. بتلك القبضة القروية المتملكة الخاصة برجل قرر أنه، في الخمس عشرة دقيقة القادمة، سيكون شريك جون التجاري الشخصي.

تعال تعال! هذا محل زين!

(تعال، تعال! هذا محل جيد!)

جرّ جون نحو دكان. ذلك الجرّ الخاص برجل لن يقبل، تحت أي ظرف، جوابًا بالرفض.

كان الدكان ممتلئًا بأشياء معدنية.

قدور نحاسية — مكدسة في أبراج صغيرة، كل واحد منها مطروق باليد، ويحمل في قاعدته علامة الصانع الصغيرة المحددة لنحّاس ما في الداخل. صحون — صحون نحاسية صفراء ثقيلة من النوع الذي كان يُهدى تقليديًا في الأعراس، وتتسلمه العروس وتحتفظ به في مطبخها ستين سنة. صوانٍ. صوانٍ دائرية، وصوانٍ مستطيلة، والسينية الصغيرة الدائرية التي تُقدّم عليها الوجبات المشتركة. كل شيء مرتب بذلك التكديس الدقيق الخاص بصاحب دكان يعرف، بالضبط، أين تقع كل قطعة، وسوف يشعر بالإهانة في داخله إذا رفع زبون شيئًا ثم لم يُعده إلى مكانه صحيحًا.

في الوسط وقف رجل عاقد الذراعين، بوجه شديد الجدية.

أشار سادو إليه بفخر.

هذا صديقي. بيعطينا سعر خاص.

(هذا صديقي. سيعطينا سعرًا خاصًا.)

نظر الرجل إلى جون. ثم إلى صفية. ثم إلى ثرياء. ثم عاد ببصره إلى سادو. وظل وجهه، طوال الجولات الأربع من التفحص، يحمل تعبيرًا واحدًا ثابتًا من حياد مطرح.

قال شيئًا. بسرعة. بالعربية.

أجاب سادو. بسرعة أكبر.

بدآ يتكلمان. بصوت عالٍ. وبالأيدي — ذلك الكلام العربي الكامل بالأيدي الخاص بمساومة تجارية، حيث تنفتح الكفوف، وتنغلق، وتشير إلى الأسعار، وتشير إلى الرفض، وتشير إلى العروض النهائية، وتشير إلى تعديلات صغيرة. لغة ثانية كاملة تجري في الوقت نفسه إلى جانب الكلمات.

التفت جون إلى ثرياء. "What is happening?"

تنهدت ثرياء. ذلك التنهد الطويل المحدد لامرأة شاهدت هذه المحادثة بعينها مرات كثيرة. "Sadoo is bargaining."

همست صفية، مائلة نحو جون: "It looks like a fight."

همست ثرياء في الجواب: "It is a kind of fight. Both sides enjoy it."

وفجأة، التفت سادو إلى جون.

جون! قول له! قول له!

(جون! قل له! قل له!)

رمش جون. "Say… what?"

دفع سادو صينية معدنية كبيرة نحوه — تلك السينية الواسعة التي كانت، في بيت سمائلي، لتحمل أرزًا لستة أشخاص. دفعها كما يدفع المحامي دليلًا نحو هيئة المحلفين.

قول له:

"I want this. But cheap."

تنحنح جون. وضعية المعلّم. نظر إلى البائع.

"I want this," قال بحذر، مشيرًا. "But… cheap."

ارتفع حاجب البائع. ببطء. ذلك الرفع البطيء المتعمد للحاجب الخاص بتاجر محترف لم يُطلب منه، في ثلاثين سنة من بيع الصواني في مطرح، أن يجعل شيئًا رخيصًا من زبون لم يخض أولًا أربع حركات افتتاحية طقوسية على الأقل من الرفض والتندر.

أجاب — بعربية سريعة.

ترجمت ثرياء: "He says: 'This is not cheap.'"

أومأ جون بجدية. "Okay. This is not cheap."

ضرب سادو جبهته بكفه. بقوة. بتلك الضربة الكاملة للجبهة براحة اليد الخاصة برجل انهارت مساومته المعدّة بعناية في جملة واحدة.

لا لا! مو كذا! لازم تقول:

"I don't want. Too expensive!"

حاول جون مرة أخرى. بطاعة. "I don't want. Too expensive."

عقد البائع ذراعيه. أكثر إحكامًا.

أجاب من جديد.

ترجمت ثرياء — بذلك النبر الصغير الممتع للمترجمة التي تستمتع بهذا كثيرًا: "Now he says: 'Then don't buy.'"

حدّق سادو في جون.

كما لو أن جون قد كسر العالم كله، بجملة إنجليزية واحدة.

يا رجل! خربتها!

(يا رجل! لقد أفسدتها!)

Scene Four
Sometimes English Is Magic

حاولت صفية ألّا تضحك. حاولت — تلك المحاولة المحكوم عليها بالفشل الخاصة بزوجة كانت ضحكتها، في مكان عميق من صدرها، قد بدأت طريقها إلى الهروب.

دافع جون عن نفسه. "I said exactly what you told me."

لوّح سادو بيديه. ذلك التلويح الكامل باليدين الخاص برجل أساء تلميذه، في اللحظة الحاسمة، استخدام الدرس.

بس ما كذا!

(لكن ليس هكذا!)

التقط البائع الصينية فجأة. أدخلها إلى الدكان. أدار ظهره.

ذلك الانسحاب الجراحي الثلاثي الخاص ببائع من مطرح قرر أن هذه الصفقة بالذات قد انتهت.

شهق سادو.

راح!

(ذهب!)

التفت، يائسًا، إلى ثرياء.

مس ثرياء! قولي له شي!

(مس ثرياء! قولي له شيئًا!)

عقدت ثرياء ذراعيها. تلك العقدة الهادئة للذراعين الخاصة بامرأة قررت، في هذه اللحظة بالذات، أن تترك سادو يختبر النتائج المحددة لتجارته هو.

"You started this."

نظر سادو حوله. مذعورًا. ثم رأى صفية.

ذلك الوجه المضيء الخاص برجل اكتشف، في يأسه، آخر أصل يملكه.

صفيه! انتِ طيبه. قولي له شي.

(صفية! أنت طيبة. قولي له شيئًا.)

ارتبكت صفية. ذلك الارتباك الزوجي الصغير الخاص بامرأة رُقّيت، من غير استشارة، إلى منصب دبلوماسي.

"Me? I don't know Arabic!"

ابتسم سادو. ابتسامة التعافي الفوري الخاصة برجل كان، قبل ثانيتين، يائسًا، ثم اكتشف في مساحة فكرة واحدة استراتيجية جديدة.

قولّي بالإنجليزي!

(قولي له بالإنجليزية!)

نظرت صفية إلى ظهر البائع. أخذت نفسًا. حاولت — بتلك المحاولة الصغيرة الحذرة لامرأة قررت أن تنتج جملة إنجليزية مهذبة، وتأمل أن التهذيب، بوصفه صفة، قابل للترجمة.

"Excuse me… we are… just looking."

استدار البائع. ببطء.

نظر إليها. ذلك التقييم البطيء الخاص بمحترف التقطت أذناه النبرة المهذبة المحددة لزبونة إنجليزية لا تحاول إهانته.

ثم قال — بإنجليزية مكسّرة — "Looking… no buying?"

أومأت صفية. بسرعة. "Yes. Just looking."

هز البائع كتفيه. تلك الهزة الصغيرة المطرحية التي أطلقت جميع الأطراف من المساومة. "Okay."

همس سادو — مذهولًا —

نجحت!

(نجحت!)

رمش جون. "That worked?"

ابتسمت ثرياء. تلك الابتسامة الصغيرة للمعلمة التي شهدت، في الزمن الحقيقي، اللحظة المحددة التي أنجزت فيها الإنجليزية، بجملة واحدة، ما فشلت العربية في إنجازه في ثلاثين جملة.

قالت: "Sometimes, English is magic."

Scene Five
Where Is Mansoor?

ابتعدوا — قبل أن يتسبب سادو في كارثة أخرى.

توغلوا أكثر في السوق. دكاكين أكثر. أصوات أكثر. ألوان أكثر — ذلك الحمل البصري المتراكم المحدد لسوق مسقوف يريد فيه كل بسطة أن تمتلك العين. أوشحة حريرية بلون وردي مستحيل. أكوام من الليمون الأصفر. سجاد أحمر داكن معلّق على عوارض خشبية. بسطة جزار يسيل من لوح تقطيعها عصير رمان قانٍ.

وفجأة —

وين منصووور؟

(أين منصور؟)

توقفت ثرياء عن المشي.

ذلك التوقف الكامل المحدد لمعلّمة أجرى دماغها، في لحظة واحدة، العدّ الذي يجريه كل معلّم في كل رحلة مدرسية بشكل لا إرادي — وقد أنتج، للمرة الأولى منذ غادروا البيك أب، رقمًا خاطئًا.

قفز قلب صفية. "What?"

نظرت ثرياء حولها. بسرعة. "Mansoor is not here."

هبطت معدة جون. ذلك الهبوط المفاجئ العميق الخاص برجل أدرك دماغه، في اللحظة نفسها، أن الرحلة المدرسية تضمنت أكثر طفل في القرية عصيانًا للكبح في الثامنة من عمره — وأنه لم يرَ ذلك الطفل، كما أدرك الآن، منذ خمس عشرة دقيقة على الأقل.

"What do you mean… not here?"

استداروا. عدّوا. ذلك العد البطيء الاتهامي لثلاثة بالغين يدركون، في الوقت نفسه، أنهم فشلوا في مكان ما.

واحد. اثنان. ثلاثة.

لا منصور.

نظر سادو حوله أيضًا. واقترح — بتلك التفاؤلية القروية السهلة الخاصة برجل اختفى في الأسواق كثيرًا في طفولته من غير عواقب —

يمكن راح يشوف شي.

(ربما ذهب ليرى شيئًا.)

ابيضّ وجه جون. ذلك البياض الإنجليزي الكامل الخاص بمعلّم اصطدمت مسؤوليته المهنية بجغرافيا عُمانية محددة.

"He is a child. In this place."

صار صوت ثرياء حادًا. ذلك الصوت الصغير الحاد كالسكن للمعلّمة، الذي لا يخرج إلا في الطوارئ.

"We must find him. Now."

انقسموا.

ذهب جون وصفية في اتجاه. وذهبت ثرياء وسادو في اتجاه آخر. ذلك التنسيق الصامت الفوري لأربعة بالغين قسّموا، من غير حاجة إلى تعليمات، مربعات البحث بينهم.

مشى جون بسرعة. ينادي: "Mansoor! Mansoor!"

نظر الناس إليه. ذلك النظر الحائر للمارة الذين رأوا للتو أجنبيًا طويلًا ينادي اسمًا، في آذانهم، هو اسم كل صبي ثالث في البلد.

فتشت صفية كل دكان صغير. "Mansoor!"

فتشت زاوية بائع فاكهة. وفتشت دكان أوشحة. وفتشت زقاقًا ضيقًا بين خيّاطين. وانحنت تحت سجادة معلقة. ونادت اسمه مرة أخرى — وكان صوتها، بذلك الصوت الكامل لمعلّمة طوّرته خلال الشهرين الماضيين، يحمل أبعد مما توقعت داخل المكان المغلق.

ثم — سمعوه.

ضحكًا.

ضحكًا مألوفًا جدًا.

ذلك الضحك العالي النبرة لطفل في الثامنة، غير واعٍ تمامًا بالذعر، والذي يمكن في أي بلد أن يُميّز من مسافة خمسين مترًا باعتباره ضحكة صبي يقضي وقتًا ممتعًا.

تبعوا الصوت.

ووجدوه.

كان منصور واقفًا أمام رجل يبيع ألعابًا. كان يمسك بسيف خشبي صغير — سيف عُماني تقليدي للّعب، بنصل خشبي قصير مقوس ومطلي، بحجم ساعده تقريبًا.

كانت عيناه تلمعان.

ذلك اللمعان الكامل المحدد لصبي في الثامنة اكتشف، من غير أن يعرف أي من البالغين المشرفين، الشيء الذي جاء إلى هذا السوق ليجده، من غير أن يخبر أحدًا.

"Mansoor!" صاحت ثرياء — واصلة، ومعها سادو، من خلفهم.

استدار منصور. استدار بذلك الالتفات السعيد المفاجأ الخاص بصبي لم يدرك، حتى تلك اللحظة، أن أحدًا كان يبحث عنه أصلًا.

مس ثرياء! شوف!

(مس ثرياء! انظري!)

ركض جون. أمسك بكتف منصور — لا بعنف، بل بحزم، تلك القبضة المعلّمية الحازمة الخاصة برجل تحوّل ارتياحه، في اللحظة نفسها، إلى حاجة لإيصال شيء مهم.

"You cannot disappear like that!"

بدا منصور حائرًا. تلك الحيرة الصغيرة البريئة لصبي لا يفهم، في تجربته هو، مفهوم الاختفاء. من وجهة نظره، كان ببساطة هنا — قرب السيوف — والبالغون هم الذين غادروا بغير مراعاة.

بس أنا شفت سيوف.

(لكنني رأيت سيوفًا.)

انحنت صفية. ضربت ركبتاها أرض السوق المتسخة، ولم تهتم في تلك اللحظة. صارت على مستوى عينيه الآن. يدها على ذراعه.

"You scared us."

بدا منصور مذنبًا. مذنبًا بحق. ذلك الوجه الصغير النادم لصبي أدرك للتو — للمرة الأولى في حياته القصيرة — أن وقته الممتع كلف الآخرين خوفًا حقيقيًا.

آسف.

(آسف.)

ابتسم بائع الألعاب. "He likes sword."

وصل سادو. يلهث.

هذا مجنون.

(هذا مجنون.)

أمسكت ثرياء يد منصور. بحزم. ذلك الإمساك الصغير الحازم بيد الطفل الخاص بمعلّمة قررت أن أصابع الصبي، لبقية الرحلة، ستكون داخل أصابعها.

"Stay with the group. Always."

أومأ منصور.

مسح جون وجهه. "New rule. Nobody moves alone."

Scene Six
The Shouting

واصلوا المشي.

ثم —

سمعوا صراخًا.

صراخًا غاضبًا.

كان صوت سادو.

استداروا.

كان سادو يتجادل مع بائع آخر. بصوت عالٍ. بصوت عالٍ جدًا. ذلك الجدال العلني كامل الصوت الخاص برجل سمائلي شعر أن كبرياء قريته قد ظُلم علنًا، في مدينة لا ينتمي إليها.

هذا مو اللي عطيتني!

(هذا ليس الذي أعطيتني إياه!)

صرخ البائع في الرد.

بدأ الناس ينظرون.

همست ثرياء — بذلك الهمس الثقيل المحدد لامرأة ترى مسبقًا كيف سينتهي هذا — "Oh no. What did he do?"

استدار سادو ورآهم.

هذا الرجال أعطاني شي غير!

(هذا الرجل أعطاني شيئًا مختلفًا!)

صرخ البائع شيئًا.

ترجمت ثرياء بسرعة: "He says you changed it."

وضع سادو يديه على رأسه.

أنا؟ لا!

(أنا؟ لا!)

أشار البائع إلى كيس. كان في داخله شيء مكسور.

كبر الحشد.

شعر جون بالحرارة. ليست حرارة الفلفل الحار من الأسبوع الماضي. حرارة أخرى، أبرد — الحرارة الإدارية المحددة لموقف انتقل، في الثلاثين ثانية الأخيرة، من التجاري إلى القانوني.

"This is becoming… big."

همست صفية: "Very big."

صرخ البائع مرة أخرى. وصرخ سادو بصوت أعلى. كان الجدال قد دخل دوامة ارتفاع الصوت.

ثم —

ظهر شرطي.

صار كل شيء هادئًا.

ذلك الصمت الفوري المحدد لحشد في مطرح يعرف الزي المحدد لشرطة عُمان السلطانية.

نظر الشرطي إلى سادو. ثم إلى البائع. ثم إلى الكيس.

غاص قلب ثرياء.

طرح الشرطي أسئلة. بعربية سريعة.

أجاب سادو. بعربية سريعة أيضًا.

ترجمت ثرياء، بصوت منخفض، لجون وصفية. "The seller says Sadoo broke something and does not want to pay."

احتج سادو —

ما كسرت شي!

(لم أكسر شيئًا!)

نظر الشرطي إلى سادو. بجدية.

تقدم جون خطوة — من غير تفكير، تلك الخطوة الأمامية غير المتروية الخاصة برجل دُرّب، طوال حياته الإنجليزية، بصمت، على التدخل بأدب حين تظهر مؤسسة.

"Excuse me."

نظر الجميع إليه.

ابتلع ريقه. "We… are teachers. He is… our friend."

نظر الشرطي إليه. طويلًا.

ثم قال — ببطء، بالإنجليزية — "Problem?"

أومأ جون. "Yes. But… maybe misunderstanding."

فكّر الشرطي. ذلك التفكير العُماني الشرطي البطيء الذي لم يستطع جون، في تلك اللحظة، قراءته — هل سيُعتقل هو؟ هل سيُعتقل سادو؟ هل سيتحول الأمر كله إلى أوراق؟

ثم قال شيئًا للبائع.

تنهد البائع. وقال شيئًا في الرد.

اتسعت عينا ثرياء. "He says… okay. He will not make problem. But Sadoo must pay a small amount."

سقط وجه سادو.

حتى لو ما كسرت؟

(حتى لو لم أكسر؟)

نظرت إليه ثرياء. "Yes. Even if."

تنهد سادو. بعمق. ذلك التنهد العميق المهزوم الخاص برجل من القرية اختُصر كبرياء صباحه للتو بطريقة قانونية رسمية. ثم دفع.

تفرّق الحشد. ذلك التفرق السريع لحشد مطرح حين ينتهي العرض.

زفر جون. "That… was scary."

أومأت صفية. "Very."

نظرت ثرياء إلى سادو. تلك النظرة الصغيرة الآسفة لمعلّمة أكد تلميذها، مرة أخرى، الدرس. "I told you. In Muttrah, your mouth is dangerous."

ابتسم سادو بخجل.

بس حماس.

(مجرد حماس.)

مشوا عائدين نحو الحافلة. كان الجميع متعبين. ذلك التعب الكامل لأربعة بالغين وصبي صغير فعلوا، في صباح واحد، أشياء أكثر مما ينبغي.

كان العم ناصر ينتظر. يعدّهم كما تُعدّ الصناديق الثمينة.

كلكم موجودين؟

(هل أنتم جميعًا هنا؟)

أومأت ثرياء. "Yes."

صعدوا.

وبينما تحرّك البيك أب — يتدحرج ببطء خارج زقاق مطرح الخلفي نحو طريق الساحل الذي سيحملهم عائدين عبر الجبال إلى سمائل — كان الطلاب يتكلمون ويضحكون ويعرضون ما اشتروه.

نام منصور بعد دقيقتين. وهو يمسك بسيفه الخشبي الصغير. ذلك النوم الفوري الخاص بصبي صغير كان صباحه، بكل مقاييسه هو، أعظم صباح في حياته.

اتكأ جون إلى الخلف. أغمض عينيه.

ابتسمت صفية. "So… what did we learn today?"

أجاب جون من غير أن يفتح عينيه — بذلك الأداء الجسدي الكامل المتعب لرجل تحوّل درس مفرداته إلى درس في الحياة.

"How to say 'I don't want to buy'… and how to survive Muttrah."

ضحكت ثرياء. "And you still have many lessons."

ومن الأمام، قال سادو — غير مهزوم بهزيمته القانونية الصغيرة، بذلك المرح الذي لا يُقهر لرجل لن يسمح، تحت أي ظرف، لأي يوم أن يكون إلا جميلًا — بفخر:

رحلة جميلة.

(رحلة جميلة.)

فتح جون عينًا واحدة. "Beautiful… and dangerous."

ضحكت صفية.

وبقيت مطرح خلفهم — المدينة تذوب في ضباب آخر الصباح، والبحر يذوب بعدها، والأزقة الصغيرة تذوب، وصوت التاجر الذي حاول أن يبيعهم مفتاح سفينة يذوب في الذاكرة الصغيرة المتراكمة ليوم سيعيش، في كل السنوات الآتية، في أحاديثهم الإنجليزية-الإنجليزية تحت العبارة القصيرة: remember Muttrah. فتحت صفية دفترها. وكتبت بسرعة، بخطها المتأرجح الذي سمح به البيك أب المتحرك — Today we learned: how markets work. How Arabic works. How English is sometimes magic. How Sadoo is always Sadoo. How Mansoor is always Mansoor. And how Oman will, in one morning, give you more story than an English year. أغلقت الدفتر. ارتفعت الجبال أمامهم مرة أخرى — العمالقة البنية الصامتة، نفسها التي أدهشتها في طريق الذهاب — ووجدت، من غير أن تقصد، أنها تنظر إليها الآن كأنها، بطريقة ما، في صفها. — Palm Twenty-One / النخلة 21 —

··
PALM TWENTY-ONE · Tofes 17 — The Day Sky Almost Fell on Samail
Palm
Palm Twenty-One
Tofes 17 — The Day Sky Almost Fell on Samail
Scene One
The Mountains in His Head

بدا شكل القرية عاديًا من جديد.

لا دخان. لا صراخ. لا ركض خلف الشاحنات. فقط شمس، وغبار، وخطوات صباح سمائل الهادئة المحددة التي كانت تبدو، لأذن جون التي تأقلمت حديثًا، أعلى مما ينبغي. بعد رحلة مطرح — بعد السوق، والبائع، ومفتاح السفينة، ومنصور الذي ضاع، وكبرياء سادو الذي اختُصر أمام شرطي — بدت سمائل أصغر، كأن الجبال قد تبعت جون عائدة، وصارت الآن تختبئ داخل رأسه.

وقف جون في الفناء مبكرًا، يمسك كوب الشاي بكلتا يديه.

كان الشاي هو الشاي الأسود القوي المحدد لصباحات سمائل — يُغلى في مطبخهم الصغير بالطريقة التي علّمت بها أم ثرياء صفية أن تغليه، بحبات هيل تُشق وتُلقى عند الغليان، وبقطعة صغيرة من عود القرفة، وبكمية من السكر تجعل الحلق الإنجليزي يحتاج إلى رشفتين ليتعافى من الأولى. كانت عيناه لا تزالان محمرتين قليلًا — لا بسبب الدخان هذه المرة، ولا بسبب الزعفران، ولا بسبب المبيد، ولا بسبب أي من الاعتداءات الكيميائية السمائلية المحددة في الأسابيع الماضية — بل بسبب كثرة التفكير.

بدأ التفكير في طريق العودة من مطرح. واستمر خلال العشاء. واستمر، بصمت، أثناء الليل — بالطريقة المحددة التي تستمر بها الأفكار في الليالي العُمانية، حين يكون الهواء دافئًا بما يكفي ليُبقي الجسد دون النوم بقليل، ويترك العقل حرًا في ترتيب أسئلة اليوم وإعادة ترتيبها.

كانت صفية — صفية للجميع الآن ما عدا جون وثرياء — تطوي ملابس على حبل الغسيل. ذلك الطي الحذر المحدد لامرأة تعلّمت، خلال الشهرين الماضيين، أن تطوي ملابسها الإنجليزية بالطريقة العُمانية — الزوايا أولًا، ثم الطية الثالثة، ثم الضغط على الفخذ الذي يقفل الطية في مكانها. كانت تتوقف كل بضع ثوانٍ لتحدق في الجبال البعيدة، كأنها تتوقع أن تظهر سفينة — سفينة خشبية، بشراع لاتيني — بطريقة ما، من خلفها.

كانت مطرح تفعل هذا بهما. بكليهما. لقد نصّبت نفسها كموسيقى خلفية صغيرة دائمة وراء كل صباح عادي.

وصلت مس ثرياء وهي تحمل سلة صغيرة فيها أوراق وطباشير. بدت مشرقة. مشرقة أكثر مما ينبغي. تلك الابتسامة المشرقة أكثر من اللازم الخاصة بامرأة تعرف نكتة سرية، وتنتظر اللحظة المثالية لإطلاقها.

راقبها جون بحذر. قال: "You are smiling, like you already know what I will say."

اتسعت ابتسامة ثرياء. "Maybe I do."

مالت صفية نحوه. "John. You have been staring at the door since sunrise. Are you waiting for a letter? A miracle? A goat?"

أشار جون إلى الطريق — بتلك الإشارة الصغيرة الجادة الخاصة برجل قرر، فوق قهوته، أن هذا الصباح سيكون هو الصباح.

"I'm waiting for… answers."

سألت صفية: "What answers?"

خفض جون صوته. كأن نخلات التمر عند طرف الفناء تفهم الإنجليزية، وقد تبلّغ عنه إذا تكلم بصوت عالٍ.

"Muttrah. The market. The sea. That man with the box. And how everyone kept saying things that sounded like warnings and jokes at the same time."

جلست ثرياء على حافة الجدار الحجري الصغير. شبكت يديها في حجرها — تلك الحركة القروية الصغيرة ليدي امرأة، والتي تعني: سأقول جملة واحدة، وعليك أن تسمعها.

قالت: "In Samail, warnings and jokes are cousins."

أومأ جون ببطء. "Exactly. And now I want to know if… if this village is normal."

ضحكت صفية. "John. You chose Oman in 1973. Normal is on vacation."

Scene Two
John Decides

قبل أن يتمكن جون من الرد، قفز ظل صغير مألوف إلى الفناء.

مالود.

دخل الجدي الصغير بخطوات عسكرية — كملك، بذلك المشي القصير الأرجل الخاص بحيوان قرر منذ زمن بعيد أن هذا البيت له بقدر ما هو لأي شخص آخر. شمّ ملابس صفية النظيفة. حاول أن يمضغ طرف وشاح.

سحبته صفية بعيدًا — بلطف — وتنهدت. "This goat has no shame."

حدّق فيها مالود — كأنه، في الحقيقة، أُهين من الاتهام — ثم ركض مباشرة نحو حقيبة جون. الحقيبة نفسها التي يهاجمها دائمًا. تلك الحقيبة الإنجليزية القماشية القديمة التي أحضرها جون من نورويتش، والتي تحتوي، في كون مالود الخاص، على ألذ الأسرار في العالم.

رفع جون الحقيبة. "No, Malood. Not today. I need this bag for school."

قفز مالود. فشل. بدا غاضبًا.

ضحكت ثرياء بخفة. "He is practising. For future crimes."

نظر جون إلى ثرياء. تلك النظرة المركزة الخاصة برجل يعود، بجهد، إلى السؤال الذي كان يحاول طرحه طوال الصباح.

قال: "Speaking of crimes… I have to ask you something."

رمشت ثرياء — ببراءة. "Ask."

أخذ جون نفسًا. ذلك النفس التحضيري الحذر الخاص برجل لم يجرؤ تمامًا، طوال أسابيع كثيرة، على السؤال الذي كان على وشك أن يطرحه.

"Who is Shayb Khalaf. Really?"

تجمّدت صفية في منتصف الطية.

توقف مالود عن المضغ.

حتى الهواء — كما ستتذكر صفية لاحقًا — بدا كأنه ينتظر. ذلك الانتظار الصغير لصباح عُماني صار، عند نطق اسم محدد، منتبهًا.

لم تجب ثرياء فورًا.

بل نظرت نحو الدرب الذي يؤدي إلى طرف القرية — حيث تصير البيوت الطينية أقدم، والأشجار أكثر توحشًا، ويصبح الهدوء المحدد الذي يلتصق بأبعد البيوت مسموعًا حتى من هنا.

ثم قالت، بهدوء —

"He is an old man. He lives alone. People fear him because people fear what they don't understand."

انخفض صوت جون. "But why do they think he is… a wizard?"

هزت ثرياء كتفيها. تلك الهزة الصغيرة الخاصة بامرأة من القرية كانت مخيلة بلدها الشعبية، في خبرتها، تصنع السحرة من الرجال المسنين الوحيدين منذ ألفي سنة تقريبًا.

"Stories grow faster than palm trees. One day he is just a lonely man. Next day he is a wizard. The next day… he is something worse."

تكلمت صفية بصوت رقيق. "Is he dangerous?"

نظرت إليها ثرياء.

"No. But… he likes silence. And he doesn't like people watching him like he is a story."

أومأ جون. ثم همس — بذلك الهمس الخاص الصغير لرجل اتخذ قراره في الدقيقتين الأخيرتين — "Good. Because I want to talk to him."

أدارت صفية رأسها نحوه بسرعة. "John… why?"

قال جون — وقد انتصب أكثر، بتلك الوقفة الصغيرة للكتفين المستقيمين الخاصة برجل يتخذ قرارًا — "Because I feel like he knows things. And I don't like mysteries. In places where I live."

عادت ابتسامة ثرياء. صغيرة وحادة. "Then go. But don't blame me if you run."

ضيّقت صفية عينيها. "Thuraya. That sounded like a threat."

رفعت ثرياء يديها. تلك الرفعة البريئة بكفين مفتوحتين لامرأة تلتزم بإنكار يمكن تصديقه. "It is not a threat. It is… a prediction."

وهكذا، بكل بساطة، قرر جون.

Scene Three
Under the Shawab Tree

بدا الطريق إلى بيت الشايب خلف أطول مما يبدو.

تلاشت أصوات القرية خلفهم. ابتعد صياح الديك. وابتعدت مشاكسات الأطفال الصغيرة عند الآبار البعيدة. حتى خرير الفلج المتصل — الذي كان، بالنسبة إلى سمائل، مثل البحر البعيد للمدن الساحلية، صوتًا دائمًا — رقّ حتى صار همسًا خافتًا. حتى مالود تبعهم. يقفز معهم. كأن هذه مغامرة كبرى.

حاولت صفية أن تُبقي صوتها خفيفًا. "Maybe we should not bother him."

مشى جون أسرع. "We are not bothering. We are greeting. We are… friendly teachers."

مشت ثرياء إلى جوارهما. بثقة هادئة. ذلك الهدوء الخاص بامرأة خاضت، ثلاث مرات في حياتها، هذه المحادثة نفسها مع هذا الرجل العجوز نفسه، وكانت تعرف، مسبقًا، شكلها.

"Remember your greeting lesson."

أجبر جون نفسه على الابتسام — تلك الابتسامة العصبية الصغيرة الخاصة برجل يراجع، في الأمتار الأخيرة قبل الوصول، الجمل التي حفظها.

"Hello. Good morning. How are you?"

أضافت صفية: "Nice to meet you."

أومأت ثرياء. "Good. Don't forget 'We are sorry to disturb you.' Just in case."

نظر إليها جون. "You prepared that sentence too quickly."

تظاهرت ثرياء بأنها لم تسمع.

بعد قليل، رأوه — بيتًا طينيًا صغيرًا قديمًا، له باب خشبي خشن. أمامه كانت تقف شجرة الشواب الشهيرة. عريضة. ثقيلة. كأنها ظلت تراقب القرية مئة عام من غير أن ترمش.

تحت الشجرة، جلس رجل على حصير.

الشايب خلف.

كان يمسك فنجان قهوة صغيرًا — فنجان الخليج المحدد، بقاعدته الصغيرة المستديرة، وحافته المتسعة قليلًا. كانت عصاه مستندة إلى جانبه. وأمامه — موضوعة بعناية، في نمطها الصغير المتشابك، كأنها تنتظر ضيفًا — مجموعة دومينو. ذلك الترتيب التوقعي المحدد لرجل كان، بطريقة ما، ينتظر صحبة.

أبطأ جون خطواته.

قلبت معدته قلبة صغيرة غريبة. تلك القلبة الصغيرة المحددة لرجل أدرك عقله الإنجليزي المنطقي للتو ترتيبًا للدومينو لا يمكن أن يكون قد أُعدّ له، لأن أحدًا لم يُخبر بأنه آتٍ، ومع ذلك كان قد أُعدّ له.

همست صفية: "Why are the dominoes already ready?"

همست ثرياء في الرد — بذلك الهمس القروي الصغير الهادئ لامرأة كان جوابها صادقًا، لكنه أيضًا غير مفيد عمدًا —

"Because he is always ready."

حاول مالود أن يتقدم. أمسكت به ثرياء بلطف من الحبل الصغير حول عنقه.

"Not now. Trouble-maker."

تنحنح جون.

لم يرفع الشايب خلف نظره.

حاول جون مرة أخرى. بصوت أعلى.

"Good morning."

لا شيء حتى الآن.

مالت صفية أقرب. "Maybe he didn't hear."

ثم تكلم الرجل العجوز. من غير أن يرفع نظره.

قال: "Good morning."

لم تكن إنجليزيته مثالية.

لكنها كانت واضحة بما يكفي.

واضحة بما يكفي لتصيب جون كدلو ماء بارد صُبّ، من غير إنذار، فوق رأسه في وسط صباح قروي دافئ.

Scene Four
Sit

تجمّد جون.

انفتح فم صفية قليلًا، ثم انغلق — تلك الحركة الإنجليزية الصغيرة المزدوجة الخاصة بامرأة جهزت جملة، ثم أدركت، في نصف الثانية بين التجهيز والكلام، أن الجملة لن تصلح بعد الآن.

لمعت عينا ثرياء. كانت تبدو، في الحقيقة، كأنها تحاول جاهدة ألّا تضحك.

نجح جون في الكلام. "You… you speak English."

رفع الشايب خلف نظره أخيرًا.

كانت عيناه حادتين. حادتين كعيني صقر. لكنهما متعبتان — ذلك التعب المحدد الذي يخص شخصًا يحمل أفكارًا ثقيلة.

أومأ. مرة واحدة.

"Little."

صار صوت جون مهذبًا. وعصبيًا. ذلك الأدب الحذر الخاص برجل يخاطب شخصية كان وجودها، قبل عشر ثوانٍ، قد وضعه جزئيًا في خانة حكايات القرية، وهي الآن أمامه تتكلم الإنجليزية.

"We are teachers. New teachers. We came from Britain."

حدّق فيه الشايب خلف لحظة طويلة.

ثم أشار إلى الدومينو.

قال: "Sit."

رمش جون. "Sit?"

كرر الشايب خلف — كأنها الكلمة الوحيدة المهمة: "Sit."

لمست صفية ذراع جون. "John… do we sit?"

ابتلع جون ريقه. "We sit."

جلسوا تحت شجرة الشواب. كان الظل أبرد من بقية القرية — ذلك البرود الأعمق المحدد لأقدم شجرة في مكان صغير، شجرة راكمت مظلتها، على مدى مئة عام، مناخها الصغير الخاص. كأن الشجرة تحمي أسرارًا.

دفع الشايب خلف قطع الدومينو إلى الأمام.

حدّق جون فيها. "You want to… play?"

أومأ الشايب خلف. "Play."

جلست ثرياء إلى الجانب. تراقب — تلك المراقبة الصغيرة للحَكَم الخاص بامرأة تعرف مسبقًا من سيفوز، وتتطلع إلى رؤية كيف سيخسر الخاسر.

همست صفية: "Do you know how to play?"

همس جون في الرد. "I know the rules. I just… didn't know I would play dominoes with a village wizard under a sacred tree."

همست ثرياء: "He is not a wizard."

همس جون — بإلحاح، ذلك الهمس الذي يقول انظري إلى الدليل، الخاص برجل يعرض حجته — "He spoke English."

ابتسمت ثرياء. "Some people learn languages. That doesn't make them wizards."

رفع جون قطعة دومينو. بحذر. كأنها قد تعضّ.

راقبه الشايب خلف. صامتًا.

وضع جون قطعة.

وضع الشايب خلف قطعة أفضل. فورًا. كأنه كان، منذ ما قبل أن يبدأ جون وصفية وثرياء المشي، ينتظر أن يقوم جون بتلك الحركة الافتتاحية بعينها.

مالت صفية إلى الخلف. ببطء. "He is good."

أومأ جون — بتصلب. "Too good."

Scene Five
Muttrah Is Noisy

بعد بضع حركات، تكلم الشايب خلف من جديد. لا يزال هادئًا. ولا يزال، على ما يبدو، غير مهتم.

قال: "Muttrah is noisy."

قفز قلب جون.

تلك القفزة الكاملة المحددة لرجل اكتسب يومه للتو، من غير إنذار، حافة غريبة.

قال بحذر: "Yes… it is."

تابع الشايب خلف — وهو يضع قطعة أخرى من غير أن ينظر إليها —

"You went there. You saw ships."

تغير وجه صفية. "How do you know?"

نظر إليها الشايب خلف.

"News travels."

اشتدت يدا جون على قطع الدومينو. "Who told you?"

أشار الشايب خلف بإشارة رخوة — واسعة — نحو القرية خلفهم.

"People."

ثم نظر مباشرة إلى جون.

"And you got into trouble."

شحُب وجه جون. "We… we did not get into trouble."

رفع الشايب خلف حاجبًا واحدًا.

شعر جون بالهواء يضغط عليه. ذلك الهبوط الثقيل المحدد لظهيرة أكتوبر دافئة تتجمع فوق رجل انهارت كذبته، في أقل من ثلاث ثوانٍ.

همست صفية — بحدة، ذلك الهمس الزوجي الصغير الطارئ لامرأة قررت التدخل — "John. Your face is confessing."

حاول جون أن يضحك. خرج الصوت كالسعال. "Small trouble. Only… small."

غطت ثرياء فمها. اهتز كتفاها.

وضع الشايب خلف قطعة دومينو أخرى.

تك.

بدا الصوت عاليًا. أعلى مما ينبغي. تلك الطقة الصغيرة المضخمة صوتيًا التي تحدث حين توضع قطعة دومينو، في صمت كامل، تحت أقدم شجرة في القرية.

ثم قال الشايب خلف — ولا يزال بالإنجليزية —

"Next time, listen."

جفّ حلق جون. "Listen to who?"

انزاحت عينا الشايب خلف نحو ثرياء. نصف ثانية. ثم عادتا إلى جون.

كرر: "Listen."

حدّق جون فيه. ثم نظر إلى ثرياء. "Why does he keep saying 'listen' like it is… a warning?"

ابتسمت ثرياء. بعذوبة. "Maybe because you don't listen."

فتح جون فمه ليجادل. لكن الشايب خلف قال فجأة — بعفوية، من غير أن ينظر إلى أحد —

"Your goat likes your bag."

أدارت صفية رأسها بسرعة كادت تؤذي عنقها. "How do you know about Malood?"

نظر الشايب خلف إلى مالود — الذي كان، في هذه اللحظة، يمضغ زاوية حقيبة جون مرة أخرى. بثقة كاملة.

قال الشايب خلف — بهدوء —

"Because he is doing it now."

نظر جون إلى مالود. ثم عاد ببصره إلى الشايب خلف.

ثم همس: "This is impossible."

وضع الشايب خلف آخر قطعة دومينو.

فاز.

حدّق جون في خط الدومينو كما لو كان ختمًا رسميًا للهزيمة.

زفرت صفية. "He beat you."

وقف جون — نصف مصدوم — بسرعة. "Thank you. We… we should go."

رفع الشايب خلف فنجانه. شرب ببطء.

ثم قال — بخفة شبه كاملة —

"You are afraid."

أجبر جون نفسه على الابتسام. "No. I am not afraid."

أومأ الشايب خلف. مرة واحدة. "Yes. You are."

شعر جون بحرارة خديه. واستدار بعيدًا.

ثم أضاف الشايب خلف — بهدوء، بالعربية هذه المرة، كأنه سكين ينزلق من غمده —

واحليلك باه… تفزع.

(يا مسكين… أنت خائف.)

تجمّد جون.

اتسعت عينا صفية.

صارت ابتسامة ثرياء خطرة.

استدار جون بسرعة. "You… you said that before."

نظر إليه الشايب خلف. "Did I?"

ارتجف صوت جون. "Yes."

استند الشايب خلف إلى الخلف. هادئًا. "Maybe you imagined it."

Scene Six
If I…, I Will…

التقط جون نعليه. فجأة. تلك الالتقاطة الفجائية المخصوصة لرجلٍ يحتاج أن يتحرك، يحتاج إلى الهواء.

نهضت صفية أيضًا. «شكرًا لك، شايب خلف.»

لم يُجب شايب خلف.

خطا جون خطوتين… ثم استدار. وانفلت منه، بالإنجليزية، السؤال المخصوص الذي كان، تحت كل تلك الجُمل الإنجليزية الصغيرة، السؤال الحقيقي منذ البداية.

«لماذا يقول الناس إنك ساحر؟»

تغيّر الهواء مرة أخرى.

توقفت ثرياء عن الابتسام.

حبست صفية أنفاسها.

لم يتغير وجه شايب خلف. لكن عينيه تغيرتا.

قال — بهدوء — «الناس يحتاجون إلى قصة.»

ابتلع جون ريقه. «والقصة عن… «المغصوب»؟»

التفت رأس ثرياء نحو جون بسرعة. «لماذا تقول هذا هنا؟»

همس جون: «لأن… لأنني سمعته.»

حدّق فيه شايب خلف. طويلًا.

وفي تلك النظرة الطويلة، ستفهم صفية لاحقًا، كان التاريخ الخاص كله لرجلٍ ظل، على مدى أربعين أو خمسين سنة، موضوع قصة قروية غير صحيحة — قصة عن تسليم ابنٍ للشياطين، وقصة عن السحر، وقصة عن ابنه عبيد، الذي كان قد ذهب ببساطة إلى البحرين ليعمل، ثم عاد في النهاية رجلًا عاديًا، لكنه، بسبب سمعة أبيه، ظل يُعامَل في القرية منذ ذلك الحين كأنه شبح. كانت قصة المغصوب اختراعًا قرويًا. كان خلف يعرف أنها اختراع. وكان أهل القرية، في مكانٍ عميقٍ في داخلهم، يعرفون ذلك أيضًا. لكن القصة كانت نافعة جدًا — مُرضية جدًا — بحيث لا يُسمح لها أن تموت. وقد عاش خلف حياته داخلها.

ثم قال جملة واحدة. بطيئة. ثقيلة.

«لا تلعب بالخوف. الخوف يردّ اللعب.»

هبط قلب جون إلى معدته.

أومأ سريعًا. «حسنًا. شكرًا. وداعًا.»

ثم فعل ما كانت ثرياء قد توقّعته.

ركض.

حافي القدمين. يمسك نعليه كغنيمة غريبة. تلك الركضة الكاملة الالتزام لرجلٍ كانت ساقاه قد قررتا، من دون استشارته، أن الطريق بعيدًا عن شجرة الشواب ينبغي أن يُقطع بأقصى سرعة ممكنة.

تبعته صفية. نصف ضاحكة. نصف قلقة. تنادي: «جون! جون، تمهّل!»

وخلفهما مشت ثرياء. بهدوء. كأن المشهد كله ملكها.

التفتت إلى الوراء. مرة واحدة.

كان شايب خلف ما يزال جالسًا تحت شجرة الشواب. هادئًا. ساكنًا. كأن شيئًا لم يحدث. كأنهم هم الغرباء.

وحين وصلوا إلى الصف، كان جون ما يزال يتنفس كأنه نجا من نمر.

لاحظ الطلاب وجهه فورًا.

همس منصور — بصوت عالٍ، تلك الهمسة المسرحية المخصوصة لصبي يريد من الصف كله أن يسمع — «مستر جون… أنت ركضت!»

حاول جون أن يقف شامخًا. «نعم. ركضت.»

كتبت ثرياء البنية المستهدفة على السبورة. بخطها الواضح النظيف:

IF I …, I WILL …

صفّقت صفية بيديها. «اليوم. سنستخدم رحلتنا لنتعلم الإنجليزية!»

أشار جون إلى نفسه. ببطء. ذلك التأشير البطيء المتعمّد إلى الذات لرجلٍ قرر أن يحوّل خوفه، للمرة الثانية في ذلك الأسبوع، إلى مادة تعليمية.

«If I see Shayb Khalaf… I will run.»

انفجر الصف ضاحكًا.

ابتسمت ثرياء. «جملة جيدة. جملة حقيقية.»

أشارت صفية إلى طالب. «دورك. If you eat too much chili…»

ابتسم صبي وقال: «If I eat too much chili, I will cry.»

أومأ جون. «ممتاز.»

أشارت ثرياء إلى منصور. «If Mansoor makes noise…»

صرخ الطلاب معًا — تلك الجوقة الصفية الكاملة المبهجة لأطفال يعرفون، تمامًا، ما الجملة التالية — «Teacher will shout!»

محمدين — وهو يمر عند الباب ولا يستطيع مقاومة الأمر — أضاف بلكنته المصرية: «لا، لا، لا. Teacher will make you quiet!»

ضحك فتكات. بصوت عالٍ. من الممر.

تابعت صفية. «If we go to Muttrah…»

كرر الطلاب: «We will see ships.»

انزاحت عينا جون نحو النافذة.

كان يكاد يسمع صوت شايب خلف مرة أخرى —

لا تلعب بالخوف.

لاحظت ثرياء تعبيره. مالت أقرب — هامسةً بالإنجليزية، كي لا يسمعها إلا هو.

«الآن تفهم. الناس هنا يستطيعون أن يصنعوا قصة داخل رأسك. وستصدقها.»

ابتلع جون ريقه. «هل… هل أخبرتِه عن مطرح؟»

رمشت ثرياء ببراءة. «أنا؟»

حدّق فيها جون. «ثرياء.»

ابتسمت. «If you accuse me… I will laugh.»

نادته صفية من المقدمة. «جون! دورك. أعطِ الطلاب جملة أخرى.»

أجبر جون نفسه على ابتسامة. واجه الصف.

قال: «If I hear a strange English voice under a tree, I will… drink tea and pretend it is normal.»

ضحك الصف من جديد.

لكن جون لم يضحك. ليس تمامًا.

لأنه في أعماقه كان ما يزال يتساءل السؤال نفسه الذي ظل يتساءله منذ يوم الدخان —

كيف تعلّم ذلك الرجل العجوز الإنجليزية؟

ولماذا كان يشعر أن شايب خلف يعرف أكثر مما ينبغي؟

في الخارج، تحركت الريح برفق بين مزارع النخيل.

وفي مكانٍ ما من القرية — تحت شجرة الشواب، في الظل الذي ظل يتراكم مئة عام، في دائرة الدومينو الصغيرة الصابرة المرصوفة بعناية فوق الحصير — ظلّ الصمت يحتفظ بأسراره. جلس شايب خلف، وحيدًا الآن، مع فنجان قهوته الصغير، ولعبة دومينو ثانية ترتبها يداه أصلًا. كأن زائرًا آخر، في مكانٍ ما من القرية، كان في الطريق إليه بالفعل. — Palm Twenty-Two / النخلة 22 —

PALM TWENTY-TWO · The Sky Falls on Samail — A Village in Rain
Palm
Palm Twenty-Two
The Sky Falls on Samail — A Village in Rain
Scene One
The Sound That Did Not Belong

هناك أصوات يعلّمك المكان إياها، وأصوات لا يعلّمك إياها. بعد عددٍ كافٍ من الصباحات في بيتٍ واحد، يتعلّم الجسد القرية قبل أن يفعل العقل — الديك الذي يصيح دائمًا في الساعة نفسها، والمرأة التي تمر خطواتها بالزاوية نفسها، وباب الجار الذي ينغلق دائمًا بالشكوى الخشبية المخصوصة نفسها. تصنع الأذن قائمة جرد. وكل ما يقع خارج تلك القائمة يصل، حين يصل، بإنذارٍ صغير مخصوص كضيفٍ غير متوقع.

في ذلك الصباح، كان الصوت خارج القائمة.

ليس الديك. ليس الخبز يُصفَّق بين الكفين في البيت المجاور. ليس الرنين المعدني الصغير لسادو وهو يفتح دكانه. ليس منصور يصرخ في مكانٍ ما بين الأزقة — ذلك الصوت الذي صار، خلال الأسابيع الماضية، أشبه بساعة تقريبًا.

كان هذا الصوت شيئًا آخر. ناعمًا. صبورًا. يتكرر بيقينٍ صغير رطب لشيءٍ قرر أنه سيستمر.

تُب… تُب… تُب…

فتح جون عينًا واحدة. كانت الغرفة معتمة — تلك العتمة الزرقاء الرمادية المخصوصة لفجرٍ سمائلي، حين تكون الشمس قد بدأت عملها لكنها لم تلتزم به بعد. أصغى. استمر الصوت. تُب… تُب… تُب…

كانت صوفيا جالسة أصلًا — لا مذعورة، ولا خائفة، بل يقظة فقط، بذلك الإصغاء الحذر لشخصٍ كان مستيقظًا مدة أطول مما تعرفه الغرفة.

همست: «جون»، وكان في صوتها عجب صغير لشخصٍ يبلّغ عن حقيقة تحتوي سؤالًا. «أظن… أن السماء تُسرّب.»

وقبل أن يجيبها — قبل أن يكتمل في ذهنه أصلًا تركيب الجملة التي قالتها للتو — سقطت قطرة باردة واحدة على أنفه.

جلس في حركة واحدة.

«السماء ماذا؟»

قطرة أخرى. ثم أخرى. كل واحدة تجد رقعة مختلفة قليلًا من الجلد، أو الوسادة، أو الأرضية الخشبية — ليست كثيرة، ولا مهددة، بل تصل فقط، بإصرارٍ متمهل لشيءٍ ظل يفعل هذا منذ زمنٍ أطول من عمر البيت نفسه.

كان السقف سقفًا من طين. قديمًا. صبورًا. يُعتنى به كما كانت أسقف القرى العُمانية تُعتنى بها — لا ضد المطر، لأن المطر لا يأتي، بل ضد الزمن. والآن وصل الزمن والمطر معًا، في الصباح نفسه، وكان السقف يكتشف، مع سكانه، أن استعداداته لم تكن مكتملة.

نظرت صوفيا إلى الأعلى. ثم حولها. ثم إلى الأرض، حيث كانت بقعة داكنة صغيرة تتكوّن على البساط.

«السقف… يقطر!»

تحركت بالسرعة الكاملة المخصوصة لامرأة قررت، في ثانية واحدة، أن هذا طارئ وأنها ستديره. ركضت إلى المطبخ. عادت بأوعية. وبكوب. وبصحن قصدير صغير. وبأي شيء يمكن أن يحمل الماء ولم يكن قد كُلّف بهذه المهمة من قبل.

«طوارئ! طوارئ!»

تبعها جون — نصف نائم، ما يزال يحاول فهم نحوِ سماءٍ تبدو، على ما يبدو، قادرةً على التسريب.

«هل هذا طبيعي؟ هل هذا… فيضان؟»

Scene Two
Welcome to Oman Rain

ظهرت الأستاذة ثرياء عند الباب.

لم تظهر كما يظهر الضيف. ولم تظهر كما قد يظهر جار. ظهرت كما يظهر الصباح نفسه في هذه القرية — بلا إعلان، وبلا مفاجأة، بذلك الاكتمال الهادئ المخصوص لشخصٍ كان يعرف، بطريقةٍ ما، أن حضوره سيصير مطلوبًا بعد قليل، فرتّب خطواته ببساطة لتتزامن مع تلك الحاجة. كان وشاحها عليها بالفعل. وكان وجهها هادئًا بالفعل. وكان المطر، بطريقةٍ خاصةٍ ما، لها بالفعل.

نظرت إلى السقف الذي يقطر. ثم إلى صوفيا، تركض بين الأوعية. ثم إلى جون، الواقف في منتصف الغرفة ممسكًا بكوبٍ بوقار رجلٍ لم يُخبَر بعد بما يحدث.

ابتسمت. تلك الابتسامة الهادئة الصغيرة المخصوصة لامرأة تراقب أجانب يواجهون مطرهم العُماني الأول.

«اهدؤوا. إنه مطر.»

تجمّد جون.

«مطر؟»

توقفت صوفيا. وفي كل يد وعاء. تلك الوقفة المخصوصة لشخصٍ قيل له إن الطارئ الذي كان يديره ليس، في الحقيقة، طارئًا على الإطلاق.

«مطر؟»

ثم — بلا إنذار، وبلا مجاملة تمهيدٍ صغير —

دووووووم.

لم يأتِ الرعد من السماء. بل جاء من داخل السماء. جاء من مكانٍ في السماء لا تصل إليه القرية عادةً، وقرر في ذلك الصباح بالذات أن يُسمِع نفسه. أحسّت به جدران البيت — الجدران الطينية، الجدران الصابرة، الجدران نفسها التي وقفت لأجيال — قبل أن تسمعه الأذن. وأحسّت به الأرض قبل الجدران. كانت هناك ثانية صغيرة مخصوصة تذكّر فيها كل ما كان ساكنًا في هذه الغرفة أن السكون حالة مؤقتة.

صرخت صوفيا. وصرخ جون بعدها بثانية صغيرة متأخرة قليلًا — صرخة مهذبة لرجلٍ قرر جسده أن يشارك قبل أن ينتهي عقله من تقييم ما إذا كانت المشاركة مبررة. وصرخ مالود أيضًا، من مكانٍ ما خارج الباب، بذلك الاحتجاج الكامل الجسد لتيسٍ قوطع صباحه بشيءٍ لا يستطيع التفاوض معه.

ضحكت ثرياء.

تلك الضحكة الصغيرة الكاملة لامرأة كانت تنتظر، طوال الصباح، هذا التبادل الثقافي تحديدًا.

«مرحبًا بمطر عُمان.»

Scene Three
A Village Transformed

خرجوا إلى الخارج.

والقرية التي عرفوها بالأمس — القرية الجافة، القرية بلون الغبار، القرية التي يحمل هواؤها الرائحة الصغيرة المخصوصة القديمة للحجر والحرارة — لم تعد تلك القرية.

كانت الأرض داكنة. ليست موحلة بعد — بل متغيّرة فقط، بلون ترابٍ تذكّر، للمرة الأولى منذ أشهر، ما هو الماء. وتحوّلت الرائحة تمامًا. لم تعد رائحة الغبار القديمة البطيئة وهو ينتظر. بل شيء أخضر. شيء جديد. تلك الرائحة الكاملة المخصوصة للأرض المبتلة في مكانٍ كان يحبس أنفاسه، وفي الساعة الأخيرة، زفر أخيرًا. استنشقتها صوفيا بصدرها كله. كما تستنشق شيئًا لم تكن تعرف، حتى تلك اللحظة، أنها كانت تفتقده.

كان الماء يجري في كل مكان. لا كفيضانات — بل كخطوطٍ صغيرة حذرة. ينحدر على جوانب البيوت. وعلى أطراف الممرات. يتبع الأخاديد الصغيرة التي حفرها الفلج عبر القرون، لكنه يجد أيضًا أخاديد جديدة من عنده، أماكن لم يكن فيها من قبل، يستولي على الأرض كما يستولي الماء دائمًا على الأرض: بصبر، وباليقين المطلق أن الوقت في صفّه.

والأطفال.

كان الأطفال في الخارج أصلًا.

لا بمعاطف. ولا بأحذية مطر. ولا بأيٍّ من الاستعدادات الدقيقة التي كان سيُلفّ بها طفلٌ شمالي قبل أن يُسمح له بدخول مثل هذا الطقس. كانوا بدشاديشهم العادية، وفساتين البنات الصغيرة العادية، وأقدامهم العارية العادية — وقد أخذوا المطر إلى داخلهم كما تأخذ الصحراء الماء: كاملًا، بفرح، ومن دون أي اهتمام بالعواقب. كان الطين هدية. وكانت البرك احتفالًا. وكان اللمعان الرطب الكامل المخصوص على كل وجه صغير في القرية يحمل صفة أطفالٍ مُنحوا، للمرة الأولى منذ أشهر كثيرة، لعبةً جديدة تمامًا من السماء نفسها.

كان منصور الأكثر بللًا. كان منصور دائمًا أكثرَ شيءٍ من أي شيءٍ متاح، لكن في تلك اللحظة المخصوصة، بلغ التزامه بالمطر مستوى الرسالة. كان يقفز — لا وفق نمطٍ معيّن، بل يقفز فحسب، وقدماه تهبطان في بركٍ لم تكن بركًا قبل ثلاثين ثانية، مرسلتين رذاذًا من الماء الموحل في كل اتجاه، بما في ذلك وجهه أحيانًا.

«ماااان! إنها تمطر! إنها تمطر فعلًا!»

وقف علي بطريقة مختلفة. بحذر. وجهه مرفوع، وعيناه على السماء، بذلك الانتباه الكامل المخصوص لصبي يعمل عقله بالطريقة البطيئة الحذرة لشخصٍ يحاول أن يسجل شيئًا يفهم أنه نادر.

«إنه جميل.»

رفعت نورة وجهها أيضًا. لكن حيث كان وجه علي المرفوع كله ملاحظة، كان وجهها كله إحساسًا.

«بارد! لكنه جميل!»

أما أحمد، كما كان متوقعًا، فقد كان قلقًا بالفعل. وقف تحت نتوءٍ طيني صغير، حاضنًا كتابه إلى صدره بذلك الوضع الواقي الحذر لصبي حسب، فورًا ومن دون عاطفة، أن المطر تهديد للمعرفة.

«كتابي… كتابي يبتل…»

وكان خليل، بالطبع، قد وجد أكبر بركة في الجوار المباشر، وكان يختبر قدرتها على الإزاحة. رمى حجرًا. سقط الحجر. وارتفعت موجة بنية صغيرة وانكسرت على جانب الطريق.

«انظروا! نهر!»

وقفت صوفيا تحت المطر واضعةً وعاءً فوق رأسها — كانت قد خرجت به من دون أن تفكر، والآن لم يكن يحمي شيئًا لأنها توقفت عن الاهتمام بما إذا كان أي شيء محميًا أصلًا. كان شعرها مبتلًا. وكان فستانها مبتلًا. وكان وجهها ممتلئًا بالفرح النظيف المخصوص لامرأة شمالية قيل لها طوال حياتها إن المطر إزعاج، وكانت تكتشف، للمرة الأولى، أنه في بعض الأماكن احتفال.

قالت: «هذا… رائع. وشعري تلف أصلًا.»

دوّى رعد آخر. أقرب هذه المرة. يتدحرج فوق الجبال ويصل إلى القرية بتأخرٍ صغير مخصوص لضيفٍ قرر أن يتأكد من أنه لوحظ.

قفز جون مرة أخرى. «السماء غاضبة.»

أشارت ثرياء.

«انظروا.»

Scene Four
The Wadi Coming Down

نظروا جميعًا.

وهناك بعيدًا، بين الجبال — بين الأكتاف البنية المخصوصة لجدران الوادي التي كانت صوفيا تمر بجانبها كل يوم منذ وصلت من دون أن تفكر فيها مرة واحدة على أنها أكثر من منظر — بدأ شيءٌ يتحرك.

لم يكن وميضًا. ولا تحولًا صغيرًا. بل حركة بحجمٍ كامل. شيء بني وممتلئ وحيّ تمامًا كان ينزل في مجرى الوادي الجاف، يملؤه كما يملأ النفس صدرًا، متقدمًا بالحتمية البطيئة الكاملة المخصوصة لشيءٍ قرر، في مكانٍ ما أعلى الجبال العالية حيث ظل المطر ينهمر لساعات، أن الوقت قد حان. مجرى النهر الذي كان جافًا بالأمس — الذي ظل جافًا شهورًا كثيرة حتى إن الأطفال أنفسهم نسوا أنه مجرى نهر — لم يعد جافًا. صار نهرًا. نهرًا حقيقيًا. بتيارٍ وثقلٍ واتجاه. وكان يقترب.

صرخ علي. صرخة صغيرة قديمة مخصوصة — صرخة طفلٍ عُماني وُلد وهو يعرف معنى هذا النوع بالذات من الحركة البنية بين الجبال.

«هلااااا! الوادي نازل!»

الوادي.

مجرى واسع يكون عادةً جافًا.

والآن امتلأ.

امتلأ بماء سريع، بني، قوي — ماء كان، قبل ساعتين، قطرات مطر على صخورٍ على ارتفاع ثلاثة آلاف متر، وها هو الآن، بعدما جمع نفسه بالصبر الكامل المخصوص لكل مياه الجبال في كل مكان، ينحدر نحو البحر بالطريق الوحيد المتاح له: هذا الوادي الصغير المخصوص، بين هذه الجبال الصغيرة المخصوصة، عابرًا هذه القرية الصغيرة المخصوصة.

حدّق جون. وفمه مفتوح قليلًا. تلك النظرة المفتوحة الفم الكاملة لرجلٍ قيل له، نظريًا، إن الأودية الجافة يمكن أن تتحول إلى أنهار، وها هو الآن يشاهد النظرية تصير حقيقة أمام عينيه.

«هذا ليس نهرًا. هذا جبل يتحرك.»

همست صوفيا.

«إنه جميل… ومخيف.»

أومأت ثرياء. كان في وجهها ذلك الاقتدار الهادئ الصغير المخصوص لامرأة رأت أودية كثيرة تنزل في حياتها، وطورت عبر تلك السنوات العلاقة الصغيرة المخصوصة الصحيحة مع هذه الظاهرة — لا خائفة ولا مستهينة، بل محترمة فحسب.

«حين ينزل الوادي هكذا، فهذا يعني مطرًا طيبًا في الجبال.»

توقفت. ثم عبرت وجهها ابتسامة صغيرة مخصوصة — ذلك النوع من الابتسامات الذي يعني أن خطةً بدأت تتشكل بالفعل.

«وهذا يعني أيضًا… أننا نستطيع الذهاب إلى طوي ظاهر.»

أضاءت عيون الأطفال. كلهم. في الوقت نفسه. في انفجار فرح قروي صغير مخصوص.

صرخ منصور: «سباحة!» وصرخت نورة: «نزهة!» وصرخ خليل: «لا مدرسة!» وصرخ أحمد: «انتبهوا!»

ذلك الصراخ المتزامن الصغير الكامل في أربعة اتجاهات لأربعة أطفال عُمانيين صغار تبدّلت توقعاتهم لليوم التالي تمامًا.

رمش جون. «ما هو طوي ظاهر؟»

شرحت ثرياء — بصبر، كما شرحت له اللج، والنهشر، والمغبار، وكل قطعة أخرى من حياة القرية لم يكن عقل جون المدرّب إنجليزيًا يملك لها خانةً من قبل.

«إنه مكان يبقى فيه الماء النظيف بعد المطر. برك. ماء صافٍ. يذهب الناس للسباحة، والغسل، والاسترخاء.»

صفّقت صوفيا. تلك التصفيقة الصغيرة الكاملة لامرأة استيقظت غرائز السفر لديها للتو.

«رحلة!»

وكان جون متحمسًا بالفعل. «رحلة!»

أجاب الرعد مرة أخرى. دوووم.

ركض مالود بين أرجلهم وكاد يقتل الجميع — صاروخ أبيض صغير مبلل من تيس، مبتل بالكامل، مسرور بالكامل، وغير مهتم بالكامل بما إذا كان مساره بين الكواحل البشرية مرحبًا به. أما جون، فلم يحتج. لقد بلغ، في هذه القرية، قبولًا صغيرًا مخصوصًا لرجلٍ قرر أن بعض الأشياء ستظل تحدث، وأن أكثر ردٍ كفاءة هو أن يبقى واقفًا.

Scene Five
In the Classroom — Past Continuous

توقف المطر.

لا ببطء. ولا بانخفاضٍ طويل مهذب. بل توقف ببساطة — كما يتوقف المطر العُماني دائمًا، بالفجائية نفسها التي بدأ بها، كأن السماء قررت أنها أوصلت فكرتها ولم يعد لها شأن آخر مع القرية ذلك الصباح.

صارت السماء صافية وزرقاء. زرقاء إلى درجة أن صوفيا، وهي تمشي عائدةً نحو المدرسة، اضطرت أن تتوقف لحظة وتنظر إليها فحسب. ذلك الأزرق العميق المغسول الكامل المخصوص لسماءٍ سمحت لنفسها، صباحًا واحدًا، أن تنفتح، ثم أغلقت نفسها من جديد — نظيفة، هادئة، مستعادة.

وبدت الجبال مغسولة أيضًا. كأن المطر عمل فيها بالعناية نفسها التي يعمل بها شخص حذر في الفضة — يصقل كل سطح، ويعيد كل لون إلى شدته الكاملة، ويزيل الغبار الصغير المخصوص المتراكم من شهور بلا ماء. كان في المشهد كله نضارة مخصوصة لوجه رُشّ لتوه بماء بارد — يقظ، مستيقظ، ومتفاجئ قليلًا بسطوعه هو. كانت رائحة الهواء كرائحة بدايات جديدة. لم تكن هناك عبارة أخرى. حاولت صوفيا، في رأسها، أن تجد وصفًا أرقى، ولم تستطع. بدايات جديدة. رائحة مكانٍ وافق، في هذا الصباح بالذات، أن يبدأ من جديد.

في الصف، كان الجميع ما يزالون يتحدثون عن المطر. لم تكن طاقته قد انصرفت بعد. جلس الطلاب في أماكنهم المعتادة، لكن أجسادهم لم تعد تمامًا إلى سكونها المعتاد — كان ما يزال هناك ماء مطر في الأجزاء الصغيرة الخاصة من انتباههم، وما يزال هناك طينٌ ما على أقدامهم، وما يزال الرعد يتردد في مكانٍ ما في مؤخرة آذانهم.

كتب جون على السبورة:

WEATHER

ثم كتب تحتها، بخطه الطباشيري الحذر:

sun — rain — thunder — lightning — hot — cold — cloudy — rainbow — wadi

كتب الكلمة الأخيرة ببطء. وبحذر. باحترامٍ صغير مخصوص لمعلم تعرّف في ذلك الصباح إلى الكلمة العربية المخصوصة لظاهرة لم تكن مفرداته الإنجليزية تحتويها من قبل، وها هو يضعها، بمراسم لائقة، على سبورته.

استدار. «اليوم، نتحدث عن الطقس.»

وأضافت صوفيا: «وعما كنا نفعله.»

كتب جون:

PAST CONTINUOUS I was… / He was… / They were… + verb-ing

أشار إلى منصور. «منصور. ماذا كنت تفعل حين بدأ المطر؟»

وقف منصور بفخر. بذلك الوقوف الكامل المخصوص لصبي صغير قام، ذلك الصباح، بالفعل الذي كان على وشك وصفه بكل الطاقة التي امتلكها جسده الصغير.

«I was… jumping.»

ابتسم جون. «جيد. You were jumping.»

أشار إلى نورة. «وأنتِ؟»

فكرت نورة. تلك الوقفة الصغيرة المخصوصة للتفكير لفتاةٍ احتوى صباحها أنشطة كثيرة مختلفة حتى اضطرّت أن تختار بينها.

«I was… running.»

«ممتاز.»

أشار إلى صوفيا. «وأنتِ، صوفيا؟»

ضحكت صوفيا. تلك الضحكة الصغيرة الكاملة الواعية بالذات لامرأة كانت على وشك الاعتراف بإهانة شخصية لطلابها.

«I was putting bowls under the roof.»

ضحك الصف. وأشار جون إلى نفسه. «I was sleeping.»

ضحك الصف أكثر. ساعدت ثرياء — وأضافت جملًا أخرى بالنمط نفسه، تبني كل واحدة بعناية حتى يمكن سماع التركيب.

«Say: The children were playing. The rain was falling. The wadi was coming down.»

رفع علي يده. «معلم… قوس المطر؟»

في الخارج — ولم يكونوا قد لاحظوه حتى تلك اللحظة، لأنه ظهر بالصبر البطيء الصغير الذي تظهر به كل أقواس المطر، محتلاً ركنه من السماء بلا إعلان — كان قوس مطر يتشكل. ببطء. كل لون يعلن نفسه بدوره. ذلك الظهور الهادئ الكامل المخصوص لقوس مطر ظل، طوال الصباح، ينتظر من يلاحظه.

ركض الجميع إلى النافذة.

«واو…» «انظروا!» «لونان!» «لا، ألوان كثيرة!»

ابتسم جون. «Rainbow. When rain and sun meet.»

همست صوفيا. تلك الهمسة الصغيرة المخصوصة لامرأة سمعت جملة وتعرّفت فيها إلى حضور الشعر الصغير غير المتوقع.

«هذا… شعر.»

نحنح جون — تلك النحنحة الإنجليزية الكاملة المخصوصة لرجل صار، نصف ثانية، شاعريًا من غير قصد، وها هو يعود الآن إلى القواعد.

كتب:

When it started raining… I was…

تدرّبوا معًا — ذلك الإنشاد الصفي الصغير الكامل لأطفال يكررون جملًا عاشوها للتو:

«When it started raining, I was sleeping.» «When it started raining, I was playing.» «When it started raining, I was eating.»

ثم — بهدوء، من آخر الغرفة، بإنجليزيةٍ صغيرة حذرة مخصوصة لصبي قضى وقتًا أطول في الإصغاء منه في الكلام — رفع سعيد يده.

قال ببطء: «When it started raining… I was… watching.»

نظرت إليه ثرياء. بعينين ناعمتين كاملتين مخصوصتين لمعلّمة أدركت، في جملة واحدة، حقيقة حياة صبي بعينه كلها — أنه قضى حياته على الأطراف، يراقب — والشجاعة الهادئة الصغيرة المخصوصة في أنه قال ذلك. ليس I was running. وليس I was jumping. بل I was watching. أكثر جملة إنجليزية صدقًا في الغرفة، وأكثرها بناءً بعناية. لم تصححها ثرياء. ولم تزيّنها. بل تلقتها فقط، بعينيها — وكان ذلك هو كامل مكافأة سعيد، وكان، بحسابه الخاص السري، أكثر من كافٍ.

Scene Six
Planning the Trip — The Village After Rain

بعد المدرسة، تجمّع الجميع في الخارج.

كان الوادي ما يزال يجري. صاخبًا وقويًا. لم يكن الماء البني الذي وصل من الجبال ذلك الصباح قد أنهى رحلته بعد — سيستمر ساعات، وربما بقية اليوم، ذلك التصريف البطيء الكامل المخصوص لسلسلة جبلية كاملة عبر وادي هذه القرية الصغيرة المخصوص.

قال جون، وهو يراقبه:

«إذا كان الوادي هكذا… فلا بد أن طوي ظاهر مذهل.»

أومأت ثرياء. «ينبغي أن نذهب غدًا.»

صفّقت صوفيا مرة أخرى. «نعم! نزهة عُمانية حقيقية!»

ذهبوا لرؤية العم ناصر. كان واقفًا بجانب سيارته البيك أب، يشرب الشاي — ذلك الشرب الهادئ الكامل المخصوص لرجلٍ قضى حياته بجوار هذه البيك أب بالذات، وأتقن، بطول الممارسة، فن شرب الشاي وهو متكئ على جانبها.

سأل: «تريدون الذهاب إلى طوي ظاهر؟ غدًا؟ جيد. سأوصلكم.»

قفز منصور. «بالبيك أب؟» «نعم.» فقفز منصور أكثر.

بدأوا يخططون، بالطريقة التي تخطط بها القرى لأشياء كهذه — لا بالقوائم، بل بالتراكم الصغير المخصوص لمن تطوع بماذا.

من يحضر الطعام؟ من يحضر الماء؟ من يحضر الحطب؟

قررت صوفيا وثرياء أن تطبخا. وقرر جون أن «يساعد» — قرارٌ حين أُعلن، أنتج صمتًا قلقًا صغيرًا مخصوصًا بين النساء، ذلك النوع من الصمت الذي يعني أن مساعدته ستُستقبل بأدب ثم تُعاد توجيهها بهدوء.

ركض الأطفال ليخبروا عائلاتهم. وسرعان ما — خلال الساعة الصغيرة الكاملة التي يستغرقها كل خبر قروي لينتقل — بدأ الناس يأتون.

أم رحمة. وخالة مروة. وإخوة سليمة. شبكة القرابة الممتدة الكاملة في القرية تتقارب، على امتداد عصرٍ واحد، حول مشروعٍ صغير مخصوص: الذهاب معًا إلى طوي ظاهر غدًا.

حتى العم مرحون قال: «سأحضر اللحم.»

اتسعت عينا جون. «لحم؟»

قال مرحون بفخر: «مشكاك.»

سمع مالود كلمة «طعام» وتبعه فورًا.

في ذلك المساء، كانت سمائل مختلفة.

كان كل شيء أخضر. نظيفًا. طازجًا. وكانت الطيور تغني كأنها تتقاضى أجرًا على ذلك — ذلك الفرح الصاخب الكامل المخصوص لطيور قرية تحولت أرضها، في صباح واحد، إلى نسخةٍ ألين من نفسها. بدت الجبال أقرب. هكذا تبدو دائمًا بعد المطر. كان الغبار الذي يعلّق عادةً بين القرية والجبال قد غُسل من الهواء، ولذلك وقفت الجبال الآن بالوضوح الحاد الكامل المخصوص لجبالٍ أُعيدت، في مساءٍ واحد، إلى هندستها الأصلية. كان الهواء باردًا. وكانت البيوت تفوح برائحة الطين المبتل. وكانت أصوات الأطفال في الأزقة ذات صفة مختلفة — أبطأ، أعمق، كما تبدو الأصوات في الأمسيات التي لا يبقى فيها شيء آخر يجب فعله.

وقفت صوفيا خارج البيت، تتنفس بعمق. «هذا… أجمل يوم منذ جئنا.»

أومأ جون. «أظن أن عُمان تُرينا سرّها.»

نظروا إلى الوادي مرة أخرى. كان ما يزال يجري. قويًا. صاخبًا. حيًا.

قالت ثرياء بهدوء:

«غدًا… طوي ظاهر.»

ومن آخر الطريق، صرخ منصور: «معلم! سأحضر ملابس السباحة!»

صرخ جون ردًا عليه: «جيد! وأنا سأحضر… الشجاعة!»

ضحكت صوفيا. «ستحتاجها.»

ركض مالود أمامهم، وانزلق في الطين، ثم وقف وتابع كأن شيئًا لم يحدث — تلك المرونة التيسية الكاملة المخصوصة لمخلوقٍ قرر منذ زمنٍ طويل أن الطين مجرد سطحٍ من الأسطح، وأن كل الأسطح، في التحليل الأخير، متساوية.

نظر إليه جون. «أنت… لست طبيعيًا.»

أجابه مالود بأن أكل ورقة.

وفي المساء الصغير المخصوص لذلك اليوم السمائلي الصغير المخصوص — بين الوادي الذي ما يزال يجري، والجبال التي ما تزال تبرد، والرائحة الناعمة التي ما تزال تحمل بدايات جديدة — استقرت القرية، ببطء، في راحتها. غدًا سيذهبون إلى طوي ظاهر. غدًا سيسبحون، ويأكلون المشكاك، ويجلسون قرب البرك الصافية، ويتعلمون كل ما كان طوي ظاهر سيعلّمهم إياه. أما الليلة — فالليلة لم تكن سوى المساحة الهادئة الصغيرة المخصوصة بين المطر الذي وصل واليوم القادم. المساحة التي يُسمح فيها لقريةٍ ما، لبرهة، أن تعرف أنها قد بُوركت. — Palm Twenty-Three / النخلة 23 —

··
PALM TWENTY-THREE · Tawi Zahir — The Pools, the Picnic, and the Mountain Cousin
Palm
Palm Twenty-Three
Tawi Zahir — The Pools, the Picnic, and the Mountain Cousin
Scene One
Before the Sun Finished Waking

هناك صباحات تستيقظ فيها القرية أسرع من شمسها. حين يكون الناس، بقرارٍ جماعي في الليلة السابقة، قد اتفقوا على أن يكونوا مستعدين قبل أن يبدأ اليوم — فيجدهم اليوم في حركةٍ بالفعل، فيضطر إلى الإسراع ليلحق بهم. كان هذا واحدًا من تلك الصباحات. كانت السماء ما تزال زرقاء داكنة عند الأطراف، ما تزال بذلك الأزرق الكامل المخصوص لما قبل الفجر في قرية عُمانية في أكتوبر، حين شقّ أول ضوء من مصباح سيارة العم ناصر البيك أب الطريق خارج بيت جون وصوفيا.

كانت البيك أب تُصدر ضجيجها بالفعل قبل أن تُنهي الشمس استيقاظها.

كان العم ناصر فخورًا بمحركه — حتى لو بدا، في الحكم الحذر لأذن جون الإنجليزية، كأنه يتجادل مع نفسه. كان للمحرك حديثه الخاص، نوع من خلافٍ معدني بين أجزائه الصغيرة المختلفة لا يُحسم تمامًا لكنه لا يتعطل تمامًا أيضًا. قرر العم ناصر منذ زمنٍ طويل أن هذه ميزة، لا مشكلة. المحركات التي تتجادل هي محركات تفكر.

وقف جون وصوفيا في الخلف، يمسكان بالجانب بحذر — ذلك الإمساك الحذر الكامل المخصوص لأجنبيين لم يقفا من قبل في مؤخرة بيك أب عُمانية، ولم يكونا متأكدين تمامًا من البروتوكول الواجب اتباعه.

همست صوفيا، بتلك الهمسة الدرامية الصغيرة المخصوصة لامرأة على وشك الالتزام بنوع غير مألوف من المخاطرة:

«إذا سقطتُ، أرجوك أخبر أمي أنني حاولت.»

أجاب جون بشجاعة — تلك الشجاعة الزوجية الصغيرة الكاملة لرجلٍ قرر أن أي شيء على وشك الحدوث سيحدث لهما معًا.

«إذا سقطتِ، سأسقط معك.»

جلست الأستاذة ثرياء في الأمام، هادئة وواثقة كعادتها — ذلك الاتزان الكامل المخصوص لراكبة في المقعد الأمامي، لمعلّمة ركبت في سيارات بيك أب كثيرة في حياتها، وطورت عبر تلك الرحلات علاقةً خاصة مع مقصورة شاحنة متحركة تسمح لها أن تقرأ وتفكر وتترجم أحيانًا في الوقت نفسه.

وخلفهم جاء الأطفال. ممتلئين بالضجيج والحماسة. يحملون الطاقة الحركية الصغيرة المتراكمة لانتظار ليلة كاملة — فقد ناموا بالكاد، واستيقظوا قبل أمهاتهم، وارتدوا أي خليط من الملابس وجدته أيديهم في الظلام.

كان منصور يقفز من غير أن يتحرك — إنجاز لم يكن جون، قبل أن يقابل منصور، يصدق أنه ممكن جسديًا. تلك الحركة العمودية الكاملة فقط لصبي عُماني صغير قرر جسده أن الجري في اتجاهٍ ما غير كافٍ، وأن الاحتفال العمودي الخالص مطلوب.

«نحن ذاهبون! نحن ذاهبون! نحن ذاهبون فعلًا!»

كان أحمد يراجع الحقائب — تلك المراجعة الإدارية الصغيرة المخصوصة لصبي عيّن نفسه، من دون استشارة أحد، مسؤول تموين الرحلة.

«الطعام هنا. الماء هنا. الصحون هنا. جيد.»

وكان خليل يخطط للمشاغبة بالفعل. كان دائمًا كذلك. لم يكن ذلك نشاطًا بقدر ما كان هيئة — ذلك الميلان الكامل إلى الأمام بسهولة لصبي لم يحدد بعد المشاغبة المخصوصة التي ينوي إحداثها، لكنه متأكد أنه، في وقتٍ ما خلال اليوم، ستظهر الفرصة المناسبة.

وكان مالود هناك أيضًا. لأن مالود كان دائمًا هناك. وقد ترسخ المبدأ منذ أشهر: حيث تذهب القرية، يذهب مالود. ولم يعد المبدأ قابلًا للنقاش.

Scene Two
A Place That Was a Dream

لم يكن الطريق إلى طوي ظاهر يعلن وجهته. بدأ كما تبدأ كل طرق القرى — بالغبار، والحرارة، والبني الصغير المجهول المخصوص لطريقٍ عُماني لم يقرر بعد ماذا سيُريك. مروا بآخر بيوت سمائل. ومروا بآخر مزارع النخيل. ومروا بقناة فلج قديمة تجري فضية في الضوء المبكر. انبسطت الأرض. ثم ارتفعت. ثم ضاقت. وصعدت البيك أب، وهي تأخذ كل منعطف بسرعة العم ناصر المتمرسة غير المستعجلة، تدريجيًا إلى المشهد الصغير المخصوص الواقع بين سمائل وجارتها الهادئة.

كان الطريق غباريًا، ثم صخريًا، ثم صار أخضر فجأة.

كانت الفجائية هي ما ستتذكره صوفيا. لا الانتقال التدريجي من منظر إلى آخر. بل تلك اللحظة النظيفة البسيطة المخصوصة حين تنحّى البني، ووصل الأخضر — كاملًا وصادمًا، كما تصل بعض الحقائق بعد صمتٍ طويل. كان هنا ماء. كان الوادي قد جرى الليلة الماضية، وقبله تلقت الجبال العالية ساعات من المطر، والآن — في هذا الكأس الصغير المخصوص من الأرض بين الصخور — كانت نتيجة كل ذلك الماء مرئية. أشجار. أشجار حقيقية، لا نخيل القرية المحتمل للغبار، بل أشجار خضراء كاملة، أوراقها ثقيلة بالذكرى الصغيرة الكاملة للرطوبة التي مرت خلالها. عشب عند أطراف الطريق. وأزهار برية، من أنواع صغيرة حذرة لا تعرف صوفيا أسماءها. كان المكان كله هو البرهان الصغير الكامل المخصوص على ما تكونه عُمان، حين يكون لدى عُمان ماء.

وحين وصلوا إلى طوي ظاهر، صار الجميع صامتين.

كان المكان جميلًا.

كانت برك صغيرة صافية من الماء مستقرة بين الصخور — برك لم تكن هناك قبل أسبوع، ولن تكون هناك بعد شهر. برك لا توجد إلا في النافذة الصغيرة المخصوصة بعد المطر، حين يكون ماء الجبال العالية قد أنهى نزوله وتجمع، لفترة وجيزة، في الأحواض الصغيرة الدقيقة التي ظلت صخور طوي ظاهر تهيئ نفسها، بهدوء، عبر القرون، لتستقبله. كان الماء صافيًا. صافيًا إلى درجة أن صوفيا، وهي تنظر إليه، استطاعت أن ترى الحصى البني الصغير المخصوص في القاع، كل حصاة تتحرك قليلًا في الحركة الصغيرة للماء فوقها. وقفت النخيل حول البرك — لا نخيل القرية المغبر، بل نخيل وصلت جذوره إلى الماء، ولذلك تدلّت سعفاته أثقل وأخضر من أي نخيل رأته صوفيا من قبل. كان الهواء باردًا. لا قارسًا — باردًا، بالمعنى الكامل المخصوص لمناخٍ عُماني صغير نظم نفسه، بالماء والظل، في جيبٍ خاص صغير من الراحة وسط الحرارة المحيطة. وكانت الطيور تغني — ذلك الغناء الكامل غير المتكلف لطيورٍ زار أرضها، ذلك الصباح، شيء طيب.

غطت صوفيا فمها.

«هذا… حلم.»

نظر جون إلى الماء. تلك النظرة الصغيرة الحذرة لرجلٍ يحسب بالضبط أي عمق من البرد هو على وشك أن يلتزم به.

«هذا… بارد.»

لم يهتم الأطفال.

كان منصور يخلع حذاءه بالفعل — ذلك الخلع الكامل في ثانية واحدة لصبي قرر عقله، قبل أن تتوقف الشاحنة تمامًا، أن قدميه ستكونان في الماء خلال الثواني العشر التالية، وأن أي عائق أمام ذلك الهدف سيُزال فورًا.

صرخ علي: «سباحة!» وصرخت نورة: «انتظروا!» وصرخ خليل: «آخر واحد دجاجة!»

وفجأة — بتلك الفجائية الجماعية الصغيرة الكاملة لأطفال قرية لم ينجح أي زائر أجنبي حتى الآن في التنبؤ بها — كان الجميع يركضون.

صفّقت ثرياء بيديها. «بحذر! لا تركضوا على الصخور!»

لم يستمع أحد.

Scene Three
Setting Up the Picnic

وصلت العائلات ببطء.

ليس في مجموعة واحدة. فالقرية لا تتحرك هكذا. وصلوا بالطريقة الكاملة غير المستعجلة المخصوصة التي تصل بها القرى دائمًا إلى النزهات — سيارة، ثم أخرى، ثم مجموعة صغيرة سيرًا من المزارع الأقرب، ثم عائلة أخيرة في شاحنة مستعارة أعلن بوقها وصولهم قبل أن تفعل وجوههم. امتلأ المكان تدريجيًا. ظهرت الحصر. وظهرت مبردات الماء. وظهرت أكوام من سلال القفير، كل واحدة تحمل المساهمات الصغيرة المخصوصة لبيتٍ مختلف — خبزًا من هذا البيت، وتمرًا من ذاك، وفاكهة من آخر. البروتوكول غير المنطوق للمائدة القروية المشتركة، التي لم يحتج أحد إلى تنظيمها لأن الجميع كان يعرف دوره أصلًا.

وصلت أم رحمة. ووصلت خالة مروة. ووصل إخوة سليمة، يحملون الحطب. حتى العم مرحون جاء، حاملًا كيسًا من اللحم.

قال بفخر: «مشكاك.»

فرحت عينا جون فورًا. ذلك الفرح الغريزي الكامل لرجلٍ تعلّم جسده، خلال الشهور الماضية، أن كلمة مشكاك يتبعها دائمًا، عاجلًا أم آجلًا، الفرح الصغير المخصوص بلحمٍ تشرّب تتبيلته طوال الليل وشُوي فوق نارٍ بُنيت خصيصًا له.

بدأت صوفيا وثرياء العمل.

وضعتا الحجارة في دائرة — ثلاث حجارة مسطحة، متوازنة بعناية، حتى تستقر قدور الطبخ فوقها بثبات. ذلك التصميم الصغير القديم المخصوص للموقد الذي استخدمته النساء العُمانيات لأجيال، والذي لا يحتاج إلى دليل تعليمات، والذي كانت صوفيا تتعلمه بمراقبة يدي ثرياء. أحضرتا الحطب. وأشعلتا النار — وكانت ثرياء هي من تولّت الإشعال الفعلي بحركات معصم صغيرة سريعة متمرسة لامرأة أشعلت ألف نار في حياتها، وستشعل ألفًا أخرى.

كانت صوفيا تقطع الخضار. ذلك التركيز الصغير الكامل المخصوص لامرأة أجنبية قررت أن مساهمتها اليوم ستكون تقطيع خضار دقيقًا، حتى لو كان ذلك الدقّة تُقاس بمعيارٍ شمالي لم يحتج إليه الطبخ القروي العُماني قط.

وكانت ثرياء تغسل الأرز. كلتا يديها في الوعاء المعدني الصغير، والأرز يدور بين كفيها، والماء الغائم يُسكب، وماء جديد يُضاف، والدوران يبدأ من جديد. طقس غسل الأرز الصغير الكامل في مطبخٍ عُماني، الذي كانت ثرياء تمارسه منذ كانت في التاسعة، والذي لم تعد يداها تحتاجان أن تفكرا فيه.

كانتا جادتين جدًا.

تجوّل جون كأنه رئيس.

قال: «أنا… أشرف.»

نظرت إليه ثرياء. تلك النظرة غير المعجبة الكاملة المخصوصة لامرأة حددت، بلا أي لبس، أن مساهمة جون في الطبخ في تلك اللحظة سالبة لا موجبة.

«أنت تعيق الطريق.»

تحرك جون.

وتحرك مالود أيضًا.

لسوء الحظ، تحرك مالود إلى داخل كيس الطعام.

صرخت صوفيا: «لا!»

هرب مالود وفي فمه شيء أخضر — عنقود أوراق أخضر مخصوص كامل كان، قبل عشر ثوانٍ، جزءًا من خضار نزهة صوفيا المغسولة بعناية.

طارده جون. «ارجع إلى هنا، أيها المجرم!»

ضحك الأطفال — تلك الضحكة الكاملة المخصوصة لأطفال قرية صغار متفرجين كانوا ينتظرون، طوال الصباح، اللحظة التي سيرتكب فيها التيس جريمة النزهة لا محالة.

Scene Four
In the Water

كان الصبيان قد سبقوا إلى البرك.

كان كل صبي قد وجد نوعه الخاص من الماء. كان علي يسبح بهدوء — بتلك الضربة الكاملة البطيئة تحت الماء، ضربة صبي علّمه أخ أكبر أو عمّ أن الماء شيء تعبره لا شيء تقاتله. وكان منصور يقفز مرة بعد مرة — من الصخرة نفسها، إلى البركة نفسها، من غير أن يبدو أن الحماس ينقص قيد شعرة بين قفزة وأخرى؛ تلك الفرحة المتكررة الكاملة لصبي قرر جسده أن فعل مغادرة صخرة والدخول في الماء هو أكثر فعل واحد إرضاءً متاح للإنسان. وكان خليل يرشّ كل من يقع في مدى الماء — رشًا استراتيجيًا لصبي اكتشف الإمكانات العسكرية للماء. أما أحمد فكان جالسًا عند الطرف، يلمس الماء بحذر، كأنه نوع من السائل لم يُقدَّم إليه رسميًا بعد.

قال: "إنه بارد."

أجابه منصور، وهو في منتصف قفزته: "نعم، هذه هي الفكرة."

وضع جون قدمًا واحدة في الماء.

ثم أخرجها.

ثم وضعها مرة أخرى.

ثم أخرجها مرة أخرى.

ذلك الإدخال والإخراج الدبلوماسي الكامل لقدم رجل شمالي قرر جسده أن حرارة هذه البركة بالذات غير مقبولة، بينما قرر كبرياؤه أن التراجع ليس خيارًا. كان يفاوض. وصوفيا، وهي تراقب من الضفة، أدركت المفاوضة فورًا، بالطريقة التي تدرك بها الزوجات مفاوضات شهدنها مرات كثيرة.

ضحكت صوفيا.

"أنت لا تسبح. أنت تفاوض."

أخيرًا — ربما لأن الصبيان كانوا يراقبون، وربما لأن كبرياءه أنهى حساباته، وربما لأن الماء البارد قرر أن المفاوضة الإضافية لا جدوى منها — قفز جون.

صرخ.

صرخة الصدمة الجسدية الكاملة لرجل أُعيد ضبط حرارة جسده كلها في ثانية واحدة.

صفّق الجميع.

أعلن: "أنا على قيد الحياة!"

ذلك الإعلان الصغير الكامل لرجل لم يكن، في حياته الشمالية الحذرة، بهذا القدر من البرد، ولا بهذا القدر من السعادة، في الوقت نفسه.

Scene Five
The Lesson Without a Blackboard

نظرت ثرياء إلى صوفيا وابتسمت. تلك الابتسامة الصغيرة الكاملة المتواطئة بين معلّمتين أدركتا، في اللحظة نفسها، فرصة التعليم نفسها.

"لنعلّمهم شيئًا."

أومأت صوفيا. وقفت وقالت بصوت عالٍ:

"حسنًا! وقت الإنجليزية!"

تأوّه الأطفال قليلًا — ذلك التأوّه الطقسي الصغير لأطفال قاطعت لعبهم كلمة الإنجليزية — لكنهم جاؤوا. كانوا يأتون دائمًا. فقد تطورت العلاقة بين المعلّمين الأجنبيين وأطفال القرية، إلى ذلك النوع الصغير الكامل من الصداقة التي يلي فيها الإزعاج الصغير دائمًا ثواب صغير.

وقف جون بجانبها. وقال:

"اليوم… نستخدم المضارع المستمر."

قالها ببطء ووضوح، بالطريقة التي تعلّم أن يقول بها كل شيء في هذه القرية. ذلك الوضوح الكامل لرجل اكتشف أن الإيقاع والوضوح أكثر قيمة من اتساع المفردات.

"أنا أسبح." "هو يسبح." "هم يسبحون."

أشار إلى علي. "علي، ماذا تفعل؟"

أجاب علي بهدوء، ذلك الجواب الهادئ الكامل لصبي يعرف البنية تمامًا:

"أنا أسبح."

"جيد!"

أشار إلى منصور. "منصور؟"

صرخ منصور، وهو في منتصف القفزة:

"أنا أقفز!"

"ممتاز."

أشار إلى صوفيا. "صوفيا؟"

قالت بفخر، وهي تمسك ملعقتها الخشبية كأنها شهادة اعتماد:

"أنا أطبخ."

وأضافت ثرياء — "أنا أغسل."

أشاروا إلى العم مرهون، الواقف فوق ناره القروية الصغيرة الخاصة، يقلب المشكاك بتركيز حذر لرجل ظل يقلب المشكاك ثلاثين عامًا، وينوي أن يقلبه ثلاثين عامًا أخرى.

"ماذا يفعل؟"

ضحك الأطفال.

"هو يطبخ اللحم!" "هو يصنع المشكاك!"

كتب جون على الرمل بعصا — تلك السبورة الرملية الكاملة لمعلّم في الهواء الطلق قرر أن غياب الطباشير لن يمنع الدرس:

أنا... / هو... / هم... + فعل مستمر

رفع خليل يده. "أستاذ… مالود؟"

نظر الجميع.

كان مالود يأكل أوراقًا من كيس. كيس محدد. كيس لم يكن، قبل ثلاثين ثانية، في متناول فمه. ذلك الإصرار الماعزي الكامل لمخلوق عرف، بالرائحة وحدها، أن هذا الكيس بالذات يحتوي على أوراق النزهة المحددة التي قرر أنها تشكّل وجبة عصره.

تنهد جون. "مالود… يأكل دائمًا."

رددوا جميعًا:

"مالود يأكل دائمًا."

تلك الصياغة النحوية الكاملة لجملة سيتعلم الأطفال قريبًا أنها تنطبق على مالود في كل زمن ممكن.

Scene Six
Disasters, Afternoon, and the Quiet of Saeed

كانت صوفيا تخلط شيئًا في قدر.

تذوقته.

تغيّر وجهها.

ركضت إلى الماء.

"حار! حار! حار جدًا!"

كانت تلوّح بيدها أمام فمها — تلك الإشارة الدولية الكاملة لإنسان تعرّف فمه، في الثواني الثلاث الأخيرة، إلى كمية من الفلفل لم يكن مستعدًا لها.

تذوقته ثرياء. فضحكت.

"وضعتِ فلفلًا كثيرًا."

تذوقه جون.

لم يتكلم.

فتح فمه فقط ووقف في وجه الهواء — ذلك الفتح الصامت الكامل لفم رجل تعطلت أحباله الصوتية مؤقتًا بفعل كمية من الفلفل لم يسبق أن وثّقها أي كتاب طبخ باللغة الإنجليزية.

قلّده الأطفال.

وسرعان ما وقف جون وصوفيا وثلاثة طلاب في صف واحد، أفواههم مفتوحة، ووجوههم نحو الهواء — ذلك المشهد القروي الكامل لخمسة أشخاص التزموا، في اللحظة نفسها، باستراتيجية التبريد نفسها.

قال منصور: "تبدون مثل السمك."

كان المشكاك قد نضج.

وكان العم مرهون فخورًا — ذلك الفخر الهادئ الكامل لرجل كان مشكاكه، باتفاق أهل القرية عمومًا، أفضل مشكاك متاح لسكان هذا الوادي بالذات.

أكل جون واحدًا. ثم آخر. ثم آخر.

قالت صوفيا: "ببطء."

قال جون: "أنا أستمتع بعُمان."

حاول مالود أن يسرق واحدًا. فشل. حاول مرة أخرى. نجح. وركض.

صاح جون: "هذا التيس مستحيل!"

استقرّ العصر.

جلس الناس. تحدثوا. ضحكوا. كان بعضهم يسبح. وكان بعضهم ينام. وكان بعضهم يأكل. ذلك العصر العُماني الكامل لنزهة لا تستعجل شيئًا، حيث وافق الزمن على أن يبطئ سرعته إلى الإيقاع الصغير الخاص ببركة وادٍ، وحيث لم يكن أحد مسؤولًا عن دفع أي شيء إلى الأمام. كان الدخان يصعد من النار بلطف. وكان الأطفال يواصلون ممارسة الإنجليزية من غير أن يعرفوا — يستخدمون البنية التي عُلّموها، لا لأن أحدًا طلب منهم ذلك، بل لأن الكلمات دخلت أفواههم، وها هي تخرج من جديد، في جمل صغيرة كاملة متناثرة فوق الصخور: أنا أسبح! أنا آكل! هو نائم! هم يلعبون!

كان سعيد جالسًا على صخرة، يراقب.

بالطبع كان كذلك. بالطبع كان سعيد هو الصبي الذي اختار، في هذه الجنة الخاصة من البرك والمشكاك والفرح، تلك الصخرة الصغيرة العالية التي تمنحه رؤية صغيرة كاملة لكل شيء، من غير أن تطلب منه أن يكون في وسط أي شيء. الصبي الذي كانت أول جملة إنجليزية له في اليوم السابق: كنت أراقب. الصبي الذي نُظّمت حياته كلها حول هذا الموضع بعينه — عند الحافة، يستوعب كل شيء، ولا يفوته شيء.

ذهبت إليه ثرياء.

"ماذا تفعل؟"

ابتسم بخجل.

"أنا… أفكر."

ابتسمت له. تلك الابتسامة التعليمية الهادئة الكاملة لامرأة أدركت، في هاتين الكلمتين الإنجليزيتين، حقيقة حياة سعيد الداخلية كلها، والحقيقة الصغيرة الخاصة أيضًا أنه منحها الكلمات التي تصفها.

بدأت الشمس تهبط.

كان الجميع متعبين وسعداء. نظفوا المكان. جمعوا كل شيء. تحركوا بذلك البطء الصغير الكامل لجماعة قروية أنفقت نفسها في يوم واحد ممتاز، ولم يبق لها سوى الطاقة اللازمة للعودة إلى البيت.

نظر جون إلى البرك مرة أخرى.

"هذا… أحد أفضل أيام حياتي."

أومأت صوفيا. "وأنا كذلك."

كان مالود نائمًا داخل كيس. لم يعرف أحد كيف وصل إلى هناك. ولم يسأله أحد. عند هذه المرحلة من علاقة القرية بهذا التيس بالتحديد، كان سؤال كيف قد استُبدل نهائيًا بممارسة أبسط: القبول.

استدار البيك أب. وصغر الوادي في المرآة الخلفية. والبرك، التي كانت موجودة منذ ثلاثة أيام وستختفي بعد ثلاثة أسابيع، لمعت مرة أخيرة، ثم غابت خلف صخرة — وعادت القرية إلى البيت، محمّلة بالمشكاك والأطفال المتعبين ودفء نوم مالود الخاص في أنفاسه. — النخلة الرابعة والعشرون / Palm Twenty-Four — — Palm Twenty-Four / النخلة 24 —

··
PALM TWENTY-FOUR · The Camera, the Tools, and the Fastest Goat in Samail
Palm
Palm Twenty-Four
The Camera, the Tools, and the Fastest Goat in Samail
Scene One
Something Special

ثمة صباحات في الصف يصبح فيها الهواء نفسه هو الدرس — حين يُدخَل إلى الغرفة شيء لم تحتويه من قبل، فيبدأ الأطفال، قبل أن يُقال لهم ما هو، بالميلان إلى الأمام. الميل يأتي أولًا. ثم يأتي التعرّف. وبحلول اللحظة التي يتكلم فيها المعلّم، يكون الدرس قد بدأ بالفعل، بطريقة صغيرة غير مرئية.

كان الصف هادئًا على نحو غير مألوف.

ليس لأن منصور كان غائبًا. وليس لأن خليل كان نائمًا. كلاهما كان حاضرًا. وكلاهما كان يشغل مقعده المعتاد. بل إن كليهما، في ذلك الصباح تحديدًا، كان نظريًا يطيع قاعدة عدم إحداث الضجيج.

كان الصف هادئًا لأن جون كان يقف قرب السبورة بوجه شديد الجدية وحقيبة تبدو شديدة الأهمية. ذلك الإمساك المسرحي الصغير بحقيبة معلّم قرر أن درس الصباح سيُقدَّم على هيئة مشهد — وأن الحقيبة نفسها، قبل أن يخرج منها أي شيء، جزء من طريقة التعليم.

جلست صوفيا بجانب ثرياء. تراقبه بابتسامة صغيرة — تلك الابتسامة الزوجية الصغيرة لامرأة تعرف تمامًا ما سيحدث، وتتطلع، بمتعة صغيرة خاصة مشتركة، إلى مشاهدته يحدث.

قال جون ببطء وفخر: "اليوم… لدينا… شيء مميّز."

مال الأطفال إلى الأمام.

ذلك الميل الجماعي الكامل لاثني عشر جسدًا صغيرًا أدرك، من المقاطع الأولى لعبارة شيء مميّز، أن الدرس على وشك أن يكون غير عادي. كان للميل قواعده الخاصة. لم يكن مثل ميل الفضول أمام سؤال صعب، ولا ميل الانتباه قبل شرح. كان ذلك الميل الاستباقي الصغير المخصص للحظات التي يحمل فيها صوت المعلّم وزنًا مختلفًا، فيفهم الأطفال، وهم خبراء في قراءة وزن المعلّمين، أن اليوم مختلف.

همس منصور: "ربما حلوى." وهمس أحمد: "ربما كتب." وهمس خليل: "ربما مشكلة."

ثلاث همسات صغيرة، لخّصت معًا ثلاث رؤى مختلفة للعالم في الصف الخلفي — منصور يرجو السكر، وأحمد يرجو المعرفة، وخليل يرجو فقط، بلا تحديد، كما يرجو بعض الصبية: رجاءً غامضًا، أبديًا، مستعدًا للاحتفال بكل ما ينتجه اليوم.

فتح جون الحقيبة بحذر.

وأخرج كاميرا سوداء.

كاميرا سوداء صغيرة خاصة بمعلّم إنجليزي في عام 1973 — كوداك ربما، أو كاميرا ألمانية صغيرة على هيئة صندوق، بحزامها الجلدي، وعدستها الأمامية الصغيرة، وجسدها المعدني المضغوط الذي كان، في عيون القرية، يحمل مظهر الشيء الأجنبي بلا لبس. ربما كانت أول كاميرا تُعرض علنًا في هذا الصف بالذات. كان الأطفال قد رأوا صورًا من قبل — كانت الصور موجودة في القرية، يجلبها أعمام عملوا في البحرين أو الكويت، وصور أعراس مؤطرة من استوديوهات المدن — لكن الجهاز الذي يصنع الصور كان، حتى هذه اللحظة، موجودًا فقط على هيئة إشاعة، أو نظرية، أو شيء يحدث في أماكن أخرى لأناس آخرين.

انفجر الصف.

"أبووووي!" "ما هذا؟" "هل يعض؟" "هل هو راديو؟"

أربعة أسئلة وصلت في وقت واحد، من أربع زوايا صغيرة مختلفة في الغرفة، بديمقراطية صفية صغيرة كاملة للحظة قرر فيها كل طفل، في اللحظة ذاتها، أن سؤاله هو الأهم.

ضحكت صوفيا. "لا، لا. هذه كاميرا."

رفع علي يده. "أستاذ… هل تسرق الوجوه؟"

رمش جون رمشة صغيرة مرتبكة، رمشة رجل اصطدم تصوره الإنجليزي للكاميرا بتصور آخر تمامًا — تصور لم يكن يتوقعه، لكنه كلما فكر فيه أكثر، وجده غير بعيد عن المنطق. فالكاميرا، بمعنى ما، كانت تسرق الوجوه. والكلمة الإنجليزية لما تفعله كانت ببساطة أقل صدقًا من كلمة علي.

"لا. إنها… تحفظ الذكريات."

رفعها. ونظر من خلالها.

طَق.

الصوت وحده جعل نصف الصف يقفز. تلك القفزة القروية الصفية الكاملة لأطفال اعتادت آذانهم، حتى تلك اللحظة، أدوات ألطف — الطباشير، الورق، الشكاوى الخشبية الصغيرة لأثاث المدرسة — فإذا بهم يُقدَّمون، من غير إنذار، إلى صوت ميكانيكي صغير يحمل في آلية غالقه الدقيقة الوعد الأجنبي الكامل بالحداثة.

صرخ منصور: "لقد أطلقت عليّ!"

ضحكت ثرياء. "إنها ليست بندقية. إنها كاميرا."

Scene Two
We Use … For …

كتب جون على السبورة:

نستخدم ... من أجل ...

استدار. "رددوا: نستخدم..."

الصف: "نستخدم..."

أشار إلى الكاميرا. "نستخدم الكاميرا من أجل...؟"

فكر أحمد بعناية. ذلك التفكير الأحمدي الحذر لصبي يجري، قبل أن يجيب، مراجعة إنجليزية داخلية صغيرة، يقارن فيها البنية المكتوبة على السبورة بالمخزون الصغير من صيغ الأفعال الذي ظل يجمعه في رأسه بصمت منذ بداية العام الدراسي.

"من أجل… التقاط الصور."

"ممتاز!"

ابتسم جون. وكتب:

نستخدم الكاميرا من أجل التقاط الصور.

ثم وقفت ثرياء. أحضرت سلة صغيرة — سلة صغيرة منسوجة من سعف النخيل، بذلك الشكل المحدد الذي ظلت البيوت العُمانية تنسجه يدويًا منذ قرون. كان جون قد رأى كثيرًا من هذه السلال. لكنه لم يفهم، حتى تلك اللحظة، أنه على وشك أن يراها تُستخدم وسيلةً تعليمية.

كانت في داخلها أشياء غريبة.

غريبة على جون. عادية تمامًا لدى الأطفال.

كانت هذه هي التربية الهادئة الصغيرة التي كانت ثرياء تخطط لها، ربما منذ أيام. جاء جون بالشيء الأجنبي — الكاميرا، رمز العالم الذي لا يعرفه الأطفال بعد. وجاءت ثرياء بالأشياء المحلية — رموز العالم الذي يعرفه الأطفال تمامًا حتى إنهم ربما توقفوا عن رؤيته. وسيُنسج الدرس بين الاثنين، بحيث يستخدم الأطفال الإنجليزية، في نهايته، لوصف الغريب الأجنبي والمألوف المحلي معًا، وسيتعلمون، من غير أن يقول أحد ذلك صراحة، أن الإنجليزية لغة قادرة على حمل عالمهم هم أيضًا، لا عالم غيرهم فقط.

أخرجت معولًا. أداة للحفر والزراعة.

"نستخدم المعول من أجل...؟"

قال علي بفخر: "من أجل الزراعة."

ثم أخرجت هيبًا. منجلًا صغيرًا.

"وهذا؟"

قالت نورة: "من أجل قطع العشب."

ثم جاء المجز.

ضحك بعض الطلاب. تلك الضحكة العصبية لأطفال صادفوا جميعًا المجز في وقت ما من حياتهم القصيرة — غالبًا على هيئة قصة روتها لهم جدتهم، وأحيانًا على هيئة علاج فعلي يتذكرونه بوضوح صغير خاص لواقعة جسدية صغيرة لم تُجرَ معهم مفاوضة بشأنها.

قالت ثرياء بحذر: "نستخدم المجز من أجل… القطع و… العلاج." تلك الإنجليزية الصغيرة الحذرة لمعلّمة قررت، في اللحظة نفسها، أن تكرّم ممارسة القرية من غير أن تبالغ في أساسها العلمي. كانت كلمة علاج كافية. أما شفاء فكانت ستكون كثيرة.

أومأ جون ببطء. "في عُمان… طب شجاع جدًا."

ثم جاءت الموقعة. أداة لهرس الثوم.

ضغطتها صوفيا. فضحك الصف.

"نستخدم هذا من أجل الثوم!"

ثم مرود كحل فضي — ذلك المرود الفضي الصغير من مقتنيات المرأة العُمانية.

"نستخدم هذا من أجل… العيون."

ثم مرجل. قدر كبير.

ثم قفير. سلة.

امتلأت السبورة:

نستخدم المعول من أجل الزراعة. نستخدم الهيب من أجل قطع العشب. نستخدم المجز من أجل القطع. نستخدم الكاميرا من أجل التقاط الصور.

كان جون سعيدًا جدًا. تلك السعادة التعليمية الهادئة الكاملة لرجل شاهد خطته للدرس وخطة زميلته تلتقيان في لحظة صفية واحدة متماسكة.

"هذا… درس مثالي."

وكانت تلك هي اللحظة التي اختارها مالود ليصير مشهورًا.

Scene Three
The Fastest Goat in Samail

لم يعرف أحد كيف.

ولم يرَ أحد كيف.

لكن فجأة — لم تعد الكاميرا في يد جون.

كانت في فم مالود.

تلك الخدعة الصغيرة السحرية للاختفاء من تيس أتقن، خلال شهور في هذا الصف، الفن الصغير في أن يكون تحت مستوى انتباه الجميع تمامًا حين يكون أثمن شيء في الغرفة في متناول فمه. ستقسم صوفيا لاحقًا أنها كانت تنظر إلى الكاميرا. وستقسم ثرياء لاحقًا أنها كانت تنظر إلى مالود. والحقيقتان، بطريقة ما، لم تتقاطعا. كان هناك، في الهندسة المكانية الصغيرة الخاصة للصف في ذلك الصباح، نافذة غير مرئية من نصف ثانية، اتجه فيها زوجا عيني المعلّمتين إلى مكان آخر — ومن خلال تلك النافذة، وبدقة جراحية كاملة لمخلوق ظل ينتظر حياته كلها هذه الفرصة تحديدًا، نفّذ مالود أجرأ سرقة في مسيرته.

استدار مالود.

ركض مالود.

صرخت صوفيا: "الكاميرا!"

وصاح جون: "أوقفوا ذلك التيس!"

انفجر الصف في فوضى.

ركض منصور أولًا. ثم خليل. ثم علي. ثم نصف الصف.

ركض مالود. كبطل. ذلك الركض المركّز الكامل لتيس أبيض صغير أدرك، بوضوح مطلق، أنه يحمل أثمن شيء سرقه في حياته، وأن السكان البشريين في المبنى كله صاروا الآن منظّمين حول استعادته منه.

قفز فوق حقيبة.

مرّ تحت طاولة.

هرب عبر الباب.

تبعه الجميع.

في الساحة، ركض مالود في دوائر. تلك الدوائر الماعزية المتعرجة للص صغير حسب، عن حق، أن الهدف المتحرك أصعب في الإمساك من الهدف المستقيم — وكان، فوق ذلك، يستمتع بنفسه.

ركض جون خلفه. ممسكًا بحقيبته.

وركضت صوفيا خلف جون.

وركضت ثرياء خلف صوفيا.

وركض أحمد خلف الجميع — وما يزال يمسك دفترًا. ذلك الركض الإداري الصغير لصبي رفض، حتى في وسط المطاردة، أن يتخلى عن أدواته الصفية.

ثم…

ظهر بطل.

سادو.

سادو صاحب الدكان.

كان يمرّ حاملًا صندوقًا.

رأى التيس.

ورأى الكاميرا.

وفهم كل شيء في ثانية واحدة.

ذلك الفهم الكامل في ثانية واحدة لرجل قضى حياته كلها سادو صاحب الدكان، في هذه القرية تحديدًا، مع هذا التيس تحديدًا، واكتسب — بالمراقبة الطويلة — القدرة على قراءة أي موقف يتضمن مالود بسرعة رجل يقرأ خط يده. لم يكن يحتاج إلى شرح. لم يكن يحتاج إلى سياق. التيس يحمل شيئًا. والمعلّمون يريدونه. وهو البالغ المتاح. حُلت رياضيات الموقف في رأسه في الوقت الذي احتاجه فقط ليضع صندوقه على الأرض.

وضع الصندوق أرضًا.

فتح ذراعيه.

ركض مالود إليه مباشرة.

أمسكه سادو كما تُمسك كرة قدم — تلك اللقطة الكروية المنتصرة الكاملة لرجل نفّذ المناورة نفسها، مع التيس نفسه، في ثلاث مناسبات سابقة على الأقل، واكتسب، عند هذه المرحلة، التقنية الخاصة التي تحتاجها.

صفّقت الساحة.

وصل جون. يتنفس كأنه ركض من بريطانيا.

أخذ الكاميرا. واحتضنها.

"شكرًا لك يا سادو. لقد أنقذت ذكرياتي."

ابتسم سادو بفخر.

"مالود دائمًا يريد يكون نجم."

ضحك الصف — تلك الضحكة القروية الكاملة لأطفال أدركوا، في جملة سادو الإنجليزية الصغيرة الحذرة، أن حياة التيس كلها قد نالت اسمها أخيرًا.

Scene Four
Many Pictures

في ذلك اليوم، التقط جون صورًا كثيرة.

للطلاب.

وللأدوات.

ولمالود.

ولمنصور وهو يقفز.

ولخليل وهو يصنع الوجوه.

ولأحمد وهو يرتب شعره.

وحتى لثرياء، خفية.

تلك الصورة السرية الصغيرة لمعلّمة صار، الآن، يعرفها جيدًا — الصورة التي التقطها من غير إذنها، بغريزة المصور السارق الصغيرة التي يمتلكها كل المصورين الجيدين، حين كانت تنظر إلى مكان آخر، وحين أمسك وجهها زاوية صغيرة كشفت شيئًا حقيقيًا عنها. الصورة التي سيعلقها، بعد تحميضها، على خطاف صغير في مطبخهما، والتي ستكون، بعد خمسين عامًا، واحدة من الصور القليلة الباقية لثرياء في الثانية والأربعين من عمرها، بوشاحها الأبيض النظيف، وهي تراقب المتاعب الصغيرة في صف القرية بعين صبورة مرحة خاصة بالشخص الذي علّمه، في حياة جون كلها، أكثر ما تعلّمه عن بلد.

Scene Five
The Darkroom

في ذلك المساء، في البيت، كانت الأضواء خافتة.

وكانت النوافذ مغلقة.

وكانت الغرفة مظلمة.

كان جون شديد الجدية.

قال: "هذه هي الغرفة المظلمة."

كانت صوفيا تمسك ورقة. بحذر.

وكانت ثرياء تراقب. بفضول. ذلك الفضول الصغير الكامل لامرأة لم تكن، حتى هذا المساء، قد صادفت الصور إلا أشياء منتهية، وها هي تُرى الآن العملية الكيميائية الصغيرة الشبيهة بالخيمياء، التي ينتج بها تفاعل كيميائي صورة.

وضعوا الورقة في السائل.

لا شيء.

ذلك اللاشيء الصبور الخاص بحوض التحميض في ثوانيه العشر الأولى — حين تبدأ الكيمياء، على نحو غير مرئي، العمل على بلورات هاليد الفضة المطمورة في الورق، لكنها لم تُنتج بعد أي صورة ظاهرة. ذلك حبس الأنفاس الخاص الذي يعرفه كل المصورين، في تلك السنوات التي سبقت الرقمية، حين كان لا بد لكل صورة أن يُنتظر مجيئها. لم تفهم ثرياء، حتى تلك اللحظة بالضبط، أن التصوير أبطأ مما تخيلت. كانت الصورة تُسلَّم بواسطة الكيمياء. والكيمياء تأخذ وقتها.

ثم ببطء…

ظهر وجه.

شهقت صوفيا. "إنه منصور!"

ثم وجه آخر.

"إنه مالود!"

ثم آخر.

ضحكت ثرياء. "إنه أنت!"

علّقوا الصور. لتجف.

امتلأ الجدار بالذكريات.

جلس جون. متعبًا لكنه سعيد.

قال: "هذه… أيامنا."

ابتسمت صوفيا برقة. "وكدنا نفقدها بسبب تيس."

ومن الخارج، سمعوا:

"مااااع!"

أغلق جون عينيه. "ذلك التيس سيكون في كل صورة."

Scene Six
A Wall of Days

علّقوا الصور واحدةً تلو الأخرى على الخيط الصغير الذي ربطوه بين مسمارين على جدار المطبخ.

ذلك التعليق الحذر الصغير لخط من الصور — كل صورة مثبتة بمشبك خشبي صغير، وكل واحدة لا تزال رطبة قليلًا، وكل واحدة تحمل قصتها الصغيرة الخاصة. الصورة الأولى: منصور في منتصف قفزته، وقد ارتفعت قدماه كلتاهما عن الأرض، وعلى وجهه ذلك الفرح الكامل غير المقيّد الذي كان علامته الخاصة في تلك القرية. الثانية: مالود والكاميرا في فمه، ينظر إلى جون بما بدا — وإن لم يكن يمكن أن يكون — رضًا. الثالثة: سادو يحمل مالود ككرة قدم، بوجه الانتصار الكامل لرجل كان، لدقيقة واحدة، بطلًا. الرابعة: أحمد في وقفته المستقيمة الدقيقة كالمسطرة. الخامسة: خليل يصنع وجهًا. السادسة: نورة تشير إلى شيء لم تلتقطه الكاميرا، وقد تجمّد إصبعها في الزاوية الدقيقة الخاصة لفتاة كانت يدها، طوال حياتها، أسرع من أفكارها. السابعة: سعيد. في الزاوية. يراقب.

توقفت ثرياء عند الصورة السابعة.

نظرت إليها. طويلًا. تلك النظرة التعليمية الطويلة الكاملة لامرأة أدركت، في تلك الصورة الصغيرة الواحدة، قبل أي شخص آخر، المستقبل الصغير لصبي صغير.

قالت بهدوء: "سعيد."

أومأت صوفيا.

قالت: "إنه في كثير منها. دائمًا عند الجانب. دائمًا يراقب."

ابتسمت ثرياء. تلك الابتسامة الصغيرة الكاملة لامرأة شهدت، للمرة الثالثة ذلك الشهر، الرضا الخاص الصغير حين ترى أهدأ طلابها يحتل موضعًا صغيرًا دائمًا في سجل القرية الفوتوغرافي.

قالت: "إنه يجمع من جديد. لكن هذه المرة… يجمع من داخل الصورة، لا من خارجها."

جاء جون، وهو يجفف يديه بقطعة قماش صغيرة.

نظر إلى صورة سعيد. وفكر لحظة. ثم قال — بهدوء، بذلك الصوت التأملي الصغير الذي يستخدمه حين يكون قد فهم للتو شيئًا لم يكن، حتى تلك اللحظة، قد أدركه تمامًا:

"في الصور القادمة،" قال، "سيكون في الوسط. لا عند الجانب."

ابتسمت صوفيا. "أتظن ذلك؟"

قال جون: "سأتأكد."

ذلك الوعد الزوجي الصغير الكامل لرجل قرر، بعد يوم تصوير مرهق واكتشاف صغير في الغرفة المظلمة، أن أحد مشاريعه الصغيرة القادمة في هذه القرية سيكون التوثيق المتعمّد والحذر لذلك الصبي الخجول بعينه، الذي ظل طويلًا عند الحواف.

في الخارج، في الساحة الصغيرة، مأمأ مالود مرة.

ثم عاد إلى ما يعود إليه مالود عادةً.

كان جدار الصور يتوهج بهدوء في ضوء المصباح الأصفر الصغير في المطبخ. وجون، وهو ينظر إليه، فهم — بوضوح صغير خاص سيحمله معه بقية حياته — أنه التقط، في ذلك اليوم، أول صور لمكان سيصبح، ببطء، مكانه. — النخلة الخامسة والعشرون / Palm Twenty-Five — — Palm Twenty-Five / النخلة 25 —

PALM TWENTY-FIVE · The Day Nobody Spoke Arabic
Palm
Palm Twenty-Five
The Day Nobody Spoke Arabic
Scene One
The Tired Fan and the Important Envelope

كان الصف أعلى صوتًا من المعتاد.

ليس لأن الطلاب كانوا يتحدثون.

بل لأن المروحة كانت تفعل.

كانت تقف في الزاوية. ترتجف. ذلك الارتجاف الجسدي الصغير الكامل لمروحة واقفة قديمة انحرف توازنها الداخلي قليلًا، بعد سنوات من الاستخدام السمائلي — بحيث صار كل دوران ينتج اهتزازًا صغيرًا، ويصطك القفص المعدني بإطاره الصغير، وتبدو الآلة كلها كأنها مصابة بالحمى. رررررررررر… ررررررر… ذلك الصوت المتعب لمحرك مروحة عملت منذ الفجر، وصارت، الآن، في الظهيرة الصغيرة المتوسطة العمر من حياتها الكهربائية. لم يعد الطلاب يسجلون صوتها بوعي. كانت موسيقى خلفية لصفهم منذ سنوات. لكن في ذلك الصباح بالذات، في ذلك الهدوء الصغير المحدد الذي كان على وشك أن يُطلب، ستبرز المروحة — لبرهة، وبالمصادفة — بوصفها أعلى شيء في الغرفة.

كان جون واقفًا قرب مكتبه. يحمل مغلفًا كبيرًا — كأنه صندوق كنز. ذلك الإمساك الحذر الصغير بمغلف بني من ورق المانيلا، كان قد مُلئ في الليلة السابقة بالصور المحمّضة حديثًا في غرفة المطبخ المظلمة، وصار يحتوي الآن، بثقله الورقي الهادئ، على التاريخ البصري الكامل للشهر الماضي.

وقفت صوفيا إلى جانبه. تحاول بشدة ألا تبتسم.

ذلك الجهد الزوجي الصغير لامرأة تعرف تمامًا ما سيحدث — بل ساعدت جون، في الواقع، على تصميم القاعدة في الليلة السابقة — وكانت تتطلع، بمتعة معلّمة محتبسة تنتظر أن تقع نكتتها في مكانها، إلى مشاهدته.

استندت ثرياء إلى الجدار. ذراعاها متقاطعتان. تراقب وجوه الطلاب.

كان كل الأطفال جالسين… باستقامة… شديدة… جدًا.

ذلك الانتصاب الكامل لاثني عشر جسدًا صغيرًا أدركت، من الطريقة المهيبة الخاصة التي كان جون يحمل بها المغلف، أن هذا الدرس كان — بطريقة ما — قد بدأ بالفعل، رغم أن أحدًا لم يعلن بدايته بعد.

وكان مالود أيضًا في الصف.

لم يعرف أحد كيف دخل.

ولم يعد أحد يسأل.

جلس مالود قرب النافذة. كطالب رسب سنوات طويلة لكنه لم يغادر المدرسة أبدًا.

ذلك الحضور الصفي الدائم الصغير لحيوان أبيض صغير قُبل، بموافقة غير معلنة من طاقم المدرسة كله، مستمعًا غير دافع للرسوم. كان المبدأ قد حُسم منذ زمن. ولم يعد المبدأ قابلًا للنقاش.

تنحنح جون.

قال ببطء: "اليوم، يوم مميّز جدًا."

نظر الطلاب إلى المغلف.

همس منصور: "صور؟"

رفع جون إصبعًا واحدًا. "نعم. لكن… هناك قاعدة."

مال الجميع إلى الأمام.

Scene Two
English Only

قال جون بجدية: "لا عربية. الإنجليزية فقط. إذا تكلّم أحد بالعربية..."

وأشار إلى الباب.

"... إلى الخارج."

تجمّد الصف.

ذلك السكون الكامل المحدد، سكون غرفة امتلأت بأجساد متجمّدة، لاثني عشر طفلًا عُمانيًا صغيرًا قيل لهم، في قاعدة واحدة قصيرة، إن اللغة المحددة لجدّاتهم، ولطعامهم، ولأغاني أمهاتهم قبل النوم، وللحياة البيتية الكثيفة كلها في كل جسد صغير داخل الغرفة، صارت، للأربعين دقيقة القادمة، ممنوعة. لقد طُلب منهم أشياء غريبة كثيرة على يد هذين المعلّمين الأجنبيين. طُلب منهم أن يكرروا كلمات لا معنى لها عندهم. وطُلب منهم أن يكتبوا حروفًا تسير في الاتجاه الخطأ. لكن لم يُطلب منهم قط أن يرفضوا لغتهم هم. سقطت القاعدة في الغرفة بثقلٍ صغير خاص، ثقل قاعدة لم يفرضها أحد من قبل على هذه الأفواه الصغيرة بالذات.

ابتلع علي ريقه.

وضعت نورة يدها على فمها — ذلك الغطاء الدفاعي الصغير الغريزي لفتاة كان فمها، بحكم عادة طويلة، أسرع من تفكيرها، وقد قررت، في نصف الثانية التي تلت القاعدة، أن تقيم حاجزًا جسديًا صغيرًا بين شفتيها ولغتها الأم.

بدا خليل كأنه يستعد للحرب.

جلس أحمد مستقيمًا كالمسطرة. مستعدًا. ذلك الاستعداد الكامل المركز لصبي كان، في الحقيقة، ينتظر هذا النوع من التحدي تحديدًا — النوع الذي يكافئ التحضير الدقيق.

كان سعيد هادئًا. يراقب كل شيء بعناية.

ابتسمت مثيلة. بثقة. تلك الابتسامة الصغيرة الواثقة لفتاة كان رأيها الخاص أنها، بالطبع، ستكون أول من يلتزم بالقاعدة بنجاح.

نظرت رحمة وسليمة إحداهما إلى الأخرى. قلقتين.

همست مروة: "يا إلهي."

كتب جون على السبورة. بحروف كبيرة:

الإنجليزية فقط اليوم

ثم أضاف:

هذا... / هو... / هي...

صفّقت صوفيا بيديها. "حسنًا! من يريد أن يبدأ؟"

صمت.

حتى مالود كان صامتًا.

فتح جون المغلف. أخرج الصورة الأولى.

رفعها.

كانت لمالود.

مالود في الساحة. مالود على الطاولة. مالود أمام الباب. مالود يأكل. مالود نائم.

كان مالود في كل مكان.

انفجر الصف بالضحك.

ابتسم جون. "حسنًا. من؟"

قفز منصور واقفًا. "أنا! أنا!"

أومأ جون. "بالإنجليزية."

أخذ منصور نفسًا عميقًا. ذلك النفس التحضيري الكامل لصبي صغير كان، للمرة الأولى، على وشك أن يحاول قول جملة إنجليزية كاملة تحت ضغط خارجي محدد.

"هذا... مالود."

صفّق جون. "جيد! جيد جدًا!"

أشار منصور إلى الصورة. "هو... هو... يأكل!"

أضافت صوفيا: "نعم! هو يأكل."

بدا مالود فخورًا.

Scene Three
Smoke, Maghbar, and the First Slip

الصورة التالية.

كان فيها شايب خلف.

كان واقفًا قرب بيته الطيني. يرمي الدخان في الهواء. يعمل المغبر.

شهق بعض الطلاب. تلك الشهقة الصغيرة المحددة لأطفال قرية منح خيال طفولتهم الجمعي شايب خلف مكانة أسطورية صغيرة بعينها، وها هم الآن يُطلب منهم أن ينظروا إلى صورة له وهو يؤدي طقسًا كان، بحسب كل القصص التي سمعوها، يفترض أن يكون خاصًا.

همس علي. بالعربية.

«هوه…»

أشار جون. "إلى الخارج."

تجمّد علي. ذلك الوجه الصغير الكامل لصبي تجمّد لأنه خسر القاعدة، في مقطعين فقط من لغته الأم. تلك الخيانة الذاتية الصغيرة الكاملة لطفل تحرك فمه قبل أن يتذكر عقله.

"لا لا لا! آسف! آسف!"

حاول من جديد. ببطء. "هذا... شايب خلف."

ابتسمت ثرياء. "جيد."

أضاف خليل: "هو... يصنع دخانًا."

أومأ جون. "نعم. هو يصنع دخانًا."

شرحت صوفيا — "بالإنجليزية: هو يفعل شيئًا. هو يصنع شيئًا."

وأضافت ثرياء — أولًا بالعربية للأطفال، ثم مترجمة لجون — "كانوا يفعلون هذا لطرد الحظ السيئ."

الصورة التالية.

جون.

عيناه حمراوان ومتورمتان. غبار على وجهه. يبدو كأنه شبح متعب جدًا.

ضحك الصف مرة أخرى. تلك الضحكة الصفية القروية الكاملة لأطفال صار معلّمهم، في صورة واحدة، نوعًا فرعيًا واضحًا من الكوميديا.

رفعت نورة يدها. "معلم... إنجليزي."

وقفت. "هذا... مستر جون."

أشارت إلى عينيه. "هو... غير سعيد."

ضحك الصف أكثر.

تنهد جون. "لم يكن سعيدًا."

صحح أحمد — بأدب، ذلك التصحيح المؤدب الكامل لصبي كان ينتظر طوال الصباح فرصة يستعمل فيها قواعده الجيدة — "لم يكن سعيدًا."

نظر إليه جون. "شكرًا، أحمد."

Scene Four
Yellow Ladies and the Door

الصورة التالية.

صفية وفتكات.

كلتاهما.

صفراوان.

صفراوان جدًا.

كالليمون.

كانت كارثة قناع الزعفران الصغيرة الكاملة التي حدثت في عصرٍ سابق محفوظة الآن إلى الأبد على ورق التصوير، معلقة في يد جون ليراها الصف كله. وستنظر صوفيا، في سنوات لاحقة، حين تصير مسلمة حقيقية تُدعى صفية لا من القرية فحسب بل من نفسها أيضًا، إلى هذه الصورة وتضحك — لكن في تلك اللحظة المحددة، في ذلك الصف المحدد، كانت الصورة ما تزال نيئة، وكانت الإهانة التي وثقتها نيئة كذلك.

كان فم فتكات مفتوحًا. من الصدمة.

وكانت صفية تحاول أن تبتسم.

وقع الصف على الأرض من الضحك.

وقفت مروة. "هذه... مس صوفيا ومس فتكات."

فكّرت. ذلك التفكير المروي الحذر لفتاة قررت، في نصف ثانية من التأمل، أن الوصف الأسلم والأدق هو أكثر وصف مباشر.

"هما... صفراوان."

فتكات — التي كانت واقفة قرب الباب — صاحت بالعربية:

«يا شيخة فضيحة!»

(يا للهول، يا لها من فضيحة!)

ضحكت صفية. "عناية بالبشرة."

وأضافت ثرياء وهي تضحك — "لكن البشرة لا تهتم."

حتى محمدين — الذي كان يمرّ عند الباب — ضحك وقال بلهجته المصرية:

«والله عاملين زي الليمون.»

(أقسم إنهما تبدوان مثل الليمون تمامًا.)

الصور التالية.

واحدة تلو الأخرى.

علي يحمل سمكة.

خليل يصنع وجهًا مضحكًا.

مثيلة تقف كملكة.

رحمة وسليمة معًا. خجولتين.

مروة تسقط قرب الفلج.

نورة تشير إلى شيء وتصرخ.

سعيد في زاوية كثير من الصور.

يراقب.

يراقب دائمًا.

أحمد يساعد الآخرين.

منصور... في كل صورة تقريبًا... يركض.

Scene Five
A Whole Class in English

وقف كل طالب. وقال كل طالب شيئًا.

"هذا علي." "هو يحمل سمكة."

"هذه مثيلة." "هي واقفة."

"هذا خليل." "هو... آه... مضحك."

أحيانًا كانوا يخطئون. وأحيانًا يتوقفون ويفكرون. وأحيانًا يساعد أحمد. وأحيانًا تساعد ثرياء.

لكن لا أحد تكلم بالعربية.

ولا حتى مالود.

لم يصدر مالود إلا صوت "ماااع". ذلك التصويت الماعزي الصغير المنخفض الذي لا يؤهله، بالمعنى النحوي الأدق، لأن يكون عربيًا أو إنجليزيًا، ولذلك ظل، طوال الدرس، اللفظ غير الإنجليزي الوحيد المسموح به قانونيًا في الغرفة.

ثم عرض جون صورة.

كان فيها سادو. يحمل مالود. كبطل.

قالت صفية: "هذا سادو. هو ينقذ الكاميرا."

أومأ جون. "نعم. شجاع جدًا."

ثم صورة أخرى.

كانت ملتقطة سرًا.

الصف في الدكان.

الصف في الشارع.

الصف يلعب.

الصف يركض.

حدّق الطلاب.

تلك النظرة الجماعية الكاملة لأطفال أدركوا للتو، بشعور صغير مختلط من السرور والاستياء الصغير، أنهم كانوا يُصوَّرون سرًا منذ مدة. فالمعلم، الذي قدّم لهم الكاميرا بوصفها أداة لالتقاط الصور، كان — من غير أن يخبرهم — يلتقط الصور طوال الوقت.

سألت مثيلة بالإنجليزية، ببطء: "معلم... متى؟"

ابتسمت ثرياء. "لقد أخذها سرًا."

نظر الصف إلى جون.

تظاهر جون بالبراءة.

قال بفخر: "أنا مصوّر."

Scene Six
The Bell, the Tunisian, and Saeed's Smile

رنّ الجرس.

درررررررررررررررررررن!

قفز الجميع.

صاح منصور — من غير تفكير، بتلك الصرخة العربية الغريزية المحددة لصبي كسر حماسه، في نصف الثانية التي تلت الجرس، كل قواعد الصباح —

«طلاااقة!»

(طلااقة! — طلقة/إطلاق!)

رابعة — معلمة الموسيقى التونسية التي صادف أنها كانت تمرّ — صرخت.

«يا ربّ! من ضرب؟!»

(يا رب! من أطلق النار؟!)

ضحكت ثرياء. "ليس سلاحًا. انتهت المدرسة."

أمسكت رابعة بقلبها — ذلك الإمساك القلبي الكامل لامرأة تونسية سجلت أعصابها، في لحظة سوء ترجمة منصور، حالة طوارئ حضرية حقيقية. "أخفتني!"

ركض الطلاب إلى الخارج.

يصرخون. يضحكون. يغنون — تلك الأغنية العمانية الصغيرة الخاصة بساحة المدرسة التي كانت صفية قد سمعتها، حتى الآن، نصف دزينة من المرات في ذلك الشهر —

«يا سايقنا دوس دوس الله يبعث لك عروس!»

(يا سايقنا دوس دوس / الله يبعث لك عروس! — أيها السائق، اضغط، اضغط / ليرسل الله لك عروسًا!)

تلك الأغنية القروية الكاملة لأطفال يركضون، التي لعل فمًا صغيرًا مجهولًا ألّفها في مكانٍ ما خلال العقود القليلة الماضية، ثم صارت، منذ ذلك الحين، تُغنّى على ألسنة كل جيل من الأطفال العمانيين الصغار وهم يركضون خارج المدرسة — تنتقل بلا معلّم، بلا كتاب، بتلك الدقة الثقافية الصغيرة لأطفال يتعلمون بالسماع ولا ينسون أبدًا.

جلس جون على كرسيه. متعبًا لكنه سعيد.

جلست صفية إلى جواره. "اليوم... تحدثوا الإنجليزية."

ابتسمت ثرياء. "ولم يمت أحد."

قفز مالود على المكتب. حاول أن يأكل صورة.

صاح جون: "لا!"

ركض مالود.

ضحك الجميع.

في الخارج، وقف سعيد لحظة.

تلك الوقفة الصغيرة الساكنة لصبي هادئ كان، طوال الصباح، جزءًا من الدرس — وكان، حين جاء دوره، قد قال إحدى جمله الإنجليزية الصغيرة الحذرة ("هذا سعيد. هو يراقب.") — وها هو الآن، عند الباب، يلقي نظرة صغيرة أخيرة إلى الداخل. ينظر إلى الصف. ينظر إلى الصور التي ما تزال مبسوطة فوق مكتب جون. ينظر إلى ثرياء، التي كانت، طوال الدرس، قد منحته بالضبط مقدار الانتباه الصغير الذي يحتاجه — لا كثيرًا، ولا قليلًا، بل المقدار المعاير المحدد من الانتباه الذي لم يعرف في حياته ذات التسع سنوات أحدًا يعايره له إلا هي.

ثم ابتسم.

تلك الابتسامة الصغيرة الخاصة لصبي سجلاته الداخلية الخاصة دوّنت، في ذلك الصباح، اللحظة المحددة التي كان فيها — للمرة الأولى — لا على جانب الصورة، بل في وسطها.

ثم ركض خلف الآخرين. — Palm Twenty-Six / النخلة 26 —

··
PALM TWENTY-SIX · The Detective Game and the Missing Treasure
Palm
Palm Twenty-Six
The Detective Game and the Missing Treasure
Scene One
When Thuraya Smiles Like That

كان الصف هادئًا على نحو غير معتاد.

ليس لأن الطلاب كانوا مؤدبين. لا. هذا يكاد لا يحدث أبدًا.

كان هادئًا لأن المعلمة ثرياء كانت تبتسم.

وحين تبتسم المعلمة ثرياء هكذا، فثمة شيء خطير قادم.

تلك الابتسامة الثريوية الصغيرة المحددة التي تعلّمت القرية — عبر السنين — أن تحذر منها: ليست الابتسامة الدافئة المفتوحة التي تمنحها للجدات عند الفلج، ولا ابتسامة المعلمة الصغيرة التي تستخدمها لتصحيح القواعد، بل الابتسامة الثالثة، الأكثر تآمرًا، التي تعني: لقد صممت، خلال الساعات الاثنتي عشرة الماضية، لعبة صغيرة، وأنا على وشك إطلاقها في العالم. كان الطلاب قد تعلّموا قراءة هذه الابتسامة كما يتعلّم أطفال القرية قراءة الطقس. كانت الابتسامة تتنبأ بمناخ الدقائق الأربعين القادمة. ومناخ اليوم كان سيتضمن جهدًا.

كان جون واقفًا قرب السبورة، ممسكًا بقطعة طبشور. وكانت صفية جالسة عند مكتب المعلمة الصغير، ترتب دفترها. وكان محمدين مستندًا إلى الجدار وذراعاه متقاطعتان. وكانت فتكات تروّح على نفسها بكتاب.

أما مالود، الجدي الصغير، فكان جالسًا قرب النافذة، يمضغ شيئًا لا يريد أحد أن يعرف اسمه.

صفّقت ثرياء بيديها مرة واحدة.

قالت بالإنجليزية: "اليوم، لن نجلس ونكتب."

أضاءت عيون الطلاب.

كاد منصور يقع عن كرسيه. "معلمة... نروح البيت؟"

ضحك جون. "لا يا منصور. أسوأ."

تأوّه الصف.

تابعت ثرياء: "اليوم، سنلعب لعبة."

والآن انفجر الصف.

قالت نورة: "لعبة؟" سألت مروة: "لعبة حقيقية؟" صاح منصور: "لعبة ركض؟"

رفعت ثرياء يدها. "لعبة تحقيق."

ذهبت إلى حقيبتها. أخرجت ورقة كبيرة تبدو قديمة. فتحتها بعناية — ذلك الفرد الاحتفالي الصغير لورقة كانت قد رُسمت في الليلة السابقة بعناية مقصودة على يد معلّمة قررت أن تمنح القرية مغامرة صغيرة.

كانت خريطة.

قالت: "هذه خريطة لغز اليوم."

مالت صفية إلى الأمام. "أوه، لقد أعجبني هذا من الآن."

نظر جون إلى الخريطة. بجدية. "هل هناك... خطر؟"

ابتسمت ثرياء ببراءة. "دائمًا."

Scene Two
The Treasure That Is Hidden

اقترب الطلاب. حتى أحمد ترك جلسته المستقيمة المثالية ومال إلى الأمام — تلك الميلَة الأحمدية الصغيرة الكاملة لصبي لا تسمح هيئته العادية بمثل هذه التنازلات، لكن فضوله، في هذه المناسبة، تغلّب على انضباطه.

قالت ثرياء، وهي تشير إلى رسم نخلة طويلة: "في مكانٍ ما، يوجد كنز."

همس خليل، بتمثيل مسرحي: "كنز؟"

"نعم. لكنه مفقود."

وقف منصور. "من سرقه؟"

نظرت ثرياء إلى مالود.

رمش مالود.

ضحك الجميع — تلك الضحكة الصفية الكاملة لأطفال فهموا النكتة فورًا من غير حاجة إلى شرحها.

قالت ثرياء: "لا. الكنز لم يُسرق. إنه مخفي. وعليكم أن تجدوه."

صفّق جون بيديه. "حسنًا! درس اليوم هو التعليمات."

كتب على السبورة:

امشِ مستقيمًا انعطف يسارًا انعطف يمينًا توقف لا تركض انظر تحت... انظر خلف...

أضافت صفية: "وتذكروا: الإنجليزية فقط."

نظر الطلاب بعضهم إلى بعض. بخوف. ذلك الخوف القروي الصغير الكامل لأطفال عاشوا بالأمس فقط عذابًا صغيرًا محددًا لصباحٍ كله إنجليزية، ولم يكونوا، حتى هذه اللحظة، قد هيأوا أنفسهم لجزء ثانٍ.

رفع محمدين عصاه. ببطء. "اليوم... أنا أيضًا أتكلم إنجليزي فقط."

ساد الصمت في الصف — ذلك الصمت المصري الصادم الصغير الكامل لصف أعلن فيه معلم العربية المصري، الذي لم يكن من المفترض أصلًا أن يشارك في هذا الدرس، انحيازه إلى القاعدة.

ابتسمت فتكات بعذوبة. "حظًا موفقًا يا أولادي."

قسّمتهم ثرياء إلى فريقين.

قالت: "الفريق الأول، الأولاد."

هلل الأولاد.

"الفريق الثاني، البنات."

هللت البنات بصوت أعلى. ذلك الهتاف القروي الكامل للبنات، جماعة ضبطت صوتها، بحكم خبرة طويلة، ليكون أعلى قليلًا من هتاف الأولاد تحديدًا، مهما كان هتاف الأولاد عاليًا.

قالت ثرياء: "قائد الفريق الأول هو مستر جون ومستر محمدين."

حيّا جون. وأومأ محمدين بجدية.

"وقائد الفريق الثاني صفية وفتكات."

ابتسمت صفية بفخر. وقرقعت فتكات مفاصلها — ذلك الاستعداد الفتكاتي الصغير الكامل لعمة عمانية قررت أن فريقها سيفوز بهذه اللعبة، وبدأت استعداداتها وفقًا لذلك.

وأضافت ثرياء: "ومالود معي. من أجل السلامة."

أصدر مالود صوتًا صغيرًا يعني: سأسبب المشاكل على أي حال.

Scene Three
The Old Wall and the Falaj

خرجوا إلى الخارج.

كانت القرية دافئة. وكانت الشمس عالية. وكانت النخيل صامتة — كأنها تراقب العرض. ذلك السكون العُماني القروي الصغير الكامل بعد الظهر، لقرية كان كبارها في الداخل، وأُطلق أطفالها في السكيك، واستقرّت نخيلها العتيقة البطيئة، بحكم عادة طويلة، في وضعية المتفرج الصغيرة المحددة لأشجار رأت أجيالًا كثيرة من أطفال القرية يلعبون أجيالًا كثيرة من ألعاب القرية. لم تكن الأشجار متفاجئة. لقد توقفت الأشجار، عبر القرون، عن الدهشة من أي شيء.

أعطت ثرياء كل فريق ورقة.

قالت: "اتبعوا التعليمات. لا تغشوا. لا تتشاجروا. ولا تموتوا."

بدا جون قلقًا. "هل الأخيرة جزء من القواعد؟"

قالت ثرياء: "نعم."

بدأت اللعبة.

ركض الفريق الأول.

صاح محمدين: "لا ركض!"

فمشوا بسرعة بدلًا من ذلك. ذلك المشي السريع الصغير الخاص بأولاد القرية، أطفال قيل لهم إنهم لا يستطيعون الركض، لكن لم يُقل لهم إنهم لا يستطيعون تقريب الركض بأجسادهم كلها.

قرأ أحمد الورقة. "امشِ مستقيمًا. توقف عند الجدار القديم. انظر تحت الحجر."

قفز منصور. "وجدتها!"

كانت ورقة أخرى.

قرأها خليل. "انعطف يمينًا. امشِ عشر خطوات. انظر خلف الشجرة."

في الوقت نفسه، كان الفريق الثاني يتحرك أيضًا.

كانت صفية تقرأ. "اذهب يسارًا. توقف قرب الفلج. لا تلمس الماء."

ضحكت فتكات. "لماذا دائمًا لا تلمس، لا تلمس؟"

وجدن ورقتهن التالية قرب صخرة.

قرأت مروة ببطء. "امشي... مستقيمًا... حتى... تري... بيتًا."

أشارت نورة. "ذاك؟"

لكن حين وصلن، توقف الجميع.

كان بيت شايب خلف.

صار الهواء فجأة... أبرد. تلك القشعريرة القروية الصغيرة لمجموعة سارت، باتباع سلسلة من التعليمات الإنجليزية البريئة، إلى المنطقة الباردة الصغيرة المحددة التي تحيط ببيت أكثر سكان القرية حضورًا في الحكايات الشعبية.

همست سليمة: "لماذا هنا؟"

ابتلعت فتكات ريقها. "من صنع هذه الخريطة؟"

كانت ثرياء، من بعيد، تتظاهر بأنها لا ترى شيئًا — ذلك التظاهر البريء الصغير الكامل لمعلّمة كانت، في الحقيقة، قد رسمت الخريطة عمدًا، وهي تعرف أن هذا البرد القروي الصغير سيكون جزءًا من الدرس.

كان باب البيت مغلقًا.

قالت صفية: "انظرن تحت الشجرة."

ركضن. وجدن الورقة. ركضن بعيدًا. بسرعة كبيرة. لم يرد أحد أن يبقى هناك.

Scene Four
The Pickup and the Bees

وصل الفريق الأول قرب بيك أب العم ناصر.

كان جالسًا يشرب الشاي. ذلك الشرب الهادئ للشاي الخاص بالعم ناصر في أي عصر قروي — الشاي نفسه، والبيك أب نفسه، والكوب المعدني الصغير نفسه الذي انحنى مقبضه قليلًا ليناسب قبضته الخاصة.

سأل: "ماذا تفعلون؟"

ابتسم جون. "نتعلم الإنجليزية."

أومأ العم ناصر. كأن ذلك يفسر كل شيء. تلك الإيماءة القروية الصغيرة الكاملة لعم قرر منذ زمن طويل أن أنشطة المعلمين الأجانب المحددة ينبغي قبولها بلا فحص.

كانت الورقة تقول: "اسأل السائق. ثم اذهب خلف السياج."

حاول محمدين. "من فضلك... يا سيدي... أين... السياج؟"

ضحك العم ناصر. "خلفك، يا أستاذ."

ذهبوا، ووجدوا ورقة أخرى.

وصل الفريق الثاني قرب شجرة كبيرة.

سمعن صوتًا.

زززززززز.

توقفت فتكات. "لا. لا. لا. أعرف هذا الصوت."

قرأت صفية الورقة. "انظرن قرب الشجرة."

نظرت البنات بعضهن إلى بعض.

جاء صوت منصور من بعيد. "ربما تكون فارغة!"

ثم سمعنه يصرخ.

"نححححل!"

ركض الجميع.

وبقي النحل حيث كان.

كتبت ثرياء شيئًا في دفترها: دراما جيدة.

Scene Five
Palm Al-Fard

وصل الفريقان كلاهما قرب النخلة الكبيرة التي تُدعى نخلة الفرد.

تلك النخلة المفردة الوحيدة الكاملة التي كان اسمها بالعربية — الفرد — يعني الوحيدة. كانت تقف عند طرف واحدة من المزارع الكبيرة، أطول من جاراتها بفارق واضح، بسلطة صغيرة خاصة لشجرة قررت منذ زمن طويل أنها ستعلو فوق كل نخلة حولها. استخدمتها أجيال من أطفال القرية علامةً يستدلون بها. وأعطت أجيال من كبار القرية اتجاهاتها بالقياس إليها. بعد نخلة الفرد. قبل نخلة الفرد. عند نخلة الفرد تمامًا. تلك الخرائط القروية الصغيرة لمكان تعلّم، قبل أن توجد أي خريطة حديثة، كيف ينظم نفسه حول شجرة طويلة واحدة.

وصل الفريق الثاني أولًا.

نظرت نورة إلى الأعلى. "هناك!"

عالٍ. عالٍ جدًا. كانت هناك حقيبة صغيرة.

صفّقت فتكات. "فزنا!"

بدت صفية قلقة. "كيف سنأخذها؟"

انتظروا.

وصل الفريق الأول.

نظر خليل إلى الأعلى. "إنها عالية جدًا."

حكّ جون رأسه. "نحتاج إلى بطل."

مشت ثرياء إليهم ببطء.

قالت: "إذن، وجدتموه. لكن..."

سأل منصور: "لكن؟"

"لكن اللعبة لم تنتهِ."

ابتسمت. "الكنز هناك. لكن كيف ستأخذونه؟"

نظر الجميع إلى الأعلى.

عالٍ جدًا. عالٍ أكثر مما ينبغي.

داخل الحقيبة، تحرّك شيء.

همس منصور: "ربما يكون ثعبانًا."

تراجع جون خطوة. "إذن انتهت اللعبة."

ضحكت ثرياء. "لا، لا. إنه طعام."

نظرت صفية إلى فتكات. "طعام؟"

أومأت ثرياء. "عسل. وسمن."

هلل الطلاب.

فرك محمدين يديه. "طعام صحي."

Scene Six
Who Will Climb?

نظر جون إلى النخلة. «نحتاج… إلى شخص يستطيع الصعود.»

التفت الجميع ببطء.

نحو اتجاهٍ واحد.

الطريق.

خطوات.

صوت.

«من يحتاج إلى مساعدة؟»

كان سادو واقفًا هناك. يحمل كيسًا. ويبتسم كأنه يعرف كل شيء.

كان توقيت وصول سادو، في ما بعد، مريبًا بكل امتلائه القروي الصغير — ذلك النوع من التوقيت الذي كان، في قرية أخرى، قد يدفع أحدًا إلى التساؤل عمّا إذا كانت ثرياء قد ذكرت له مسبقًا مكان نخلة الفرض. لكن سادو كان دائمًا يمرّ. وكان سادو دائمًا يحمل كيسًا. وكان سادو دائمًا يعرف كل شيء. أما سؤال كيف ظهر في هذه اللحظة بالذات، فبحسب خبرة القرية الطويلة مع سادو، لم يعد سؤالًا يستحق أن يُطرح.

أغلقت ثرياء دفترها. نظرت إلى الفريقين.

قالت: «غدًا، سنكمل.»

صاح الطلاب: «غدًا؟!»

قالت ثرياء: «نعم. لأنكم غدًا… ستتعلمون كيف تطلبون وكيف تعدون.»

ونظرت إلى سادو. «وربما… كيف تقنعون.»

اتسعت ابتسامة سادو.

وفجأة ركض مالود إلى النخلة وحاول أن يصعد.

فشل.

ضحك الجميع.

نظر جون إلى النخلة، ثم إلى سادو، ثم إلى الصف.

قال بجدية: «غدًا… سيكون خطيرًا.»

بعيدًا، من ظل شجرة أخرى، تحرك ظل نحيل. كان هناك من يراقب. شخص عجوز. شخص هادئ. أُغلق باب بيت الشايب خلف ببطء. ذلك الغموض القروي الصغير الممتلئ لرجل ظل، طوال هذه اللعبة الصغيرة، يراقب من بعيد — وبإغلاقه الدقيق البطيء لبابه، أعلن أنه مهما كان رأيه في ألعاب المعلّمين الأجانب، فقد قرر ألا يشاركه مع أحد. ليس بعد. ليس اليوم. — Palm Twenty-Seven / النخلة 27 —

··
PALM TWENTY-SEVEN · Convincing Sadou
Palm
Palm Twenty-Seven
Convincing Sadou
Scene One
I Will

في صباح اليوم التالي، وصل الجميع إلى المدرسة مبكرين.

مبكرين جدًا.

حتى أحمد.

حتى منصور.

حتى مالود.

وكان السبب بسيطًا.

الكنز.

كان العسل والسمن ما زالا معلّقين على نخلة الفرض. مثل سرٍّ ملوكي يرفض النزول. كان ذلك السكون الصغير الثابت لكيسٍ معقود على ارتفاع خمسة عشر مترًا — مرئيًا من ساحة المدرسة، ومرئيًا من الطريق، ومرئيًا من كل زاوية صغيرة في القرية — ومع ذلك، وعلى خلاف قوانين الطفولة، ظلّ غير ممسوس. أمضت القرية كلها الليل وهي تفكر في ذلك الكيس. بعض الأطفال حلموا به. أما منصور، فبحسب اعترافه اللاحق، استيقظ في الثالثة فجرًا ليتأكد أنه ما زال هناك، ثم عاد إلى فراشه بخيبة الصبي الكاملة التي تصيب من تمنّى، للحظة قصيرة، أن تقوم الجاذبية بعمله نيابة عنه.

وقف جون أمام الصف وكتب بحروف كبيرة:

I WILL

استدار. «اليوم، سنتعلم كيف نعد.»

أضافت صفية: «وكيف نطلب بلطف.»

عقد محمدين ذراعيه. «وكيف لا نتعارك.»

ابتسمت فتكات. «وكيف لا نبكي.»

بدا منصور قلقًا. ذلك القلق المنصوري الصغير الممتلئ لصبي أدرك، في الإعلانات الأربعة، أربع فئات مختلفة من السلوك كان خبيرًا فيها كلها في الوقت نفسه.

صفّقت ثرياء بيديها. «بطل اليوم هو… سادو.»

هتف الطلاب فرحين.

في الخارج، كان سادو جالسًا في الظل. يصلح شيئًا بسكين صغيرة. ويبدو فخورًا جدًا بنفسه.

كان ذلك الفخر الساديّ الصغير الممتلئ لرجل أخبرته ثرياء بنفسها عصر اليوم السابق أن يوم المدرسة التالي كله سيدور، بطريقة صغيرة محددة، حوله. لم يطلب الدور. ولم يفاوض عليه. لكنه، بثقة القرية الصغيرة الخاصة برجل ستنال موهبته الجسدية المحددة أخيرًا اعترافًا رسميًا من المعلمين الأجانب، قبله. كان مالود واقفًا قربه — يحدّق إليه كأنه يخطط لجريمة، بذلك التحديق المعزّي الصغير الممتلئ لمخلوق اكتشف في وقفة سادو خصمًا يستحق المراقبة عن كثب.

Scene Two
The Refusal

أخذت ثرياء الصف إلى الخارج.

رفع سادو رأسه. «آه. جيش الإنجليزية.»

ابتسم جون. «صباح الخير، سادو.»

أومأ سادو. «صباح… أستاذ مستر… مستر طويل.»

ضحك الطلاب. تلك الضحكة القروية الممتلئة لأطفالٍ ظلوا ينتظرون، منذ أن التقوا به أول مرة، أن يعلّق أحد رسميًا على طول جون — وقرروا فورًا أن «مستر طويل» صار الآن اسمه القروي.

أشار جون إلى النخلة. «نحتاج إلى مساعدتك.»

نظر سادو إلى أعلى. «آها. الكيس.»

تقدمت صفية خطوة. «داخل الكيس عسل وسمن.»

ازدادت عينا سادو لمعانًا قليلًا. ذلك اللمعان القروي الصغير في عيني صاحب الدكان، لرجل حسب فورًا قيمة الأشياء الموصوفة في اقتصاد دكانه الصغير.

همست فتكات: «هو مهتم.»

قالت ثرياء: «لكن يا سادو، نحن لا نستطيع الصعود.»

عقد سادو ذراعيه. «وبعدين؟»

أخذ جون نفَسًا عميقًا. «نريدك أن تصعد وتحضره.»

نظر سادو إلى الصف. ثم إلى النخلة. ثم إلى مالود.

«لا.»

تجمّد الجميع.

صاح منصور: «لا؟ لماذا لا؟!»

ابتسم سادو. «لأن.»

كان ذلك الـ«لأن» القروي الصغير الممتلئ لصاحب دكان قرر أن مفاوضات هذا الصباح لن تبدأ لصالحه، وأنه — باستمتاع هادئ صغير لشخص يملك اليد العليا — سيجعل الأطفال يتعبون من أجلها.

همس خليل: «هو مستمتع بهذا.»

ابتسمت ثرياء. ببطء. تلك الابتسامة التعليمية البطيئة الممتلئة لامرأة عرفت، في رفض سادو المتعمد، الفرصة الصغيرة المحددة التي كانت تنتظرها.

«حسنًا. لنبدأ الدرس.»

التفتت إلى الطلاب. «تتذكرون الجملة؟»

صاح الطلاب معًا: «I will!»

أومأ جون. «جيد. الآن… نحاول.»

Scene Three
The Great Persuasion

كانت نورة الأولى.

مشت إلى سادو. وقالت بحذر: «سادو… سأعطيك سمبوسة.»

لم ينظر إليها سادو حتى. «لا.»

شهقت البنات.

حاول علي بعد ذلك. «سادو… سأعطيك باكورة.»

هز سادو رأسه. «لا.»

قالت مروة: «سأعطيك تمرًا.»

«لا.»

حاولت رحمة. «سأعطيك خبزًا.»

«لا.»

قالت سليمة: «سأعطيك شايًا.»

ابتسم سادو. «أنا لا أحب الشاي.»

بدأ الأولاد.

قال خليل: «سأعطيك سمكًا.»

ضحك سادو. «لا.»

قال أحمد بأدب: «سأساعدك في الدكان.»

نظر إليه سادو. «لمدة كم؟»

تجمّد أحمد. تلك الجمْدة الأحمدية الصغيرة الممتلئة لصبي لم تمتد خطته الدقيقة إلى سؤالٍ تالٍ. «يوم… واحد؟»

هز سادو رأسه. «لا.»

قفز منصور إلى الأمام. «سأعطيك مالود!»

صرخ الجميع.

صرخ مالود بصوت أعلى.

صاحت ثرياء: «لا!»

ضحك سادو حتى كاد يسقط. «لا أريد هذه المصيبة.»

بدا مالود مُهانًا.

تنهدت صفية. «لا شيء ينفع.»

قال محمدين: «في مصر، نحل هذا بالصراخ.»

أومأت فتكات. «وأحيانًا بالأحذية.»

Scene Four
Saeed's Whisper

كان جون يفكر. بعمق شديد.

نظر إلى الصف.

ثم إلى سادو.

ثم إلى النخلة.

ثم إلى سعيد.

كان سعيد واقفًا بهدوء. يراقب كل شيء. كما كان يفعل دائمًا. كما لو أن حياته كلها نُظّمت حول فعل ذلك. تلك المراقبة السعيدية الصغيرة الممتلئة لصبي كان صمته، في تلك اللحظة، أكثر صمتٍ منتبه في ساحة المدرسة كلها. كان جون، عند هذه المرحلة من الفصل الدراسي، قد تعلّم أن يتعرف إلى النوعية الصغيرة المحددة في صمت سعيد — كما يتعلم المرء قراءة صمت شخص يعرف أشياء لم يقلها بعد. كان سعيد يراقب سادو طوال حياته. وكان سعيد، بملاحظته الطويلة الخاصة، يعرف ما الذي يريده سادو.

مشى جون إليه. وهمس بشيء في أذنه.

اتسعت عينا سعيد.

ابتسم. ببطء.

ثم مشى إلى سادو.

ساد الهدوء الجميع.

رفع سعيد نظره. وقال بإنجليزيته البسيطة:

«سادو… سأعطيك… فلفلًا حارًا. حارًا جدًا.»

تجمّد الصف.

صححت ثرياء بسرعة: «Chilli، ليس filfil yohroak.»

ضحك الجميع.

اتسعت عينا سادو. «فلفل حار؟»

أومأ سعيد بجدية. «نعم. فلفل كبير. قوي جدًا.»

تغيّر وجه سادو.

ظهرت ابتسامة بطيئة خطيرة. ابتسامة عاشق الفلفل الصغيرة الممتلئة لرجل كانت هويته الغذائية كلها تدور حول البحث عن أقوى فلفل متاح، وقد أُخبر للتو بأن مصدرًا غير متوقع قد عُثر عليه.

«عندك فلفل؟»

أومأ سعيد.

وقف سادو. «لماذا لم تقل هذا من البداية؟»

انفجر الصف.

«وافق!» «وافق!» «فزنا!»

لكن فتكات صاحت: «انتظروا! أي فريق فاز؟»

عقدت البنات أذرعهن.

وعقد الأولاد أذرعهم.

رفعت ثرياء يدها. «الفريقان وجدا الكنز. لكن…»

ابتسمت.

«الأولاد أقنعوا سادو.»

تأوّهت البنات.

ورقص منصور.

Scene Five
The Great Climb

شدّ سادو قماشه حول خصره أكثر.

نظر إلى النخلة.

فرقع أصابعه.

كان ذلك الاستعداد القروي الصغير الممتلئ لمتسلّقٍ كان، منذ كان في التاسعة، ذلك الصبي الذي يرسله عمّه إلى أعلى نخلة في مزرعة العائلة. معرفة الجسد العُماني الصغيرة الممتلئة بكيفية صعود النخلة — القدمان مسطحتان على الجذع، والوركان إلى الخارج، والركبتان مثنيتان، والصعود الإيقاعي الصغير، درجة بعد درجة، لشخص قرر منذ زمن طويل أن الجاذبية أمر قابل للتفاوض. تلك الثقافة الجسدية المحددة لجيلٍ كامل من رجال القرية الذين جعلوا من أنفسهم، بطول العادة، مهندسي ظلال النخل وعلاليه.

ثم بدأ يصعد. مثل قط.

إلى أعلى. إلى أعلى. إلى أعلى.

نظر الطلاب. بأفواه مفتوحة.

همست صفية: «إنه ليس بشرًا.»

همس جون: «إنه… مواهب كثيرة.»

في دقيقة واحدة، وصل سادو إلى القمة.

أخذ الكيس.

نظر إلى الأسفل. «جاهزون؟»

صاح الجميع: «نعم!»

رمى الكيس.

حاول محمدين أن يمسكه. فأخطأ.

حاولت فتكات. فأخطأت.

قفز مالود.

ضرب الكيس مالود.

سقط مالود.

انفتح الكيس.

تدحرج مرطبان العسل.

وتدحرج مرطبان السمن.

صرخ الجميع.

ركض جون.

ركضت ثرياء.

ركض منصور.

وبطريقة ما، لم ينكسر شيء.

جلسوا جميعًا على الأرض. يلهثون كأنهم ركضوا ماراثونًا.

نظرت صفية إلى المرطبانات. «نحن أحياء.»

Scene Six
Healthy Food — and a Small Watching Shadow

عادوا إلى المدرسة.

في الصف، وضعت ثرياء المرطبانات على الطاولة.

قالت: «درس اليوم هو الغذاء الصحي.»

كتب جون على السبورة:

Honey is healthy. Ghee is healthy. Too much sugar is not healthy.

رفع منصور يده. «معلمة… العسل والسمن… معًا؟»

ضحكت فتكات. «هذا ليس درسًا. هذه جريمة.»

صنعوا خبزًا صغيرًا وتذوقوا قليلًا.

أغلق جون عينيه. «الآن أفهم… لماذا للرجال العُمانيين بطون كبيرة.»

صاحت ثرياء: «إنها جيدة لارتداء الخنجر!»

ضحكت صفية. «ما هو الخنجر؟»

بدأ الجميع يتكلمون في الوقت نفسه. ذلك الصخب القروي الصفّي الممتلئ للحظةٍ انتهى فيها الدرس وبدأت الساعة الاجتماعية، بتلك الصفة الصغيرة المحددة التي تعني أنه لم يعد أحد الآن مسؤولًا عن السيطرة.

وقف سادو عند الباب.

أعطاه سعيد فلفلة صغيرة.

ابتسم سادو.

ثم عضّها.

ثم صرخ.

ثم ركض.

ضحك الجميع — تلك الضحكة القروية الصفّية الممتلئة لجمهور صغير شاهد، خلال الأربعين دقيقة الماضية، جارهم صاحب الدكان البالغ ينتقل من رفض كل الرشاوى إلى تسلّق نخلة بارتفاع خمسة عشر مترًا، ثم إلى الهرب من فلفلة قروية صغيرة، وها هو الآن، في اكتمال القوس السردي الصغير لصباحهم، يضحك بالطريقة التي يضحك بها المرء حين تنتهي القصة تمامًا كما ينبغي لها أن تنتهي.

بعد الظهر، حين صار الصف فارغًا، كتبت ثرياء في دفترها:

«اليوم، تعلّموا كيف يَعِدون. وكيف يقنعون. وكيف يعملون معًا.»

بعيدًا، قرب البيت القديم، كان ظل يراقب.

الشايب خلف.

تلك المراقبة الظليّة الصغيرة الممتلئة لرجل ظل، طوال مغامرة الصباح الإنجليزية، يراقب من ظل بيته الطيني بصبرٍ هادئ ممتلئ لشخص قرر أن كل ما فهمه عن ألعاب هؤلاء المعلّمين الأجانب — وقد فهم أكثر مما ظنوا — سيبقيه، في الوقت الحالي، لنفسه. — Palm Twenty-Eight / النخلة 28 —

PALM TWENTY-EIGHT · We Must and We Mustn't — The Confession Lesson
Palm
Palm Twenty-Eight
We Must and We Mustn't — The Confession Lesson
Scene One
The Punching Sun

لم تكن الشمس في سمائل تشرق. كانت تلكم.

كان ذلك النوع من الحر الذي يجعل حتى سعف النخيل يبدو متعبًا. بدت ساحة المدرسة هادئة، لكن ليس لأن الأطفال كانوا هادئين. كانت هادئة لأن الجميع كان يحاول أن يدخر طاقته لما بعد — كالجمال وهي تخزن الماء. ذلك الهدوء القروي العُماني الصغير في أواخر الصباح، حين يكون رد الجسد المفضل على الحرارة هو ذلك السكون الصغير المحدد لكائن قرر، بحكمة تطورية طويلة، أن الحركة تُترك للساعات الأبرد.

مشى الأستاذ جون ببطء عبر الساحة. يحمل لوحًا صغيرًا من الطباشير. كان وجهه جادًا — كأنه يحمل شيئًا مهمًا جدًا. ذلك المشي البطيء الصغير الممتلئ لمعلم أجنبي توقف جسده، بعد أشهر عدة في هذا الحر، عن مقاتلته وبدأ بدلًا من ذلك يفاوضه. كان يتحرك بالسرعة التي يتحرك بها الرجال العُمانيون في هذه الساعة. سرعة الاقتصاد في الجهد.

كانت صفية — ونعم، ما زالت القرية تناديها صفية — تتبعه بدفتر، وقارورة ماء، وبذلك التعبير المحدد لامرأة قبلت أن عُمان ستشويها، بأدب، كل يوم. استغرق ذلك القبول أشهرًا ليصل. وحين وصل، حررها من مقاومة الحر، ودفعها بدلًا من ذلك إلى أن تلبس له.

كانت الأستاذة ثرياء موجودة أصلًا تحت النخلة. جالسة على حصير منسوج. طباشيرها جاهز. عيناها جاهزتان. وقلبها المعلّم جاهز جدًا، جدًا.

ركض ظل صغير بين أقدامهم.

مالود.

توقف الجدي الصغير، وحدّق في لوح جون كأنه أهانه شخصيًا، ثم حاول أن يقضم زاويته.

قال جون ببطء: «مالود، هذه ليست سلطة.»

ومضغ مالود رغم ذلك.

صفّقت ثرياء مرة واحدة. «حسنًا يا صف! اجلسوا. دائرة. تحت النخلة. اليوم نتحدث الإنجليزية.»

جاء الطلاب يركضون في صف فوضوي — علي، أحمد، خليل، نورة، مروة، رحمة، سليمة، مثيلة، منصور… وعدد من الأطفال الأصغر سنًا الذين كانوا يتبعونهم دائمًا مثل طيور فضولية.

جلسوا. أرجل متقاطعة. ظهور نصف مستقيمة. عيون لامعة. بعضهم يحمل دفاتر. وبعضهم لا يحمل شيئًا سوى الثقة.

وضع جون اللوح على حامل خشبي. مسح العرق عن جبينه. وكتب بحروف كبيرة:

WE MUST / WE MUSTN'T

أومأت صفية بفخر. «هذا الدرس مهم.»

ابتسمت ثرياء. «وأيضًا… سيكون مضحكًا.»

Scene Two
John Confesses First

التفت جون إلى الصف. «اليوم… سنفعل شيئًا شجاعًا.»

مال الطلاب إلى الأمام.

أشار جون إلى نفسه. «سأبدأ أنا. أعترف.»

شهق الأطفال — كأنه قال إنه سرق جملًا. تلك الشهقة القروية الصغيرة الممتلئة لأطفال صف قيل لهم، في المقاطع الثلاثة الأولى، إن المعلم الأجنبي على وشك أن يعترف بسقطة أخلاقية شخصية.

أخذ جون نفَسًا عميقًا. «أمس… حاولت أن أحمل دلو ماء… وسكبته على حذائي.»

حدّق الصف.

ثم همس منصور. بصوت عالٍ. «هذا كل شيء؟»

ضحك الجميع.

تنهد جون. «حسنًا. ليست جريمة كبيرة. لكن اليوم نتدرّب على الكلام. نتدرّب على الصدق.»

أضافت ثرياء بهدوء: «أحيانًا نتعلم الإنجليزية من أخطائنا.»

كان ذلك المبدأ التعليمي الصغير الممتلئ الذي كانت ثرياء تعلّمه لجون بصمت طوال العام — أن اللغة لا تُتعلّم بأفضل صورة عبر الكمال، بل عبر الاستعداد الصغير المحدد لأن يكون المرء مخطئًا بصوت مسموع. كان جون، في تدريبه التعليمي الشمالي القديم، قد تعلّم العكس — أن الخطأ شيء ينبغي تصحيحه، وتسويته، واستبداله بالإجابة الصحيحة بأسرع ما يمكن. أما غريزة ثرياء فكانت مختلفة. كان الخطأ، في نظرها، مادة الدرس. من دون خطأ، لا يمكن أن يحدث قولٌ للحقيقة.

صفّقت صفية مرة واحدة. «نعم! اليوم تقولون: I did… وI feel… ثم نقول: We must… أو We mustn't…»

أومأ جون. «بالضبط.»

أشار إلى السبورة. «رددوا بعدي.»

تكلم بوضوح. وببطء.

«We must tell the truth.»

ردد الصف: «We must tell the truth.»

ابتسم جون. «جيد. والآن… من سيعترف أولًا؟»

صمت.

صمت درامي.

ثم رفع خليل يده. كان وجهه يبدو بريئًا — وكان ذلك دائمًا علامة خطيرة.

ضيّقت ثرياء عينيها. «خليل… ماذا فعلت؟»

وقف خليل. يداه خلف ظهره. يحاول أن يبدو رجلًا جادًا في جسدٍ صغير جدًا.

«أنا… أنا فعلت… شيئًا سيئًا.»

Scene Three
The Bucket Crime

شجعه جون. «قل: I did a bad thing.»

كرر خليل بفخر: «I did a bad thing.»

أشار إلى باب الصف. بإصبع واحدة. كأنه يعرض دليلًا في المحكمة.

«أمس… المعلمة ثرياء… جاءت… لتفتح الباب.»

كانت ثرياء تعرف أصلًا.

وكانت صفية تعرف أيضًا. مالت إلى الأمام باهتمام. «يا إلهي.»

واصل خليل: «وأنا وضعت… دلوًا… فوق الباب.»

انفجر منصور ضاحكًا قبل أن يتمكن من منع نفسه. تلك الضحكة المنصورية الممتلئة لصبي ظل ينتظر طوال الصباح أن يحدث هذا الاعتراف العلني تحديدًا.

شهقت ثرياء: «أنت!»

رفع خليل ذقنه. «والماء… ذهب… بوش… على رأسها.»

ضحكت المجموعة كلها. حتى الأطفال الأصغر الذين لم يفهموا تمامًا. ضحكوا لأن «بوش» خليل كانت كاملة أكثر مما ينبغي. ذلك الصوت الخليلي الصغير الممتلئ لصبي كانت حصيلته من المفردات الإنجليزية محدودة، لكن سيطرته على المؤثرات الصوتية لا تُضاهى.

حاولت ثرياء أن تبدو غاضبة. لكن فمها خانها. ارتجفت زاوية شفتيها.

رفع جون يده. «حسنًا! الآن نستخدم must وmustn't.»

كتب بسرعة:

We mustn't play dangerous jokes. We must respect our teachers.

نظر إلى خليل. «كرر: We mustn't play dangerous jokes.»

كرر خليل بحذر: «We mustn't play dangerous jokes.»

أومأ جون. «جيد. و: We must respect our teachers.»

رددها الطلاب كأنها هتاف.

عقدت ثرياء ذراعيها. «خليل… تسمع؟»

أومأ خليل بسرعة. «نعم معلمة. آخر مرة.»

مأمأ مالود بصوت عالٍ — كأنه يضيف رأيه الخاص.

ضحكت صفية. «حتى مالود موافق.»

Scene Four
Bob Jamid

أشار جون إلى الصف. «الاعتراف التالي.»

رفع منصور يده قبل أن يتمكن أي أحد آخر من أن يتنفس. وقف بسرعة حتى إنه كاد يتعثر بدفتر رحمة.

كانت عيناه واسعتين. ووجهه دراميًا. كان منصور يبدو دائمًا كأن الحياة تحدث له بصوت عالٍ.

قال بإنجليزية مكسّرة، لكنها شجاعة: «I… I confess.»

أومأ جون بلطف. «جيد. أخبرنا.»

ابتلع منصور ريقه. «I… go… to Sadoo shop.»

تحركت عينا ثرياء نحوه. «أوه، أوه.»

تابع منصور بسرعة، كأنه يريد أن يقذف الكلمات خارجًا ثم يهرب. «I take… Bob Jamid.»

رمشت صفية. «بوب… ماذا؟»

همست لها ثرياء: «شراب بارد. غازي.»

أومأ منصور بقوة. «Yes! Cold! I take… without pay.»

أصدر الصف صوتًا واحدًا: «أوووووه.» تلك الـ«أوه» القروية الصفية الصغيرة الممتلئة، لأطفال التقط بوصَلهم الأخلاقي فورًا أن الجريمة الموصوفة، بحسب اقتصاد قريتهم الصغير المحدد، جريمة حقيقية.

جلس أحمد مستقيمًا كالمسطرة. مصدومًا. ورفع علي حاجبيه كأنه يحسب حجم الجريمة.

بقي جون هادئًا. «حسنًا. الآن نقول القواعد.»

كتب:

We must pay for things. We mustn't steal.

نطق بوضوح. «كرروا: We must pay for things.»

ردد الصف خلفه.

«We mustn't steal.»

ردد الصف خلفه. بصوت أعلى هذه المرة.

نظر جون إلى منصور. «والآن عليك أن تعد. قل: I mustn't steal again.»

أخذ منصور نفسًا عميقًا. «I mustn't… steal again.»

أضافت صفية بلطف: «وتستطيع أن تصلح الأمر. تستطيع أن تقول آسف.»

أومأ منصور. كجندي. «I say sorry to Sadoo.»

أشارت إليه ثرياء. «وتدفع.»

قال منصور بسرعة: «And I pay!»

صفق الأطفال — لأن الأمر بدا كأنه نهاية سعيدة.

Scene Five
More Confessions

بعد ذلك، رفعت نورة يدها. طبعًا فعلت نورة ذلك. فهي لم تكن تطرح الأسئلة فحسب. كانت تعيش داخل الأسئلة.

وقفت. «Teacher… I confess… I talk too much.»

ضحك الصف — لأن نورة نفسها ضحكت على نفسها.

ابتسم جون. «هذا اعتراف جيد.»

أضافت نورة: «I… I don't stop.»

أومأت صفية بتمثيل واضح. «هذا صحيح.»

ضحكت ثرياء. «حسنًا. القاعدة؟»

كتب جون:

We must listen. We mustn't interrupt.

ردد الطلاب. وضعت نورة يدها على صدرها — كأنها تؤدي قسمًا.

ثم وقفت رحمة. خجولة. لكنها مصممة.

«I confess… I broke… my sister's comb.»

نظرت إلى الأسفل. «And I said… cat did it.»

قهقه الجميع.

كتب جون:

We must take responsibility. We mustn't blame others.

رددت رحمة الجملتين بصوت خافت. ثم جلست — وهي تبدو أخف، كأن الاعتراف أخرج حجرًا من جيبها.

ذلك الارتياح القروي الاعترافي الصغير الممتلئ لفتاة كانت تحمل — لعدد غير معروف من الأيام — ذنبًا صغيرًا محددًا لمشط مكسور لم يكن مشطها. لقد منحها تمرين اللغة الإنجليزية مناسبة صغيرة مسموحًا بها لتضع ذلك الذنب جانبًا. وصارت القواعد، مصادفةً، طقسًا صغيرًا للتحرر. كانت ثرياء، وهي تراقب، تعرف اللحظة على حقيقتها. الدرس على السبورة كان عن must وmustn't. أما الدرس الذي كان يُتعلّم فعلًا، فكان عن كيفية العيش مع أخطائنا الصغيرة.

واحدًا تلو الآخر، اعترفوا.

اعترفت مروة بأنها أخفت واجبها تحت حصير حتى لا تراه أمها.

واعترفت سليمة بأنها قالت لأخيها إن أذنيه «كبيرتان جدًا» فقط لتجعله يبكي.

واعترف علي بأنه يصحح للناس كثيرًا حتى يبدو أحيانًا وقحًا. وقال أحمد بهدوء: «هذا صحيح»، من دون أن يبتسم.

واعترفت مثيلة بأنها احتفظت بقلمين عندما وعدت بالمشاركة. ثم عرضت على الصف أفضل قلم عندها «تعويضًا» — كسيدة أعمال صغيرة جدًا.

حتى الأطفال الأصغر قلدوهم. يعترفون بأشياء صغيرة غريبة —

«I eat sugar… before lunch.»

«I kick… a stone… to Mansoor.»

«I throw… date seed… at goat.»

رفع مالود رأسه بفخر — كأنه ممثل الماعز في الاجتماع.

Scene Six
The Strong Ending

أخيرًا، صفق جون بيديه.

«Excellent. Today you used English for real life. You spoke truth. You learned rules.»

أشار إلى السبورة. وجعلهم يقولون المجموعة كاملة مرة أخرى — كنهاية قوية:

We must tell the truth. We must respect our teachers. We must pay for things. We mustn't steal. We must listen. We mustn't interrupt.

ابتسمت صفية لثرياء. «هذا الدرس… powerful.»

أومأت ثرياء. «ومضحك.»

حمل جون السبورة الصغيرة. «والآن… ليذهب الجميع لغسل أيديهم.»

ردد الطلاب تلقائيًا، وهم يضحكون: «We must wash our hands!»

حاول مالود أن يعضّ الطباشير. مرة أخرى.

أبعده جون بسرعة. «And we mustn't eat chalk!»

انفجر الأطفال ضاحكين بينما رنّ الجرس في البعيد. رفيعًا ومعدنيًا.

صرخ أحدهم: «طلقة!» وقفز الطلاب كالنابض — يركضون نحو الصف، نحو الظل، نحو المغامرة الصغيرة التالية.

وتحت النخلة، راقبتهم ثرياء وهم يذهبون. وهمست، كأنها تحدث نفسها:

«إنهم يتعلمون الإنجليزية… لكنهم يتعلمون أيضًا كيف يكونون بشرًا طيبين.»

مالت صفية أقرب. «ومالود؟»

ابتسمت ثرياء. «مالود يتعلم… كيف يثير المتاعب بلغتين.»

تنهد جون. «ذلك الجدي سيصبح فصيحًا قبلي.»

ولمرة واحدة، بدت حتى سعف النخيل كأنها تضحك بهدوء فوقهم. — Palm Twenty-Nine / النخلة 29 —

··
PALM TWENTY-NINE · We Should and We Shouldn't — And the Grasshopper Wing
Palm
Palm Twenty-Nine
We Should and We Shouldn't — And the Grasshopper Wing
Scene One
A Kinder Sun

كان لعصر سمائل شخصية مختلفة.

كانت الشمس لا تزال حارة — لكنها لم تعد غاضبة. كان ذلك النوع من الضوء الذي يجعل القرية تبدو ذهبية، كأن أحدًا طلا كل شيء بالعسل. ذلك الضوء العسلي الصغير المحدد في آخر العصر، في مكان حار، بعد ثماني ساعات من اللكم، وقد استرخى أخيرًا. امتدت الظلال طويلًا. وبدأت الجدران الطينية للبيوت تُطلق الحرارة التي امتصتها منذ الفجر — والهواء، الذي كان مادة ينبغي احتمالها، صار، لبضع ساعات صغيرة، مادة يمكن الاستمتاع بها.

تحت النخلة الكبيرة، كانت الحصر المنسوجة نفسها تنتظر.

وصل الأستاذ جون أولًا. يحمل السبورة الصغيرة وكوب ماء صغيرًا. نظر إلى الشجرة.

«هذه الشجرة تصير صفنا الثاني.»

ابتسمت صفية. «وصفًا كثير الريح.»

جاءت المعلمة ثرياء بخطواتها الهادئة المعتادة. ومن خلفها جاء الطلاب. يضحكون ويتحدثون. وطبعًا…

مالود.

مشى مالود كأنه يملك المكان. اتجه مباشرة إلى الحصير. جلس. وبدأ يمضغ شيئًا لم يعرف أحد مصدره.

قال جون بتعب: «مالود، you should not eat mystery food.»

لم يهتم مالود.

جلس الطلاب في دائرة: علي، أحمد، خليل، نورة، مروة، رحمة، سليمة، مثيلة، منصور… وعدد من الأصغر سنًا الذين كانوا يتبعون دائمًا كالظلال.

صفقت صفية بيديها. «حسنًا يا جماعة. بالأمس تحدثنا عن الأشياء السيئة والقواعد. اليوم…»

كتب جون بأحرف كبيرة:

WE SHOULD / WE SHOULDN'T

ابتسمت ثرياء. «اليوم نتحدث عن الأشياء الجيدة.»

نظر الطلاب إلى بعضهم. بدا هذا… ألطف. ذلك الارتياح القروي الصغير الممتلئ لأطفال صف قيل لهم إنهم لن يضطروا اليوم إلى الاعتراف بأي شيء سيئ عن أنفسهم — وأن قواعد اليوم ستكون في اتجاه صغير محدد نحو الفخر لا نحو الذنب.

Scene Two
Things to Be Proud Of

التفت جون إليهم. «بالأمس اعترفتم بأشياء سيئة. اليوم ستخبروننا بأشياء جيدة. أشياء تفخرون بها.»

أشار إلى نفسه. «أنا أبدأ.»

فكر لحظة. «أنا فخور بأن…ني تعلمت كيف أشرب القهوة العُمانية من دون أن أبكي.»

ضحك الصف. تلك الضحكة الصفية الممتلئة لأطفال كانوا، في الأشهر الأولى، يراقبون تعابير وجه المعلم الأجنبي الصغيرة المحددة أمام قهوة عُمانية بقوة الهيل والزعفران، قوة لم يهيئه لها أي تدريب شمالي على القهوة.

أضافت صفية: «وينبغي لك أن تتوقف عن وضع ثلاث ملاعق من السكر فيها.»

أومأ جون. بجدية. «نعم. ينبغي لي.»

قالت ثرياء: «والآن يا طلاب. من يريد أن يبدأ؟»

رفعت مثيلة يدها فورًا. كانت تفعل ذلك دائمًا حين يكون الموضوع عن الكرم.

وقفت. مستقيمة جدًا. «I am proud that… I give my pencils to Rahma when she forget.»

ابتسمت صفية. «جيد! قولي: I am proud that I gave my pencils.»

كررت مثيلة بعناية: «I am proud that I gave my pencils.»

كتب جون على السبورة:

We should help others.

ردد الصف معًا: «We should help others.»

نظرت رحمة إلى مثيلة. وهمست: «شكرًا.»

بعد ذلك، وقف علي.

«I am proud that… I help my father read letters.»

ذلك الاعتراف القروي الصغير الممتلئ لصبي كان أبوه — مثل كثير من رجال الجيل الأكبر في سمائل عام 1973 — لم تتح له فرصة معرفة القراءة. ذلك الروتين الخاص الصغير كله: ابن صغير يجلس إلى جوار أب طويل في المساء، يفتح الرسائل الحكومية الصغيرة التي تصل بين حين وآخر، يقرؤها بصوت واضح، ويساعد أباه على فهم ما قررت الدولة أن توصله. أدركت ثرياء، وهي تسمع الجملة، معناها الحقيقي — لم تكن مجرد تمرين في اللغة الإنجليزية، بل صورة صغيرة محددة لتحول بين جيلين. الآباء لم يتعلموا القراءة. الأبناء سيتعلمون. والمدرسة، هذه المدرسة الصغيرة المحددة، كانت المكان الذي يحدث فيه التحول.

أومأ جون، متأثرًا. «Excellent.»

أضافت ثرياء: «كثير من الناس يحتاجون إلى مساعدة في القراءة.»

كتب جون:

We should help our family.

ردد الطلاب. جلس علي — وهو يبدو أطول.

ثم وقف أحمد. يداه خلف ظهره. كما يفعل دائمًا.

«I am proud that… I do my homework… before playing.»

أصدر الصف صوتًا: «أووووووه.»

همس منصور. بصوت عالٍ. «Impossible.»

ضحك الجميع.

كتب جون: We should do our homework before playing.

نظر منصور إلى الأرض — كأن الجملة هاجمته شخصيًا.

Scene Three
Sharing, Talking, Stealing

ثم وقفت مروة. خجولة. لكنها مبتسمة.

«I am proud that… I share my food with my little brother.»

أومأت صفية. «جيد. جيد جدًا.»

كتبت على السبورة:

We should share.

بعد ذلك، وقفت نورة. وقالت بفخر: «I am proud that… yesterday… I did not talk too much.»

انفجر الصف ضاحكًا.

قالت ثرياء: «هذا إنجاز كبير جدًا.»

أضاف جون مازحًا: «You should do that again tomorrow.»

ضحكت نورة وجلست.

ثم وقف منصور.

انتظر الجميع.

حكّ رأسه. «I am proud that… I did not steal today.»

صفق الصف.

ابتسم جون. «هذا تقدّم.»

كتب: We should be honest.

ثم وقف خليل. قال: «I am proud that… I did not put any bucket today.»

عقدت ثرياء ذراعيها. «جيد. أبقِ الأمر هكذا.»

تقدمت صفية الآن. «حسنًا. والآن نقول أيضًا أشياء لا ينبغي أن نفعلها.»

كتبت:

We shouldn't hurt others. We shouldn't lie. We shouldn't laugh at people.

رددوا معًا.

كان الدرس يسير على نحو مثالي.

مثالي أكثر من اللازم.

عندها قفز شيء أخضر.

Scene Four
The Grasshopper

طارت حشرة خضراء كبيرة. وحطّت…

على رأس صفية.

لنصف ثانية، لم يتحرك أحد.

ثم صرخت صفية.

«Aaaaaaaaah!»

قفزت واقفة. تلوّح بذراعيها. «There is something alive on my head! Something is ALIVE!»

تجمّد الطلاب… ثم ضحكوا.

ركضت ثرياء إليها. «لا تتحركي! لا تتحركي!»

ركضت صفية على أي حال.

سقطت الحشرة على الحصير.

صرخ علي: «جرادة! Grasshopper!»

نظرت إليها صفية كأنها وحش من كوكب آخر. «إنها… huge!»

حاول جون أن يكون شجاعًا. «إنها فقط… حشرة.»

قفزت الجرادة مرة أخرى.

صرخت صفية مرة أخرى. وركضت. خلف ثرياء.

قالت بدرامية: «I should not come to Oman. I should live in a fridge.»

كان الطلاب يضحكون بشدة حتى إن بعضهم أمسك ببطنه.

فجأة، وقع ظل على المجموعة.

ظهر جسد مألوف، نحيل، هادئ.

الشايب خلف.

شهق الأطفال.

تراجع بعضهم إلى الخلف.

انحنى بهدوء. التقط الجرادة بيده — كأن الأمر لا شيء — وأراهم… كيسًا.

كيسًا مليئًا بالجراد.

سأل بصوت هادئ: «من يريد مشاوي؟»

صمت.

صمت مطلق.

ابيضّ وجه صفية.

سألت ببطء: «You… you eat… that?»

أومأت ثرياء. «نعم. الناس يشوونه.»

وضعت صفية يدها على فمها. «I should not ask questions in this country.»

مضى الشايب خلف مبتعدًا. كأن شيئًا لم يحدث.

وكان الصف لا يزال مصدومًا.

Scene Five
The Wing

انتهى الدرس بعد ذلك بوقت قصير. وذهب الجميع إلى بيوتهم.

في تلك الأمسية، في بيت جون وصفية —

كانت صفية لا تزال مصدومة.

قالت: «لا أستطيع أن أصدق أن الناس يأكلون الجراد.»

كان جون هادئًا جدًا.

هادئًا أكثر من اللازم.

جلسا ليأكلا.

أحضرت ثرياء الطعام.

مضغ جون.

نظرت إليه صفية.

توقفت.

مالت أقرب.

«…جون.»

نظر إليها ببراءة.

«…جون، لماذا يوجد جناح… هنا؟»

أشارت إلى زاوية فمه.

تجمّد جون.

مسح فمه ببطء. نظر إلى المنديل. كان… جناحًا.

اتسعت عينا صفية جدًا. «You ate it.»

حاول جون أن يكذب. «No.»

عقدت صفية ذراعيها. «John.»

تنهد. «…Yes.»

صرخت وركضت إلى المغسلة.

«You ate mashawi grasshopper!»

ابتسم جون. فخورًا. «Actually… not bad.»

Scene Six
A Cup, a Smile, a Lesson Done

صرخت صفية من المطبخ: «You should see a doctor!»

ضحك جون. «You should try it!»

كادت ترميه بكوب.

لم يُرمَ الكوب — مع أن قبضة صفية، لجزء من الثانية، كانت قد قررت أنها سترميه. ذلك الحساب الزوجي الصغير المحدد لامرأة تجاوزت دافعية رمي الكوب لديها، في آخر لحظة ممكنة، ذلك الفهم الزوجي الصغير المحدد بأن الكوب كان، في الحقيقة، واحدًا من كوبين متطابقين أحضراهما من إنجلترا، وأن كسره سيكون مأساة خاصة صغيرة لا يستطيع صباحها أن يحتملها.

وضعت الكوب. بعناية.

حدّقت في جون.

ثم — في النهاية — ابتسمت. تلك الابتسامة الصغيرة المترددة لزوجة أُعجبت للتو، رغم حكمها الأفضل.

قالت: «حسنًا. أخبرني. بصراحة. هل كان سيئًا؟»

فكر جون.

قال: «كان مالحًا. مثل السمك. لكن… مقرمش.»

قطبت صفية وجهها. «لست مستعدة.»

كانت ثرياء تراقب المشهد كله من عتبة الباب، بذلك الرضا الهادئ المحدد لمعلمة امتد درسها — من دون أي خطأ منها — إلى عشاء صديقيها الأجنبيين، فابتسمت.

قالت: «اليوم تعلمتما should وshouldn't. وتعلمتما أيضًا: في عُمان، ينبغي ألا ترفض الطعام أبدًا.»

كتب جون شيئًا في دفتره قبل أن ينام:

Today, I learned: I should be brave with food. I should not lie to my wife. And I should never sit too close to a grasshopper bag again.

وفي الخارج، في ليل القرية الدافئ، في مكان ما على امتداد أزقة سمائل الصغيرة، مأمأ جدي — يكاد يكون مالود بالتأكيد — مرة واحدة.

ثم عاد إلى أي شيء كان مالود يعود إليه. — Palm Thirty / النخلة 30 —

··
PALM THIRTY · Good Manners, Black Cats, and a Very Full Stomach
Palm
Palm Thirty
Good Manners, Black Cats, and a Very Full Stomach
Scene One
The Folded Paper

هناك صباحات تصل فيها رسالة إلى مدرسة، فيعيد اليوم كله ترتيب شكله حولها. والمعلم الذي يحملها يمشي بطريقة مختلفة. والأطفال، الذين لم يُخبروا بعد بما فيها، يستشعرون وصولها كما تستشعر القرية القديمة الخبر — من خلال التحولات الصغيرة المحددة في وقفة الكبار، تلك التحولات التي تسبق الإعلان دائمًا، دائمًا.

وصلت الدعوة في الصباح.

كانت المعلمة ثرياء تحمل ورقة صغيرة مطوية حين دخلت الصف. مبتسمة. بطريقة خاصة.

قالت: «اليوم، نحن مدعوون إلى الغداء.»

اتسعت عيون الطلاب فورًا.

سأل منصور: «أين؟»

قالت ثرياء: «إلى بيت المعلم حمد. معلم القرآن في القرية.»

ذلك الاحترام القروي الصغير الممتلئ الذي كان اسم المعلم حمد يفرضه. لم يكن من الرجال الذين يحتاجون إلى تعريف. كان من الرجال الذين يعلّمون القرآن من صلاة الفجر حتى ساعة ما بعد العصر — صبورًا، أبيض اللحية، ويمتلك ذلك الهدوء الصغير المحدد لشخص نُظمت حياته كلها حول نص قديم واحد. كل طفل في الغرفة كان قد جلس، في وقت ما، في حلقته الصباحية الصغيرة المحددة، الكوفية البيضاء على رأس كل طفل، واللوح الخشبي في حجره، والتمايل البطيء الحذر للأجساد الصغيرة وهي تتلو الآيات بذلك الإيقاع القروي الصغير المحدد الذي انتقل بلا انقطاع أربعة عشر قرنًا. أن تُدعى إلى بيته للغداء كان شرفًا صغيرًا محددًا.

صفقت صفية بيديها. «أوه! غداء عُماني حقيقي!»

ابتسم جون بأدب. لكن معدته ابتسمت أكثر.

قبل أن يغادروا، وقفت صفية أمام الصف. «حسنًا، اليوم ليس عن الطعام فقط. اليوم عن etiquette.»

كتبت الكلمة على السبورة:

ETIQUETTE

أضاف جون تحتها:

• Wash your hands • Sit properly • Say "please" and "thank you" • Don't eat like Mansoor

احتج منصور: «I eat normally!»

همس علي: «مثل الجمل.»

تابعت صفية: «We should be polite guests.»

ردد الصف: «We should be polite guests.»

أومأت ثرياء. «مهم جدًا.»

Scene Two
The Black Cat

كانوا يمشون في مجموعتين.

ثرياء، وصفية، وفتكات مع البنات.

وجون والأولاد في المقدمة.

كانت القرية هادئة. وكانت الشمس لينة. وكانت رائحة الخبز تأتي من مكانٍ بعيد. ذلك السكون القروي الصغير الممتلئ الخاص بساعة الغداء الأولى، حين يكون كل مطبخ، في تلك اللحظة بالذات، يصنع دخانه الخاص وخبزه الخاص، وحين يكون الهواء قد امتلأ، خلال آخر الصباح، بتلك الرائحة الصغيرة المحددة لجماعة تطعم نفسها في الوقت نفسه. كانت السكيك خالية. وكان الأطفال يمشون في بطء أول ساعة من عصرٍ عُماني بوقارٍ موكبي صغير خاص بضيوفٍ هم أنفسهم على وشك أن يُستقبلوا.

فجأة، عبر شيء أسود الطريق.

قط أسود.

توقف الأولاد.

وتراجع بعضهم خطوة إلى الوراء.

همس منصور: «سنّور أسود…»

قال خليل: «نحس…»

قال علي: «يمكن سحر…»

نظر جون إلى القط. وضحك.

«في بريطانيا، هذا مجرد… قط.»

جلس القط الأسود. نظر إليهم. ثم مضى مبتعدًا. كملك.

قال جون مازحًا: «ربما هذا هو الشايب خلف.»

ضحك الأولاد.

وفجأة، جاء صوت من الخلف.

«لماذا تقول ذلك، جون؟»

قفز الجميع في أماكنهم.

كان الشايب خلف نفسه.

واقفًا هناك. ينظر إلى جون.

كان ذلك الظهور الشايبي الصغير الكامل من اللامكان، الذي أتقنه الشايب خلف عبر عمرٍ طويل من كونه الرجل العجوز المناسب تمامًا، في ظل الزاوية القروية المناسبة تمامًا، في اللحظة المناسبة تمامًا حين يذكر أجنبي اسمه. في تلك الثانية الصغيرة المحددة، سجّل عقل جون ثلاثة أشياء في وقتٍ واحد: نوعية ضوء آخر الصباح على وجه خلف، والصمت المطلق للأولاد حوله، والإحساس الصغير المحدد بالماء البارد ينزل على العمود الفقري، كأن يوم الدخان السابق كله، بكل عبثه الفولكلوري الصغير، صار الآن يطالبه الكون بأن يدفع ثمنه.

سأل بهدوء: «أصرت أشبه القطط الآن؟»

ابيضّ وجه جون.

«لا، لا، لا، لا… أقصد… القط… لطيف… وأنت أيضًا… لطيف؟»

ابتسم الشايب خلف. ابتسامة صغيرة غريبة.

قال: «جيد. لأن القط لا يخاف.»

ومشى مبتعدًا. ببطء.

نظر جون حوله. «أين ذهب الجميع؟»

كان الأولاد قد صاروا أصلًا على بعد عشرة أمتار.

صاح منصور: «نحن ننتظرك هناك، أستاذ!»

ركض جون وراءهم. «تركتموني معه!»

Scene Three
Safiya and the Lizard

وفي الوقت نفسه…

كانت صفية، وثرياء، وفتكات يمشين مع البنات.

توقفت صفية فجأة.

«يا إلهي…»

أشارت إلى جدار.

«إنها… جميلة جدًا.»

نظرت ثرياء. «ماذا؟»

ابتسمت صفية. «الوزغة!»

تجمّد وجه ثرياء.

«مااه…»

تراجعت خطوتين إلى الخلف.

«لا. لا. لا.»

كانت تلك علاقة المرأة العُمانية القروية الصغيرة الكاملة بوزغ البيوت — علاقة، خلافًا لافتراض صفية الشمالي، لم تكن علاقة مودّة. لم تكن الوزغة كائنًا يُعجب به المرء. كانت كائنًا يُزال، حين لا بد من إزالته، بذلك الاشمئزاز الصغير الممتلئ الذي كان جسد ثرياء يعلنه الآن بوضوح مطلق. ثرياء، التي تصعد دروب الجبل بلا شكوى، والتي تساعد في ولادات القرية عند الحاجة، والتي وقفت ذات مرة بين رجلٍ بالغ وضربة كان يوشك أن يوجهها إلى صبي صغير — ثرياء، في موضوع الوزغ المنزلي، لم تكن شجاعة على الإطلاق.

كانت وزغة بيت صغيرة على الجدار.

قالت فتكات: «يا ساتر… ما هذا الشيء المقرف؟»

بدأت البنات يضحكن.

اقتربت صفية أكثر. بسعادة. «إنها لطيفة!»

أخذتها. برفق. في يدها.

صرخت البنات.

«ارميها! ارميها!»

قالت صفية: «لماذا؟ إنها كائن حي.»

قالت فتكات: «والجرادة أيضًا كائن حي، لكنك لم تحبيها، صحيح؟»

قبل أن تجيب صفية، قفزت الوزغة.

مباشرة إلى الجدار.

وركضت بعيدًا.

صرخت ثرياء وركضت. تلك الصرخة العالية غير الثريوية الصغيرة الكاملة لمعلمة انهارت رباطة جأشها، في هذه المسألة وحدها، انهيارًا تامًا.

ضحكت البنات حتى كدن يسقطن.

قالت صفية: «حسنًا… ربما ليست جميلة إلى هذا الحد.»

Scene Four
At Al-Mu'allim Hamad's House

كان البيت بسيطًا. نظيفًا. هادئًا.

كان ذلك بيت المعلّم العُماني الديني الصغير الكامل، بيت رجلٍ نُظّم اقتصاده الصغير كله حول مبدأ محدد: الكفاية. كانت الجدران من طينٍ مبيّض. وكانت الأرض مغطاة بحصرٍ منسوجة من سعف النخل. وكان هناك رف خشبي صغير عليه ثلاثة أو أربعة كتب، كلها نصوص دينية. وكان في الزاوية دلة قهوة نحاسية صغيرة محددة. لم تكن هناك زينة ليست مفيدة أيضًا. كانت الغرفة التعبير المادي الصغير عن رجل قرر منذ زمن بعيد أن ما لديه يكفي — وبذلك القرار بلغ نوعًا من السلام الداخلي الصغير الذي عرف جون، وهو يدخل، أنه شيء لم يمتلكه هو قط.

جلسوا على الحصر.

جيء بالماء.

همست ثرياء: «أولًا… غسل اليدين.»

ذهب الجميع ليغسلوا أيديهم.

غسل جون يديه ثلاث مرات. قال: «احتياطًا فقط.»

عادوا وجلسوا.

همست صفية: «الظهر مستقيم. الرجلان إلى الداخل. لا تلمسوا الطعام بعد.»

كان منصور يلمس الطعام أصلًا.

سحب جون يده. «لا.»

همس منصور: «لكنني جائع.»

ثم دخل المعلم حمد.

رجل هادئ. لحيته بيضاء. عيناه عطوفتان.

كان يحمل ذلك الهدوء الصغير الكامل لمعلم قرآن قروي، رجلٍ كان صوته — حين يتكلم، وكان نادرًا ما يتكلم — يحمل الوزن الصغير المحدد لإنسان أمضى حياته يحمل كلماتٍ عتيقة، فتشكّل جسده، عبر عقود، بتلك الكلمات في هيئة إصغاءٍ متلقٍّ هادئ. لم يكن يدخل الغرفة. كان يحضر إليها. وأي مكان يشغله كان يميل، قليلًا جدًا، نحو السكون.

قال: «مرحبًا.»

أجاب الجميع معًا: «مرحبًا.»

ابتسم. «اليوم، أنتم ضيوفنا. والضيف يجب أن يُكرم.»

جاء الطعام.

أرز. لحم. خبز. تمر.

نظرت صفية بدهشة. «جميل جدًا…»

قبل الأكل، قالت ثرياء برفق: «نقول بسم الله.»

سمع جون الكلمة. وكررها بهدوء. «بسم الله…»

كانت المرة الأولى التي تمر فيها الكلمة على شفتيه. ذلك النطق الأول الصغير الكامل لعبارة مقدسة عتيقة من رجلٍ لم تمنحه نشأته المسيحية الشمالية من قبل مناسبةً لها. ولاحظ، وهو يقولها، أن الكلمة لائمت فمه بسهولة أكبر مما توقع. كأنها كانت تنتظره. كأنها كانت، طوال حياته، شكلًا لغويًا صغيرًا كانت شفتاه مستعدتين لصنعه.

Scene Five
The Meal and the Quiet After

أكلوا.

ببطء. وبأدب. في البداية.

ثم نسي جون آداب المائدة.

ثم نسي العالم.

أكل. وأكل. وأكل.

كان ذلك الانهيار الصغير الكامل للضيف الأجنبي، لرجلٍ استسلمت أخلاقه الشمالية الحذرة، بعد اللقمة الثالثة الصغيرة المحددة من الكبسة، استسلامًا كاملًا لبروتوكول الوجبة القروية الصغير الكامل — وهو في جوهره بروتوكول المزيد. فشرف المضيف القروي الصغير المحدد يقتضي أن يواصل العرض. وشرف الضيف القروي الصغير المحدد يقتضي أن يواصل القبول. والبروتوكولان، حين عملا معًا، أنتجا النتيجة الصغيرة الكاملة الحتمية: ضيفًا أجنبيًا في الوجبة الرابعة، عيناه مزججتان قليلًا، يتواصل بمقاطع أحادية، وخارج متناول أي التزام حواري إضافي.

همست فتكات لصفية: «هو يأكل كأنه لم يرَ طعامًا من قبل.»

بعد الغداء، جاء الشاي.

جلسوا.

تحدث المعلم حمد عن الحياة. والرفق. والاحترام.

استمع جون.

لم يفهم كل شيء. لكنه أحس بشيء… هادئ.

كان ذلك اللقاء الأول الصغير الكامل لرجلٍ شمالي مع الجو الصغير المحدد في بيت ديني عُماني هادئ — تلك النوعية الصغيرة التي لم تهيئه لها كل الكتب التي قرأها عن الإسلام في مكتبة جامعته. كان في هذه الغرفة شيء لم تصفه الكتب. لم يكن الشيء في الكلمات. كان الشيء في الطريقة الصغيرة المحددة التي تجلس بها الكلمات في الغرفة. في الطريقة الصغيرة المحددة التي لا يقاطع بها المضيف نفسه. في الطريقة الصغيرة المحددة التي يوضع بها الكوب على الحصير. في المسافة الصغيرة المحددة — بين الجمل — التي لم تكن صمتًا بل حضورًا. كان لذلك الشيء اسمٌ بالعربية لم يكن جون يعرفه بعد، لكنه سيتعلمه في السنوات التالية — وسيفهم، عبر دراسة طويلة، أن ذلك الشيء لم يكن شعورًا بل انضباطًا.

في طريق العودة، كان جون هادئًا جدًا.

نظرت إليه صفية. «هل أنت بخير؟»

لمس جون بطنه. «بطني بخير جدًا.»

ثم قال ببطء: «لكن… اليوم كان… مختلفًا.»

نظرت إليه ثرياء. «مختلف كيف؟»

فكر جون. «الطريقة… التي يعيش بها. الطريقة… التي يتكلم بها. الهدوء. الاحترام. الصلاة…»

توقف.

نظرت إليه صفية.

قال جون بهدوء: «أظن… أنني أريد أن أتعلم أكثر عن الإسلام.»

كانت تلك الجملة الهادئة الصغيرة الكاملة لرجلٍ صادف، في غداءٍ واحد محدد، جوًا صغيرًا محددًا لطريقةٍ في الوجود داخل العالم، فسجّلت فيه — بلا إنذار، وبلا استعداد — بوصفها شيئًا حقيقيًا. ربما كانت الجملة تتكوّن داخله منذ البسملة. وربما منذ عصر المشاكيك في طوي ظاهر. وربما منذ لقائه الصغير الأول برائحة صلاة ثرياء الصباحية، وهي تعبر فناء البيت المشترك، حين قيل له إنها رائحة قهوة تُعدّ، ولم يعرف إلا لاحقًا أن الرائحة كانت في الحقيقة عودًا، وأن ثرياء تحرقه بعد صلاتها. كانت الجملة تتكوّن منذ وقت طويل. واليوم فقط وجدت كلماتها أخيرًا.

لم تبتسم ثرياء. ولم تمزح. قالت فقط برفق: «حين تكون مستعدًا… سأشرح.»

Scene Six
A Stomach Like a Separate Country

دخل جون البيت.

حاول أن يجلس.

فشل.

سقط على الحصير.

«معدتي… صارت الآن… دولة مستقلة.»

ضحكت صفية. «كان يجب ألا تأكل هكذا.»

أغمض جون عينيه. «لكن يجب أن نقبل الضيافة.»

رمت عليه وسادة.

وقعت الوسادة برفق على صدره. لم يفتح جون عينيه حتى. كان ضوء العصر يدخل منخفضًا من النافذة الصغيرة، ويرسم على أحد جدران الغرفة ذلك الضوء العُماني المتأخر الصغير الكامل، من ذهبٍ وغبار. وكانت خطوات ثرياء تُسمع في الغرفة التالية — أصوات إعداد الشاي الصغيرة المحددة لامرأة قررت أن النهاية المناسبة لغداء ثقيل هي كوب صغير محدد من شايٍ قوي بلا سكر. وكان البيت كله قد استقر في هدوءٍ صغير كامل لأسرة تهضم.

وفي ذلك الصمت الذهبي الصغير المحدد، قال جون، وهو مستلقٍ على ظهره، والوسادة على صدره، وعيناه مغمضتان، شيئًا آخر — بهدوء، لنفسه أكثر مما للغرفة:

قال: «إنه رجل صالح. المعلم حمد. إنه رجل صالح.»

جلست صفية قربه. لم تقل شيئًا في البداية. ثم —

قالت برفق: «نعم. هو كذلك.»

كان ذلك التأكيد الزوجي الصغير الكامل من امرأة سجلت، في ذلك العصر نفسه، الشيء نفسه — وقررت، من غير أن تقول ذلك صراحة، أن أي تحول صغير محدد حدث لجون في بيت المعلم حمد، فلن تسأله عنه. ستنتظر. كما تنتظر ثرياء.

في الخارج، ثغت عنزة — وعلى الأرجح كانت مالود — مرة واحدة.

اكتمل العصر في هدوئه الذهبي الصغير المحدد. وأبطأت القرية، الممتلئة بأجسادٍ شبعت، وبيوتٍ هادئة، ورائحة هيلٍ بعد الطعام لا تزال عالقة، لحظةً قصيرةً في سلامٍ صغير كامل لمكانٍ أدى — في هذا العصر على الأقل — ضيافته كما ينبغي، وصار مسموحًا له الآن أن يستريح. — Palm Thirty-One / النخلة 31 —

PALM THIRTY-ONE · I Am Afraid Of — And Thuraya's Secret
Palm
Palm Thirty-One
I Am Afraid Of — And Thuraya's Secret
Scene One
The Tired Fan and the Topic of Fear

بعض الدروس تُقرر مسبقًا. وبعض الدروس تصل حين يدخل المعلم الغرفة. وبعض الدروس — وهي النوع الأكثر إثارة للاهتمام — تصنعها الغرفة نفسها، من الجو الصغير المحدد لصباحٍ بعينه، ومن التفاصيل الصغيرة المتراكمة في الأيام السابقة. كان صباح I am afraid of… من ذلك النوع الثالث. لم تستيقظ صفية وهي تخطط لتدريس موضوع الخوف. الموضوع وصل معها إلى الغرفة بهدوء — وُلد من جرادة العصر السابق، ومن الوزغة الصغيرة المحددة التي لم تكف ثرياء عن ذكرها، ومن تلك النوعية الصغيرة المحددة التي صارت القرية تحملها منذ ظهور الشايب خلف بكيس المشاوي. كانت القرية كلها تفكر في الخوف منذ يومين. ولم يفعل المعلمون، ذلك الصباح، إلا أنهم منحوا القرية الإذن بالكلام عنه.

كانت المروحة تصدر صوتها المتعب المعتاد.

وكان الصف حارًا.

وكان الطباشير يصرّ.

وكان جون يتعرق أصلًا قبل أن يبدأ الدرس.

وقفت صفية قرب السبورة. تمسك ورقة صغيرة. وتبتسم.

قالت بسعادة: «Today, we will talk about fear.»

نظر الطلاب بعضهم إلى بعض.

قال منصور فورًا: «I am not afraid of anything.»

همس خليل: «كذاب.»

كتب جون على السبورة:

I am afraid of …

التفت. «Repeat, everyone.»

قال الصف معًا: «I am afraid of…»

صفقت صفية. «Good! Now we will learn insect words.»

رسمت على السبورة رسومات صغيرة رديئة. ذلك الرسم الصفوي الصغير الكامل لمعلمة أجنبية كانت مهارتها بالطباشير في رسم الأشياء الثابتة تقترب من مستوى طفل في السادسة، لكن حماسها كان يعوض الدقة. نحلة. جرادة. فراشة. وزغة.

صاح منصور: «هذه تشبه علي!»

رماه علي بالطباشير.

Scene Two
The Confession Game

قالت صفية: «حسنًا. واحدًا واحدًا. تقول اسمك وما الذي تخاف منه.»

أشارت إلى نورة.

وقفت نورة. وقالت بخجل: «I am afraid of… bee.»

ابتسم جون. «Good! Say: I am afraid of bees.»

كررت نورة: «I am afraid of bees.»

قال خليل بفخر: «I am afraid of nothing.»

في تلك اللحظة، مرت ذبابة قرب أذنه.

صرخ.

انفجر الصف ضاحكًا. تلك الضحكة الصفية القروية الكاملة لصفٍ ظل ينتظر طوال الصباح هذا التناقض الصغير المحدد بالضبط.

قال علي: «I am afraid of… snake.»

قال أحمد بجدية: «I am afraid of… failing exam.»

احترم الجميع ذلك. ذلك الاحترام الصامت الصفّي الكامل لجماعة من الأطفال أدركت، في جواب أحمد، خوفًا حقيقيًا إلى حد لا يسمح لأحد بالاستهزاء به.

ثم وقف منصور. مبتسمًا. كبطل.

«I am afraid of… butterfly.»

ساد الصمت في الصف.

ثم بوووم.

ضحك.

صاح خليل: «فراشة؟؟؟ تقاتل الأولاد وتخاف من فراشة؟»

صاح منصور: «إنها تطير… بلا تحذير!»

كتب جون على السبورة: Mansoor is afraid of butterflies.

عقد منصور ذراعيه. «إنها خطيرة.»

ابتسمت صفية. «حسنًا. دوري. I am afraid of… grasshoppers.»

نظر إليها الطلاب بصدمة.

قال خليل: «أنتِ تأكلينها.»

عبست صفية. «نعم. لكنني لا أريد أن ألتقيها وهي حية.»

قالت فتكات، وهي تمر قرب الباب: «طبيعي. أنا أخاف من الفئران.»

ثم قال جون بفخر: «I am afraid of nothing.»

نظرت إليه ثرياء. «حقًا؟»

أومأ جون. «I am a brave man.»

في تلك اللحظة، قفزت مالود إلى داخل الصف. مباشرة نحو جون.

قفز جون فوق الطاولة. وصاح: «I am afraid of goats!»

مات الصف من الضحك.

كتبت صفية: Mr. John is afraid of Malood.

Scene Three
Thuraya's Secret

نظرت صفية إلى ثرياء. «وأنتِ؟»

أجابت ثرياء بسرعة: «أنا لا أخاف من شيء.»

بسرعة أكثر من اللازم.

نظر إليها جون بارتياب.

«حقًا؟»

أومأت. «حقًا.»

لكن عينيها تحركتا نحو النافذة.

تبع جون عينيها.

على الجدار في الخارج…

كانت وزغة صغيرة تجلس بهدوء.

ابتسم جون. ابتسامة خطيرة.

قال: «أوووه. مثير للاهتمام…»

خرج إلى الخارج.

راقبه الطلاب. كأنهم يشاهدون فيلمًا.

عاد. يحمل صندوقًا صغيرًا.

قال بحلاوة: «ثرياء، لدي شيء لك.»

تراجعت ثرياء. «لا.»

فتح جون الصندوق.

قفزت الوزغة إلى الخارج.

صرخت ثرياء.

صرخة حقيقية.

تلك الصرخة العالية غير الثريوية الصغيرة الكاملة لمعلمة هجرتها رباطة جأشها — لثانية واحدة — تمامًا. الطلاب، الذين لم يسمعوا في حياتهم ثرياء تصرخ، سجّلوا الصوت بصدمة صفية صغيرة كاملة، صدمة أطفال رأوا سلطةً أمامهم تُظهر ضعفًا صغيرًا محددًا. كان الاكتشاف، في عقولهم الناشئة، ملفًا صغيرًا دائمًا. المعلمة ثرياء ليست، في النهاية، غير قابلة للكسر. للمعلمة ثرياء حافة إنسانية صغيرة محددة. ستُحفظ المعلومة. وستُحترم. وستُستخدم — طوال بقية العام الدراسي — بحذر شديد جدًا، ومن جون وحده.

ركضت.

صرخت البنات.

صرخت صفية.

صعد منصور على المكتب.

ركضت الوزغة.

صار الصف منطقة حرب.

صاحت ثرياء: «جون!»

ضحك جون حتى لم يعد يستطيع التنفس.

قال: «أنا لا أخاف من شيء، لكنك تخافين من الوزغ!»

أشارت إليه ثرياء. «ستدفع ثمن هذا.»

حاولت مالود أن تأكل الوزغة.

هربت الوزغة.

عاد النظام بعد عشر دقائق.

كتبت صفية على السبورة: Ms. Thuraya is afraid of lizards.

عقدت ثرياء ذراعيها. «امسحيها.»

Scene Four
The Big Question

حين هدأ الصف، رفع علي يده.

«أستاذ… وماذا عن الشايب خلف؟»

هدأ الصف.

سأل منصور: «ممّ يخاف؟»

نظر الجميع إلى الباب.

كانت تلك الالتفاتة الصفية القروية الجماعية الصغيرة الكاملة، حين دارت كل الرؤوس الصغيرة في الوقت نفسه نحو الباب المغلق — كأن فعل قول اسم خلف له ثقل مادي صغير، وكأن ذلك الثقل انجذب نحو مدخل الغرفة الوحيد، فتبعته الرؤوس غريزيًا. واصلت المروحة دورانها. وتطاير غبار الطباشير. وكانت تلك الخرافة القروية الصغيرة الكاملة لجماعة من الأطفال تربّوا جميعًا على يقين صغير محدد بأن ذكر الساحر يعني — في الحد الأدنى — دعوة انتباهه.

ابتلع جون ريقه.

همست صفية: «سؤال جيد…»

ابتسمت ثرياء. ببطء. تلك الابتسامة المعلمية البطيئة الصغيرة الكاملة لامرأة تعرف جواب السؤال، وتقرر، في اللحظة نفسها، هل ستقوله أم لا.

قالت: «لا أحد يعرف.»

واصلت المروحة صوتها المتعب.

وفي الخارج، في مكانٍ بعيد…

كان أحدهم يضحك.

Scene Five
Saeed's Quiet Watching

خرج الصف إلى الفسحة.

ركض معظم الأطفال. ركض منصور أولًا، بالطبع. ولحق به خليل. ومشت نورة مع مروة تتحدثان عن شيء لم تستطع صفية أن تسمعه، لكنه كان يتضمن انفجارات صغيرة من الضحك.

بقي سعيد.

وقف قرب النافذة الصغيرة المحددة التي كانت الوزغة تُرى منها في وقتٍ سابق، ينظر إلى الجدار الخالي.

مشت ثرياء إليه.

قالت برفق: «سعيد، وأنت؟ ممّ تخاف؟»

لم يجب سعيد فورًا.

كان ذلك التفكير السعيدي الصغير الكامل لصبي كانت إجاباته دائمًا نتيجة تأمل، وكان قد قرر، عبر ممارسة طويلة، أن سؤال المعلم يستحق جوابه الحقيقي لا أسهل جواب عنده.

أخيرًا، قال بإنجليزيته الصغيرة الحذرة:

«I am afraid of… not seeing.»

نظرت إليه ثرياء. «ألا ترى ماذا؟»

فكر سعيد مرة أخرى. لم يجد الإنجليزية. وفي النهاية قال ببساطة:

«What is true.»

وقفت ثرياء معه، عندئذ، لحظة طويلة صغيرة محددة من غير كلام. كان الصف من حولهما خاليًا. وكانت المروحة تواصل حديثها المتعب مع نفسها. وفي الخارج، كانت ساعة غداء القرية الصغيرة المحددة قد بدأت — رائحة شيءٍ من بصلٍ وتوابل يطبخ في مكان ما أسفل السكة. وثرياء، وهي تنظر إلى أهدأ طلابها، أدركت أنه أخبرها للتو — من غير أن يقصد تمامًا — عمّا نُظّمت حياته كلها حوله. تلك المراقبة القروية الصغيرة الكاملة لطفل أمضى سنواته التسع يجمع الأنسجة الصغيرة المحددة لما هو حقيقي، لأنه قرر في سن صغيرة جدًا أن الحماية الوحيدة من الخداع هي الرؤية بوضوح. ثرياء، بحياتها الهادئة الصغيرة المحددة، فهمت. لم تكن بحاجة إلى أن تقول ذلك.

وفي النهاية قالت بهدوء: «هذا خوف شجاع جدًا يا سعيد.»

أومأ سعيد.

ثم ركض أخيرًا إلى الخارج، خلف الآخرين.

Scene Six
The Small Closing of the Door

كان الصف خاليًا.

جلست ثرياء إلى مكتب المعلّمة. وكتبت، في دفترها الصغير الخاص، بالعربية — تلك العربية الصغيرة الكاملة الخاصة المحددة التي لم تكن تكتبها إلا في دفترها وحده، لغة تفكيرها الخاص:

«اليوم تعلّموا كلمة الخوف. وأنا تعلّمت أن الصغير سعيد… يعرف أكثر مني.»

(اليوم تعلّموا كلمة "الخوف". وأنا تعلّمت أن سعيدًا الصغير… يعرف أكثر مما أعرف.)

أغلقت الدفتر.

جلست دقيقة صغيرة كاملة، تستمع إلى المروحة.

ثم نهضت وخرجت إلى الخارج، إلى ظهيرة القرية الصغيرة المضيئة، حيث كان جون وصفية ينتظران تحت النخلة الكبيرة، وحيث كان الأطفال — أطفالها، بالمعنى الصغير المحدد الكامل الذي صار به أطفال هذه القرية أطفالها — يفعلون، كعادتهم، تمامًا ما يفعله الأطفال وقت الغداء في قرية عُمانية صغيرة سنة ١٩٧٣: يصيحون، يركضون، يتقاسمون التمر، يركلون الحصى الصغير، ويعيشون داخل ذلك الفرح الصغير المحدد الكامل الذي لا يتكرر: فرح أن يكون الإنسان في التاسعة من عمره، في مكانٍ ما زالت حياته كلها تتحرك بسرعة النخيل وماء الفلج.

بعيدًا، على الطريق المؤدي إلى بيته الطيني، أُغلق باب شيبة خلف ببطء.

ولمرة واحدة — في هذه الظهيرة الصغيرة المحددة وحدها — لم يتساءل أحد في القرية، بالقدر الذي اعتادوا أن يتساءلوا به، عمّا قد يعنيه انغلاق ذلك الباب. — Palm Thirty-Two / النخلة 32 —

··
PALM THIRTY-TWO · The Only Thing Shayb Khalaf Was Afraid Of
Palm
Palm Thirty-Two
The Only Thing Shayb Khalaf Was Afraid Of
Scene One
Tap, Tap, Tap

هناك صباحات في سمائل تعلن فيها القرية عن نفسها ببطء، في طبقات صغيرة محددة. الديك أولًا. ثم المرأة في البيت المجاور تصفّق العجين بين كفّيها. ثم دخان نار تُوقد على بُعد ثلاثة بيوت. ثم، أخيرًا، السماء كلها تقرر أن تعترف بأن النور قد جاء. كان جسد جون قد تعلّم، حتى ذلك الوقت، هذه اليقظة الصغيرة المحددة ذات الطبقات — وفي ذلك الصباح بعينه، وهو مستلقٍ في عتمة الفجر الرمادية الزرقاء، جمعت أذنه الطبقات بترتيبها الصحيح، وسجّلت، في مكانٍ ما من نصف نومه، أن النهار يبدأ كما ينبغي.

بدأ الصباح في سمائل قبل أن تقرر الشمس تمامًا أن تُظهر نفسها.

صرخ ديك كأنه تأخر عن عمله. وفي مكان قريب، صفّقت امرأة العجين بين كفّيها، وسافر الصوت في الأزقة الهادئة كضربات طبول ناعمة. فتح جون عينيه على رائحة دخان الحطب، والخبز الدافئ، وغبار القرية المألوف ذاك الذي كان، بطريقة ما، يجعل كل يوم يبدو كصفحة جديدة.

كانت صوفيا — أو صفية كما أصرّ أهل القرية على مناداتها — جالسة على طرف السرير، تربط وشاحها بصبرٍ حذر.

همست: "أشعر كأنني أرتدي ملابسي لفيلم وثائقي." ثم ابتسمت. "فيلم وثائقي حار جدًا."

فرك جون عينيه. "على الأقل في الأفلام الوثائقية توجد مراوح. نحن لدينا… حرارة."

نقر حافر صغير الباب.

طَق. طَق. طَق.

تجمّدت صفية. "أرجوك قل لي إن هذا ليس… هو."

صرّ الباب وانفتح — لأنه لم يكن مغلقًا كما ينبغي أصلًا — ودخل مالود كما لو أنه يملك البيت كله.

نظر الجدي الصغير إليهما بثقة هادئة. ثم سار مباشرة إلى حذاء جون.

حذّر جون وهو يشير إليه: "لا. لا عضّ."

تجاهل مالود التحذير. ومضغ رباط الحذاء بجدية عامل محترف.

تنهدت صفية. "لديه مهمة."

انحنى جون. يحاول أن يحرر حذاءه بكرامة. شدّ مالود بقوة أكبر. وشدّ جون بقوة أكبر. فانقطع رباط الحذاء.

حدّق جون في الرباط المقطوع في يده. وحدّق مالود فيه.

كانت حربًا صامتة.

ومن الخارج، نادى صوت الآنسة ثرياء. مشرقًا وعمليًا.

"صباح الخير! أسرعوا، وإلا سيصل الطلاب قبلكم."

خرج جون إلى الفناء — وما زال يمسك برباط الحذاء الميت كجندي مهزوم. كانت ثرياء واقفة عند البوابة ومعها الطباشير ودفترها. بدت مستعدة لمحاربة العالم كله مستخدمةً النحو والثقة فقط.

Scene Two
The Schoolyard and the Workers

لم تكن مدرسة سنة ١٩٧٣ تشبه المدارس الموجودة في ذهن جون.

كانت بسيطة. غبار الطباشير يسكن في كل مكان. والجرس لم يكن جرسًا حديثًا — كان أقرب إلى صوت يقول: كفى كلامًا، ابدأوا المعاناة بصمت. وصل الطلاب في جماعات، حفاة أو منتعلين نعالًا بالية، يحملون دفاتر صغيرة. بعضهم لم يحمل شيئًا سوى الطاقة والفضول. تلك المدرسة القروية الصغيرة المحددة الكاملة في عُمان التي كانت ما تزال — في سنة ١٩٧٣ — في بداية طموحاتها التعليمية الحديثة. كان المنهج الوطني الأول جديدًا. وكانت الكتب المدرسية الأولى جديدة. وكانت الدفعة الأولى من المعلمين العُمانيين المدرّبين تدريبًا صحيحًا، والتي كانت ثرياء واحدة منهم، قد تخرجت منذ وقت قريب فقط. كان النظام كله يُبنى، في هذه القرية الصغيرة المحددة، لبنةً بعد لبنة — وكان كل صباح، بمعنى صغير محدد، مساهمة صغيرة في ذلك البناء.

ثم… بدأ الصراخ.

"المعلّم جون!" "المعلّم!" "صفية!" "الآنسة ثرياء!"

ركض منصور أولًا، كعادته — كأن ساقيه تعملان بطاقة العبث. كاد يصطدم بجون، ثم توقف في اللحظة الأخيرة وأدى تحية مبالغًا فيها.

رمش جون. "صباح الخير، منصور."

ابتسم منصور ابتسامة عريضة، وصرخ بالتحية الإنجليزية الوحيدة التي يثق بها:

"هااااي!"

وجاء من خلفه علي بعينين هادئتين، وأحمد مستقيمًا حتى وهو يمشي، وخليل يضحك بالفعل على شيء لم يفعله بعد، والبنات — مثيلة، ونورة، ورحمة، ومروة، وسليمة — كلهن يراقبن بشجاعة فضولية تخص أناسًا لم يروا معلّمًا أجنبيًا قبل هذه السنة.

وقف سعيد في الجهة البعيدة. نصف مختبئ قرب الجدار. يراقب. كظل هادئ. لم يكن قد اندمج تمامًا بعد، لكن عينيه كانتا تجمعان كل تفصيل.

صفّقت ثرياء مرة واحدة. "حسنًا! الجميع، استمعوا. اليوم نتدرّب على طابور الصباح."

التقط جون قطعة طباشير. وكتب كلمات كبيرة على لوحة صغيرة:

اصطفّوا قفوا بثبات صباح الخير تمارين نشيد

ظهرت مجموعة صغيرة من الرجال عند زاوية الساحة — يحملون أدوات قياس. كان أحدهم يحمل ورقة ملفوفة. وآخر يحمل مطرقة. بدوا كأنهم جاءوا ليغيّروا العالم لبنةً واحدة في كل مرة.

أشارت صفية. "من هؤلاء؟"

خفضت ثرياء صوتها. وكان فخورًا. "عمّال. ستُعاد بناء المدرسة. فصول جديدة. غرف أفضل. مستقبل أفضل. هذا هو الزمن الجديد."

راقبهم جون بإجلال. "إذن هكذا يبدو الأمر حين تبدأ دولة في النمو."

لان وجه ثرياء. "نعم. ببطء. لكنها ستنمو."

بدأ النشيد — بأصوات لم تكن كاملة، لكنها كانت ممتلئة بشيء أكبر من الموسيقى.

وقف جون بهدوء. يستمع. شاعِرًا كأنه يقف داخل التاريخ. ذلك الموضع الصغير الكامل المحدد للشاهد الأجنبي الذي وصل إلى هذا البلد في اللحظة الصغيرة الدقيقة التي كان فيها أهله يغنون، للمرة الأولى في جيلهم، نشيدًا وطنيًا لنهضة وطنية لم تكن، قبل ثلاث سنوات فقط، موجودة. كان السلطان الجديد، قابوس، قد أخذ مكانه منذ وقت قريب. وكانت النهضة قد أُعلنت منذ وقت قريب فقط. وكانت المدارس لا تزال في بداية بنائها. والطرق لا تزال في بداية رصفها. وجون، الذي جرى توظيفه معلّمًا للإنجليزية وظن أن عقده مغامرة أجنبية صغيرة، بدأ يفهم أنه — بالمصادفة — وُضع داخل واحدة من اللحظات الصغيرة المحددة الكاملة المفصلية لصيرورة أمة صغيرة محددة كاملة.

Scene Three
The Fear Lesson and the Match

ثم تذكّر عقله شيئًا آخر.

شيبة خلف.

الرجل العجوز الغامض. "ساحر" القرية. الرجل الذي كان يُخيف الأطفال من غير أن يحاول حتى.

ضاقت عينا جون. واشتعلت فكرة كعود ثقاب خطير.

لاحقًا، في الصف، قرر جون أن يفعل ما يفعله المعلّمون بأفضل صورة — أن يحوّل الفوضى إلى درس.

كتب على السبورة:

I AM AFRAID OF… HE IS AFRAID OF… HE IS NOT AFRAID OF…

صفّقت صفية بهدوء. "موضوع جيد. كل شخص لديه مخاوف."

ابتسمت ثرياء بسخرية خفيفة. "حتى أنت، يا مستر جون."

تظاهر جون بأنه لم يسمع.

أشار إلى نورة. "نورة. I am afraid of …؟"

وقفت نورة بثقة. "I am afraid of… bee."

صحح جون بلطف. "A bee. جيد."

رفع منصور يده كما لو أن ذراعه مشتعلة.

تنهد جون. "نعم، منصور."

وقف منصور وأعلن. بفخر. "I am afraid of… butterfly."

انفجر الصف. ضحك خليل حتى مال وسقط على جانبه. حاول أحمد أن يبقى جادًا وفشل. حتى فم علي ارتجف.

حدّق جون. "فراشة؟"

أومأ منصور بسرعة. "نعم. هي… تطير… في وجهي. مشكلة كبيرة."

مسحت صفية دموعًا من عينيها. "هذا ألطف خوف سمعته في حياتي."

نقر جون على السبورة. "حسنًا. نحن نحترم كل المخاوف."

ثم مال جون إلى الأمام.

"والآن… لنتحدث عن شيبة خلف."

شهق نصف الصف.

نظر بعض الطلاب إلى الباب — كأن خلف قد يظهر فقط لأن اسمه قيل.

خفض جون صوته. مثل راوٍ. "هل يخاف شيبة خلف من أي شيء؟"

صمت.

ثم همس علي: "هو لا يخاف."

وأضاف خليل، بهدوء: "هو… الخوف."

راقبت ثرياء جون بحذر. "لماذا تسأل؟"

حاول جون أن يبدو عاديًا وفشل. "مجرد… فضول معلّم."

ضيّقت صفية عينيها. كانت تعرف ذلك الوجه. ذلك الوجه يعني: جون على وشك أن يفعل شيئًا غبيًا، لكنه تعليمي.

Scene Four
Dukkan Al-Hallah and the Old Man's Secret

بعد المدرسة، مشى جون إلى دكّان الحلة — عازمًا على جمع المعلومات كالمحقق.

تبعته صفية وثرياء. مرتابتين.

في الداخل، كانت رائحة الدكان تشبه السمك المجفف، والبهارات، والطفولة. تلك الرائحة العُمانية القروية الصغيرة الكاملة لمكان تجاري صغير محدد لم تُفهرس بضاعته قط، ولم تُنظّم بحسب الأصناف قط، بل رُتبت وفق المنطق الشخصي الصغير الكامل المحدد لصاحب دكان يعرف، تمامًا، أين يوجد كل شيء — أكياس الرز بجانب صناديق التمر، والصابون مرصوصًا قرب أكياس الهيل، ودلال القهوة النحاسية الصغيرة في الزاوية حيث تركها ابن عمه منذ ستة أشهر ولم يقرر بعد كيف يعرضها. كان الدكان، في سنة ١٩٧٣، مركز القرية الاجتماعي. سوق الأخبار. مكتب الديون. المحكمة غير الرسمية الصغيرة المحددة الكاملة التي كانت تُحسم فيها خلافات القرية أحيانًا بالضحك الجماعي.

وقف سادو خلف الطاولة. نصف يبيع ونصف يجادل صبيًا يريد شيئًا مجانًا.

لمح سادو جون فابتسم ابتسامة عريضة. "جوووهِن! جئت! ماذا تريد؟"

استند جون إلى الطاولة. "سادو. أحتاج معلومات من القرية."

لمعت عينا سادو. كان يحب المعلومات. خصوصًا المعلومات الدرامية.

وقبل أن يتكلم سادو، دخل رجل عجوز ببطء. يحمل كيسًا صغيرًا. كانت لحيته بيضاء، وعيناه لامعتين كأن المشاكسة ما زالت فيهما.

همس سادو: "هذا شيبة زهران."

التفت جون بأدب. "مرحبًا، سيدي."

نظر زهران إليه وابتسم ببطء. "مرحبًا، معلّم."

رمش جون. "أنت تتكلم الإنجليزية."

هزّ زهران كتفيه. "قليل. الحياة تعلّم."

مال جون أقرب. "سيدي… هل أستطيع أن أسأل شيئًا؟"

اتسعت ابتسامة زهران. "تريد أن تسأل عن خلف."

التفت رأس صفية نحو جون بسرعة. "جون!"

ارتفع حاجبا ثرياء. "مستر جون…"

تظاهر جون بأن هذا طبيعي تمامًا. "نعم. عن خلف."

خفض زهران صوته. مستمتعًا بنفسه. "الناس يظنون أنه لا يخاف شيئًا."

أومأ جون بحماس. "نعم!"

رفع زهران إصبعًا واحدًا. كأنه محاضر. "خطأ."

اتسعت عينا جون. "هو يخاف؟"

تحولت ابتسامة زهران إلى ابتسامة ماكرة. "كان يخاف من شيء واحد."

مالت صفية إلى الداخل. حتى ثرياء توقفت عن التنفس للحظة.

همس زهران. كأنه سر قد يحرق الهواء:

"زوجته."

رمش جون. "زوجته؟"

أومأ زهران. بجدية. "اسمها…"

«منوّه»

في اللحظة التي قال فيها زهران الاسم، بدا الدكان أبرد لنصف ثانية — كما لو أن الهواء نفسه تذكّره.

ابتلع جون ريقه. "و… ماذا يحدث إذا قلت اسمها؟"

قهقه زهران. "يتغيّر. يرتجف. هو… يطير."

همست صفية: "هذا أكثر من رائع."

نظرت ثرياء إلى جون — وهي تعرف الكارثة القادمة مسبقًا.

اعتدل جون. عيناه تلمعان. "شكرًا لك، سيدي. مفيد جدًا."

أمسكت ثرياء بكمّه. "لا. إطلاقًا لا."

ابتسم جون ببراءة. "أنا فقط… أتدرّب على الإنجليزية."

تمتمت صفية: "كذّاب."

Scene Five
The Clay House

كانت الشمس تنخفض حين وصل جون إلى الطريق المؤدي إلى بيت خلف الطيني.

تبعته صفية وثرياء من مسافة. تهمسان:

"سيفعلها." "سيفعلها بالتأكيد." "سيموت."

وتبعه مالود أيضًا — لأن مالود كان يتبع كل شيء مثير للاهتمام.

وقف جون عند الباب. كان قلبه يدق بسرعة.

رفع يده. مستعدًا للطرق.

ثم تذكّر… درس الخوف.

همس لنفسه بالإنجليزية: "He is not afraid of… anything."

دفع الباب وفتحه بطريقة مسرحية.

انفتح الباب الخشبي على اتساعه.

دخل جون وصرخ —

«منوّ—!»

توقف.

مات صوته في حلقه.

كان البيت صامتًا. صامتًا أكثر مما ينبغي. ذلك الصمت الخاطئ الصغير المحدد الكامل لمكان كان، حتى وقت قريب جدًا، مسكونًا — ثم فُرّغ فجأة، في النافذة الصغيرة المحددة من الساعة الأخيرة. كانت العصا على الأرض. ليست مسندة إلى الجدار. ليست موضوعة على الرف الصغير المحدد حيث كان خلف يضعها دائمًا. على الأرض. والدلّة — إبريق القهوة النحاسي الصغير المحدد — كانت مقلوبة. وقد انسكبت القهوة الداكنة. كبقعة. فوق الأرض الترابية. تلك المأساة القروية العُمانية الصغيرة المحددة الكاملة لبيت عُماني انقلبت دلّته — لأن أي بيت عُماني، بحسب البروتوكولات اليومية الصغيرة المحددة الدقيقة لهذه الحيوات الصغيرة المحددة، لا يقلب دلّته أبدًا. لا تنقلب دلّة إلا إذا كان شيء ما قد سار على نحوٍ سيئ جدًا.

جفّ فم جون.

ظهرت صفية خلفه. صار وجهها جادًا فجأة. "جون…"

دخلت ثرياء ببطء. كان ضحكها قد اختفى تمامًا. نظرت حولها مرة واحدة. ثم همست: "لا…"

أصدر مالود صوتًا صغيرًا قلقًا.

ومن الخارج، حرّكت الريح سعف النخيل — كإنذار هادئ.

ابتلع جون ريقه وتكلم بصوت خافت. لا مزاح الآن.

"كان هنا…"

ثبتت عينا ثرياء على القهوة المنسكبة. وللمرة الأولى، رأى جون قلقًا حقيقيًا في وجهها.

Scene Six
A Village Suddenly Different

ثم، من بعيد، من طريق القرية، نادى صوت طفل:

"المعلّم جون!"

قطع الصوت اللحظة كخيط.

لكن البيت ظلّ هادئًا.

وظلّت القهوة منسكبة.

وظلّت العصا على الأرض.

تراجع جون إلى الخارج ببطء. وعقله يتسابق.

همست صفية: "أين هو؟"

لم تجب ثرياء. حدّقت في عتبة الباب كما لو أن القرية نفسها قد تغيّر شكلها لتوّه.

كانت تلك النظرة الثريّاوية الصغيرة المحددة الكاملة لامرأة كانت، حتى تلك اللحظة، تعتبر نفسها — بحكم ألفة طويلة بالقرية — غير متأثرة نسبيًا بسمعة خلف الفولكلورية الصغيرة المحددة. لقد كبرت ثرياء في هذه القرية. وعرفت خلف طوال حياتها. وكانت ثرياء، حتى ذلك المساء الصغير المحدد، تعتقد أن الأساطير القروية الصغيرة المحددة حوله ليست إلا هراءً في معظمها — حكايات قرية صغيرة تراكمت عبر السنين، وضخّمتها الإعادة، وبقيت بلا ضرر. لكن البيت الصغير المحدد الخالي، مع الدلّة المنسكبة والعصا المتروكة، أدخل، للمرة الأولى في حياتها البالغة، احتمالًا صغيرًا محددًا: أن يكون جزء ما من الأسطورة، بطريقة صغيرة محددة ما، صحيحًا. لم تكن النظرة عن خلف. كانت عن يقينها الصغير المحدد هي، الذي تشقّق بهدوء — في مساء صغير واحد.

نظر جون إلى البقعة الداكنة مرة أخرى، ثم إلى ثرياء.

وبصوت منخفض، قال:

"غدًا… يجب أن نعرف."

تكلمت ثرياء أخيرًا. بهدوء شديد:

"نعم."

وفي مكان ما خلفهم، كان مالود يمضغ ورقة — كأن لا شيء في العالم على غير ما يرام.

لكن لمرة واحدة… بدا مالود غير متيقّن.

عاد الثلاثة إلى القرية الصغيرة في صمت. وكانت المصابيح قد بدأت تضيء في البيوت. وارتفع الدخان من مطابخ المساء الصغيرة المحددة لوجبات مسائية صغيرة محددة. وسمع ضحك الأطفال من زقاق صغير. ونهق حمار، في مكان ما، مرة واحدة. واصلت القرية نمطها المسائي المحدد الكامل غير المنقطع — ومع ذلك، بالنسبة إلى الثلاثة، صارت القرية — بسبب دلّة منسكبة صغيرة محددة في بيت خالٍ لرجل عجوز واحد — فجأة مكانًا يحتوي سؤالًا صغيرًا محددًا لم يعرفوا بعد كيف يجيبون عنه. — Palm Thirty-Three / النخلة 33 —

··
PALM THIRTY-THREE · A Son from Bahrain — The Truth Behind the Story
Palm
Palm Thirty-Three
A Son from Bahrain — The Truth Behind the Story
Scene One
A Morning That Felt Different

في ذلك الصباح، بدت سمائل مختلفة.

كان الهواء ألين. والشمس أرفق. حتى النخيل بدا كأنه ينتظر شيئًا. ذلك الترقّب القروي الصغير المحدد الكامل لمكانٍ أُخبر — خلال المساء السابق — بصورة جماعية بحدثٍ على وشك أن يقع، وقرر، باتفاق جماعي غير منطوق، أن يكون مستعدًا له. كُنست البيوت. ونُظفت الأفنية. وارتفع دخان نيران الصباح بحذر أكثر من المعتاد. حتى الماعز — حتى مالود — تحركت أبطأ مما اعتادت، كما لو أن الحيوانات نفسها تلقت رسالة القرية وتكرّمها.

لاحظ جون ذلك قبل أي أحد.

وقف عند باب البيت الصغير. ممسكًا بدفتره. وقال بهدوء: "اليوم أشعر كأن… شيئًا قادم."

ابتسمت صفية وهي تربط وشاحها. "في عُمان، شيء ما قادم دائمًا. عادةً الحرارة."

دخلت ثرياء من الطريق. تحمل حقيبتها. ووجهها مفكر.

قالت: "ليس الحرارة اليوم. أخبار."

نظر جون إليها. "أخبار جيدة أم أخبار قرية؟"

ابتسمت ثرياء. "كلاهما."

مشوا معًا نحو المدرسة. وتبعهم مالود، بالطبع — كغيمة مخلصة لها سيقان.

كان الطلاب هناك بالفعل. جالسين تحت النخلة. لا يركضون. لا يصرخون.

كان علي هادئًا. وكان أحمد هادئًا. حتى منصور كان هادئًا.

كان هناك شيء خطأ بالتأكيد.

صفّقت ثرياء بيديها. "لماذا تجلسون كلكم هكذا؟"

أجاب خليل بهدوء: "نحن ننتظر."

سألت صفية: "تنتظرون ماذا؟"

تقدم سعيد، الذي كان يبقى عادة في الخلف.

قال: "عبيد."

عبس جون. "من عبيد؟"

تغيّر وجه ثرياء. صار ألين. أدفأ.

"عبيد ابن شيبة خلف."

شهقت صفية. "لديه ابن؟"

أومأت ثرياء. "رحل قبل سنوات. إلى البحرين. للعمل. لم يظن أحد أنه سيعود."

شعر جون بشيء يتحرك في صدره. "والآن؟"

ابتسمت ثرياء. "الآن هو قادم."

Scene Two
The Return

جاء الصوت أولًا.

سيارة.

ليست سيارة العم ناصر الصغيرة. ولا حمارًا. سيارة حقيقية.

ارتفع الغبار في آخر الطريق.

وقف الطلاب. كجسد واحد.

ثم رأوه.

رجل في ملابس نظيفة. يحمل حقيبتين. يمشي بسرعة. وعيناه تبحثان. تلك الوقفة الصغيرة الكاملة المحددة لابن عائد، كان قد مشى، قبل عشرين عامًا، مبتعدًا عن هذه القرية نفسها وهو صبي — وها هو الآن يمشي عائدًا إليها كشخص لم يتعرّف إليه جيرانه القدامى، عند النظرة الأولى، تمامًا. أعطته السنوات في البحرين هيئة صغيرة محددة مختلفة. ملابس أنظف. لحية صغيرة محددة مهذبة على طريقة المدينة. مشية تعرف، بذاكرة عضلية طويلة، الشوارع الأوسع في عاصمة خليجية. لكن الطريقة الصغيرة المحددة التي كان يبحث بها في الطريق عن الباب القديم الصغير المحدد لبيت طيني صغير محدد كانت هي الطريقة نفسها التي كان يبحث بها وهو طفل — حين كان يعود من الفلج وقت الغروب، ويرفع نظره في الطريق نفسه، ويرى الباب نفسه، ويركض نحوه.

صرخ أحدهم: "بابا!"

خرج شيبة خلف من بيته الطيني. ببطء. وعصاه في يده.

توقف.

نظر.

سقطت العصا.

لثانية واحدة، توقفت القرية عن التنفس.

ثم ركض عبيد.

لم يمشِ. لم يفكر.

ركض. واحتضن الرجل العجوز بقوة حتى كاد خلف أن يقع.

قال عبيد، وصوته ينكسر: "بابا. عدت."

لم يتكلم شيبة خلف.

فقط أمسك به.

وأمسك به.

وأمسك به.

ذلك العناق الصغير الكامل المحدد الممتد لعشرين عامًا، عناق أبٍ رفض — كل صباح طوال عشرين سنة، بعناد هادئ صغير محدد حسبته القرية سحرًا — أن يتخلى عن الأمل الصغير الخاص بأن هذه اللحظة نفسها ستحدث يومًا ما. كانت كل الفولكلور القروي الصغير المحدد حول المغصوب، ودخان المغبر، والسمعة الصغيرة المحددة لخلف بوصفه شخصية مخيفة — طوال ذلك الوقت — غطاءً عارضًا صغيرًا نما حول نفسه أب حزين، لأن الحزن في القرية لم يكن شيئًا يستطيع الرجل أن يمتلكه ببساطة. كان لا بد للحزن أن يتنكّر. وكانت السمعة القروية الصغيرة المحددة هي التنكّر. والآن — في هذه اللحظة، أمام ابنه — لم يعد التنكّر ضروريًا. خلف، الذي لم يبكِ منذ عشرين عامًا، لم يبكِ الآن أيضًا. لكن الإمساك الصغير المحدد بابنه، بكل التزامه الجسدي الكامل، كان أفصح مما كان يمكن لأي بكاء أن يكون.

مسحت بعض النساء عيونهن.

كانت عينا صفية ممتلئتين.

ابتلع جون ريقه.

همست ثرياء: "لقد انتظر سنوات كثيرة."

حتى مالود كان هادئًا.

Scene Three
Gifts and Stories

لاحقًا، جاء عبيد إلى المدرسة مع أبيه.

أحضر هدايا صغيرة للأطفال.

أشياء بسيطة. لكنها ثمينة.

لكل طفل، ابتسامة.

ولكل ابتسامة، ذكرى.

صافح جون عبيدًا. "مرحبًا بعودتك."

ابتسم عبيد. "شكرًا لك، معلّم."

سألت صفية: "ماذا تعمل في البحرين؟"

لمعت عينا عبيد. "أعمل بالأعشاب. الطب. المعرفة القديمة."

أراهم أكياسًا صغيرة.

"هذه للمعدة." "وهذه للصداع." "وهذه للنوم."

أومأت ثرياء. "كان جدك يفعل هذا."

ابتسم عبيد بحزن. "نعم. وأمي…"

توقف.

لم يتكلم أحد.

نظر شيبة خلف بعيدًا.

ذلك الصمت القروي الصغير المحدد الكامل للحظةٍ صار فيها الاسم غير المنطوق لأمٍ مفقودة منذ زمن طويل — زوجة خلف، وأم عبيد، والمرأة التي فقدتها القرية منذ سنوات كثيرة حتى إن بعض الأطفال لم تكن لديهم أدنى فكرة أنها وُجدت يومًا — مسموعًا من غير أن يُقال. ذلك الفهم الصغير المحدد لدى كل بالغ حاضر بأن صمت خلف القاسي الصغير المحدد خلال العشرين سنة الماضية كان، على الأقل في جزء منه، صمتًا حول غيابها. وكانت السمعة الفولكلورية بأنه ساحر طريقة القرية في تفسير رجل كان حزنه أكبر من أن يُنظر إليه مباشرة. وكانت السمعة الفولكلورية عن المغصوب لابنه المفقود نوعًا مشابهًا من التكيّف الصغير — حكاية شعبية تملأ الفجوة الصغيرة المحددة لابن حقيقي كان قد ذهب ببساطة إلى البحرين، وحتى اليوم، لم يعد.

Scene Four
The Truth at Sadu's Shop

في ذلك العصر، ذهب جون إلى دكّان الحلة.

وجد سادو يضحك.

يضحك أكثر مما ينبغي.

سأل جون: "ماذا؟"

كاد سادو يسقط من على الدكة.

"أنت! أنت و«منوّه»!"

تجمّد جون. "ماذا؟"

مسح سادو عينيه.

"زهران. هو مجنون. منوّه زوجته هو. ليست زوجة خلف!"

انفتح فم جون.

"زهران يخلط الأسماء. ينسى. يحكي قصصًا. الجميع يعرف."

همس جون: "إذن… شيبة خلف لم يكن خائفًا من منوّه قط؟"

ضحك سادو أكثر. "لا. هو لا يخاف من شيء."

أغمض جون عينيه.

ببطء.

ببطء شديد.

ذلك الإغلاق البطيء الصغير الكامل المحدد لعيني رجلٍ كان، خلال الأربع والعشرين ساعة السابقة، قد نظّم تحقيقًا بوليسيًا كاملًا متقنًا، واقتحم بيتًا خاليًا، وواجه دلّة منسكبة وعصا مشي متروكة، وبنى فرضية خاصة صغيرة عن الهشاشات النفسية الصغيرة المحددة لأكثر شخصيات القرية فولكلورية — ليكتشف فقط أن سلسلة الاستدلال كلها كانت مبنية على الارتباك الصغير المحدد لرجل عجوز لم يعد قادرًا على أن يتذكر بثقة زوجة من هي زوجة من. كانت القصة البوليسية كلها خيالًا قرويًا صغيرًا محددًا. وكان الرعب الصغير المحدد كله الذي بناه جون في خيال المعلّم الأجنبي الشمالي، في جوهره، ثرثرة صغيرة محددة لرجل عجوز محدد بدأت ذاكرته، عبر السنين، تسند زوجات الآخرين إلى أزواج آخرين.

Scene Five
The Big Embarrassment

في المساء، مشى جون إلى بيت شيبة خلف.

وقف مستقيمًا.

تنحنح.

نظر إليه خلف. "كنت قادمًا أمس؟"

أومأ جون. "نعم. أردت أن أقول شيئًا."

اتكأ خلف على عصاه. "قل."

أخذ جون نفسًا عميقًا.

"أردت أن أقول… منـ —"

توقف.

انتظر.

لم يحدث شيء.

لا ارتجاف.

لا طيران.

لا خوف.

رفع خلف حاجبًا. "تقول ماذا؟"

حاول جون مرة أخرى. "أردت أن أقول… مـ —"

فجأة:

طاخ.

ضربت العصا ظهر جون.

«عجب! أنا أخاف منوّوه نوبه؟»

(عجب! أنا أخاف من منوّه أيضًا؟! — مدهش! أنا، أخاف من منوّه، من بين الناس كلهم؟!)

قفز جون. "آو!"

زمجر خلف: "تظنني غبيًا؟"

احمرّ وجه جون.

ثم أضاف خلف، بهدوء: "زهران مجنون."

نظر جون إلى الأرض.

مهتمًا جدًا بالأرض.

Scene Six
The Legendary Chase — and the Light in the Window

من خلف البيت، ظهر سادو. يضحك. كطبل.

"قلت لك! قلت لك!"

رأى جون العصا في يد خلف.

فكرة سيئة.

فكرة سيئة جدًا.

أمسك بسادو وركض.

"هيه!" صاح خلف وركض خلفهما.

رأى مالود ركضًا، فقرر أن هذه لعبة.

فركض هو أيضًا.

رأى الأطفال الركض، فانضموا.

وسرعان ما رأت القرية كلها:

سادو يركض.

وخلفه جون.

وخلفه خلف.

وخلفه مالود.

وخلفه الأطفال.

صاح أحدهم: "إنه مهرجان!"

في تلك الليلة، جلس جون في البيت. يفرك ظهره.

نظرت إليه صفية. "إذن… ماذا تعلمنا اليوم؟"

تنهد جون. "لا تثق بثرثرة القرية أبدًا."

ابتسمت ثرياء. "و؟"

فكر جون.

ثم قال، بهدوء:

"بعض الناس ينتظرون سنوات من أجل الحب."

تلك الجملة المسائية الصغيرة الكاملة المحددة التي كانت، من بين كل ما قاله جون ذلك اليوم، الجملة الوحيدة التي لها وزن حقيقي. كانت المطاردة القروية الكوميدية كلها في ذلك العصر — سادو يركض، والعصا تتأرجح، والأطفال يحولون المطاردة إلى مهرجان قروي صغير محدد — مجرد مسرح سطحي صغير. أما المحتوى الحقيقي لليوم فكان العناق الصغير المحدد الممتد عشرين سنة عند باب بيت خلف الطيني. كانت الحكاية الشعبية عن ساحر ومغصوب. أما الحقيقة، التي كانت تنتظر تحت الحكاية الشعبية طوال الوقت، فكانت عن أب ينتظر ابنه. كانت القرية كلها تحتاج إلى الحكاية الشعبية لأن القرية لم تكن تملك، في تلك السنوات، المفردات العاطفية الصغيرة المحددة لتسمية الشيء الحقيقي. وكان الشيء الحقيقي هو الحب. كانت الحكاية الشعبية تنكّر الحب العُماني الصغير المحدد.

في الخارج، عاد النور إلى بيت شيبة خلف.

وللمرة الأولى…

نامت القرية بسلام. — Palm Thirty-Four / النخلة 34 —

PALM THIRTY-FOUR · Then and Now — A Trip to Jibreen Castle
Palm
Palm Thirty-Four
Then and Now — A Trip to Jibreen Castle
Scene One
A Long Dusty Road and a New Guide

كان الطريق إلى قلعة جبرين طويلًا، مغبرًا، ومليئًا بحماس هادئ.

هناك طرق في عُمان تعلن عن وجهاتها قبل أن تصل إليها بوقت طويل — وهناك طرق، كهذا الطريق، تحتفظ بأسرارها قريبة منها. لم يكن الطريق الداخلي من سمائل باتجاه بهلا في سنة ١٩٧٣ مرصوفًا من أوله إلى آخره؛ كان سطحًا صغيرًا محددًا من تراب مضغوط وحصى، سُوّي في السنة السابقة فقط، ويمر بين مزارع نخيل صغيرة محددة، وعبر أودية صغيرة محددة، ثم يسلّم، في النهاية، لأي شخص مستعد لأن يتبعه ساعتين، الكشف الصغير الكامل المحدد لما تبدو عليه قلعة عُمانية فعلًا حين تُرى وجهًا لوجه.

تحركت سيارة العم ناصر ببطء بين النخيل والأرض المفتوحة. جلس الأطفال في الخلف، يمسكون بحقائبهم ودفاترهم وأحلامهم الصغيرة.

جلس جون في الأمام، ينظر إلى الأفق — كرجل على وشك أن يلتقي التاريخ.

جلست صفية بجانبه. والكاميرا مستريحة في حجرها.

جلست ثرياء خلفهما، تشرح الخطة مرة بعد مرة — لأن المعلّمين لا يثقون أبدًا أن الطلاب يستمعون حقًا.

وكان معهم هذه المرة عبيد.

ليس زائرًا.

ولا ضيفًا.

بل مرشدًا.

ذلك الدور الجديد الهادئ الصغير الكامل المحدد لعبيد — الذي كان، قبل أيام قليلة فقط، الابن المفقود منذ زمن طويل العائد من البحرين، والذي صار الآن، وفق اقتصاد الانتماء القروي الصغير المحدد السريع، الشخص الذي يحتاج يوم المدرسة إلى معرفته. قضى سنواته البحرينية يعمل بالأعشاب والمعرفة القديمة. لكن قبل البحرين، كان صبي القرية الذي كبر في الظل الصغير المحدد لقلاع الداخل، والذي زار جبرين عشرات المرات طفلًا مع أعمامه، والذي يحمل — كما لا تحمل ثرياء نفسها — الذاكرة الموروثة الصغيرة الكاملة المحددة لهذه الأماكن الداخلية الصغيرة المحددة. احتاجته المدرسة لهذا اليوم بعينه. ولم تكن المدرسة تعرف، حتى طلبت ثرياء ذلك تحديدًا، أنها تحتاج إليه.

وقف في مؤخرة السيارة. يمسك جانبها بيد. ويشير إلى الأرض باليد الأخرى.

قال: "هناك. هذا الطريق لم يكن موجودًا من قبل."

التفت جون. "إذن… كيف كان الناس يسافرون؟"

ابتسم عبيد. "على الحيوانات. على الأقدام. ببطء. ببطء شديد."

فتح منصور عينيه واسعًا. "حتى إلى نزوى؟"

أومأ عبيد. "خصوصًا إلى نزوى."

نظر الأطفال إلى بعضهم — كأنهم يحاولون أن يتخيلوا عالمًا بلا طرق.

همست صفية لثرياء: "غريب. نحن نعيش داخل حكاية."

ابتسمت ثرياء. "نعم. واليوم سنعلّمهم كيف يروونها."

Scene Two
The Castle Appears

ظهرت قلعة جبرين كشيء خارج من حلم.

شاهقة.

قوية.

هادئة.

بدت جدرانها كأنها تحتفظ بأسرار.

ذلك اللقاء الأول الصغير الكامل المحدد الذي يعيشه أي زائر للداخل العُماني مع جبرين — تلك اللحظة الصغيرة المحددة حين ينعطف الطريق، وتخفّ النخيل، وتكون القلعة هناك ببساطة، بلا إعلان، واسعة، بلون الصحراء التي صُنعت منها. ثلاثة طوابق من بناء حجري متوازن بعناية، وأربعة أبراج في الزوايا، وإطارات نوافذ خشبية مزخرفة صغيرة محددة لم تمحُها تمامًا ثلاثة قرون من الشمس. لم تكن القلعة تروّج لنفسها. لم تكن تحتاج إلى ذلك. كانت القلعة، ببساطة، التعبير المعماري الصغير المحدد عن لحظة في التاريخ العُماني بنى فيها أئمة اليعاربة — في الداخل كله — شبكة صغيرة محددة كاملة من القلاع والقصور الإدارية التي حُكمت منها البلاد.

وقف علي ساكنًا جدًا. "تشبه بيت ملك."

أومأ عبيد. "كانت كذلك."

دخلوا ببطء.

ترددت خطاهم.

تحدث عبيد بصوت هادئ محترم.

"منذ زمن بعيد، عاش الناس هنا. درسوا هنا. قاتلوا هنا. خططوا هنا."

كتب جون بعض الكلمات في دفتره:

lived — studied — fought — planned

همست صفية للطلاب: "Repeat after me: They lived here."

قال الصف معًا: "They lived here."

واصل عبيد: "في الماضي، لم تكن في عُمان مدارس مثل اليوم. كان الناس يتعلمون في المساجد والبيوت. كانوا يستخدمون مصابيح الزيت، لا الكهرباء."

أضافت ثرياء بلطف: "والماء… كانوا يستخدمون الفلج. لا أنابيب."

التفت جون إلى الطلاب. وكتب على لوحة صغيرة كان يحملها:

In the past, they used to… Now, we…

أشار إلى علي. "علي. In the past, they used to …؟"

فكر علي. "They used to… walk… long."

ابتسم جون. "Good! They used to walk long distances."

أضاف أحمد: "Now, we… use car."

صفقت صفية. "Excellent!"

رفع منصور يده. "In the past, they used to… no fan."

ضحك الصف.

أومأت ثرياء. "صحيح. لا مروحة. فقط صبر."

Scene Three
From Room to Room

ساروا من غرفة إلى غرفة.

ذلك التدرّج البطيء الصغير الكامل لجماعة مدرسية صغيرة عبر قلعة عُمانية من القرن السابع عشر — تلك الخطوة الحذرة الصغيرة المحددة لأطفال عرفت أقدامهم، بالغريزة، أن الأرضيات التي يمشون فوقها قديمة، وأن الأسقف الخشبية الملوّنة الصغيرة المحددة فوق رؤوسهم لا تُلمس، وأن الأبواب الخشبية المنحوتة الصغيرة المحددة كانت، قبل ثلاثة قرون، أبواب أئمة. تحرك عبيد بين الغرف بسلطة هادئة صغيرة كاملة محددة لرجل كان جده نفسه قد أخبره، منذ زمن بعيد، وظيفة كل مساحة صغيرة محددة في هذه القلعة. تبعه الأطفال في عنقود غير رسمي صغير كامل محدد، يسألون بالعربية، ويتلقون الإجابات بعربية عبيد القروية البطيئة الحذرة، ويمتصون — من غير أن ينتبهوا تمامًا — الدرس الصغير الكامل المحدد بأن بلدهم قديم.

أراهم عبيد الأسقف. والنوافذ الصغيرة. والممرات السرية.

قال: "في الماضي، كان الناس يحمون عائلاتهم هنا. والآن، نحن نحمي التاريخ."

شعر جون بشيء ثقيل وجميل في صدره.

نظر إلى ثرياء. "بلدك له جذور قوية."

أجابت بهدوء: "والآن… هو ينمو."

Scene Four
Ali's Drawing

جلسوا في الظل قرب جدار القلعة.

أخرجت صفية الألوان والأوراق.

قالت: "Now، أنتم ترسمون."

نظر إليها الطلاب. "نرسم؟"

ابتسمت. "نعم. ارسموا القلعة. أو ما تشعرون به."

أضافت ثرياء: "واكتبوا جملة واحدة."

كتب جون على ورقة كبيرة:

In the past… Now… In the future, I will…

جلس علي بهدوء شديد.

بتركيز شديد.

تحركت يده ببطء. بعناية.

مرّ جون وتوقف.

انحنى.

لم يتكلم.

فقط راقب.

لم يكن علي يرسم القلعة وحدها. كان يرسم القلعة، والأرض، وراية كبيرة فوقها. كانت الخطوط واثقة. والألوان قوية. تلك الثقة الصغيرة الكاملة المحددة التي لا تُخطئها العين لطفل كانت يده — من غير أن ينتبه أحد في القرية إلى ذلك من قبل — تطوّر بصمت كفاءة صغيرة محددة لفنان حقيقي. كانت الراية هي علم عُمان الجديد، العلم الذي اعتُمد قبل ثلاث سنوات فقط، بحقلِه الأحمر، ولوحتيه البيضاء والخضراء، والخنجر الصغير المحدد في الأعلى. وكان علي، بصبر صغير محدد لصبي ظل يراقب العالم بعناية أكبر مما كان العالم يراقبه، قد حفظ كل تفصيل في ذلك العلم. وها هو الآن يضعه، بعناية شديدة، فوق القلعة.

جاءت صفية وتجمّدت.

همست: "ثرياء…"

نظرت ثرياء.

وابتسمت بدهشة.

قالت بهدوء: "لديه موهبة."

كتب علي تحت رسمته. ببطء:

In the past, Oman was strong. Now, Oman is growing. In the future, I will help my country.

شعرت صفية بحرارة في عينيها.

رفعت الرسمة. وأرتها لجون.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال، بهدوء: "علي… أنت فنان."

نظر علي إلى الأسفل. خجولًا.

أما رسمة منصور فكانت… قلعة لها خمس شموس وماعزان.

مشى مالود نحوهما وحاول أن يأكل الزاوية.

Scene Five
In the Future, I Will…

قبل المغادرة، وقف جون وقال: "حسنًا. لنتكلم."

أشار إلى نورة. "جملة واحدة."

قالت نورة: "In the past, they used to… live in castle."

أومأ جون. "Good."

قال خليل: "Now, we have… school."

قال أحمد: "In the future, I will… be teacher."

وقال سعيد، من الخلف، بهدوء: "In the future, I will… learn more."

نظرت إليه ثرياء.

وابتسمت.

تلك الابتسامة التعليمية الصغيرة الكاملة المحددة لامرأة كانت — على امتداد الأشهر الماضية — تراقب ثقة سعيد الصغيرة في الإنجليزية تكبر من I was watching في أكتوبر إلى I am thinking في نوفمبر، إلى I am afraid of not seeing what is true في الشهر الماضي، والآن إلى In the future, I will learn more في جبرين. كان مسار السنة مرئيًا في الرحلة النحوية الصغيرة الكاملة المحددة لصبي واحد. ثرياء، التي علّمت سنوات، والتي كانت — في صفوف سابقة — قد رأت أطفالًا كثيرين صغارًا لامعين يخفتون كلما صار نحوهم أفضل وصارت شجاعتهم أصغر، أدركت أن العكس يحدث مع سعيد. كان نحوُه يتحسن. وكانت شجاعته، بالمقدار نفسه، تكبر. تلك النتيجة الصغيرة المحددة التي يتمناها كل معلّم، لكن لا يضمنها أي معلّم.

Scene Six
The Flag Receding

في طريق العودة، كانت الشمس أدنى.

بقيت القلعة خلفهم كذكرى.

ذلك الضوء المسائي الصغير الكامل المحدد على الحجر العسلي الصغير المحدد لجبرين حين ابتعدت السيارة. كانت القلعة هناك منذ ثلاثة قرون. وستبقى القلعة هناك قرونًا أخرى كثيرة. أما السيارة، بحمولتها الصغيرة المحددة من أطفال ومعلّمين ورسمة ورقية صغيرة مطوية واحدة، فستُتذكّر — لدى الناس الذين كانوا داخلها — بقية حياتهم. حملت صفية رسمة علي في حجرها، وكانت الألوان لا تزال رطبة عند الأطراف، والورقة القروية الصغيرة المحددة مقوسة قليلًا. وكانت قد قررت، من غير أن تسأل، أن هذه الرسمة ستعود معهم إلى البيت. قررت، في مكان ما بين القلعة والشاحنة، أن هذه الصورة الصغيرة المحددة — قلعة في الماضي، وبلد ينمو في الحاضر، وعلم يعد بالمستقبل — هي الاكتمال الصغير المحدد لسنتها هنا. ستحتفظ بها. ستضعها في إطار، في النهاية. وستعلّقها، بعد سنوات كثيرة، على جدار في بلد آخر، وستنظر إليها، في صباحات بعينها، وتشعر بدفء صغير كامل محدد لا يستطيع أي شيء آخر تملكه أن يصنعه.

حملت صفية رسمة علي في حجرها.

قالت بهدوء: "أحيانًا… لا يكون الدرس في الكتاب."

أومأ جون. "أحيانًا يكون في طفل."

نظرت ثرياء إلى الطريق أمامها.

وقالت: "وأحيانًا يكون في بلد."

مضت السيارة إلى الأمام.

ومضى التاريخ معها. — Palm Thirty-Five / النخلة 35 —

··
PALM THIRTY-FIVE · The Month When Everything Changed — Ramadan in Samail
Palm
Palm Thirty-Five
The Month When Everything Changed — Ramadan in Samail
Scene One
The First Adhan of the Month

جاء الصوت الأول قبل الضوء.

لم تكن الشمس هي التي أيقظت سمائل.

كان الأذان.

طفا الصوت من بعيد. ناعمًا وقويًا في الوقت نفسه. يتحرك بين الجبال، فوق النخيل، إلى البيوت، إلى القلوب. ذلك الأذان القروي العُماني الصغير الكامل المحدد لمؤذن صغير محدد كان، طوال ثمانية وثلاثين عامًا، يصعد الدرج الضيق الصغير المحدد للمسجد القروي الصغير المحدد قبل أول تلميح للفجر، وكان — في الهدوء الصغير المحدد لكل ما قبل صباح سمائلي — يطلق الأسطر الأربعة عشر القديمة نفسها التي ثبّتت، عبر القرون، كل يقظة إسلامية في هذا الجزء من العالم. لم يكن الأذان، في يوم عادي، خبرًا. كان الأذان حقيقة الحياة الخلفية الصغيرة الكاملة المحددة. لكن في هذا الصباح المحدد، في هذا الموسم المحدد، حمل الأذان — للمرة الأولى في السنة — الثقل الإضافي الصغير الكامل المحدد لرمضان. والقرية كلها، حين سمعته، عرفت الفرق فورًا.

فتح جون عينيه ببطء.

همس: "ما… هذا؟"

كانت صفية مستيقظة أصلًا. جالسة على حافة السرير. تستمع.

قالت: "إنه جميل. يبدو كأن… السماء تتكلم."

في الخارج، كانت القرية مختلفة.

أهدأ.

أرفق.

كأنها تحبس أنفاسها.

مرت ثرياء بجانب بيتهما. خطواتها خفيفة. ووجهها هادئ. كانت تحمل كيسًا صغيرًا من التمر والخبز. توقفت، ونظرت إلى السماء، وهمست بدعاء قصير قبل أن تواصل طريقها.

في ذلك اليوم، لم يأتِ أي طفل إلى المدرسة.

لا ضجيج.

لا ركض.

لا صراخ.

حتى دكان سادو كان مغلقًا. وكانت لافتة خشبية معلقة على الباب:

مغلق من أجل رمضان.

مرّ منصور ببطء. كان وجهه متعبًا لكنه فخور.

قال لمالود، الذي كان يحاول أن يأكل ورقة: "أنا صائم. أنت… لا تفهم الدين."

أكل مالود الورقة.

Scene Two
The Travelling Food

مع حلول العصر، حدث شيء غريب.

بدأت رائحة القرية تتغيّر.

من بيتٍ: بصلٌ مقلي. ومن آخر: خبز. ومن ثالث: بهارات، وحساء، ولحم. تلك العمارة الصغيرة المحددة الممتلئة المتراكبة من الروائح في قريةٍ عُمانية تستعد للإفطار — ذلك التراكم الجماعي الصغير المحدد المتأخر بعد الظهيرة، حين يرتفع دخان عشاء كل بيتٍ في الوقت نفسه، ويمتزج، وينساب في الأزقة، ويستقر في هواء القرية الصغير المحدد الممتلئ بكثافةٍ طبقية صغيرة محددة لم تكن صفية، وهي واقفة عند نافذتها، قد صادفتها — حتى تلك الظهيرة نفسها — من قبل قط. لم تعد القرية تشبه رائحة نفسها. صارت القرية تفوح برائحة ثلاثين بيتًا يطبخون في اللحظة ذاتها، كلهم بمنطق الهيل والزعفران والبصل الصغير المحدد الممتلئ نفسه، وكلهم يتجهون نحو لحظة المغرب الصغيرة المحددة الممتلئة نفسها التي كانت لا تزال — بحسب ساعة جون — على بُعد ثلاث ساعات.

كانت الصحون تنتقل من بابٍ إلى باب.

وكانت النساء يمشين في جماعات، يحملن الطعام، ويضحكن بهدوء.

وقفت صفية عند النافذة. قالت: "الطعام… إنه يسافر."

ضحك جون. "مثل موكب طعام."

لكن الشمس كانت لا تزال عالية.

ولم يكن أحد يأكل.

نظر جون إلى ساعته. "إذًا… هم لا يأكلون. لا يشربون. طوال اليوم؟"

أومأت ثرياء، وكانت قد جاءت للتو لتطمئن عليهما. "من الفجر إلى غروب الشمس."

رمشت صفية. "حتى الماء؟"

"نعم."

جلس جون ببطء. "هذا… أمر جاد."

ابتسمت صفية. "قرأنا عن هذا. في الكتب. أتذكر؟"

أومأ جون. "كان ذلك… أحد الأسباب التي جعلتنا نريد المجيء إلى هنا."

بقيا صامتين لحظة. ذلك الصمت الصغير المحدد الممتلئ لزوجين كانا — قبل ثلاث سنوات، في شقتهما الشمالية الصغيرة المحددة، قبل العقد، وقبل الرحلة — قد تحدثا عن الإسلام مرات كثيرة. قرآ كتبًا عنه. وتسائل كلٌّ منهما في داخله، على انفراد، عن شعور العيش في مكانٍ يكون فيه ذلك هو الهواء. لم يستخدما، في تلك الأحاديث الأولى، كلمة اعتناق. استخدما كلمة فهم. لكن الهدوء الطبقي الصغير المحدد في هذه الظهيرة نفسها بدأ يوحي لهما معًا أن الفهم قد استُبدل — في مكانٍ ما على امتداد الشهور — بشيءٍ آخر.

ثم قالت صفية فجأة: "لنجرب."

التفت جون ببطء. "نجرب ماذا؟"

"الصيام."

حدّق فيها. "أأنتِ… جادة؟"

ابتسمت. "هيا. يومٌ واحد."

Scene Three
The Longest Day

بحلول العاشرة صباحًا، كان جون قد بدأ يميل إلى المبالغة أصلًا.

"أظن… أن فمي يتحول إلى صحراء."

نظرت إليه صفية. "توقف."

وبحلول الثانية عشرة، كان مستلقيًا على الأرض.

"أستطيع أن أسمع… الماء يناديني."

جلست صفية بجواره. "ملكة الدراما."

وبحلول الثانية، حاول أن ينهض وفشل. "أرى… ضوءًا."

ضحكت صفية. "هذا المروحة."

جاء مالود، نظر إليه، ثم تخطى ساقه.

وبحلول الرابعة، كان جون على الأرض مرة أخرى. "أنا لستُ مصنوعًا لهذا."

جلست صفية متربعة. "أنت أردت أن تفهم الثقافة. تهانينا."

ثم… طرق طرق.

انفتح الباب.

كانت ثرياء واقفة هناك. ومعها صينية كبيرة.

قالت: "جئتُ لكما بإفطار."

حاول جون أن يجلس. "لكن… نحن لسنا صائمين."

ابتسمت ثرياء. "أعرف. لكن يجب أن تتذوقوا رمضان."

وضعت الصينية.

تمر. حساء. خبز. سمبوسة. أرز.

نظرت صفية إلى الطعام. ثم إلى ثرياء. ثم إلى جون.

ثم ضحكت.

"انظري إلينا. لسنا صائمين. ونموت."

نظرت ثرياء إليهما معًا وضحكت.

"مساكين. يوم واحد فقط، وكدتم تموتون."

نظرت إلى جون بجدية وقالت بالعربية. وهي تبتسم:

«صيام بدون صلاة؟»

(صيام بدون صلاة؟ — Fasting without prayer?)

ثم ضحكت مرة أخرى.

Scene Four
The Disappearing Afternoons

مرّت الأيام.

واستمر رمضان.

بدأ جون وصفية… يختفيان في أوقات العصر.

ذلك النمط الصغير المحدد الممتلئ الذي بدأت القرية تلاحظه — ولم تعرف بعد كيف تفسره تمامًا. قرابة الثالثة عصرًا، كل يوم، كان المعلمان الأجنبيان يغادران بيتهما الصغير. يمشيان في الزقاق. لا يذهبان إلى المدرسة. ولا إلى الدكان. ولا إلى الفلج. إنهما ببساطة، في اتجاهٍ صغير محدد ممتلئ لا يستطيع الأطفال تتبعه تمامًا، يختفيان. ثم يعودان بعد ساعة أو ساعتين — بهدوء، بذلك الهدوء الصغير المحدد الممتلئ لشخصين فعلا شيئًا احتاج إلى الهدوء — ويظلان، بقية اليوم، جون وصفية نفسيهما اللذين اعتادت عليهما القرية. لكن اختفاء العصر صار يوميًا. والقرية، بغريزتها القروية الطويلة، كانت تنتبه.

كانا يخرجان بهدوء.

ويعودان بهدوء.

لاحظ الأطفال.

همس منصور: "يذهبان إلى بيت المعلم."

قال خليل: "كل يوم."

قالت نورة: "لماذا؟"

حاولوا أن يتبعوهما.

لكن شايب خلف ظهر. مثل جدار.

وقف في الطريق. يمسك عصاه.

قال: "أي واحد يتبعهم، هذه الخيزرانة تتكلم."

نظر إلى ثرياء. "أولهم أنتِ، ثريوة."

عقدت ثرياء ذراعيها. "أنت تحب الدراما."

لم يتحرك.

فعادوا أدراجهم.

Scene Five
A Different Adhan

مضى نصف رمضان.

وفي إحدى الأمسيات، كان الأذان مختلفًا.

أقوى.

أقرب.

مشى جون وصفية مع ثرياء.

ليس إلى بيتهما.

ولا إلى بيت المعلم.

بل إلى المسجد.

لاحظت القرية.

توقف الناس.

نظروا.

وتهامسوا.

ذلك التوقف القروي الصغير المحدد الممتلئ لجماعةٍ عُمانية كان فهمها الكامل الصغير المحدد للمعلمين الأجنبيين قد تبدّل تدريجيًا — على امتداد عام — لكنه لم يعبّر عن نفسه، حتى تلك المشية المسائية الصغيرة نفسها، في فعلٍ علني صغير محدد مرئي واحد. لم تكن المشية إلى المسجد، في حد ذاتها، إعلانًا. كانت اتجاه سيرٍ صغيرًا محددًا ممتلئًا. كان جون يمشي بخطى عادية. وكانت صفية تمشي إلى جواره. وكانت ثرياء تمشي أمامهما قليلًا، كما يمشي الدليل. لم ينظر أيٌّ منهم يمينًا ولا يسارًا. ولم يكونوا بحاجة إلى ذلك. كان انتباه القرية الجماعي الصغير المحدد الممتلئ عليهم — وعلى أقدامهم، الأزواج الثلاثة من الأقدام، وهي تحمل بهدوء الجواب المرئي الصغير المحدد الممتلئ عن سؤالٍ ظلت القرية تسأله، شهورًا كثيرة، في صمت.

تلك الليلة، بعد الإفطار، فتح شايب خلف بيته.

وفعل شيئًا لم يتوقعه أحد.

أعدّ مائدة كبيرة. للجميع.

أرز. لحم. خبز. تمر. شاي.

وقف وقال ببساطة:

"اليوم… نحتفل."

وقف جون. لم يكن صوته قويًا. لكنه كان واضحًا.

قال: "جئتُ إلى عُمان لأعلّم الإنجليزية. لكن عُمان علّمتني… شيئًا أكبر."

أمسكت صفية بيده.

قالت: "لم نأتِ من أجل العمل فقط. جئنا لأننا كنا… نبحث."

نظر جون إلى ثرياء. "إلى شعبكِ. حياتكم. إيمانكم."

أخذ نفسًا.

"اليوم… نقولها بوضوح."

نظر أحدهما إلى الآخر.

وقالا:

"نحن مسلمان."

لثانية، لم يتكلم أحد.

ثم… انفجرت القرية.

ابتسامات. دموع. أصوات.

صرخ منصور: "المعلم جون صار واحدًا منا!"

قفز مالود على المائدة.

مسح شايب خلف عينيه بكمّه وقال: "متأخر… لكن زين."

Scene Six
The Night of Light

أكلوا معًا.

وضحكوا.

وتحدثوا.

تذوقت صفية كل شيء وقالت: "هذا خطر. لن أكون نحيفة مرة أخرى أبدًا."

نظر جون إلى الناس وهم يصلّون.

هادئون.

مطمئنون.

وقال بصوتٍ خافت: "أظن… أن هذا هو البيت."

نظرت ثرياء إليهما.

ولم تقل شيئًا.

لأن بعض اللحظات… لا تحتاج إلى كلمات.

تلك الليلة القروية الصغيرة الصغيرة المحددة الممتلئة التي ستتذكرها ثرياء، في السنوات اللاحقة، بدقةٍ فوتوغرافية صغيرة محددة صافية تخص أهم ليالي حياة الإنسان. بيت خلف المفتوح. المصباح الصغير الممتلئ المحدد على الرف الخشبي، يلقي ضوءًا أصفر على كل وجهٍ محدد. ابتسامة سعيد الصغيرة المحددة، وقد حضر — بلا دعوة، بلا إعلان، بتلك الطريقة الهادئة الصغيرة المحددة التي لا يظهر بها إلا سعيد — وكان جالسًا في زاويته المعتادة، يراقب، لكنه لأول مرة لم يكن يراقب من خارج اللحظة. كان داخلها. وكانت القرية كلها داخلها. كانت تلك الأمسية الصغيرة المحددة الممتلئة قد أصبحت الاكتمال الصغير المحدد لعامٍ صغير محدد ممتلئ — العام الذي جاء فيه رجل وزوجته من بريطانيا ليعلّما الإنجليزية، وانتهى بهما، بدلًا من ذلك، إلى أن يصيرا مسلمين إضافيين صغيرين محددين ممتلئين في القرية. إن قواعد I am، التي علّمتها صفية للأطفال طوال العام، عادت إليها — في هذه الليلة الصغيرة المحددة — منطوقةً على لسانها ولسان زوجها في أكثر تصريفاتها أثرًا: نحن مسلمان.

لاحقًا، في البيت، استلقى جون على الأرض.

ممتلئًا.

سعيدًا.

نظرت إليه صفية.

"نجوت من الصيام. ونجوت من الطعام. تهانينا."

ابتسم.

"هذا… كان الشهر الذي غيّر كل شيء." — Palm Thirty-Six / النخلة 36 —

··
PALM THIRTY-SIX · The Day the Palm Tree Witnessed Everything — Samail, 1976 → 2026
Palm
Palm Thirty-Six
The Day the Palm Tree Witnessed Everything — Samail, 1976 → 2026
Scene One
The Quiet Morning of Exams

لم يكن الصف صاخبًا ذلك الصباح.

كان… متوترًا.

حتى منصور كان هادئًا.

ذلك الهدوء القروي الصغير المحدد الممتلئ في صباح الامتحان — مختلف في نسيجه عن أي هدوءٍ مدرسي آخر، لأنه هدوء مصنوع من تراكم أعصابٍ فردية صغيرة، لا من غياب النشاط. كان كل طفل يحمل، في ذلك الصباح، الثقل الخاص الصغير المحدد الممتلئ لقلقه الشخصي من الامتحان. كان أحمد مستيقظًا منذ الخامسة. ولم يأكل علي إلا نصف إفطاره. وأعادت نورة ترتيب مقلمتها ثلاث مرات. إنها طقوس الاستعداد الصغيرة المحددة الممتلئة لأطفال قريةٍ صغار قرروا، كلٌّ على حدة، أن اليوم هو اليوم الصغير المحدد الذي ظلوا يُعَدّون له طوال العام.

كانت المروحة القديمة تدور ببطء. وكانت السبورة نظيفة. وكانت المقاعد مستقيمة أكثر مما ينبغي — كأنها هي أيضًا تنتظر.

قال جون، محاولًا أن يبدو هادئًا: "اليوم… امتحانات."

ابتسمت صفية. "لا تنظروا إليّ كأنني القاضي."

مشت ثرياء بين المقاعد. "فقط افعلوا أفضل ما تستطيعون. هذا كل شيء."

وُزّعت الأوراق.

هبط الصمت كغطاء.

ذلك الصمت الامتحاني الصغير المحدد الممتلئ الذي، في أي صف في أي مكان، يملك الجودة الطبقية الصغيرة المحددة نفسها — أقلام على الورق، الخربشة الصغيرة المحددة لفكرٍ مركّز، تنهيدة صغيرة محددة ممتلئة من زاويةٍ التقى فيها طالبٌ بعينه بسؤالٍ بعينه، وكان، لوهلة صغيرة محددة، يعيد ترتيب فهمه لما تعلّمه. كانت ثرياء، وهي تمشي ببطء بين المقاعد، قد تعلّمت — على مدى سنواتٍ طويلة من التعليم — أن تقرأ هذه الصمتات الامتحانية الصغيرة بدقةٍ صغيرة محددة كدقة طبيبٍ يقرأ نبضًا. كان الصمت جيدًا. كان صمت أطفالٍ يؤدون عملهم.

كتب أحمد كآلة.

وكان علي يتوقف أحيانًا، يرفع نظره، ثم يواصل.

وكانت نورة تهمس بالسؤال لنفسها.

وقضم خليل قلمه.

وحدّق منصور في الورقة كأنها عدو.

ونام مالود قرب الباب.

Scene Two
The Longest Week

كان أسبوع التصحيح… خطيرًا.

ذلك الأسبوع القروي الصغير المحدد الممتلئ لتصحيح المعلمين الثلاثة الذين ألزموا أنفسهم، على امتداد شهورٍ كثيرة، بمشروعٍ صغير محدد ممتلئ — وها هم الآن، وأوراق الامتحان أمامهم، أمام المهمة الصغيرة المحددة الممتلئة: أن يقيسوا هل نجح المشروع. لم يكن التصحيح، في حد ذاته، مهمة صعبة. كان صعبًا عاطفيًا. كانت كل ورقة سجلًا صغيرًا محددًا ممتلئًا لعام طفلٍ صغير بعينه المتراكم. كانت ثرياء، التي علّمت هؤلاء الأطفال المحددين منذ كانوا في الخامسة، تعرف خطوطهم أكثر مما تعرف خطها. كانت تستطيع، من الجملة الثالثة في أي ورقة، أن تعرف أي طالبٍ كتبها من غير أن تقرأ الاسم. لم تكن الأوراق مجهولة بالنسبة إليها. كانت الأوراق أشياء شخصية صغيرة محددة.

كان جون متعبًا.

وكانت صفية متعبة.

وكانت ثرياء تتظاهر بأنها غير قلقة.

ليلًا، كانوا يصححون الأوراق في البيت الصغير. مصباح الزيت الوحيد على الطاولة الخشبية الصغيرة. ثلاثة معلمين منحنون فوق الأوراق. إبريق شاي بينهم، يُملأ من حينٍ إلى آخر. الصوت المسائي المتأخر الصغير المحدد الممتلئ لعلامات القلم وتعليقات المعلمين الصغيرة المحددة الممتلئة والتنهيدة الهادئة بين حينٍ وآخر.

قالت صفية: "انظروا إلى علي. تحسّنَت كتابته كثيرًا."

قال جون: "وأحمد. قواعد مثالية."

وضحكت ثرياء: "ومنصور… على الأقل كتب شيئًا."

Scene Three
Results Day

وقف الأطفال في صفوف تحت النخلة.

النخلة نفسها.

التي رأت كل شيء.

تلك النخلة الرمزية الصغيرة المحددة الممتلئة التي حدثت تحتها — خلال العام الدراسي الماضي — كل لحظةٍ قروية مدرسية مهمة صغيرة محددة. الدروس تحتها. الاعترافات تحتها. الجرادة تحتها. قائمة الفخر تحتها. شجرة القرية الصغيرة المحددة الممتلئة التي وقفت هناك، صبورة، منذ زمنٍ طويل قبل أن يولد أيٌّ من هؤلاء الأطفال الصغار المحددين، والتي ستقف هناك، صبورة، طويلًا بعد أن يمضوا. لم تتغير الشجرة. الأطفال تغيروا. لقد كان العقد التربوي الكامل المحدد الممتلئ لذلك العام الدراسي، بمعنى صغير محدد ممتلئ غير منطوق، مشهودًا من هذه الشجرة بالذات.

أمسك جون الورقة.

وحبست صفية أنفاسها.

وابتسمت ثرياء كأم.

قال جون: "أحمد. ممتاز."

وقف أحمد مستقيمًا. كجندي.

قالت صفية: "علي. ممتاز."

لمعت عينا علي.

"نورة… جيد جدًا."

"مثيلة… جيد جدًا."

"سليمة… جيد."

"مروة… جيد."

"رحمة… جيد."

ثم…

"منصور…"

أغمض عينيه.

"… ناجح."

سمعت القرية صرخته قبل أن تسمعها الجبال.

تلك الصرخة المنصورية الصغيرة الممتلئة الممتلئة من الفرح الخالص، التي كانت، بطريقتها الصغيرة المحددة، نشيد القرية الصغير المحدد للعام الدراسي كله. منصور، الذي ركض أكثر من أي طفلٍ آخر، والذي سرق قطعة بوب جامد واحدة من سادو، والذي خاف من الفراشات، وقفز في البرك، وحاول أن يرشي سادو بماعز — كان، رغم توقعاته الطويلة الخاصة، ورغم شكوكٍ هادئة خاصة لعدة معلمين، قد نجح. لم يكن النجاح مذهلًا. كان نجاحًا ضيقًا. لكنه كان، بكل مقاييس القرية ذات الصلة، انتصارًا. ومنصور، الذي قرر منذ زمنٍ طويل أن يسجل كل عاطفةٍ قروية صغيرة محددة ممتلئة بأعلى صوت، صرخ تبعًا لذلك.

Scene Four
Graduation Day

زُيّنت المدرسة بقماشٍ بسيط وسعف نخيل.

ذلك الزينة القروية الصغيرة الممتلئة المحددة ليوم تخرجٍ في مدرسةٍ عُمانية عام 1976 — أطوال صغيرة محددة من قماشٍ زاهٍ مربوطة بين سعف النخيل، وزهور ورقية صغيرة محددة صنعتها بنات الصف الأكبر، ولافتة كرتونية صغيرة محددة واحدة، كُتبت عليها العربية والإنجليزية باليد. كانت الزينة متواضعة. وكانت الزينة، بحسب اقتصاد القرية الصغير المحدد في تلك السنوات، أقصى ما يمكن فعله. وكانت الزينة، في تواضعها الصغير المحدد الممتلئ، مناسبة تمامًا — لأن اليوم لم يكن، بأي معنى، عن الزينة. كان اليوم عن الأطفال.

جلبت الأمهات الطعام.

وجاء الآباء بوجوهٍ فخورة.

حتى سادو أغلق دكانه مبكرًا.

جلس شايب خلف في المقدمة، يمسك عصاه كأنها وسام.

وقف الأطفال في صف.

غنّوا.

وضحكوا.

وتسلّموا شهاداتٍ صغيرة.

بكت صفية.

وتظاهر جون بأنه لا يبكي.

وبكت ثرياء علنًا.

وعندما انتهى، نظر جون إلى الأطفال وقال:

"جئتم إلى هنا لا تعرفون حتى كلمة واحدة. والآن… تستطيعون أن تتكلموا. تستطيعون أن تقرأوا. تستطيعون أن تحلموا."

Scene Five
The Goodbye That Was Not a Goodbye

في ذلك المساء، جلسوا تحت النخلة.

النخلة نفسها.

وكان مالود يقفز بينهم.

وغابت الشمس ببطء.

ذلك المساء العُماني الصغير الممتلئ المحدد لعامٍ دراسي انتهى. خلت الأزقة. وأعادت الأمهات الطعام إلى مطابخهن. وعاد الآباء إلى مزارعهم. وذهب الأطفال إلى بيوتهم — معظمهم، في ذلك الوقت، وقد لُفّت شهاداتهم الصغيرة وربطت بخيطٍ من سعف النخيل، أول اعتراف رسمي صغير محدد ممتلئ ناله أيٌّ منهم من أي مؤسسة. أما المعلمون، ثلاثتهم، فقد بقوا. لم يكونوا على عجلة. لم يكن اليوم قد أكمل نفسه بعد. كان، بفعل الجذب الهادئ الصغير المحدد الممتلئ لعامٍ لا يريد أن يُطوى بسرعة، قد احتاج منهم أن يجلسوا، ثلاثتهم، تحت هذه النخلة نفسها، وينظروا إلى القرية الصغيرة المحددة التي علّموها، معًا.

قالت صفية بهدوء: "أتتذكران أول يومٍ لنا هنا؟"

ابتسم جون. "وقعتُ في الدخان."

ضحكوا.

نظرت ثرياء إلى الشجرة.

"هذا المكان… غيّرنا جميعًا."

ثم جلسوا ثلاثتهم في صمت. ذلك المساء العُماني المتأخر الصغير المحدد الممتلئ، ولون السماء يتحرك ببطء عبر الوردي والبرتقالي، ثم أخيرًا إلى البنفسجي الصغير المحدد الممتلئ الذي يعني الليل. في مكانٍ ما أسفل الزقاق، ضحك طفل. وفي مكانٍ ما نادت أم طفلًا آخر ليعود إلى البيت. وفي مكانٍ ما، مأمأ ماعز — وعلى الأرجح أنه مالود — مرة واحدة. واصلت القرية. كانت القرية قد واصلت دائمًا. وستواصل القرية.

وفي الهدوء الصغير المحدد الممتلئ لذلك المساء بعينه، انتهى العام الدراسي.

Scene Six
Suddenly… 2026

يمرُّ نصف قرن. ويعرف قارئ هذا الكتاب — مثل كاتبته — أن خمسين عامًا لا يمكن أن تُطوى في صفحة واحدة. ومع ذلك، فإن النهاية الصغيرة المحددة الممتلئة لقصةٍ ما تحتاج أحيانًا إلى تلك الطيّة بالضبط. تعلو الصدأ سيارةُ العم ناصر البيك أب، وتُستبدل بها أخرى، ثم أخرى. ويُغلق دكان سادو، ثم يُفتح من جديد على يد ابن أخيه. وتُعاد بناء المدرسة، التي كانت بسيطة في عام 1973 — مرتين. ويموت الشايب خلف في عام 1981، شيخًا مسنًا، هادئًا. ويبقى ابنه عبيد في القرية. ويموت المعلم حمد في عام 1984، بالطريقة الصغيرة المحددة الهادئة نفسها التي عاش بها. ويكبر منصور، ويصبح هو نفسه معلمًا، ويروي حكاية بوب جامد في كل غرفة معلمين في البلاد. ويصبح علي مهندسًا معماريًا، وتتحول رسوماته الصغيرة للقلاع إلى مبانٍ حقيقية. ويصبح سعيد طبيبًا — هادئًا، ملاحظًا، ذلك الطبيب الصغير المحدد الممتلئ الذي يقول مرضاه دائمًا إنه يرى الحقيقة. وتشق نورة طريقها بالكلام إلى محطة إذاعية. ويصبح أحمد، بالفعل، معلمًا. أما خليل فيصبح — وهذا لا يدهش أحدًا — رجل أعمال قرويًا ناجحًا صغيرًا محددًا ممتلئًا، يضع في بعض الصباحات دلوًا فوق باب دكانه هو نفسه، من باب التسلية.

وثرياء؟

تدرّس ثرياء أربعين عامًا أخرى.

تتزوج. تربي أطفالًا. يكبر أطفالها. وينجب أطفالها أطفالًا. تلك الحياة الطويلة الهادئة الصغيرة المحددة الممتلئة لمعلمة عُمانية، كانت مسيرتها الصغيرة المحددة الممتلئة — بكل مقياسٍ قروي صغير محدد كان يعني شيئًا — هي بالضبط المسيرة التي أرادتها.

وجون وصفية؟

يبقيان في سمائل سنواتٍ كثيرة. ثم يرحلان. ثم يعودان. ثم يرحلان مرة أخرى. ثم — في النهاية — يحدث ذلك النسيان البطيء الصغير المحدد الممتلئ الذي يأخذهما بعيدًا عن هذه القصة، لا عن ذاكرة هذه القرية.

تبقى دفاتر تلك السنة مع ثرياء. في صندوقٍ خشبي صغير محدد ممتلئ. في زاوية صغيرة محددة ممتلئة من بيتها. خمسين عامًا.

ثم، في صباحٍ صغير محدد ممتلئ من عام 2026 —

صوت قلم.

دفتر.

امرأة تجلس في غرفتها.

تكتب.

تغلق الدفتر ببطء.

صوت من الخارج:

«ثرياااا… تعالي تغدّي! الساعة صارت 2!»

(ثرياااا… تعالي للغداء! الساعة صارت الثانية بالفعل!)

تجيب ثرياء:

«إنزين ماه… جايّه.»

(حسنًا يا أمي… أنا قادمة.)

تنظر إلى الدفتر.

على الصفحة الأخيرة:

"وهكذا بدأ كل شيء… تحت النخلة."

تغلقه.

على الغلاف:

‪123 Let's Learn English Under the Palm Tree‬

تمسك الدفتر للحظة صغيرة محددة ممتلئة. إنه ثقيل. إنه ممتلئ بخمسين عامًا. إنه — بتلك الكثافة المستحيلة المتراكمة الصغيرة المحددة الممتلئة التي يكتسبها أي دفتر حُفظ جيدًا — شيء مادي صغير، وحياة صغيرة محددة ممتلئة في الوقت نفسه. تنظر المرأة ذات الخمسين عامًا، التي هي ثرياء الآن، إلى اليدين الصغيرتين المحددتين الممتلئتين اللتين كتبتاه، وتدرك أن هاتين اليدين هما — وإن تغيّرتا — اليدان نفسيهما اللتان حملتا ذات مرة قطعة طباشير قروية، تحت نخلة، في عام 1973، وعلّمتا مجموعة صغيرة من الأطفال الحفاة زمن المضارع المستمر.

تضع الدفتر على الرف.

تمشي نحو المطبخ — نحو صوت أمها، نحو الغداء العُماني الصغير المحدد الممتلئ الذي ينتظر، نحو الاستمرار العادي الهادئ الصغير المحدد الممتلئ لكل حياةٍ سُمح لها يومًا، رغم كل الاحتمالات، أن تستمر.

وفي مكانٍ ما — في الذاكرة الطويلة الصغيرة المحددة الممتلئة لقرية سمائل، حارة القرواشية، في عام 1973 — تظل نخلة، النخلة نفسها، واقفة. صابرة. باسقة. أكبر الآن مما يتذكر معظم الناس. لا تزال شاهدة على الحوار الطويل الصغير المحدد الممتلئ بين معلمة ومكانها. لم ينتهِ الحوار. ولن ينتهي. الحوار، مثل كل الحوارات الأجمل، وجد ببساطة وقفته الصغيرة المحددة الممتلئة.

والنخلة — صامتة، عتيقة، وفية — تحفظ أسرارها الصغيرة المحددة الممتلئة.

النهاية

Glossary

The Word Harvest


937 words gathered from the thirty-six Palms.

A
a-sneaky-cloud-with-legs — A small, deceptively innocent creature moving quickly and with intent; here, the specific movement of Malood
abandon — Complete freedom from restraint; unreserved commitment to an action
Aboooyaaah — An Omani exclamation of shock or distress, literally calling out 'my father!'; used by children when startled
abridged — Shortened by removing parts; reduced in scope
abruptly — Suddenly; without warning
absolute — Complete and total, without any reduction; used here for the total shock of mountain water on warm skin
absorb — Take in something without pushing back; receive fully
absorbed — Completely focused on something, giving it all your attention — unaware of anything else around you
abundant — Existing in very large quantities; more than enough
accepts — Receives without resisting; allows something to be taken in without argument
accumulated — Gathered or built up gradually, piece by piece, until the total became noticeable
acknowledged — Showed that one has seen or noticed something, usually with a small gesture
acknowledging — Showing respect and recognition of something; honouring what has been given
acquired — Gained or obtained over time, often through effort or experience
acquisitive — Eager to acquire or obtain things; here, used for a goat with a taste for shoes
activation — The sudden switching on of a mode or state; here, the way teacher-instinct overrode everything else
actively — In a way that involves real effort; deliberately and with full engagement
adhan — The Islamic call to prayer, called from the mosque to announce prayer time; one of the defining sounds of Muslim community life
Adjustments — Small changes made to fit a new situation; minor alterations
admiration — A feeling of respect for someone who does what you secretly wish you could
admitted — Allowed to enter a place; officially received into a group
Adventure — An exciting, often risky journey or experience; something new and memorable
affection — A feeling of liking and caring for someone; warmth toward a person
affirmed — Confirmed as true or valuable; officially accepted or supported
after-lunch — The particular sleep that comes after eating well; a satisfied daytime nap
aftermath — The time and situation after an event, especially a difficult or noisy one
afternoon — The part of the day between noon and evening; here, used as a living presence with its own weight
against — In opposition to something; despite what a person might have expected
aged — Having lived many years; here, carrying the marks and dignity of a long life openly
aggressive — Acting forcefully; behaving as though it wanted to hurt you
agreement — Shared understanding between people; something everyone accepts without needing to argue
Al-Lajal — A small village in Wadi Al-Maawil in the Batinah region of Oman; known for its hot falaj and for being the historical home of the Al-Naabi tribe
Al-Naabi — One of the large old tribes of Oman, with deep roots in the Wadi Al-Maawil area; the family name carried by generations
alarm-clock — A device that makes a sound to wake someone up; here, used metaphorically for the smell of bread
aligning — Coming into proper position; things falling into place together naturally
almost — Very nearly; not quite completely
ambiguous — Having more than one possible meaning; not clearly one thing or another
amused — Finding something funny in a quiet, gentle way; not quite laughing, but close
ancient — Belonging to the very distant past; extremely old
animals — Living creatures that are not plants or humans; all other living things with bodies that move
animated — Full of lively spirit; actively engaged with a topic
announced — Made known publicly or formally; declared
announcement — A public statement, usually of something important; a declaration
announcements — Public or official statements broadcast to inform people in a shared space
anticipate — Expect or predict something before it happens; see things coming
anticipatory — Showing preparedness or foresight; ready in advance
apologetically — With an air of saying sorry; behaving as though one's existence requires excuse
appalled — Greatly dismayed or horrified; shocked
appetizing — Making one want to eat it; giving the appearance of being delicious
appraisal — The act of judging the value or quality of something; careful assessment
approval — Expression of acceptance or agreement; a warm welcome of an idea
architecture — The design and structure of something; the essential shape that holds everything together
arguing — Disagreeing in words or action; here, used for the sound of a dreaming goat
argument — A reason or set of reasons given in support of something; here, a green that seemed to be making a case for itself
aroma — A strong and pleasant smell, often from food or drink
aromatic — Having a strong pleasant scent; perfumed
arranging — Placing things in a particular order; organising by appearance or value
arrival — The act of coming to a place; here, the quiet way Thuraya entered any scene
arrive — Come to a place; here, used to describe the internal arrival that comes after the physical one
arrives — Reaches; comes to a place; here, used about a beard's progress down the chest
artisan — A person skilled in a trade, especially one involving making things by hand; a craftsman
ascertain — To find out or determine with certainty; to establish as fact
ashamed — Feeling regret or guilt about one's actions; embarrassed by one's own behaviour
assembled — Gathered together to form a whole; brought into a single composition
assembly yard — The open outdoor space in front of a school where students gather, line up, and begin their day
assessment — A careful judgement about the value or ability of something or someone
assigned — Given a task or place by someone else; allocated
associated — Connected in the mind with something else; linked mentally
atmosphere — The pervading tone or mood of a place; a kind of air around someone
attacked — Took aggressive action against; came at with force
attendance — The fact of being present; being there
attentive — Paying close, careful attention; listening or watching with full focus
attentiveness — Careful close observation; paying full attention to what is in front of you
authority — The power and right to make decisions and command respect; here, not a position but a quality of being
automatic — Happening without conscious thought; built into the body through repetition
availed — Made use of; took full advantage of an opportunity
awal — Dried tuna or large fish cured in the sun and salt; a traditional Omani preserved food, deeply fragrant, eaten in stews and with rice
awe — A feeling of great respect mixed with wonder
awl — A small pointed tool used to make holes in leather or wood
B
balance — The ability to keep yourself steady and upright; the body's control over its own position
Balanced — Having different elements in the right proportions; neither too much nor too little of anything
bamboo stick — A stick cut from bamboo; in Omani village tradition, used by teachers and drivers as a light symbol of authority over groups of children
banjari — Arabic/Omani: a set of many thin bangles worn together on one wrist; a traditional form of Omani silver jewellery, worn in quantity
baptism — A ceremony of initiation, traditionally involving water; here, used to describe the moment that marked John's acceptance
bargaining — The back-and-forth discussion of price between seller and buyer in traditional markets
basket — A container made by weaving thin strips of plant material; in Oman, traditionally made from palm fronds
baskets — Woven containers made of palm leaves; the ordinary carrying equipment of village life
bathed — Surrounded or covered by something, as if immersed in liquid
beamed — Smiled widely and brightly
beaming — Smiling very widely and brightly; showing happiness openly
bearing — The way a person holds themselves, especially when in charge; a quality of natural leadership
becoming — Attractive or flattering; suiting a person well
beehive — The structure in which bees live; a colony of bees' home
behaviour — The way someone or something acts; the pattern of their actions, taken as a whole
benches — Long seats without backs, made of wood, placed for groups to sit on
beseeching — Asking urgently and with deep feeling; earnestly begging for help
bisat — A woven mat used for sitting and sleeping in traditional Omani homes; pressed flat by years of shared use
bloodshot — Having the whites of the eyes reddened, usually from irritation or crying
Bob-Jamid — Old Omani name for a chilled fizzy drink — often a brand or a kind of cold soft drink popular among children in 1970s Gulf villages
Bosphorus — The narrow strait of water running through Istanbul, connecting the Black Sea to the Sea of Marmara
bowed — Bent the head or body forward as a gesture of respect or acknowledgment; here, a theatrical acknowledgment of applause
braced — Prepared for something difficult; steadied against expected impact
brazing — Joining two pieces of metal together with heat; a traditional metal-working skill
bridal — Relating to a bride or a wedding
brighten — Become brighter; fill with warmth or light
Britishness — The qualities associated with British national character, especially a stiff, understated response to difficulty
broke — Failed under pressure; gave way after holding
bukhoor — Traditional Arabian fragrance made of aromatic woods, musk, and resins mixed together; burned on coals to scent homes and clothes
bump — A raised or uneven part of a road surface that causes a vehicle to jolt
burst — Opened suddenly and with force; here, used for the arrival of children
bustling — Full of active movement and noise; crowded with busy activity
C
cadence — The rhythm or flow of speech; the musical shape of how someone speaks
calculus — A method of calculation; here, used humorously for the mental processes of a goat
calibrated — Carefully adjusted to get exactly the right measure or setting
canvas — A strong, heavy cloth made of cotton or hemp, often used for bags; here, the ordinary English teacher's bag
capacity — The total amount that something can contain or produce
Cardamom — An aromatic spice with a sharp, sweet flavour; one of the oldest and most treasured spices in Arab cooking
carriage — The way a person holds their body, especially the head and shoulders
carry — To travel a distance, especially of sound; to land with impact
carrying — Able to travel far without being shouted; the natural reach of a voice that has weight
casually — In a relaxed and unconcerned way
catalogue — Make a detailed list of things; organise information into categories
cataloguer — A person who keeps an organised record of things; one who notes and stores information carefully
categorically — Completely and clearly; without exception
category — A group of things with something in common; a class or type
cauldrons — Large deep metal cooking pots, often used over fire; here, used for the traditional cooking vessels of Omani communal meals
cautious — Taking care; moving with awareness of risk
ceased — Stopped; come to an end; no longer happening
censers — A container in which incense is burned; a small vessel for holy or ceremonial smoke
ceremonial — Done with formality and a sense of occasion; treated as an important event
ceremony — Formal procedure or ritual; elaborate actions performed for an occasion
certainty — The state of being completely sure about something; having no doubt
chagrin — Annoyance and distress at having failed; a feeling of disappointed embarrassment
chalk — A soft white or coloured stone, cut into sticks, used for writing on boards; the writing material of schools everywhere before pens
chamber — An enclosed space; a small room used for a particular purpose
chaos — A state of complete disorder and confusion; things happening all at once without order
character — A person in a story; here, used to mean someone whose presence has become part of the local narrative
charmed — Delighted or greatly pleased; captivated
charmingly — In a way that makes other people like you without effort; winning them over
cheerful — Happy and optimistic; pleased
choice — A particularly important or interesting part of something; the best moment
chorus — A group of voices singing or speaking together at the same time
circulated — Moved in a complete circle, returning to where it began; kept flowing around a system
claim — A statement of ownership; an assertion of connection
clang — A loud ringing metallic sound; made by metal striking metal
clarity — The quality of being clear and easy to understand
clearer — More transparent or pure; easier to see through or breathe
cluster — A small group of people or things standing close together
clusters — Groups of things growing or hanging close together on the same branch
collapsed — Fell into something completely, usually from laughter; lost all composure at once
collective — Belonging to or done by a group together, not one person
colourful — Having many bright colours; rich in colour
columns — Tall narrow shapes; here, used to describe rising lines of smoke
comet — A celestial body moving in a long curving path; here, used to describe the speed and inevitability of Malood's arrival
commercial — Relating to trade or commerce; focused on the making of money
committed — Fully dedicated to a course of action; completely given over to something
committing — Devoting oneself to something; determining to do it
communal — Shared among a group; relating to what is done together
competence — The quality of being well-suited for a task; having what it takes
complaint — Expression of dissatisfaction or discomfort; grumbling
composed — Calm and in full possession of oneself; not rushed or scattered, with every part of a person in the right place
composition — An arrangement of parts forming a whole; a specific planned picture
composure — Calm, settled control of oneself; the outer appearance of dignity under pressure
compound — An area of land with a group of buildings and walls; here, the small enclosed space around their house
comprehension — The ability to understand something; grasp of meaning
comprehensively — Completely and thoroughly; in every possible way
compressed — Pressed or squeezed together into a smaller space; concentrated into less room than expected
concealment — The act of hiding; keeping oneself out of sight
concentrated — Focused in one spot; gathered in intensity
concentration — Deep, focused attention given to one task so that everything else fades into the background
concerned — Worried or anxious about something; in the negative, at ease
conductor — A person who directs musicians with a small stick; here, used to describe how Uncle Nasser opened the morning like a piece of music
confidence — Feeling sure of yourself and your abilities; speaking without doubt or hesitation
confidently — With assurance; without hesitation or fear
confused — Unable to think clearly; bewildered
consequential — Significant; having important effects or results
considered — Thought about something carefully before deciding
consistently — In a way that continues in the same manner over time
conspicuous — Attracting attention, usually by being different or unusual
conspiratorial — Acting as if sharing a secret plan; of two or more people in private agreement
constellation — A group of stars forming a recognisable pattern; here, used poetically for a scattered but connected group
consultation — The act of asking for advice or opinion before acting; here, used ironically for a part of the body acting on its own
contained — Held within a boundary; kept under control
continuous — Going on without stopping; present always, without pause or interruption
contrite — Feeling sincere regret about having done something wrong
convention — An accepted way of doing things in a particular time or place
converging — Coming together from different directions; approaching the same point
conviction — A firmly held belief; deep certainty expressed through action
cooing — The low, gentle sound made by doves or pigeons, especially at dawn
cooked — Heated with fire or hot liquid until done; here, used joyfully by Mansoor about Mr. John
cool — Slightly cold in a pleasant way; the gentle low temperature of early morning before the sun takes hold
coordination — The ability to use different parts of the body together smoothly; physical skill
corralled — Gathered or rounded up, especially animals or people moving in too many directions
correctly — In an accurate way; rightly
counsel — Advice or guidance, especially of a serious kind
country — A nation; here, used for the whole of Oman, which John felt had conspired, as a whole, against him
courtesy — A polite gesture; an act of consideration
creature — A living being, especially one that is strange or frightening
crescent — A curved shape like a thin moon; a small arc
criminal — Someone who has broken the law or done something seriously wrong; here, used with complete earnestness
crisis — A time of intense difficulty or danger; a moment requiring decisive action
crossed — Folded one over the other; here, the posture of a person who has been proved right
crown — A headdress worn by a king or queen as a symbol of authority; here, used to describe the scale of what Malood seemed to have stolen
cruelty — The quality of being unkind; here, used humorously for friendly teasing
crumbled — Broke down; gave way to laughter after a long attempt at control
culturally — In a way relating to the customs and ideas of a society; here, referring to village rules John kept stumbling into
curing — The process of preserving food through salt, smoke, or drying; the ancient method of keeping food edible
curiosity — A genuine desire to know and understand something; alert, awake interest
current — A movement of air in a particular direction; here, the gentle movement of dawn breeze
currents — Flowing movements within a body of water; here, patterns of movement within a crowd
cushion — A soft bag filled with padding; here, the slightly higher seat that traditionally marked the position of the village leader
D
daghoos — A spicy chilli dipping sauce, deeply loved in Omani village food culture
dangerous — Here: likely to cause disturbance in a classroom, not because of bad intentions but because of too much energy and social interest
dappled — Marked with small spots or patches of light and shadow
darker — More shadowed; with more depth and more visible edges
darkroom — A room shut off from light, used for processing photographic film and printing photographs from negatives
Darwazat-Mutrah — A traditional Omani children's chasing game, named after the old gate of Mutrah in Muscat; a game of running, catching, and great joyful chaos
dashed — Ran quickly with urgent purpose; hurried
decision — A choice reached after consideration; here, reached by the body without consulting the mind
declaimed — Spoke with great formality and dramatic effect, as though performing
decode — Work out the meaning of something complicated; understand a hidden pattern
deficit — A shortfall; an amount missing from what is expected
deflected — Turned aside from a direction or purpose; diverted
deliberate — Done with full intention and awareness; not accidental or casual — chosen
deliberately — On purpose; with clear intention
deliberateness — The quality of being done carefully and on purpose; slowness that carries intent
deliberation — Careful slowness; the quality of moving with thought rather than haste
delicate — Very fine and gentle in quality; easily damaged or broken
delight — Give great pleasure; please very much
delighted — Greatly pleased; extremely happy about something
delivered — Gave or transferred something fully; here, the bump's complete transmission of its force
demolished — Completely destroyed; broken down entirely
demystifying — Removing mystery from something; making it plain and understood
density — The quality of being heavy and concentrated in a small space; here, a quality of presence rather than weight
descent — The act of coming down from a higher place; a falling motion toward the ground
describe — Give an account of something in words; paint a picture with language
design — The way something has been planned or made; a considered arrangement
detailed — Including many specific pieces of information; thorough and complete
determined — Showing firm, unwavering resolve; not willing to be turned aside
devastating — Causing great emotional impact; here, the impact of a perfectly chosen short sentence
Dew — Mountain Dew — a favourite fizzy drink among village children in Oman
Dhofar — The southern region of Oman, where from 1965 to 1976 an armed conflict — the Dhofar Rebellion — was fought between rebels and government forces; by 1973 the war was the most serious matter in the country
dhows — Traditional Arab sailing vessels, with lateen sails; the backbone of Arabian Sea trade for over a thousand years
digestive — Related to the process of breaking down food; here, used about Malood's unknown-fate stomach
dignified — Having or showing a serious, calm manner that is worthy of respect
dignity — The state of being worthy of respect; self-respect
diplomat — A person skilled in managing relations between people or groups with sensitivity
diplomatic — Done with care and politeness; careful not to cause offence
disarmed — Made unable to resist or be critical; won over by charm
disbelief — Inability or refusal to accept that something is true
discipline — Control over behaviour that comes from inside rather than from punishment; passed from one generation to the next through presence and expectation
disciplined — Controlled and ordered; following a strict internal set of rules
discovering — Finding or realising something for the first time; the moment a thing becomes known
disgruntled — Feeling or showing complaint; grumpy about something
dishdasha — The traditional full-length robe worn by Omani men; the garment of everyday life and formal occasions alike
disrupt — Interrupt or disturb the normal course of an activity
distance — Separated by a space; far away
distilled — Purified or reduced something to its essential form; extracted the most important part
distinctive — Having a quality that marks something out as different from others; easily recognisable
distributing — Giving out things to several people, usually fairly
disturbed — Upset or agitated; had its usual state broken
Don't — A negative command; the word used to tell someone not to do something; short, direct, complete
dramatic — Striking or impressive; exhibiting exaggerated emotion or theatricality
dramatically — In a way that is exaggerated or theatrical; with great emotion
driver-stick — A long thin stick kept by a vehicle driver; used in old Oman as a signalling tool, for nudging livestock, or as a symbol of quiet authority
dry — Lacking moisture or emotion; here, used to describe a voice that carries no extra feeling
Dukkan Al-Hillah — The small neighbourhood shop in the village of Al-Qurawashiyah — the heart of the place where daily supplies are bought and news is exchanged
Dukkan-Al-Hallah — Arabic: the village shop or general store; the old village commercial gathering point
durable — Lasting; capable of continuing for a long time
E
earnest — Serious and sincere; without humour or pretence
earth — The solid ground; the material of which the world's surface is made
echo — A sound that is heard again because it reflects off something; here, used for the memory of a moment that lingers in a place
economical — Using only what is necessary; not wasteful
economy — Careful use of resources; efficiency in management
efficiency — Doing something well and without wasting effort or time; a skill that comes from years, not instruction
effort — A vigorous attempt to do something; here, the visible work of not laughing
effortless — Done without any apparent effort or difficulty; natural and easy
elaboration — The addition of more details or explanation to something already said
elected — Chose to do something; appointed themselves
elementary — Of the simplest and most basic kind; the most obvious
embarrassment — The feeling of being self-conscious or ashamed about something one has said or done
emblem — The official symbol at the centre of the Omani flag; representing the nation
embossed — Decorated with raised designs; patterned so the design stood out
embroidered — Decorated with needlework in thread; worked with small stitched designs
emphasis — Special importance given to something; force or stress in expression
entered — Came inside something; went into a space or body
enthusiasm — Great excitement and eagerness about something
entire — The whole of something; complete and including everything
entitlement — The belief, often without foundation, that one has a right to something; here, used affectionately for the goat
erupted — Broke out suddenly and with great energy; the kind of reaction that cannot be contained once it begins
escorted — Accompanied, especially to provide protection or guidance; here, gently removed from a situation
escorting — Walking alongside someone officially, as a guard or companion; here, used with comic seriousness about a goat
essentials — The most necessary things; the items a life cannot be lived without
evaded — Escaped from or avoided being caught; got away skilfully
evidently — Clearly or obviously; as shown by what can be seen
excellent — Of the highest quality; extremely good
exemption — A release from a usual requirement; permission not to take part in something
exhaled — Let out a slow breath; released air held in without realising it
expansively — In a way that covers a wide area; broadly
expendable — Able to be given up or used up; not essential
experience — Practical contact with something; knowledge gained through being involved in an event
exploded — Burst out suddenly and loudly; released a great amount of energy all at once
extended — Made longer; added to something; here, added a new idea on his own
extinguish — Cause to cease burning; put out
F
fading — Becoming gradually weaker or less visible
failure — Lack of success; here, the specific failure to remain composed in the face of comic material
fajr — Arabic: the time before sunrise; the first prayer of the day; a specific kind of pre-dawn light that is its own presence, not merely the absence of night
falaj — An ancient Omani irrigation channel carved from stone, carrying mountain water into the village; a UNESCO World Heritage system used for over three thousand years
Falaj-Al-Lajal — The specific falaj of the village of Al-Lajal, unusual in that its water runs warm — one of the rare hot falajs of Oman, fed by underground thermal sources
Falaj-soup — A soup made from the falaj; an invented, joking dish in which Mr. John is the main ingredient
familiar — Well-known and comfortable; like family
farsadh — Omani mulberry — a sweet, dark fruit that grows on trees common across Oman's interior villages; stains the fingers dark when eaten
feminine — Having qualities of gentleness and grace; soft and delicate in nature
finality — The quality of being final or decisive; the sense of an ending
fine — Made of very small particles; light and delicate in texture
fiqh — Islamic jurisprudence; the traditional body of Islamic legal knowledge taught in mosques
flatness — The quality of being subdued; lacking the full force of feeling
flawless — Without any mistake or fault; completely correct and without imperfection
fleet — A group of ships belonging to a country, company, or organisation; here, Oman's historical naval and merchant ships
flexible — Able to bend without breaking; supple
flinching — Making a small, quick movement of the body to avoid something unpleasant
flock — A group of sheep or goats moving together; here, a cluster of animals along the roadside
flourish — An impressive waving movement or decoration; here, a small added touch of style
flowed — Moved smoothly and continuously, like water; here, the natural current of people and goods
fluently — Speaking a language easily, smoothly, and without difficulty
flying-lesson — A teasing term Thuraya invented for John's fall on the wet path; making light of the moment he became airborne
focus — The concentration of attention on a specific thing
folded — Here: time collapsed, bringing the past and present together as if bending them toward each other
folk-imagination — The shared imagination of ordinary people, expressed in stories and beliefs
forerunner — Something that comes before and announces the arrival of something else
forgot — Failed to remember something; here, used humorously about a boy so distracted he forgot his task
formality — A necessary action required by custom or rule rather than actual need
format — A particular arrangement or plan for something
formation — A pattern or arrangement of people; a way of gathering that everyone understands without discussion
formidable — Impressive in size or seriousness; demanding respect and perhaps a little caution
frankincense — A sweet-smelling resin burned as incense; treasured for thousands of years in Oman and across the Arabian Peninsula
frankness — The quality of being open, direct, and honest, even when it is not tactful
freshness — The quality of being new, clean, and full of energy; not tired
frightened — Feeling fear; scared, but not physically harmed
frog — A small amphibious animal; here, used as the comic destination of an enchanted object
froze — Became stuck in place; became motionless, usually from shock
fundamental — The most basic and essential aspect of something; at the root of what something is
fundamentally — In the deepest, most basic way; at the root of what something is
furrowed-brow — A brow with deep lines of concentration; the face of someone thinking hard
G
gap — A space between two things, here between the front teeth; a common feature of faces that smile easily
gathering — Collecting oneself for something difficult ahead
generosity — The quality of giving freely and kindly, without counting or asking for return
generous — Kind and willing to give freely; using more favourable words than strictly required
gently — Softly and carefully, without force; the opposite of roughly
genuinely — In a real, true way; from the heart
geography — The land and waters of a place; the physical and cultural space a life takes up
ghaf — A native Omani tree with deep roots and wide shade; considered a symbol of endurance and of the desert village
ghost — The spirit of a dead person, believed to appear to the living
ghoul — The Arabic/Omani word for a snake — a confusion Mr. John was about to experience fully, because 'ghoul' in English also refers to a terrifying monster
giant-beetle — A large, slow-moving creature with a hard shell; used here to describe the lumbering appearance of the old municipal truck
gleam — Shine with a soft, smooth light
goat — A four-legged farm animal with hooves and sometimes horns; known for eating almost anything and going wherever it wishes
Good — A word of praise and approval; simple, immediate, and completely sufficient
grades — Levels of quality ranked from lowest to highest
grammar — The rules that govern how a language works; the structure of correct speech and writing
gratified — Pleased and satisfied, especially by recognition of a thing one has observed
gratitude — A feeling of being thankful; deep appreciation
gravely — In a serious, solemn way; with weight
gravity — A seriousness or heaviness; the quality of something that does not take itself lightly
gray — Of a colour between black and white; ashen in tone
greeting — A friendly word, sign, or action on meeting someone
grin — A wide smile, often showing teeth, and usually carrying something mischievous or amused
grip — The act of holding something tightly; the firmness of a hand's hold
gritty — Containing small hard particles; rough on the teeth or skin
H
Habbabouh — A warm Omani term of affection, roughly 'the one who is loved'; used for beloved elders in the community
habibi — Arabic: 'my beloved' — a warm term of affection used across Arabic-speaking cultures for friends, family, and children
habitual — Done regularly, so often that it has become the natural way of things; no longer chosen, simply happening
haggled — Argued about the price of something back and forth before agreeing
handmade — Made by hand rather than by machine; each piece individually worked
heeb — Arabic: a small curved sickle used for cutting grass, animal fodder, and small crops by hand
held — Kept in the hand without tight grip; carried at rest with full readiness
herbal — Relating to herbs or plants; made from growing things rather than chemicals
herbs — Plants, especially small green ones, used for cooking, scent, or medicine
hero — A person admired for their courage or outstanding achievements
hesitated — Paused before doing something, usually because of uncertainty
hesitation — A pause before doing or saying something, usually because of uncertainty or doubt
hijab — A head covering worn by Muslim women as a sign of modesty and faith
hilt — The handle of a sword or dagger; the grip
history — The past as it is remembered and preserved; all the events that have happened before now
hojari — The highest grade of frankincense in Oman; prized across the Arabian Peninsula for its colour, purity, and scent
hollow — Empty; having nothing inside; here, the feeling of something that should be present being absent
honesty — The quality of being truthful; here, the road's refusal to pretend to be better than it was
honour — Show respect and recognition for something; accept with dignity
honouring — Showing great respect for; treating as important and worthy
horror — A very strong feeling of shock or fear; deep alarm
hospitality — The friendly reception and treatment of guests; a cultural duty across Arab societies
humbly — In a way that shows modesty; without pride
humiliation — Loss of pride or dignity; a low moment in public
humour — The quality of being amusing or the ability to take amusement in things; a light spirit
hura — Omani Arabic: a magical disappearance or vanishing; the folk belief that a sorcerer can make objects vanish
hurrying — Moving or proceeding quickly; trying to make something happen faster
hush — A soft quiet sound; the kind of low whisper that exists just at the edge of hearing
I
idle — Not active or in use; sitting without doing anything
iglus — Omani Arabic: 'sit down'; the command used by mothers and teachers since the beginning of language
illuminated — Lit up; made bright, especially with inner light of understanding or plan
imaginary — Existing only in the mind; not real
immediate — Happening right now, without delay; direct and unfiltered
immersion — The act of being submerged in water, or, here, the comic plunge into it
immobilised — Made unable to move; held still
imperceptibly — In a way so small or subtle that it is hardly noticeable
important — Significant; carrying real weight and meaning, not to be passed over
important-looking — Appearing to contain something significant; carrying the visual weight of importance
imposing — Grand or impressive in appearance; making others feel small without trying
improvised — Made up on the spot; not planned in advance
inadvertently — Without intending to; by accident
inappropriate — Not suitable or proper; wrong for the situation
incensed — Made very angry; filled with strong indignation
inclined — Bent toward; turned one's face toward something
including — Bringing something into a group; making it part of the whole
incompatible — Unable to exist together; not matching or working with something else
incomprehensible — Impossible to understand; its meaning not open to the listener
incredulity — The feeling of being unable to believe something; deep surprise
indented — Having a small mark pressed into the surface; here, the shape left by a ring worn for years
indicated — Pointed out or showed without using words; communicated by gesture
indignation — Anger or annoyance provoked by what is perceived as unfair treatment
inevitable — Certain to happen; impossible to avoid or prevent
inflection — A change in pitch or tone of the voice
informing — Giving information clearly and simply, without judgement
inhaled — Breathed air in, drawing it slowly into the lungs
inherited — Received from those who came before; carried down through time
insinuating — Moving in gradually and imperceptibly; creeping in without being detected
insisted — Demanded firmly that something be noticed or done; refused to be ignored
inspector — An official who checks places or things carefully to make sure everything is in order
instinct — A natural sense of something; an intuitive understanding not based on thought
instinctively — Without thinking; because the body knows before the mind has decided
instrument — A tool used for a particular purpose; here, the tool of discipline
insufferable — Extremely annoying; impossible to bear, here used with affection
integrated — Combined into a larger whole; made part of something
intermediate — Between two stages or states; a middle step in a process
intervene — To come between two parties in order to prevent or alter a result; to step into a dispute
interventions — Actions taken to interrupt or change what is happening
interview — A formal meeting in which questions are asked to gather information, usually published
intonation — The rise and fall of the voice in speaking; the melodic shape of a sentence
invention — Something newly created or made up; an addition of one's own
invitation — A friendly request asking someone to come or do something; an opening of doors
involuntarily — Done without conscious effort; automatically
involuntary — Not done by choice; happening before a person can stop it
iron-coloured — Having the colour of iron, especially rust-red; the specific colour of many Omani mountains
irrepressible — Impossible to restrain or hold back; cannot be contained
J
Jibreen-Castle — A 17th-century Omani fortified palace in the interior, near Bahla; one of the most beautiful surviving structures of the Ya'rubi dynasty era and a key historical site
journal — A daily written record of experiences, thoughts, and events; a personal diary
juiced — Squeezed to remove the liquid; here, used to describe a lemon's saddest possible destination
K
kabsa — Arabic/Omani: spiced rice cooked with meat, the centerpiece of Gulf hospitality meals
key — A small tool that opens locks; here, used to describe a useful phrase that opens doors of meaning
Khalaf — An Omani man's name meaning 'descendant' or 'successor'; here, the name of the village's quiet elder
khallik-rijal — Omani Arabic: 'be a man; stand firm'; an ordinary village expression of encouragement that had, somehow, lodged itself in John's sleep
khanjar — The curved ceremonial dagger of Oman, worn at the belt by men for formal occasions; the national symbol of Oman, appearing even on the country's flag
kheyzaran — Arabic: a cane or walking-stick traditionally made of bamboo or similar wood; carried by elders for both support and authority
kind — Gentle and caring in the way a person looks at someone they want no harm to come to
kingdom — A territory ruled by a king; here, used for the domain that children claim as their own in the middle of the day
kohl — A traditional black eye cosmetic made from ground minerals or charred plant materials, used for centuries across the Middle East, Africa, and South Asia both decoratively and medicinally
kummah — The traditional embroidered cap worn by Omani men; a mark of heritage and identity
L
laboured — Done with great effort; showing strain
lamba — A small Omani fruit similar to a jujube; sweet and slightly tart, eaten fresh directly from the tree
launched — Sent off with great force; here, leapt out of the water as though propelled
layered — Arranged in layers, one on top of another; here, voices arriving at slightly different moments
layers — Thicknesses of something placed one above another; here, used to describe how the senses received the market one element at a time
leave — Temporarily not at work; away from duty
lecture — A long, formal talk given to an audience; here, used humorously about a ten-year-old girl
lecturer — Someone who gives formal talks on a subject, usually at a university
legend — A traditional story; here, used for a person who has become a story
lesson-tone — The specific register of voice and attention appropriate for learning; the classroom's working frequency
Leteg — A traditional Omani children's and girls' game in which players try to cross drawn lines without being caught by a defender; older than any written rules about it
letj — A traditional Omani children's game similar to hopscotch; a stone is thrown into drawn squares and the player must jump through them without touching any line
lighter — Less heavy; reduced in weight; here, also used to suggest something slightly missing
linger — Stay or wait longer than necessary; delay in leaving
listener — A person who listens to something; here, the person receiving Ahmed's story
living — Alive; having a working pattern of growth and change
lodged — Fixed or stuck in a particular place; having become trapped where it arrived
logic — A way of reasoning; the pattern by which one idea leads to the next
long-grain — A type of rice with thin, long grains; here, referring to the traditional Omani rice used for large meals
loosen — Become less tight; to come free of its hold
loudly — Making a lot of sound; audibly to everyone in the room
loudspeaker — A device for amplifying the voice, especially to reach distant listeners
lovingly — In a way that shows love or affection; with deep warmth
low — Not tall; close to the ground
luban — Omani frankincense — a sacred resin burned for centuries across Arabia; the same scent she had found once in a small box in London
M
ma'wal — Arabic: a traditional hoe used in Omani farming for breaking soil and creating water channels; the basic agricultural tool of the falaj system
maghbar — Arabic: a traditional Omani practice in which incense or specific dried plants are burned and the smoke is wafted around to drive away bad luck, evil eye, or unwanted spirits
Maghrib — The Islamic sunset prayer; one of the five daily prayers, called just as the sun sets
maghsoob — Arabic: literally 'one taken by force'; in Omani folk belief, a person whose mind and soul have been partly consumed by the jinn after having been given to them; the living-dead
magician — A person who performs magic tricks; here, a person who is believed to perform real magic
magnificent — Impressively grand or extravagant; here, used ironically about an unwelcome swelling
majaza — A small stone room built over the falaj, with a water channel running through it and an open roof, used by women for private bathing — the village bath-house, older than plumbing
majz — Arabic: a small iron rod heated red-hot in a fire and used in traditional Omani folk-medicine to cauterise wounds, burst boils, and treat certain conditions; the village's harshest cure
making — Bringing into existence; forming or shaping
managed — Controlled with careful skill; handled well
mandoos — A traditional wooden chest used in Omani, Zanzibari, and Gulf households for storing valuables, clothes, and heirlooms; often inlaid with brass studs and passed down through generations
maool — A traditional Omani agricultural tool with a wooden handle and curved metal blade, used for farming and digging
maritime — Relating to the sea, ships, or sailing; of or near the coast
marjal — Arabic: a large heavy cooking pot, usually copper or aluminium, used for communal Omani cooking — the kind of pot that could feed twenty people
martaasha — Arabic: a specific kind of traditional Omani silver jewellery designed to make a soft musical sound when the wearer moves; the name comes from the Arabic root for 'shaking' or 'shivering'
mashawi — Arabic: grilled food, here referring to grilled grasshoppers — a traditional protein eaten in some parts of Oman during the season when locusts are plentiful
mastery — Complete skill and control over something; expertise so deep it no longer looks like effort
measured — Controlled and careful; delivered at a deliberate pace
measuring — Calculating or estimating the size or quantity of something
memory — The thing in a person's mind where past experiences are kept; the inner room of a life
menacing — Seeming likely to cause harm; threatening
mercilessly — Without mercy; unrelentingly
Meshkak — Arabic: traditional Omani grilled meat skewers, marinated and cooked over open fire; the centerpiece of village outdoor gatherings
metabolise — To process and absorb; here, used to describe how a village digests its own incidents
methodical — Done in a careful, step-by-step way; working through something systematically
methodically — In an ordered, systematic way; one step at a time
meticulous — Very careful about small details; thorough and exact
micro-climate — A small area with a climate different from the area around it
migrated — Moved from one place to another; travelled widely
mijz — An ancient Omani and Arabian traditional treatment involving the application of a heated iron rod to the skin, used in the belief that it would draw out illness from certain parts of the body; practised widely until the spread of modern medicine
minding — Attending to one's own business; paying careful attention only to oneself
mineral — Relating to or containing minerals; having the quality of substances that come from the earth
minu — A popular chicken-flavoured crispy snack loved by children across Oman
mischief — Playful trouble-making; light, harmless teasing
mixing — Combining or blending; here, combining two languages in one sentence
mockery — Laughter that makes fun of someone cruelly; here, contrasted with laughter that is simply warm and genuine
modest — Unpretentious in size or scale; small
momentum — The force gained by something in motion; the growing speed or strength of something that has started moving
monster — A large, frightening creature from stories; Mansoor confused the sounds of his own name with this word
mortar — A heavy bowl in which food is crushed or ground with a pestle; the ancient tool of the kitchen
mourning — A word that sounds like 'morning' but means the sadness felt after someone dies — Mansoor had the sound right, but the meaning wrong
moustache — A strip of hair above the upper lip; a common feature of many Arabic men of the period, often carefully groomed
mowqa'a — Arabic: a small stone mortar and wooden pestle used in Omani kitchens specifically for crushing garlic, ginger, and other small spices for daily cooking
mudguards — The curved covers above the wheels of a vehicle that stop mud and dust from being thrown upward
municipality — A town or district with its own local government; here, referring to the local council truck that once came through Omani villages to spray pesticide
musical — Pleasing to the ear; having the quality of music
musk — A warm, delicate scent used in perfumes; ancient and personal
muttering — Speaking quietly to yourself, almost under your breath, so others can barely hear
Muttrah-Souq — The historic covered market of Muttrah, in Muscat, Oman; one of the oldest souqs in the Arab world, famous for spices, frankincense, silver, and textiles, and — in 1973 — the commercial heart of the country
N
nahsher — A traditional Omani method of bringing fruit down from trees by throwing stones at the branches; simple, effective, entirely social
narrowing — Becoming smaller or tighter, especially in expression; here, a reaction of calm concern
national — Belonging to or characteristic of a whole country; here, used to describe a phrase heard everywhere
neem — A fast-growing tree with bitter leaves used traditionally across the Gulf for medicine and shade; found near houses and mosques
negotiating — Working out something difficult in one's own mind before accepting it
nest — A structure built by bees or wasps to live in; here, a small one close to the ground
neutral — Not strongly one way or the other; balanced
neutrality — The state of not taking any side; being impartial
nods — Small downward movements of the head, used to show agreement or recognition
novelty — Something new and surprising; a rare experience that lifts the ordinary out of itself
numbered — Given specific numbers in a sequence; put into order by counting
O
obedient — Doing what one is told; here, staying shut without trouble
objectionable — Worth protesting against; not acceptable
objective — Based on facts rather than feelings; without personal bias
obligation — A duty imposed from outside yourself; something you do because you must, not because you want to
obligatory — Required; that one has to do
oblique — At an angle; slanting rather than straight
oceans — The vast bodies of salt water that connect continents; here, the seas that carried Omani merchants and sailors across the world
officially — In a recognised, confirmed way; as a matter of record
older — Having existed longer than most other things; from a more ancient time
opened — Unfolded or spread out; made visible what was held within
opening — Beginning to reveal or introduce; giving access to something new
operatic — Relating to opera; here, used to describe a grand theatrical manner of entering
opinionated — Having strong views and expressing them; here, used playfully for dust that seems to have its own character
opposed — Against something; set up in opposition to it
optimistic — Hopeful and confident about the future; expecting good outcomes
orbiting — Moving around something in a repeated circular path; here, used for a child who cannot stay in one place
ornate — Elaborately decorated; made with careful ornamental detail
oscillation — Movement back and forth between two things; here, between a plan and its absence
Oud — A rich, deep woody fragrance made from agarwood; one of the most prized and ancient scents in the Arab world
outlived — Continued to exist after something has ended
outnumbered — Having fewer people on your side than on the other side
overlapped — Mixed together at the same time; more than one thing happening in the same space at once
overlapping — Extending over part of something else; coinciding in time
owned — Held as one's own; claimed by right of love
P
paint — The coloured coating applied to a surface; here, so faded that its original colour had become a matter of opinion
paroxysm — A sudden, uncontrollable burst or attack, especially of laughter
Past-tense — The form of a verb that shows an action already finished; in English, often formed by adding -ed or using a special past form
patience — The quality of waiting calmly without hurrying; giving every thing the time it needs
patient — Able to accept delay, trouble, or difficulty without becoming upset; here, used of the falaj's own steady rhythm
patina — A thin surface layer that builds up over time, especially on older objects; here, the slow marking of a bag by a new country
paused — Stopped briefly before continuing; held momentarily still
pausing — Stopping for a short time before continuing; taking a small break between actions
peaceful — Free from disturbance; calm
pectoral — Relating to the chest; here, a type of necklace that lies wide across the upper chest
permanent — Lasting or intended to last for a long time
permanently — Continuing without stopping; lasting always
persistence — The quality of continuing to try even when something is difficult; not giving up easily
persistent — Continuing calmly and firmly despite resistance; not giving up because of inconvenience
personal — Directed at or concerning a particular individual; taken as a matter of private feeling
personal-truth — A statement about oneself that one believes firmly; a matter of one's own preference
persuasion — The act of causing someone to believe or do something through reasoning; here, a near-art form
Pesticide — A chemical used to kill insect pests; here, the pale DDT-era cloud that municipality trucks sprayed through Gulf villages in the seventies
petitioning — Making a formal request; asking persistently for something
phantom — Seeming to exist without being physically present; here, used for the residual sensation of a long ride after stopping
phases — Stages or states that a thing passes through; different appearances of the same thing
philosophical — Calm and accepting about things you cannot control; treating difficulty with detached wisdom
philosophy — A theory or attitude about how to live
piece — A single part or fragment of something larger
pivoted — Turned quickly on one foot without moving the foot itself
pivoting — Turning quickly on one foot; changing direction rapidly while keeping the foot planted
plausibly — In a way that seems reasonable; believably
pleading — Making an urgent, emotional request, usually to be saved or rescued from something
plume — A long, rising cloud of something in the air, especially smoke or dust
polished — Made smooth through repeated use; refined through practice
pooled — Gathered together in one place like water; collected in a concentration
portion — A part or share of something; the amount given to one person
possessed — Controlled by a supernatural power; here, the Egyptian folk belief about what was happening to John
possession — Calm confident ownership of oneself; complete composure
posture — The way in which a person holds their body when sitting or standing
practice — Doing something repeatedly until it becomes natural and no longer requires thought
pre-cry — The state just before tears; when the eyes have begun to sting but have not yet overflowed
pre-dawn — The time just before the sun rises; the edge of the morning
pre-emptive — Happening before someone or something else has a chance; acting first
precise — Exact and careful; done without any wasted movement or error
precision — The quality of being exact and accurate; perfect accuracy
preparation — Getting ready for something; the steady quiet work that comes before action
presence — The fact of being in a place; here, being present and witnessed in a moment one did not expect to share
present — In a particular place; existing now; here
pretending — Making something appear to be what it is not; acting a part
pride — A feeling of deep pleasure and satisfaction; especially a proper pride in one's origin
primary — First in importance; the main or most essential thing
primed — Prepared and made ready for a particular state; conditioned to expect something
private — Belonging to a single person; not shared openly
process — To handle information mentally; to work out the meaning of something
procession — A group of people moving together; here, a chaotic and involuntary version of one
professional — Done in a serious, skilled way, as though by an expert
prohibitive — Too difficult or extreme to be reasonable; ruled out by its own difficulty
promotion — A move to a higher rank or position; a step up in status
proprietary — Acting as though one has ownership or full right; here, used for the goat's usual attitude
proprietorially — In the manner of an owner; acting as though one has rights over a place
protected — Kept safe from harm or damage; guarded carefully
protest — An expression of disapproval or objection
proud — Feeling satisfaction about an achievement, one's own or another's
prudent — Careful and wise about avoiding risk; choosing distance based on calculation
puffed — Swelled out or released dust in a small cloud
punctuation — A mark or signal that divides parts of something; here, a clap that ends one phase and begins another
punctured — Pierced with a small hole; here, deflated by a quiet fact
purposeful — Having a clear aim or intention; directed toward an end
pursuer — One who chases or follows someone, trying to catch them
puzzlement — A feeling of mild confusion; not quite understanding something
Q
qafeer — A wide woven palm-leaf basket used in Omani households for serving rice, carrying bread, or holding harvested dates
qandeel — A traditional oil lantern used in Omani homes before electricity; its light moved rather than stayed still
qashie — Small dried fish, traditionally preserved whole; a staple protein in Omani coastal and village cuisine
qit — Fresh green leaves (often alfalfa or similar) used as fodder for livestock — especially goats; sold in tied bundles in village shops
quality — A distinctive feature or characteristic; the particular nature of something
quiet — Gentle and without show; the kind of happiness that does not need to announce itself
quietly — In a soft, gradual way; without fanfare
Qur'an circle — A gathering of children who meet before school to recite and memorise the Qur'an; a deeply rooted tradition in Omani village life
R
radiated — Sent out rays of heat, light, or energy from a central source
ragged — Having an uneven edge; irregular and not neat
rallied — Recovered from a setback; drew together renewed strength
ratifying — Formally accepting or agreeing to; giving official approval
rational — Based on or in accordance with reason or logic; sensible
reached-for — To be picked up automatically; to be the default choice
react-to — To respond to something; to have a physical or emotional response
ready — Prepared; having arrived at the point of being able to begin
real — Actually existing or happening; not imagined
rearrange — Arrange things in a different way; move the pieces of something into new positions
rearranged — Changed the order or positions of things; put into a new arrangement
reasonably — In a way that is sensible and fair, given the circumstances
reassuringly — In a way that gives comfort or confidence; with the intention of calming fears
rebellion — A resistance to or fight against accepted rules or authority
receding — Becoming less in degree; drawing back
reclining — Lying back in a relaxed position; resting easily
recognisable — Able to be identified; having a known form
recovered — Returned to health after injury or illness; healed
rectangles — Four-sided shapes arranged in a pattern that only looks random until you watch it long enough
redder — More red in colour than expected; here, the iron-rich red of Oman's mountains in morning sun
redeeming — Making up for faults; compensating for what is lacking
reflex — An automatic action that happens without being consciously chosen; built into a person's nature
register — A particular range of voice; the pitch and loudness used in a specific situation
registered — Noticed and recorded mentally; took conscious note of
registrations — Small mental acts of noting something; quick checks of a familiar fact
relegated — Consigned to a lower position or status; dismissed
reliable — Able to be trusted; consistent
relieved — Removed from responsibility; freed from the burden of having to verify
relocated — Moved from one place to another; changed position
relocating — Moving permanently to a different place, taking everything with you
reluctant — Slow and unwilling; needing to be pushed rather than choosing to go
reluctantly — With resistance or unwillingness; only because required
remained — Continued to be in the same condition; stayed as before
reorient — Change direction or focus; turn to face something new
reprimanded — Scolded or told off by an authority figure
reproach — Expression of disapproval or disappointment
requested — Asked for something politely or officially; here, contrasted with the accidental nature of what was actually done
resentment — Bitter, angry feeling at being unfairly treated
reservation — Complete confidence or approval; without holding back any part of a feeling
resignation — Calm acceptance of something difficult that cannot be changed
resinous — Made of or containing resin; having the sticky, fragrant quality of tree sap
resolved — Solved; settled in a way that all parties accept
respectful — Showing proper respect and politeness
respects — Feels admiration for; treats with the care that something important deserves
respiratory — Relating to the act of breathing
restlessness — Inability to stay still; the state of being unable to relax
result — The outcome or effect produced by an action; what a sentence actually achieves in the world
resumed — Started again after stopping; continued what had been paused
resumption — The act of starting again after a pause; picking something back up
retracted — Withdrawn; taken back after having been said
reverent — Showing deep respect; treating something as important
rhythm — A regular, repeated pattern of movement; the pulse that runs beneath something
rhythmic — Following a regular, repeated pattern of sound or movement
ribbon — A long thin strip of decorative cloth; here, used to describe the movement of a snake
ride — Move with something rather than against it; let the body absorb motion instead of resisting it
rinsing — Washing with clean water after soap or dirt; the final clearing wash
ritual — An action or behaviour regularly repeated; something done according to a prescribed order
roared — Made a long, loud, deep sound; here, the sound of an entire class laughing fully
rotation — The process of taking turns; moving through a series in order
routed — Sent along a particular path; directed to go a certain way
Royal-Oman-Police — The national police force of Oman, established in 1974; in 1973, the country was still policed by the older Sultan's Armed Forces structure
rules — The specific conditions that govern how a game is played
rumour — A story or piece of information that has not been proven; here, used poetically for something unimportant
S
sacred — Treated with great respect; regarded as too important to be violated
sacrificed — Offered up, especially as food for a gathering; here, used with the specific village meaning of an animal slaughtered for a communal meal
Saffron — The dried stigmas of the crocus flower; a spice prized for flavour and colour — and, critically for this story, a pigment that dyes skin deep yellow
sahir — Arabic: a sorcerer or practitioner of sihr (magic); a figure in village folklore believed to have power over spirits and unseen forces
sailed — Moved smoothly through the air as though flying; here, the path of an airborne notebook
sandal — Sandalwood; the heartwood of certain trees, used for centuries in perfume, bathing, and incense; carries a deep, warm, sweet scent
sandals — Simple open shoes, usually with a strap; the everyday footwear of the village
Sandalwood — The heartwood of certain trees, ground into powder; used for centuries in perfume, bathing, and skincare across the Gulf
satisfied — Pleased by having fulfilled a desire or need
scheming — Planning something quietly and cleverly, usually something mischievous
scholarship — An amount of money given to a student to help pay for their education, usually because of talent or achievement
scrutiny — Careful and thorough examination; close inspection
sediment — Material that settles at the bottom of a liquid; here, used to describe the slow layers of understanding a village provides
self-deprecation — The act of making oneself the object of humour or criticism; speaking modestly about oneself
self-preserving — Careful to protect oneself; acting to keep oneself safe
self-satisfaction — A feeling of complete satisfaction with oneself and one's achievements
Sennoor-aswad — Arabic: a black cat — in Omani village folklore, a creature of significant supernatural caution, often associated with sorcery and bad omens
sensory — Relating to the physical senses; involving sight, sound, taste, touch, or smell
sentimental — Connected to feelings of the past; valued because of emotion rather than use
sequence — A continuous or connected series; one thing after another
serenely — In a calm, untroubled way
serious — Grave and thoughtful; treating a matter with full attention rather than as a joke
settled — Came to rest on something fully, without restlessness
settling — Moving gradually into final position; adjusting comfortably and completely
severed — Cut completely through; separated into two parts
shame — A feeling of self-reproach at having done something wrong; here, famously lacking in Malood
shape — The outer form of something; the pattern that holds a day's events together
shaped — Given a particular form, usually by pressure or use over time
shared — Used or enjoyed by more than one person; here, claimed by the whole village together
shawab — A species of tree native to Oman; sturdy, long-lived, often a village landmark
Shayb-Khalaf — Shayb is an Omani Arabic word of respect for an elderly man, similar to 'old sheikh'; here, combined with the name Khalaf to mean 'Elder Khalaf' or 'Old Khalaf'
Sheikhs-house — The house of the village leader; in Omani villages, traditionally the place where important community matters were discussed and decisions were made
shifted — Moved slightly into a new position; adjusted the body minutely
shimmer — A soft sparkling sound or light; a gentle shining
shimmered — Shone with a soft, wavering light; appeared to move in the intense heat
shimmering — Shining with a soft, trembling light that moves and shifts gently
shone — Gave out a bright light; here, showed bright delight
shortened — Made smaller in length; reduced from what they had been
shufkum — Arabic: 'How are you all? / What's with you?' — an affectionate, familiar greeting between people who see each other often
sidr — The leaves of the lote tree, crushed and used for centuries across Arabia as a natural soap and hair cleanser; known for its gentle cleansing and subtle scent
sighed — Breathed out slowly, often to show one's resignation or mild frustration
signature — A distinctive mark or feature; the way by which a person or thing can be recognised
sihr — Arabic: magic, sorcery; the practice of influencing the world through jinn and unseen powers
silent — Making no sound; completely quiet
silhouette — The dark outline of a shape seen against a lighter background
simultaneously — At the same time; together in a single moment
sincere — Genuine, coming truly from the heart; without pretence
sincerity — The quality of being honest and truthful, without pretence
sinister — Suggestive of evil or menace; appearing or pretending to be harmless while being dangerous
sinyah — Arabic: a large round metal serving tray, used across the Gulf for communal meals; the traditional centrepiece of Omani hospitality
sitting-room — A room designed for guests to sit; in Omani homes, often the largest room, set aside for hosting
skeptical — Doubtful; not easily convinced
slandering — Making false and damaging statements about someone; speaking ill of them without foundation
slithering — Moving by sliding smoothly along the ground, especially as a snake moves
slouch — A relaxed drooping posture; a non-upright way of standing
smiled — Gave a small, friendly, approving curve of the mouth
smoke — The visible vapour and gases given off by burning materials; here, associated with magical or mysterious rituals
smug — Showing too much satisfaction with oneself; looking as though one has just won something
sneezed — Expelled air suddenly through the nose, usually from irritation in the nostrils
sniffed — Drew in breath through the nose to smell something; here, performed as a small ceremony of investigation
socket — The bone-lined hollow in which the eye sits; the structural cavity of the eye
soft — Not firm; lacking the hardness that life on the land required
solidarity — Unity or agreement of feeling or action; here, the unwilling sharing of a misfortune
somewhere — In some indefinite place; at an unknown location
sorcerer — A person believed to practise magic, especially dark or spiritual magic
speaking — Producing words aloud; here, the particular dream-act of a dust-man speaking
specific — Relating to a particular thing; precise, not general
specific-places — Locations that carry particular meaning because of their history or associations
spectacularly — In a way that is very impressive or dramatic, usually in a failure sense here
spell — A magical word or phrase with power; here, used for a word that carried ancient weight
spook — To frighten or startle an animal; to cause a sudden alarm
spotlight — A focused beam of light used to highlight a person; here, the attention of a group
squared — Become straight and broad, especially of the shoulders; made formal
squatting — Sitting on the heels with the knees bent; a natural low position used across Arabia for work and conversation
squinting — Looking with partly closed eyes, usually because of bright light
staff — The group of people who work for an organisation; employees
starting pistol — A gun fired to start a race; here, used to describe the word's effect of launching chaos
stay — To remain in a particular state; to continue without change
steadiness — The quality of being firm and without trembling; calmness of hand or gaze
stillness — A complete, weighted quiet — not the absence of sound but the presence of something deeper
Stop — A command word telling someone to cease what they are doing immediately; clear, short, complete
storms — Violent disturbances of the atmosphere; here, used to describe the energy of departing children
strained — Struggled under pressure; was held together with visible effort
stretched — Extended the body fully, especially the arms and legs; the motion of an animal or person unfolding itself
strike — A single sharp hit against a surface
stripped — Reduced to the most essential parts, with everything else removed; bare
stubborn — Refusing to change an opinion or course of action, especially against pressure to do so
studded — Decorated with small nailheads or decorations set at regular intervals
stunned — Astonished and unable to react immediately
subdued — Quiet and rather reflective or depressed; having lost one's usual energy
subsiding — Becoming less intense; settling down after a rise
substantial — Considerable in size, weight, or importance; having real substance
suddenly — Quickly, without warning; in an instant
sultan — A Muslim sovereign, especially in historical or Arabian contexts; here, used humorously about John
surfaced — Came to the top; emerged from beneath
surveyed — Looked carefully across a place or group to check and understand it fully
survived — Continued to exist through danger or difficulty; lived through something hard
survivor — A person who has continued to live after facing danger; one who has come through
suspect — To believe that something is likely to be true, especially something bad or unpleasant
suspicious — Having the feeling that something is wrong; distrustful
suspiciously — In a way that causes doubt or mistrust; with the feeling that something is not quite right
sustain — Keep going at a particular level or rate
sustained — Continued at a steady rate; not interrupted
sweet-dangerous — Having a pleasant surface but carrying warning beneath; here, the voice teachers use when the next word may have consequences
sweetly — In a gentle, pleasant, often deliberately charming way; sometimes used with mild mischief
sweetness — The quality of being pleasant and gentle; here, used ironically
swift — Moving quickly but without great noise; fast and smooth
Swimming — The act of moving through water using one's arms and legs; in Omani villages, not something done in the falaj, which is a water supply, not a pool
symbol — A thing that represents or stands for something else; here, the stick as an emblem of authority rather than punishment
sympathetic — Showing pity or understanding for someone's suffering; sharing their feeling
T
tagheera — Arabic: a traditional tribal symbol, call, or sign used in Omani tribal identity, often a word or phrase shouted at gatherings, battles, or celebrations to identify one's people
talents — Natural abilities or skills; the things a person is good at
tang — A strong, sharp taste or smell that cuts through other flavours
target — An object that one aims for or focuses on; here, the specific item of Malood's interest
task — A piece of work to be done; a specific thing one has set out to complete
Task-Based-Learning — A language-teaching approach in which students learn through completing real-world tasks; popular in the 1970s and later
Tawi-Zahir — Arabic: a known clean-water spot in the Samail region; large pools of fresh water that fill after rain and remain clear for days; a traditional gathering place for villagers
temporarily — For a limited time; not permanently
tenants — People who rent and live in a house owned by someone else; here, used jokingly to describe the humans from the goat's point of view
tenderness — Gentleness and warmth; kindness expressed softly, without condition
terrible — Extremely bad or serious; causing fear
terrified — Caused extreme fear; alarmed greatly
terrifying — Causing fear; extremely frightening
territorial — Relating to a claimed area of space; marked as one's own
testimony — A formal statement of truth, especially in a way that declares who one is
testing — Checking something to see how it works or how much it will yield; probing
tethered — Tied to something with a rope so it cannot wander; restricted within a certain distance
textiles — Woven or knitted cloths; fabrics and fabric products of all kinds
texture — The feel and character of something; the small weave of experience
theatrical — Done in a dramatic and showy way, as though performing on a stage
thorough — Complete and careful in every detail
thoughtful — Careful and considered; giving something the full weight of your attention
threading — Passing through in a long thin line; moving like a thread
threshold — A point of entry; the start of something new; the line where one state ends and another begins
thunder — A loud deep rolling sound from the sky, especially during a storm; here, the force of a single voice that stops everything
tick — A short, repeated light sound, like a small clock or cooling metal
tightened — Became firmer or more secure; closed more strongly
tightness — The quality of being stretched and not loose; the feeling of something holding itself tight
tilt — A small leaning to one side; a slight angle away from upright
tingled — Had a prickling, tickling sensation; felt alive on the surface
tone — The quality of a voice that carries meaning beyond the words; what you hear beneath what is said
track — To follow the movement of something; here, used for Aunt Azizah's attempt to always know where her goat was
tracksuit — A two-piece set of matching jacket and trousers originally made for athletes, increasingly worn in the seventies by physical education teachers
traditional — Following long-established custom; inherited from earlier generations
traffic-sign — A sign that controls the movement of traffic; used here to describe the way John raised his stick like an official instrument of authority
trailed — Followed behind something in a long line; here, the cloud of dust that followed the truck wherever it went
transaction — An instance of buying or selling; a business exchange
transformation — A complete change in appearance or character
transformed — Changed in form or appearance; made different from the original
transition — The process of changing from one state to another; here, the shift from meeting to meal
treasures — Things of great value that are carried carefully and protected
treatment — Medical care; the action of treating an illness or wound
tremor — A small shaking movement, especially from strain or emotion
tribe — A social group made up of many families who share a common ancestor; in Oman, tribes carry names, histories, and identity across generations
triggered — Caused a reaction or response; set off
trot — A faster pace than walking, slower than running; a confident, steady gait
trouble — Problems or difficulties, usually caused by someone who is being too active or too creative for the room
turban — A length of cloth wound around the head; a traditional headcovering worn by Omani men
turned — Moved a page over; also, used here metaphorically for a whole village redirecting its focus at the same instant
twitched — Moved with a small, quick motion; here, the small flicker of a sleeping ear
U
unaccompanied — Without any additional element or support; alone
unaccounted for — Cannot be explained or found; missing without a clear reason
unambiguous — Clear and not open to interpretation; plain in meaning
unapologetic — Not sorry at all; proceeding without any acknowledgement that something might be wrong
Unavoidable — Impossible to prevent, escape, or ignore; it simply is there
uncanny — Strange or mysterious in an unsettling way; seeming to know more than should be possible
unclassifiable — Impossible to fit into any known category or type
Uncle-Khalaf — In Omani and broader Arab culture, the word 'Uncle' (Ammi or 'Am) is used as a respectful form of address for older men — not a biological uncle, but a village elder
uncomplaining — Not expressing dissatisfaction; enduring without protest
unconventional — Not following accepted standards or usual ways; unusual
undecided — Not yet having made a choice; hesitating between options
underlinings — Lines drawn beneath written words; marks for emphasis
understanding — An agreement or arrangement between people about how something will be done
understated — Presented in a restrained way, not showy
underway — In progress; already started
undignified — Lacking formal dignity; unrestrained
uneven — Not smooth or flat; shaped by hands rather than machines, carrying the marks of how it was made
unexpected — Not expected or anticipated; coming as a surprise
Unfamiliar — Not known before; strange or new to the senses
unfinished — Not brought to an end; still in progress
unfit — Not suitable or qualified for something; not up to a task
unhelpful — Not useful or productive; making things harder rather than easier
unhurried — Not rushed; moving at an easy, unforced pace, as though time had agreed to be patient
unilateral — Decided by one party alone without consulting others
unison — At the same time, together; making the same sound with one voice
universal — Applicable or existing everywhere; relevant across all cultures
unmistakably — In a way that cannot be mistaken; with absolute clarity
unnegotiable — Not subject to discussion or change; fixed
unreliable — Not able to be trusted; inconsistent in a way that cannot be counted on
unrepentant — Feeling no regret or sorrow for something done wrong
unreserved — Without holding back; complete and unrestrained
unthinking — Done without conscious thought or planning; automatic
unwanted — Not desired; here, used about facial hair removal which was her specialty
urgency — The feeling that something must be done immediately; a pressing need for speed
urgent — Demanding immediate action or attention; pressing
V
vaguely — In an unclear or unfocused way; not precisely
verdict — A formal decision given after careful consideration; especially the decision of a jury
verdicts — Final decisions or opinions given after consideration; pronouncements
vernacular — The everyday language of a particular group or region, as opposed to formal or literary language
victim — One who suffers from an action or event; here, used affectionately for Mr. John as the butt of the day's jokes
victorious — Having won; feeling the complete satisfaction of someone who has achieved what they set out to do
visible — Able to be seen; openly showing
vocabulary — All the words a person knows in a language; the building material of communication
volume-spiral — A pattern in which each party responds at a higher volume than the last, continuing until something breaks the cycle
W
wadi — A dry riverbed or valley in desert regions that fills with water only during rains; a key feature of Omani landscape
Wadi-Al-Maawil — A valley area (wadi) in the north of Oman, between mountains, containing several villages and farms watered by the falaj system
WAFAQRIYA — An Omani exclamation expressing sudden shock, pain, or dismay; the specific cry of a person who has just discovered something unexpectedly unpleasant
wait — Arabic: hold on; wait; be patient; a single word that means both 'let me' and 'give me a moment'
waiting — Staying in place until a particular event happens or until something is ready
warning — A statement that something might happen; a signal of possible consequences
wary — Cautious; on guard; alert to possible trouble
wasted — Used without benefit; thrown away without purpose
weary — Feeling or showing tiredness, especially from prolonged effort
weather — The state of the atmosphere; here, used to mean difficulty or unpredictable conditions
weathered — Showing the marks of long exposure to sun, wind, and time; lined, browned, strong
weight — Heaviness; the force of a thing pressing down by its own mass
welcoming — Receiving with friendship; making someone feel at home
wet earth — The smell of ground that has recently received water; the rich, ancient scent that rises when dust meets moisture
whistle — A small wind instrument used to produce a sharp loud sound; used by sports teachers and referees
wifely — In the manner of a wife speaking to a husband; with the particular tone married people use
wishing — Hoping or desiring something to be true; sending a gentle intention toward another person
without — Not having something; free of a particular element
witnessed — Saw something happen; was present for an event
wizard — A person believed to have magical powers; English for 'sorcerer'
womens-hour — The specific times of day, early morning and late evening, when women traditionally used the falaj for their own needs; a quiet, private part of the system
working — In use; actively doing a job; practical rather than decorative
world — An entire sphere of human existence; a complete way of life
worn-out — Exhausted; used up by the day
wudu — The Islamic ritual washing performed before prayer; the cleansing that prepares the body for worship
Y
Ya-binti — Egyptian/Arabic: literally 'oh my girl'; a warm, motherly way of addressing a younger woman or friend, widely used across Arab culture
Yalla — Arabic: 'Let's go!' — an all-purpose verbal kick, used across the Arab world to move groups of people forward
Z
zanoubah — Omani Arabic: a light, open leather sandal, often worn by boys and men — the everyday shoe of the village
Zanzibari — From Zanzibar, the East African island that was, for over two centuries, tightly linked to Oman; many Zanzibari-Omani families moved back and forth across the Indian Ocean, and by the seventies there were thousands of Zanzibari-origin traders living in coastal Oman
zigzag — A pattern that moves sharply in first one direction, then the opposite
About the Author

Thuraya Mohammed Ali Al-Naabi


Thuraya Mohammed Ali Al-Naabi is an Omani English teacher, educational innovator, and founder of Under The Palm Tree, a unique educational project that blends English language learning with Omani heritage, storytelling, and digital innovation.

With extensive experience in education, Thuraya is passionate about creating meaningful learning experiences that connect language, culture, and creativity. Her work focuses on transforming traditional language learning into immersive journeys where students learn through stories, characters, games, and real-world cultural contexts.

As the creator of 123 Let's Learn English Under The Palm Tree, she has developed an original story world set in 1970s Oman, designed to help learners build English skills while exploring the richness of Omani history, traditions, and everyday life.

Thuraya is also an advocate for the thoughtful use of technology and artificial intelligence in education, believing that learning becomes most powerful when students feel emotionally connected to what they are discovering.

Through her work, she continues to build innovative educational experiences that inspire curiosity, confidence, and lifelong learning.

Acknowledgements

شكر وعرفان


إلى أهل القرواشية وسمائل — الذين صنعت ذكرياتهم وصورهم هذا العالم. وإلى طلابي، أول من جلس معي تحت ظلّ النخلة.

To the people of Al-Qurawashiyah and Samail — whose memories and photographs shaped this world. And to my students, the first to sit with me under the palm tree.

Samail, Oman — 1973


A British teacher named John arrives in a village threaded with falaj water and palm shade. A teacher named Thuraya opens her Book of Thoughts. A goat named Malood opens every door he shouldn't.

Across 36 Palms — thirty-six stories of school days, souq mornings, rain over the valley, Ramadan lanterns, and one very fast goat — children learn English the way language is truly learned: inside a world they love.

Story by story, word by word — under the palm tree. 🌴

THE END
النِّهَايَة
تحت ظلّ النخلة
مسح

الفهرس